بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية
حسن ملاط
- فكر وتربية
- القلمون, طرابلس, Lebanon
- كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.
الجمعة، 15 أكتوبر 2010
التحليل النفسي وحزب الله
نشرت جريدة "النهار" اللبنانية مقالة بقلم "ميشال حاجي جورجيو" منقولة بدورها عن جريدة "لوريون لوجور" اللبنانية التي تصدر باللغة الفرنسية، بعنوان " خلافاً للخطاب السائد، سوف تتيح الحقيقة تجنّب العنف". تتضمن هذه المقالة مقابلة مع شوقي عازوري الاختصاصي بالتحليل النفسي.
ما ورد في هذه المقالة ملفت للانتباه، حيث أن المحلل النفسي قد استعمل أدواته للنيل من "حزب الله" تبعاً لما رأيته من خلال قراءتي لهذه المقالة.
تقول المقالة: " الحقيقة حول اغتيال رفيق الحريري ورفاقه التي ستعلنها المحكمة الخاصة بلبنان من خلال القرار الظنّي سوف تضع حداً للعنف حيث إنّها ستكشف وأخيراً هويّة المتّهمين، كما يؤكّد المحلّل النفسي شوقي عازوري، داحِضاً بذلك خطاب "حزب الله" الذي يعتبر أنّ المحكمة سوف تطلق العنان لعظائم الأمور. فعلى العكس تماماً، بحسب عازوري، التخلّي عن هذا المطلب المشروع والقانوني تحت تأثير الضغط هو الذي يمكن أن يقود إلى أعمال عنف من جانب أولئك الذين ظلّوا مسالمين حتى الآن. يحاول شوقي عازوري، مستعيناً بالتحليل النفسي، أن يفكّك ويشرح اللهجة العدائية جداً، والمهدِّدة أحياناً، التي يعتمدها "حزب الله" في الحديث عن المحكمة الخاصة بلبنان – بعيداً من المعطيات المحض سياسية والجيوبوليتيكية بالتأكيد".
يرفض المحلل النفسي خطاب "حزب الله" الذي يرى أن المحكمة الدولية، بكونها مسيسة هي أداة إسرائيلية تريد أن تطلق العنان لموجات العنف في المجتمع اللبناني. فالتحليل السياسي لطبيعة هذه المحكمة قد جعل "حزب الله" يتخوف من نتائج هذه المحكمة على الواقع اللبناني. أما المحلل النفسي شوقي عازوري فهو يرى أن عدم صدور القرار الإتهامي هو الذي سيؤدي إلى أعمال عنف، ويعيد هذا إلى أسباب نفسية. فالوضع اللبناني أصبح في مأزق مع المحكمة ذات الطابع الدولي. إن صدر القرار الإتهامي فهناك عنف وإن لم يصدر القرار فهناك عنف. ما الحل إذن؟ وكأني بالمحلل النفسي يريد أن يقول "فلنُحِلْ محاكمة المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى محكمة لبنانية". فحزب الله يقبل بهذه المحكمة وسوف يصدر عنها قرار إتهامي يقبل به من سيقومون بأعمال عنف لأسباب نفسية.!
ثم يضيف المقال: "التخلّي عن الحقيقة لا يضمن السلم الأهلي، بل يولّد رغبة في الانتقام ليس لدى أولئك الذين ظلّوا مسالمين حتى الآن، أي أقرباء الضحايا إنما أيضاً المجتمع اللبناني بكامله. أما معرفة الحقيقة فتفسح في المجال أمام المسامحة. والمثال الحديث الأبرز هو جنوب أفريقيا ولجان الحقيقة والعدالة والمسامحة".
حسناً فعل الكاتب بإحالتنا إلى جنوب أفريقيا، فهو ونحن نعلم أن ما يتحدث عنه الكاتب قد حدث بعد القضاء على النظام العنصري الذي كان قائماً في هذا البلد الإفريقي. أما ما يطلبه المحلل النفسي من حزب الله لا يتشابه مع المثل الذي أعطاه لأن حزب الله ومؤيديه لم يتمكنوا حتى الآن من القضاء على النظام العنصري القائم في فلسطين المحتلة. فليساعدنا الكاتب والمحلل النفسي للقضاء على إسرائيل ثم نعمل لهما ما يريدان.
ثم يضيف الكاتب: " لا أفهم لماذا لا يقبل "حزب الله" فكرة أن الاتّهام قد يُوجَّه إلى عناصر من الحزب – بانتظار إثبات التهمة عليهم أو سقوطها، وهذه مهمّة القضاء، وفي هذا الإطار يملك الحزب بالتأكيد كل الوسائل وهامش التحرّك الضروري للدفاع عن نفسه".
يظهر أن الكاتب لم يتمكن من الفصل بين حزب الله كمؤسسة والفرد الذي يتحدث عنه المحلل النفسي. فما ينطبق على الفرد لا ينطبق على المؤسسة. عندما نتهم فرداً من هذه المؤسسة لأسباب سياسية نكون كمن يقدم المؤسسة للمحاكمة. وتقديم حزب الله للمحاكمة هي خدمة مجانية لإسرائيل وتخلي مجاني عن تحرير الأرض اللبنانية المحتلة، مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ولا يفوتنا انعكاس ذلك على مقاومة الشعب الفلسطيني. لا شيء في الكون يساوي التخلي عن التحرير، فما بالكم إذا كان ما يقال عن هذا الموضوع هو مشكوك بمصداقيته بداية. لماذا لا يقبل السيد عازوري بمحاكمة قتلة الرئيس الحريري من قبل المحاكم اللبنانية. هل أن القضاء اللبناني قاصر عن القيام بهذه المهمة؟ وبذلك نكون قد حللنا المشكلة النفسية التي سوف تحول المجتمع اللبناني إلى مجتمع من القتلة كما يتخوف السيد عازوري.!
ثم تضيف المقالة: " منطق النائب نواف الموسوي هو ... دليل على التماهي الشديد لكل عضو في "حزب الله" مع الكتلة الأحادية التي يجسّدها الحزب، في شكل آلة توتاليتارية".
لا يكون السيد موسوي ديموقراطياً إلا إذا تخلى عن الدفاع عن حزبه. المؤسسة، أية مؤسسة، سواء كانت توتاليتارية أو ديموقراطية تنطبق عليها صفة المؤسسة. فهي، أي المؤسسة تملك آلياتها الخاصة التي تميز عملها كمؤسسة. فإضافة صفة ديموقراطية أو عدم إضافتها لا تغني عن الحق شيئاً. إن دفاع السيد الموسوي عن المؤسسة التي ينتمي إليها كدفاع السيد أوباما عن المؤسسة الديموقراطية التي يمثلها والتي قتلت مئات الآلاف في العراق وأفغانستان وفيتنام، هذا مع أنها ديموقراطية. وهي تتشابه مع المؤسسة الديكتاتورية الستالينية التي قتلت الآلاف فيما كان يُدعى سابقاً الإتحاد السوفياتي.
ثم يضيف الكاتب: " ما إن يقبل الشخص الإقرار بأنّه خسر شيئاً ما وبأنّ هذا الجزء في داخله سوف يُدفَن من دون أن يسعى إلى استعادته، يتأنسَن ولا يعود حاقداً على الآخر. وهكذا يسود السلام على الصعيد الفردي. وهناك من جهة أخرى البعد الاجتماعي للحداد، وهو أساسي للشخص الذي فقد عزيزاً، وهذا ما تُظهره الطقوس".
رائع جداً! وصفة رائعة من مختص! نسلم أبناءنا ثم نقيم لهم مأتم جماعي! ألا يرضي ذلك إسرائيل وزبانيتها؟ وهذه الوصفة مفيدة أيضاً للشعب الفلسطيني فهو أيضاً يمكنه أن يقيم ثلاثة أيام حداداً على الضفة الغربية ثم يسلمها لإسرائيل ونرتاح جميعاً مما يسمى المسألة الفلسطينية.
مساكين من يدّعون العلمية بأحاديثهم. فهم يصدقون الغرب عندما يقول أن العلم موضوعي. وهذا الكلام ليس صحيحاً فكل علم هو موضوعي بقدر ما هو معياري. نعم! لمذا لا يخدم العلم إلا من يكتشف قوانينه؟ ولا يعتقدن أحد أن العلوم الذي اخترعها الغرب الاستعماري تخدمنا. كلا! إن أي ظاهرة لها جوانب إيجابية وجوانب سلبية في الآن نفسه. ولكن عندما تكون جوانبها السلبية طاغية على الجوانب الإيجابية نقول أن هذه الظاهرة سلبية والعكس بالعكس. فالعلم الغربي الذي يخدم الليبيرالية الجديدة بشكل شبه مطلق ويسمح لنا بالتحدث بالهاتف الخليوي أو التخابر عبر الإنترنت، هذا لا يكفي حتى نقول أن العلم الغربي يخدمنا. إن السيد عازوري يريد أن يستخدم ما يسمى بالتحليل النفسي ليضغط على حزب الله باتجاه تغيير موقفه، على أن هذه الممارسة موضوعية أو علمية، ولكن هذا ليس صحيحاً مطلقاً.
ثم نصل إلى زبدة القول مع كاتبنا الكريم: " لن تقود الحقيقة في نهاية المطاف سوى إلى تفتيت عصبيّة "حزب الله" ودمجه في المجتمع اللبناني. يمكن تفسير الرفض الشديد للحقيقة في الوقت الحالي بأنّه رفض للاندماج في المجتمع اللبناني لأسباب سياسية مختلفة. سوف يقود القرار الظني حكماً إلى "لبننة" حزب الله. إنه يسعى إلى الحفاظ على "حقيقته" ككتلة أحادية في مواجهة الحقيقة التي ستؤدّي بكل تأكيد إلى "لبننته".
لم يتنبه الكاتب إلى أن مفهوم "اللبننة" قد طرأ عليه بعض التعديلات، وإلا كان تخلى عنه. فاللبننة ما قبل 2000 كان يعني تحويل لبنان إلى كازينو كبير أو إلى مرقص أو مرتع كبير يتسع لكل من يريد أن يروح عن نفسه. ولكن بعد سنة 2000 ، السنة التي انتصرت فيها المقاومة الإسلامية وحزب الله على إسرائيل، السنة التي تمكن فيها الشعب العربي والشعوب الإسلامية أن يتفرجوا على الجيش الإسرائيلي يهرب أمام الأهالي الذين لا يحملون السلاح، أصبحت اللبننة تعني: "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله". لا عودة إلى الوراء. حزب الله أخذ على عاتقه، هو وجميع المقاومين، أن يحرروا الأرض، لا أن يحولوا الوطن إلى مرقص. هذه المشاريع أصبحت من الماضي السحيق ودفنتها أيدي المقاومين الذين ينتظرون الظروف المناسبة لطرد الغازي المحتل من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا كما ويتشوقون إلى رؤية الأقصى الأسير وقد تخلص من الأسر.
13 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
من سيرة المصطفى 6
محمد بن عبد الله ما قبل البعثة
سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه.
قال ابن إسحاق : وحدثني ثور بن يزيد ، عن بعض أهل العلم ، ولا أحسبه إلا عن خالد بن معدان الكلاعي: "أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك؟ قال: نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا، إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا، ثم أخذاني فشقا بطني، واستخرجا قلبي فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، فقال: دعه عنك، فوالله لو وزنه بأمته لوزنها.
وكأني برسول الله عليه السلام يخبرنا بأن الله تبارك وتعالى كان يعده من أجل أن يكون نبي هذه الأمة. ليس هذا فحسب، حتى عندما كان طفلاً يلعب مع الأطفال: ان الله تبارك وتعالى يميزه عن باقي الأطفال. "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره وأمر جاهليته، أنه قال: "لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى، وأخذ إزاره فجعله على رقبته، يحمل عليه الحجارة؛ فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر، إذ لكمني لاكم ما أراه، لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك؛ قال: فأخذته وشددته علي، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بين أصحابي".
وهكذا، أصبح هذا الطفل يجد نفسه مميزاً عن باقي الأطفال فهو لا يحق له أن يلهو كما يلهون إلا بشروط معينة. هذا إذا قرناه بما كان يحيط جزيرة العرب من حديث قرب خروج نبي، نجد أن حساب الاحتمالات سوف يملأ كل حي ومنزل ومجلس.
إذا تحدثنا عما حصل مع أهل الكتاب يزيد يقيننا أن الطفل الذي يدعى محمداً سوف يكون نبي الأمة. إليكم حديث بحيرى الراهب مع أبي طالب عم النبي وكفيله: سافر محمد مع عمه إلى بصرى الشام فراى بحيرى الراهب ما يلفت الانتباه في القافلة التي كان من بين أفرادها محمد. فدعاهم إلى وليمة ليتثبت مما ظن أنه راى: "فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم، لحداثة سنه، في رحال القوم تحت الشجرة؛ فلما نظر بحيرى في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش، لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي؛ قالوا له: يا بحيرى، ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سناً، فتخلف في رحالهم؛ فقال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. قال: فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى، إن كان للؤم بنا أن يتخلف ابن عبدالله بن عبدالمطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم.
فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى، فقال له: يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه؛ وإنما قال له بحيرى ذلك، لأنه سمع قومه يحلفون بهما. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لا تسألني باللات والعزى شيئاً، فوالله ما أبغضت شيئاً قط بغضهما؛ فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه؛ فقال له: سلني عما بدا لك.
فجعل يسأله عن أشياء من حاله في نومه وهيئته وأموره؛ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده.
قال ابن هشام: وكان مثل أثر المحجم.
قال ابن إسحاق: فلما فرغ، أقبل على عمه أبي طالب، فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا؛ قال: فإنه ابن أخي؛ قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به؛ قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده.
من الملفت للإنتباه أن محمداً قبل البعثة، كان يهتم بجميع شؤون مجتمعه. فعندما كان طفلاً كان يفعل كما يفعل الأطفال مع بعض الخصوصية. ولكن عندما شب عن الطوق فقد كان يشهد جميع المشاهد. فهو كان حاضراً في حرب الفجار: وإنما سمي يوم الفجار بما استحل هذان الحيان، كنانة وقيس عيلان، فيه من المحارم بينهم. قال ابن إسحاق: هاجت حرب الفجار ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة. وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم، أخرجه أعمامه معهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت أُنَبِّل على أعمامي: أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها.
وشهد حلف الفضول: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبدالله بن عوف الزهري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت.
ونضيف هذه القصة حتى نعلم مدى أهمية هذا الحلف في بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام:
الحسين يهدد الوليد بالدعوة إلى إحياء الحلف
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهادي الليثي أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه:
أنه كان بين الحسين بن على بن أبي طالب رضي الله عنهما، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - والوليد يومئذ أمير على المدينة أمره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه - منازعة في مال كان بينهما بذي المروة. فكان الوليد تحامل على الحسين رضي الله عنه في حقه لسلطانه، فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لأدعون بحلف الفضول.
قال: فقال عبدالله بن الزبير، وهو عند الوليد حين قال الحسين رضي الله عنه ما قال: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعاً.
قال: فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك وبلغت عبدالرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي.
وكان محمد عليه الصلاة والسلام يحضر الأسواق، عكاظ ومجنة وغيرها. فهو قد سمع قس بن ساعدة الإيادي عندما كان في السوق.
وكان يعرف الأحناف الذين كرهوا عبادة الأصنام ومنهم ورقة بن نوفل وقس بن ساعدة وعبيد الله بن جحش وغيرهم. كما وأنه كان يعرف اليهود وغدرهم ويعرف النصارى أيضاً. وأهم مما تقدم أنه كان يعرف رموزهم ويعرف أيضاً من ينتمي إليهم. فهو كان يعرف أن ميسرة غلام خديجة كان نصرانياً.
بكلمة واحدة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف مجمل العلاقات القائمة في الجزيرة العربية ويعرف أقوامها ودياناتهم ويعرف الذين يعرفون القراءة والكتابة. فهو كان يعلم أن خديجة كانت تعرف القراءة والكتابة، وكان يعرف أن ورقة بن نوفل كان قساً نصرانياً يقرأ في كتاب النصارى... كان يعرف الكثير ويعيش كل تفاصيل الحياة العربية بالشكل الذي يريده. وعندما يتعب من الحياة في التفاصيل يذهب إلى الغار حتى يتفرج على المجتمع الجاهلي من خارجه. فالدراسة المتأنية تستدعي النظر من داخل ومن خارج. كما وتستدعي النظر من قريب ومن بعيد. وكان يقوم بالرياضة الأهم وهي التفكر في آلاء الله والتفكر في خلق السماوات والأرض.
فما بال قوم يريدون ان يغيروا المجتمع بما يرضي الله ورسوله ويعيشون بعيداً عنه لا يعرفون المشاكل التي يعانيها ولا يعرفون الطريق إلى حلها. أهكذا يكون التأسي برسول الله عليه الصلاة والسلام؟
14 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
من سيرة المصطفى 5
أمر الحديبية: الصلح بين النبي عليه الصلاة والسلام ومشركي قريش.
قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة شهر رمضان وشوالا، وخرج في ذي القعدة معتمرا، لا يريد حربا. واستعمل على المدينة نميلة بن عبدالله الليثي. واستنفر العربَ ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا، أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له. وكان الناس سبعمائة رجل ، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر.
قال الزهري: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي - قال ابن هشام: ويقال بُسْر – فقال: يا رسول الله ، هذه قريش، قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدَّموها إلى كُراع الغَميم.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش، فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة.
ثم قال: من رجل يخرج بنا عن طريق غير طريقهم التي هم بها ؟
قال ابن شهاب: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمش، في طريق ( تخرجه ) على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة؛ قال: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، رجعوا راكضين إلى قريش، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا سلك، في ثنية المرار بركت ناقته.
فقالت الناس: خلأت الناقة، قال: ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها.
فقال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي، في رجال من خزاعة، فكلموه وسألوه: ما الذي جاء به ؟
فأخبرهم أنه لم يأت يريد حرباً، وإنما جاء زائراً البيت، ومعظماً لحرمته، ثم قال لهم نحواً مما قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، إن محمداً لم يأت لقتال، وإنما جاء زائراً هذا البيت، فاتهموهم وجبهوهم وقالوا: وإن كان جاء ولا يريد قتالاً، فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبداً، ولا تحدث بذلك عنا العرب.
قال الزهري: وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئاً كان بمكة.
قال: ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف، أخا بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً قال: هذا رجل غادر؛ فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً مما قال لبديل وأصحابه؛ فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان، وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه، فلما رآى الهدي يسيل عله من عرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاماً لما رأى، فقال لهم ذلك. قال: فقالوا له: اجلس، فإنما أنت أعرابي لا علم لك.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبي بكر: أن الحليس غضب عند ذلك وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم.
أيصد عن بيت الله من جاء معظماً له! والذي نفس الحليس بيده، لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. قال: فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعي، فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على بعير له يقال له الثعلب، ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش، فخلوا سبيله، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس: أن قريشاً كانوا بعثوا أربعين رجلاً منهم أو خمسين رجلاً، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليصيبوا لهم من أصحابه أحداً، فأخذوا أخذاً، فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعفا عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل.
ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنه إنما جاء زائراً لهذا البيت، ومعظماً لحرمته.
قال ابن إسحاق: فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به؛ فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف؛ فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبدالله بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة.
فكانت بيعه الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، وكان جابر بن عبدالله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر.
فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها، إلا الجد بن قيس، أخو بني سلمة، فكان جابر بن عبدالله يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته. قد ضبأ إليها، يستتر بها من الناس. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل.
قال ابن هشام: وحدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له، عن ابن أبي مليكة عن ابن أبي عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى.
قال ابن إسحاق: قال الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو، أخا بني عامر بن لؤي، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا له: ائت محمداً فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامة هذا، فوالله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبداً.
فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً، قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام، وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح.
فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى، وألسنا بالمسلمين ؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين ؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله؛ قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله.
ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألست برسول الله ؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين ؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين ؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ قال: أنا عبدالله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني !
قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم؛ قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن أكتب باسمك اللهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم، فكتبها .
ثم قال: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو؛ قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك؛ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردوه عليه، وإن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطرباً في الحل، وكان يصلي في الحرم، فلما فرغ من الصلح قدم إلى هدية فنحره، ثم جلس فحلق رأسه، وكان الذي حلقه، فيما بلغني، في ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي؛ فلما رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون.
ملاحظة: ما تقدم منقول عن إبن هشام.
يقدم لنا السياق السابق أن النبي عليه الصلاة والسلام عندما سار باتجاه مكة، لم يكن يريد القتال، كما أنه لم يبيت الصلح. ولكنه حمل السلاح. لأن الثقة بالعدو ليست من شيم العقال. كما وأنه إذا افترضنا أنه لم يكن يستبعد الصلح فإن السلام معركة كما الحرب والقتال، يستدعي حشد جميع ما لدى المرء أو المجموعة من أسباب القوة. ولنأخذ على ذلك ثلاثة أمثلة حية:
1 – في فييتنام عندما اضطرت الادارة الأمريكية للتفاوض مع الفييتناميين، لم يقف القتال ، إنما كان أعنف، لأن معركة السلام تتطلب ضغطاً أكبر ومضاعفاً عن المعركة القتالية العنيفة. وحيث أن هذا التكتيك هو الصحيح رأينا أن الإنتصار كان من نصيب الشعب الفييتنامي.
2 – المفاوضات التي تجري الآن بين سلطة محمود عباس (الرئيس المنتهية ولايته للسلطة الفلسطينية) وبين الكيان الصهيوني. فعباس هذا يثق بعدو الشعب الفلسطيني، أعني المفاوض الصهيوني. لذلك حرص عباس وفياض، رئيس حكومته، على ملاحقة المقاومين في الضفة الغربية، إلى أي فصيل انتموا. والشعب الفلسطيني لا يملك من أسباب القوة سوى المقاومة باللحم الحي. لذلك نرى أن العدو الصهيوني يتعامل مع عباس باستخفاف وبعدم احترام. فالعدو يعلن عن وقف الاستيطان مع أنه لم يوقف الاستيطان لأنه يعرف أنه ليس لدى عباس إلا الإذعان لأنه تخلى عن أسباب قوته. من هنا فإن هذه المفاوضات سوف تنتهي بإذعان المفاوض الفلسطيني لجميع شروط العدو.
كما أن عرفات، سلف عباس، لم يرد أن يستفيد من دروس المقاومة الإسلامية في لبنان لا في 1996 ولا في 2000 . علماً أن العالم بأجمعه راى الجيش الإسرائيلي المهزوم ينسحب، يجر أذيال الخيبة وتلاحقه جماهير الجنوبيين من غير سلاح. رغم كل هذا، تخلى عرفات عن انتفاضة الأقصى وراح يفاوض العدو للحصول على ما يسمى بالسلطة الفلسطينية، القاعدة المادية للتخلي عن فلسطين.
3 – المقاومة الإسلامية في لبنان انتصرت على العدو في مفاوضات ال1996 لأنها لم تتخل عن أسباب قوتها عندما تم التفاوض مع العدو. فهي كانت تكيل له الضربات إبان المفاوضات. وقد كان الإتفاق يومها يمنع العدو من الإعتداء على المدنيين اللبنانيين وللمقاومة الحق بالإستمرار بكيل الضربات لعسكر الصهاينة. والجميع يعرف الذل الذي أصاب الصهاينة عندما كانو ينسحبون من بيروت وهم يتوجهون للشعب اللبناني راجينه عدم إطلاق النار عليهم لأنهم في طريقهم للإنسحاب.
من أجل ذلك حمل النبي عليه السلام السلاح وساق الهدي واتجه إلى مكة معتمراً. كما أنه لم يفته أن يعلن على الملأ أنه ذاهب من أجل العمرة. هذا الإعلام هو بقصد إعلام قريش بالتحديد أنه لم يأت من أجل القتال، أما السلاح فهو لاتقاء غدر العدو.
خلال الطريق علم النبي عليه السلام أن قريشاً قد جهزت سرية لقتاله. لم يعد، إنما حرص على تغيير طريقه حتى لا يلتقي بالعدو، فهو لم يجهز نفسه للقتال.
وصل الحديبية، وعسكر الناس هناك وجهز الرسول نفسه لمفاوضة العدو لذلك رأيناه يقول: "لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها".
وبدأت المفاوضات، وأصر النبي على مطلبه بضرورة الطواف بالبيت العتيق. من أجل ذلك بعثت قريش بعدة مفاوضين. والملاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف صفة المفاوضين. (ألسنا مأمورين بمعرفة عدونا). لذلك رأيناه يسوق الهدي أمام الحليس، زعيم الأحابيش (جيش مكة) لأنه معروف عنه أنه من المتألهين أي المتمسكين بدينهم.
وكانت نتيجة المفاوضات إتفاقاً. هذا الإتفاق ينص على هدنة مدتها عشر سنين، ومن ضمن شروطها أن العمرة تتم في السنة القابلة.
لم يتخل النبي عليه السلام عن أي شيء، حتى أن عداوته لقريش سوف تستمر، لأنهم لم يدخلوا في الإسلام. ولا زالت قريش زعيمة الكفر فلها السيطرة الإقتصادية والهيمنة الدينية والثقافية والأدبية. فالإنتصار على قريش يعني القضاء على جميع العلاقات الشركية القائمة في الجزيرة العربية. ألم نقل أن هذا ما جعل النبي عليه السلام يحدد أن العدو هو قريش؟
وحيث أن قريشاً هي العدو، لذلك لم نر المسلمين قد عقدوا صلحاً إلا مع قريش. فالصلح يكون بين الأعداء وليس بين الأصدقاء. لذلك أيضاً، لم يقاتل النبي عليه الصلاة والسلام إلا من اعتدى عليه من المشركين وكان يحرص على موادعتهم إلا مشركي قريش كان يحرص على الإنتصار عليهم.
إسرائيل احتلت أرضنا ونحرص على موادعتها ومصالحتها! أين نحن من رسول الله؟
سلبيات صلح الحيبية!
1 – تنص إحدى المواد على أنه إذا جاء أحد الناس إلى النبي مؤمناً من غير إذن وليه، فعليه إعادته للمشركين. هذه هي السلبية الوحيدة التي تُحُدِث عنها. ولكن "رب ضارة نافعة" هذه المادة هي التي أنتجت "حرب العصابات" التي سوف نتحدث عنها في حلقة لاحقة.
2 – تنص إحدى المواد أنه إذا ترك أحد رسول الله وذهب إلى المشركين فلا يحق للمسلمين أن يطالبوا به. طبعاً لأن المسلمين لا يريدون بين صفوفهم إلا المؤمنين حقاً. إذن هذه ليست سلبية.
ننهي فنقول أن الإيجابية الكبرى لصلح الحديبية أنه للمرة الأولى تعترف قريش بأن للمسلمين كيان مستقل عن جميع القبائل، وأن هذا الكيان ليس قبيلة كسائر القبائل. إنما كيان له خاصية أن صفوفه تتسع لجميع الناس وجميع القبائل.
أما الأهم من جميع ما تقدم فهو أن الله تبارك في علاه قد أنزل على رسوله الكريم عقب إتفاق الحديبية: "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً".(الفتح 1 ).
8 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
الأربعاء، 6 أكتوبر 2010
من سيرة المصطفى -4 -
من سيرة المصطفى – 4 –
يقول تبارك وتعالى موجهاً خطابه للمؤمنين: "إن الشيطان لكم عدو، فاتخذوه عدواً".(فاطر 6 ). إن الله تبارك وتعالى يريد من المؤمنين أن يكونوا إيجابيين بمقاتلة العدو، أي أن يبادروا بعداوتهم للشيطان. وحيث أن الشيطان يمكن أن يكون إنساناً، فهذا يعني أن مبادرته بالعداوة ممكنة. أما إذا كان من الجن مثلاً، فنستعيذ بالله منه حيث أنه من عالم الغيب الذي لايمكننا ولوجه.
بما أن الله أمرنا أن نتخذ الشيطان عدواً فهذا يعني أن الخطوة الأولى هي تحديد هذا العدو. هل أن تحديد العدو هي ممارسة ذاتية أم ممارسة موضوعية. نعتقد أن الجواب على هذا السؤال يتطلب، بل يفرض علينا العودة إلى من "كان قرآناً يمشي على الأرض"، تفرض العودة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. علينا أن نعود إلى سيرة المصطفى حتى نعرف كيف كان يحدد عدو المسلمين وعدوه. فحديثنا نحن لا ينطلق من منطلقات فردية، بل من منطلقات تتعلق بالمجتمع الذي نعيش فيه.
مكة: كانت مكة حاضرة جزيرة العرب. "المتتبع لتاريخ مكة وجغرافيتها، يجد أنها كانت وادياً غير ذي زرع، لا ماء فيه ولا شجر، تحيط به الجبال الوعرة من كل الإتجاهات. ولم يكن يتصور أن تكون في يوم صالحة للحياة، لكن حكمة الله سبحانه وتعالى تجلت أن يجعلها قبلة الناس حين أمر سيدنا إبراهيم، وإبنه إسماعيل عليهما السلام، بالهجرة إليها، فتحققت المعجزة الخالدة بتفجر عين زمزم فيها، وبناء البيت العتيق (الكعبة) ليصبح مكاناً مقدساً يفد إليه الناس، ركباناً ورجالاً، ليؤدوا فريضة الحج، فأصبحت مكة قبلة العالم ومحط الأفئدة. وقد صور القرآن هذه المراحل في عدة آيات. يقول تعالى: "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون". وقوله تعالى: "أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون". وقوله تعالى: "وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير". هذه القدسية والخصوصية جعلت لمكة مكانة إقتصادية مرموقة عبر التاريخ، من خلال القوافل التجارية وأسواقها، ولكن المصادر لم تقف على تاريخ محدد لنشأة الأسواق في مكة. ويبدو أن القبائل التي كانت تحكم مكة قبل قريش(جرهم وخزاعة) لم ترجح موقعا ًآمناً لإقامة الأسواق فيها، مما يؤكد أن أمر الأسواق ظهر في مكة بظهور قبيلة قريش، خاصة في عهد زعيمها التاريخي قصي بن كلاب".
"ازدادت مكانة مكة عندما قامت على أمرها قبيلة قريش، التي اشتهرت بتنظيماتها الإدارية وحنكة رجالها. وقد ذهب أحد الباحثين إلى أن تاريخ مكة الحقيقي يبدأ منذ تولي قصي بن كلاب القرشي أمر مكة، في منتصف القرن الخامس الميلادي تقريباً. فقد قام قصي بعدة أعمال جعلت مكة مركزاً إقتصادياً مرموقاً. والمعروف أن مكة في عهد قريش أقامت علاقات متنوعة مع البلدان المجاورة لها كالطائف ويثرب، ومع بعض القبائل التي كانت تقطن على الطريق، لتحمي تجارتها، فحدث لها ما ارادت وازدهرت أسواقها".
"جاء ذكر قريش صريحاً في القرآن والسنة. فلا غرابة أن يصف القرآن قبيلة قريش وتجارتها في سورة قريش: "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف". وقد أشارت المصادر والدراسات إلى مصطلح الإيلاف، وتجارة قريش، ورحلة الشتاء والصيف، وبينت دور قادتهم في بناء أحلاف ومعاهدات مع قبائل ودول كبرى، لإبرام صفقات تجارية، كالروم والفرس واليمن والحبشة. فأصبحت مكة بسبب إتفاقية الإيلاف موقعاً متميزاً على طريق التجارة العالمية آنذاك، مما ساهم في ازدهار أسواق مكة وتجارتها".
"وردت في كتب السنة عدة أحاديث في قبيلة قريش وفضلها ومكانتها، وهذا الأمر حددت له العديد من مصادر الحديث أبواباً وفصولاً".
"بعد حملة أبرهة الحبشي لهدم الكعبة المعظمة، والمؤرخة بعام الفيل (570 – 571 ) والواردة في سورة الفيل: "ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ألم يجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول". زاد صيت القرشيين الذين لم يتصدوا لهذه الحملة متيقنين أن للبيت رباً يحميه، فحدث ما تيقنوه، وباءت الحملة بالفشل، مما زاد في مكانة مكة دينياً وارتفعت مكانة قريش، فاشتهروا بأنهم أهل الله، وولاة الكعبة، وجيران الحرم".
"يمثل القرن السادس الميلادي بعداً إقتصادياً جيداً لقريش، حين أمسكت مكة بزمام التجارة في بلاد العرب، فطريق التجارة الذي يمر بها أصبح أكثر أمناً بعد إتفاقية الإيلاف، وأصبحت مكة في منآى عن الصراع الدولي القائم آنذاك بين الفرس والروم، وخاصة حين أخذت قريش مواقف حيادية اتجاه الأطراف".
"أشارت الدراسات إلى أن مكة أصبحت بعلاقاتها الخارجية وأحلافها مع المجاورين لها آنذاك، مركزاً تجارياً تعج أسواقها بالخيرات القادمة من الشام والحبشة وبلاد فارس. وظهرت منها شخصيات قرشية عظيمة، وأسر ثرية قبيل الإسلام في أسواق مكة، ، كعبد الله بن جدعان التيمي، والوليد بن المغيرة المخزومي، وأبي سفيان الأموي. كما كان للنساء نشاط ملحوظ كالسيدة خديجة بنت خويلد، التي كانت تمارس التجارة في سوق مكة، وكانت معها أختها هالة، فكانتا تبيعان الأدم. ومثلهما هند بنت عتبة التي كانت من النساء الشهيرات بمكة في عمل التجارة بالأسواق، وكانت تصحب زوجها أبا سفيان، في رحلاته للتجارة".
"صارت أسواق مكة قبل الإسلام وكالات مهمة للروم والأحباش، حيث ظهرت تنظيمات تجارية وتعاملات حسابية، وعملات ونقود، ومكاييل، استخدمت في تلك الأسواق، وقد أكد ذلك العديد من المصادر، خاصة الأجنبية".
"أشارت المصادر إلى أسواق العرب الموسمية القائمة في الجاهلية وطبيعتها، وما يهمنا منها أسواق مكة. فقد ذكر الأزرقي، وغيره من المؤرخين، عدة روايات عن مواسم العرب وأيامهم وتجمعاتهم بمكة وما حولها، ومفادها: إنه إذا كان موسم الحج، خرج الناس من عدة قبائل يوم هلال ذي القعدة، إلى سوق عكاظ، كل له مكانه، ورايته منصوبة، يضبط كل قبيلة أشرافها وقادتها، ويتم بينهم البيع والشراء مدة عشرين يوماً. ثم يمضون إلى سوق مجنة فيقيمون بها عشراً، أسواقهم قائمة، وإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى سوق ذي المجاز بعرفة، أقاموا بها ثماني ليال أسواقهم قائمة. وكان يحضر هذه الأسواق التجار ومن يريد التجارة. وكان العرب لا يتبايعون في يوم عرفة، ولما جاء الإسلام أحل الله لهم ذلك. قال تعالى: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم". وفي قراءة أبي بن كعب "في موسم الحج"، يعني: منى وعرفة وعكاظ ومجنة وذي المجاز، فهذه مواسم الحج. وقد وضع البخاري في صحيحه باب "الأسواق التي كانت في الجاهلية فيتبايع بها الناس في الإسلام". المصدر (http://www.kunoooz.com/vb374/showthread.php?p=180900)
ومن الجدير ذكره أن العرب كانوا يتناشدون الشعر في الأسواق ويتبادلون الأسرى ويدعو كل منهم إلى مايؤمن به.
ما تقدم يبين أن مكة كانت قبلة العرب الأولى في جميع ما يتعاطى به العرب آنذاك. المكانة الدينية، المكانة الإقتصادية، هذا ومن دون أن ننسى الهالة التاريخية التي تحملها قريش لوجود الكعبة فيها وخدمتها المجانية للحجيج من دون أي بدل.
مكانة مكة وقريش يعرفها النبي عليه السلام. فهو يعلم أن قريش هيي العقدة في جميع جزيرة العرب. من هنا فضرب هذه العقدة تجعل جميع العقد تتحلل من دون لأي ولاتعب. لذلك، بعد ان استقر بالنبي عليه السلام المقام بالمدينة (يثرب)، باشر ببعث السرايا لملاحقة قريش بتجارتها، وخاصة تلك التي تذهب إلى الشام. ونحن نعلم أن عصب الاقتصاد المكي (القرشي) هو التجارة. فعندما تصبح طريق القوافل غير آمنة فهذا يعني تهديد للإقتصاد المكي، وليس للإقتصاد فقط، إنما لمجمل الدور التي تلعبه هذه القبيلة القائدة لجزيرة العرب.
هذا ما جعل النبي يحدد أن قريش هي العدو. ومن ينتصر على هذا العدو يسود على جزيرة العرب بمجملها. وقد كان تحديد الرسول صلوات الله وسلامه عليه للعدو صحيح على الإطلاق لأنه بعد فتح مكة، أي الإنتصار على قريش كان عام الوفود. العام الذي دخل فيه العرب إلى دين الله أفواجاً، من غير بعوث ولا إغارات.
لمن يريد الإستزادة في هذا المجال فليرجع إلى السرايا والغزوات التي قام بها النبي أو ارسلها فسوف يجد أن مجملها كان ضد قريش. والقليل القليل منها كانت لتأديب من يتطاول على المسلمين أو يتآمر مع العدو أي مع قريش عليهم. وهنا علينا أن نتذكر أن الوثقة التي درسناها في المقالة السابقة، كانت هذه الوثيقة تحرم على أصحابها أن تتعامل مع قريش أو تؤزرها.
وننهي فنقول أن أمريكا التي تسيطر على عصب الحياة في أيامنا هذه، أي على الإقتصاد، كما وأنها حاملة الطائرات المتجولة في هذا العالم هي العدو، لأن انهيارها يعني إنهيار جميع مفاصل الإستغلال والإستبداد والإستعباد في العالم.
أما في منطقتنا العربية، فإسرائيل هي وكيلة أمريكا، هي التي احتلت فلسطين وطردت أهلها، وهي التي تمنع أي تطور للعرب لأنها تعتدي عليهم باستمرار، كما أنها تمنع الوحدة بين العرب لوجودها بين القسم الأسيوي والإفريقي للوطن العربي. لكل ما تقدم نقول أن العدو المباشر لأمتنا هي إسرائيل، ولا تتقدم هذه الأمة إلا إذا تمكنت من القضاء على إسرائيل. من هنا ضرورة التوجه الكلي من قبل العرب والمسلمين إلى حل القضية الفلسطينية بالقضاء على الإستعمار الإستيطاني الإسرائيلي. هذا لا يعني صداقتنا للأمريكان، بالطبع لا! إذا نحن لم نحاربهم فسوف يحاربوننا. إنهم بحاجة إلى خيراتنا. فعداوتنا لإسرائيل هي عداوة للأمريكان في الآن نفسه.
6 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
الاثنين، 4 أكتوبر 2010
من سيرة المصطفى 3
بعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة (يثرب)، واستقر به المقام لعدة أشهر، سارع الكثير من أهل المدينة وما حولها إلى الدخول في دين الله. قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأول ، إلى صفر من السنة الداخلة ، حتى بُني له فيها مسجده ومساكنه، واستجمع له إسلام هذا الحي من الأنصار، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها، إلا ما كان من خطمة، وواقف، ووائل، وأمية، وتلك أوس الله، وهم حي من الأوس، فإنهم أقاموا على شركهم. (سيرة ابن هشام الجزء الثالث ص 11). وحيث أن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، لم يهاجر بقصد السياحة إنما لتحقيق مشروع سياسي يبغي منه بناء مجتمع يحقق فيه مصالح الناس في هذه الدنيا، هذا من جهة، ومن جهة ثانية مصالح من اختاروا الإيمان بالرسالة الخاتمة، في الآخرة. وحيث أن هذا المشروع هو بناء للمستقبل، لذلك نرى فيه من المستجدات التي لم يألفها المجتمع العربي في القرن السابع للميلاد. ومن أهم المستجدات التي قام بها النبي هو ذلك الكتاب (الوثيقة السياسية) الذي وادع فيه اليهود من أهل يثرب (المدينة). سوف ننقل نص الكتاب كما جاء في سيرة ابن هشام وفي الروض الأنف للسهيلي. ولكننا لن نعلق على جميع ما جاء في هذه الوثيقة لأن هذه المقالة لا تكفي. من أجل هذا سنعلق على بعض المواد فقط.
قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم :
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس،
1 - المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
2 - وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
3 - وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
4 - وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
5 - وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
6 - وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
7 - وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
8 - وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
9 - وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛
10 - وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.
قال ابن هشام : المُفْرح : المثقل بالدين والكثير العيال.
11 - وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه؛
12 - وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظُلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين؛ وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم؛
13 - ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن؛
14 - وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم؛
15 - وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس؛
16 - وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم؛
17 - وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم؛
18 - وإن كل غازية غزت معنا يُعقب بعضها بعضا؛
19 - وإن المؤمنين يُبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله؛
20 - وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه؛
21 - وإنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن؛
22 - وإنه من اعتبط مؤمنا قتلاً عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه؛
23 - وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر مُحْدثا ولا يُؤويه؛ وأنه من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل؛
24 - وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم؛
25 - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين؛
26 - وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسه، وأهل بيته،
27 - وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف؛
28 - وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف؛
29 - وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف؛
30 - وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف؛
31 - وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف؛
32 - وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف؛ إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتغ إلا نفسه وأهل بيته؛
33 - وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم؛
34 - وإن لبني الشُّطَيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الإثم؛
35 - وإن موالي ثعلبة كأنفسهم؛
36 - وإن بطانة يهود كأنفسهم؛
37 - وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم؛
38 - وإنه لا ينحجز على نار جرح؛
39 - وإنه من فتك فبنفسه فتك، وأهل بيته، إلا من ظلم؛
40 - وإن الله على أبر هذا؛
41 - وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم؛
42 - وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة؛
43 - وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم؛
44 - وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه؛
45 - وإن النصر للمظلوم؛
46 - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين؛
47 - وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة؛
48 - وإن الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم؛
49 - وإنه لا تجُار حُرمة إلا بإذن أهلها؛
50 - وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخُاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛
51 - وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره؛
52 - وإنه لا تجُار قريش ولا من نصرها؛
53 - وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دُعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه؛
54 - وإنهم إذا دُعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبَلَهم؛
55 - وإن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة. مع البر المحض ؟ من أهل هذه الصحيفة .
قال ابن هشام : ويقال : مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة .
قال ابن إسحاق : وإن البر دون الإثم ، لا يكسب كاسب إلا على نفسه ؛ وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره ؛ وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم ، وإنه من خرج آمنٌ ، ومن قعد آمن بالمدينة ، إلا من ظلم أو أثم ؛ وإن الله جار لمن بر واتقى ، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم . الروض الأنف الجزء الثالث (ص 233 – 234 )، سيرة ابن هشام الجزء الثالث (ص 12 – 13 ).
ملاحظة: الترقيم من عندنا.
نلاحظ أن المواد ال24 الأولى تختص بالمسلمين من المهاجرين والأنصار، أي الوافدين من مكة ومن المقيمين في يثرب. وأما بقية المواد فتختص بعلاقة اليهود بالمسلمين.
جاء في المادة العاشرة ما يلي "وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل". وهذا من المستجدات، فالعلاقة التي تربط المؤمنين فيما بينهم تتجاوز العلاقات القبلية إلى علاقة أسمى وهي علاقة الأخوة.
أما في المادة الثانية عشرة فقد تجاوز الأطر القبلية إلى أطر تبغي العدالة من دون النظر إلى المكانة الاجتماعية: " وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظُلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين؛ وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم"؛
أما في المادة الرابعة عشرة فهو ينفي الفروق الطبقية التي تميز العلاقات القبلية عندما يقول: " وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم"؛ حتى في الأمور التي ترتدي الطابع السياسي لا تخرج الوثيقة عن الطابع الثوري المتقدم على زمان الوثيقة عندما تقول: " وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم"؛ إسرائيل لاتريد أن تفاوض العرب إلا متفرقين، وهم يعملون على ذلك. فسلم عرب القرن الواحد والعشرين هو غير سلم عرب القرن السابع.
أما المادة الواحدة والعشرين فهي ترتدي أهمية خاصة لأنها تحدد وجهة الصراع الذي على المسلمين خوضه في القابل من الأيام. تقول الوثيقة: " وإنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن"؛ فالعدو كما هو واضح هو قريش، لأن النبي لم يذكر سوى قريش في موضع العداء. ثم يؤكد هذا المعنى في المادة الرابعة والأربعين: " وإنه لا تُجار قريش ولا من نصرها".
وبعد ذلك يعطي النبي عليه الصلاة والسلام الوثيقة الطابع السياسي الصرف عندما يقول: " وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم"؛ فالرسول عليه السلام هو القائد الديني والسياسي وليس زعيم قبيلة. أي أن العلاقات فيما بين أهل الوثيقة ارتدت طابعاً سياسياً صرفاً لم تتعوده مجتمعات ذلك العصر وخاصة العربية منها.
ثم تنتقل الوثيقة للكلام عن اليهود. فالنبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم الحرية الكاملة على جميع المستويات. تقول الوثيقة: " وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسه، وأهل بيته"، فبعد قراءة الوثيقة نرى أنها قد عددت مختلف بطون اليهود وحلفائهم ومواليهم من سكان المدينة.
ولكن حيث أن الحرص واجب، وخاصة مع أهل الغدر من اليهود، جاء في الوثيقة: " وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم".
ثم نرى في الوثيقة كيف تُدَمَّر العلاقات القبلية من خلال هاتان المادتان: " وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه"، " وإن النصر للمظلوم". وعلينا الانتباه أن المرء وحليفه يعتبران شخصاً واحداً في العلاقات القبلية. ثم تؤكد الوثيقة أن النصر للمظلوم كائناً من كان هذا المظلوم، وكائناً من كان الظالم.
وأخيراً نصل إلى المادة الأهم في هذه الوثيقة والتي تحدد كيفية قيام المعاهدات. تقول الوثيقة: " وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخُاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم". إذا أحببنا العودة إلى جميع المعاهدات التي قامت بين العرب (المسلمين!) وإسرائيل، هل أي من هذه المعاهدات كانت تعتبر المسلمين هم المرجع في بت الخلافات التي تحصل ما بين العرب وإسرائيل. إن المعاهدة التي تستجيب للشروط الإسلامية هي تلك التي تحقق مصالح الناس فقط، وليس تلك التي تحقق مصالح إسرائيل ومن ورائها الإدارة الأمريكية.
المرجع في المعاهدات، كما جاء في وثيقة المدينة هو الله ورسوله. من هو المرجع في المعاهدة ما بين مصر وإسرائيل، أو ما بين الأردن وإسرائيل، أو ما بين جماعة عرفات وإسرائيل في أوسلو. ومن هي المرجعية في المفاوضات التي يخوضها عباس مع إسرائيل؟
إن أسوأ ما يقترفه بعض فقهاء السلاطين هو تزيينهم للباطل، وإلباسه لباس الحق، كما فعل الذين برروا إتفاق كمب ديفيد. ولا يخرج عن هذا النطاق فقهاء الوسطية الذين برروا لملك الأردن إتفاق وادي عربة. كما أن الفقهاء من أهل السعودية الذين برروا للأمريكان إستخدام الأراضي السعودية للإعتداء على العراق،إبان حرب إحتلال العراق، هم من نفس المعدن.
قراءة هذه الوثيقة مهمة جداً، والأهم دراستها لأن فيها الكثير من الدروس الذي لا يمكن حصرها في مقالة واحدة. كما وأن دارساً واحداً لا يمكنه الإحاطة بجميع ما تتضمنه.
4 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
من سيرة المصطفى 2
بعد وصول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أمر بإقامة مسجد قباء وبإقامة سوق للمسلمين. حيث أن سوق المدينة (يثرب) كان يسيطر عليه اليهود، فهم التجار والمرابون. وآخى بين المهاجرين (سكان مكة وأهلها) والأنصار (أهل المدينة). وبذلك يكون النبي عليه الصلاة والسلام قد أرسى قواعد الراحة النفسية للمسلمين، وخاصة المهاجرين منهم، الذين تخلوا عن كل أملاكهم طاعة لله ورسوله، والتزموا الهجرة. والأنصار، بتقديم يد العون لإخوانهم الذين استضافوهم، يكونون قد خففوا عنهم آلام البعاد عن الوطن والأهل والأموال.
وكانت الخطوة التي تلت ترتيب بيت المسلمين، كما يقال، اتجه النبي عليه الصلاة والسلام إلى ترتيب البيت الأوسع، اي الاهتمام بأوضاع المدينة كلها. من هنا نشأت الوثيقة التي وقعت ما بين المسلمين واليهود. هذه الوثيقة التي أرست قواعد الخلاف ما بين المسلمين واليهود بشكل يرضي الله ورسوله. (سيكون لنا وقفات تفصيلية مع هذه الأمور).
وكذلك استقرت أمور المجتمع الإسلامي نسبياً بحيث أنه أصبح بإمكان الرسول أن ينطلق لنشر الدعوة الإسلامية على نطاق واسع. هذا ولم ينس المهمة الرئيسة التي جعلها على عاتقه، وهي محاربة قريش، رأس الكفر. فبعث بالسرايا وخرج بالغزوات. وكان ينتصر أحياناً وينهزم أحياناً أخرى. ولكن البارز أن الهزائم التي مني بها المسلمون، مثل غزوة أحد على سبيل المثال، لم تؤثر على معنوياتهم المرتفعة بقيادة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
ثم كان صلح الحديبية، الذي جعل المشركين يعترفون بالكتلة التي يشكلها المسلمون. من يومها حصل المسلمون على شرعية وجودهم من أعدائهم. وكانت هذه الخطوة جبارة بحيث أسماها الله تبارك في علاه فتحاً: "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً"(الفتح 1 ). وأصبح المسلمون مرهوبي الجانب. ولم يعودوا خائفين من أن يتخطفهم الناس.
ما هو المتغير الذي حصل على الصعيد الإيماني؟
أصبح المؤمنون الموجودون خارج المدينة المنورة، تحت ولاية المسلمين. الم يمر معنا في المقالة الأولى أن المؤمنين الذين يوجدون خارج المدينة، أي الذين لم يهاجروا هم خارج ولاية المسلمين؟ كان الإسلام بحاجة ماسة إلى من ينصره. أما الآن فقد أصبح قوياً. فليؤمن الناس ويبقوا حيث هم، ويكونون تحت ولاية المسلمين.
جاء في الكتاب الكريم متحدثاً عن فتح مكة، وعن المؤمنين الموجودين داخل مكة: "هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله. ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم أن تصيبكم منهم معرة بغير علم، ليدخل الله في رحمته من يشاء. لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً.(الفتح 25). { معكوفا = محبوسا؛ تطؤوهم = تهلكوهم؛ معرة = مكروه؛ تزيلوا = تميزوا}.
لقد أصبح بالإمكان الدفاع عن المسلمين أنى وجدوا. لقد أصبح الإسلام قوياً. لذلك كان لا بد من تغير الحكم. وهذا ما جاء في الكتاب الكريم في الآية التي سبقت.
3 تشرين الأول 2010 حسن ملاط
السبت، 2 أكتوبر 2010
من سيرة المصطفى
من سيرة المصطفى (1)
لقد كان موضوع التأسي برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يزال موضوع نقاش واجتهاد. ومن المعتقد أنه سيظل كذلك، خاصة وأن الانسان يتغير ويتطور وكذلك العصر. وحيث أن الانسان الملتزم إسلامياً ليس له الخيار في موضوع التأسي. فهو أمر رباني: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر..." (الأحزاب 21 ). من هنا لا بد إلا أن يكون موضوع التأسي برسول الله موضوعاً راهناً باستمرار.
الانسان المسلم ينطلق في حياته الدنيا من ثابتين اثنين، لا خلاف بين أحد من المسلمين عليهما، هما القرآن والسنة. فباستمرار على الانسان المسلم أن يحاكم أعماله تبعاً لما جاء في الكتاب الكريم أولاً وبما جاء عن النبي عليه السلام ثانياً.
هل يمكن إعتبار التأسي على الصعيد الاجتماعي أو السياسي كما التأسي في أحكام الصلاة والصوم على سبيل المثال؟
إن بناء المجتمعات هو علم قائم بذاته كما أي من العلوم الأخرى. والمسلم مأمور بإقامة المجتمع الذي يرضي الله ورسوله، المجتمع الذي يحقق مصالح الناس الذين يعيشون في كنفه. والأطرف من ذلك أن الرسول عليه السلام لم يفرد قسماً من حديثه الشريف تحت عنوان كيفية بناء المجتمع الأمثل. فهو قد ترك هذا الأمر إلى اجتهاد الناس، وفي مقدمهم المؤمنين. وكذلك فعل القرآن الكريم.
ما العمل؟
العلوم الانسانية، من وجهة نظر إسلامية تقوم على ثلاث قواعد، إحداها ثابتة وهي القرآن والسنة، والثانية هي الانسان. أما الثالثة فهي العصر. الإنسان والعصر يتغيران باستمرار، أما الثابت على الإطلاق فهو القرآن والسنة. من هنا فإن المفاهيم ونظرة الانسان للمجتمع وللعلوم الإنسانية تتبدل باستمرار تبعاً لتغير العصر وتغير الإنسان نفسه.
هل هذا ينتقص من قيمة الثابت (القرآن والسنة)؟ بالعكس تماماً! إن عظمة القيمة التي يتمتع بها القرآن، وكذلك السنة المشرفة، أنهما صالحان لكل زمان ولكل الأقوام. فالإنسان على مر العصور والأزمان بحاجة إلى القرآن لينير له الطريق وبحاجة للسنة المشرفة لتحدد صحة السلوك على الصعيد الفردي وعلى الصعيد السياسي.
هل هذا الكلام مبالغ فيه؟ كلا!
إليكم هذه الدرس العملي ممن كان خلقه القرآن، على ما جاء في حديث أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها في صحيح مسلم: "كان خلقه القرآن" صلى الله عليه وسلم. والمقصود بالخلق هو السلوك.
كانت الهجرة إلى المدينة (يثرب) الخطوة الأولى لتبدل الدعوة الإسلامية من دعوة تحمل الطابع التبشيري، إلى دعوة تحمل طابعاً آخر، طابع بناء المجتمع الإسلامي. وما يجعلنا نذهب هذا المذهب، أن النبي عليه السلام لم يهاجر إلى المدينة إلا بعد أن بويع من الأوس والخزرج (أهل المدينة) ما يسمى ب"بيعة القتال". حيث أن البيعة الأولى التي بايعها أهل المدينة للرسول عليه السلام، لم يذكر فيها القتال لا من قريب ولا من بعيد (تسمى بيعة النساء). ليس هذا فحسب، بل هناك ما هو أخطر مما تقدم هو أن معيار إيمان المؤمن كان مرتبطاً بقيامه بالهجرة. إليكم هذه الآيات البينات والتي تؤكد ما ذهبنا إليه: "إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض. والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا، وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق. والله بما تعملون بصير.(72 الأنفال) والذين كفروا بعضهم أولياء بعض. إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.(73 ) والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً، لهم مغفرة ورزق كريم.(74 ) والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم. وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. إن الله بكل شيء عليم.(75).
إن تغير معيار إيمان المؤمن يكون تبعاً لتطور المسيرة الإسلامية وما تفرضه من متغيرات. لذلك اعتبر القرآن الكريم معيار ولاية المؤمنين مرتبطة بالهجرة في سبيل الله. لماذا؟ لأن قيام المجتمع الإسلامي في مدينة رسول الله عليه السلام تتطلب تجمع المسلمين في هذا المكان من أرض الله الواسعة. ويحضرني هنا أن الهجرة إلى الحبشة لم تأخذ هذه الأهمية لأنها ارتبطت بحماية بعض المؤمنين ولم يكن لها أهمية على صعيد بناء المجتمع الإسلامي الذي بناه النبي عليه السلام في المدينة المنورة.
جاء في حديث أركان الإيمان: "الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره" أما في العام الأول للهجرة فقد أضاف ربنا تبارك وتعالى ركناً آخر هو الهجرة إلى المدينة.
2 تشرين الأول 2010 حسن ملاط