بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الأحد، 12 فبراير 2012

رأسمالية القرن الواحد والعشرين (معدلة)

رأسمالية القرن الواحد والعشرين

لم تمر فترة من التاريخ لم يدفع فيها الإنسان ضريبة تطوره من تشكيلة أدنى إلى تشكيلة إجتماعية أعلى بالمفهوم التاريخي. فالضريبة التي دفعها الأوروبيون نتيجة انتقالهم من الإقطاع إلى المجتمع البورجوازي كانت تخريب الأراضي الزراعية وانتقال مئات الآلاف من الفلاحين إلى المدن حيث تعرضوا للإذلال والعوز. أما في بريطانيا فقد تعرض جزء غير بسيط منهم للتصفية الجسدية.

أما استقرار النظام الجديد فقد دفعت ضريبته الطبقة العاملة بالدرجة الأولى، حيث كان يوم العمل حوالي ست عشرة ساعة في اليوم. ثم كانت النضالات العمالية والتضحيات التي أجبرت الطبقة الرأسمالية الأوروبية على التنازل عن جزء من حقوق الطبقة العاملة. أما ما جعل الرأسمالي يتنازل للعامل الأوروبي هو الكمية الكبيرة التي كان ينهبها من العالم الثالث، بحيث يصبح تأثير التقديمات على أرباحه غير ذي بال.

هذه أوضاع الرأسمالية في القرن العشرين. فهي تجعل الإنسان يعتقد وكأنه يعيش مجتمع الرفاه، وخاصة في الدول الأوروبية ما قبل الأزمة الحالية. أما الذين تعرضوا للظلم أكثر من غيرهم فهم الأطفال والنساء، حيث كان يوم عملهم يتجاوز يوم العمل بالنسبة للرجال وبأجر أقل.

ولكن نضالات الطبقة العاملة في القرن التاسع عشر وردحاً من القرن العشرين أدى إلى إجبار الطبقة الرأسمالية إلى التنازل أمام إصرار العمال وتضامنهم وتضحياتهم، حيث أدى ذلك إلى حصول العمال على الكثير من المكاسب: تحديد يوم العمل بثماني ساعات أو أقل، ضمانات صحية وإجتماعية، بطالة...إلخ. ومن الجدير ذكره أن العامل الأمريكي لا يحصل على نفس التقديمات التي يتمتع بها العامل الأوروبي.

فهل استمر الإستقرار على ما هو عليه؟

إن القيم الرأسمالية تقوم على مضاعفة الربح وضرورة النهب، نعني مد اليد على جيبة الغير. هذه أخلاقية المجتمع الإستهلاكي الذي نعيش في كنفه نتيجة تطور الرأسمالية إلى ما يسمى العولمة النيوليبيرالية في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحالي.

فما هي أهم ملامح هذا التطور؟ نؤكد على النهب من غير أي قيم أخلاقية، القيم المتعارف عليها. وهذا ما أدى إلى أزمة 2008. ومن الجدير ذكره أنه لم ينكر أحد أن النهب والسرقة هي أسباب الأزمة.

ومن ملامح هذا التطور هو كيفية حل الأزمات. فالأزمة أدت إلى إفقار الناس. أما كيفية حل الأزمة هو بتقديم يد المعونة إلى النهابين وليس إلى الذين تعرضوا للجوع والطرد من منازلهم. فقد قدمت أمريكا وأوروبا مئات المليارات من الدولارات إلى أصحاب البنوك التي نهبت الناس. أما ما فعلته بالعمال والمستخدمين فكان أن بدأت بنزع التقديمات الإجتماعية التي حصلوا عليها بتضحيات ملايين العمال بأنفسهم. وأصبح الوضع على الشكل التالي:

جاء في جريدة "الباييس" الإسبانية، بتاريخ الأول من شباط ،2012 بقلم الكاتبة "ماريا أنتونيا سانشيز فالييو": إن ارتفاع معدل البطالة يهدد بدفع نحو ربع الأوروبيين من أولئك الذين يعسشون بمستوى لابأس به، بالإستبعاد الإجتماعي. وهذا ما يوجب النضال ضد الفقر في الإتحاد الأوروبي.

أضافت:"إليكم ضحايا الأزمة: شرائح المجتمع اللائي كن منذ وقت قليل يشكلون جزءاً من الطبقة المتوسطة، أصبحن الآن من الفقراء الجدد".

"في 2007 كان 85 مليون من الأوروبيين (17%من الشعوب الأوريبية) يعيشون تحت خط الفقرالنسبي. من بين الدول المعنية، نجد اليونان واسبانيا وإيرلندا؛ ولكن أيضاً فرنسا وألمانيا والنمسا يقول مندوب كاريتاس أوروبا".

"الفقراء يفتقرون والمطاعم الشعبية المجانية تستقطب أناس لم يفكروا يوماً الوصول إلى هذا المستوى. إن أرقام الفقر ازدادت بشكل لافت عند الأطفال (طفل من أربعة أطفال إسبان يواجه الفقر) ونفس النسبة عند المهاجرين والشباب. هذا ما قاله "بول ماري كلوز"، عالم اجتماع في المجلس الأعلى للبحوث العلمية".

"في اسبانيا كما في اليونان والبرتغال وإيطاليا، تفاقم الفقر، بل يمكن القول أنه تعمم ويستهدف مجموعات خاصة".

"في إيسلندا تزايد الفقر بشكل لافت وخاصة عند الشباب" أضاف العالم نفسه.

"الأولاد والمسنون، النساء والمهاجرون هم تقليدياً المجموعات المهددون بالفقر. كما وأن العمر والجنس وكذلك الإتنية هي من العوامل الهامة بالفقر".

جاء في جريدة "غازيتا ويبورشا":"إن عدد الأوروبيين من غير وظيفة قد ازداد بحوالي مليون خلال السنة الأخيرة حتى وصل إلى 24 مليون إنسان. في منطقة الأورو، وصلت البطالة إلى حدود 10,4%".

"الوضع هو أكثر صعوبة في جنوب أوروبا، خاصة في اسبانيا واليونان حيث يوجد شاب من اثنين من دون وظيفة، وحيث شروط السوق كارثية". "الهوة بين الشمال الذي يعيش برخاء والجنوب المأزوم لاتفتأ تزداد. أما إذا نظرت إلى سوق العمل فأنت في عالمين مختلفين".

جاء في جريدة "ليبيراسيون" الفرنسية بتاريخ 1 شباط 2012، وبقلم "ماريا مالاغارديس" :" بينما تتتابع مباحثات شطب الديون اليونانية، تقوم مختارية أثينا بتقديم وجبتبن مجانيتين يومياً للعمال المعتبرين "ضحايا مخطط التقشف" ومهددين بالمجاعة. الوضع الذي لا يتردد بعض اليونانيين من تشبيهه بأيام الإحتلال النازي". "كم عددهم؟ مئة؟ أكثر بكثير؟" "في المساء يتضاعف العدد مرتين أو ثلاث مرات". "كما وترى جماعات من المواطنين لم يتعودوا حتى الآن على إستعطاء الغذاء". "الأكثرية منهم يرفضون التحدث للصحافة. إنهم يستحيون، يقول أحدهم الذي وجد نفسه من دون عمل بعد عشرين سنة من العمل في شركة تأمين. ففي اليونان يقبض العاطل عن العمل مدة سنة فقط".

"إن مخطط التقشف يصيب حسب الأولوية الأجراء والمتقاعدين، الذين يروا دخولهم تتناقص، أو بالأحرى تختفي، عندما تتضاعف الضرائب بشكل غير اعتيادي. والنتيجة أن من لايملكون منزلاً ثابتاً تضاعف خلال سنتين حتى وصل إلى 25%، والجوع أصبح الشغل اليومي لبعضهم".

يقول أحد الأطباء المجانيين: "لقد اضطربت عندما عاينت عشرات من الأطفال الذين لم يتذوقوا طعاماً في الصباح". ويضيف: أنه كان يعاين أناس من الطبقة الوسطى الذين خسروا تقديماتهم الإجتماعية، كما وأنه كان يوزع الطعام عليهم كما في العالم الثالث".

" إن عودة الجوع هي بسب إملاءات بروكسيل (مركز الإتحاد الأوروبي) أو بالأحرى برلين. كل ثلاثة أشهر يهددونا بانهيار مفاجىء، ويأمروننا بخنق الفقراء أكثر وأكثر. أما الأموال الموعودة فهي تذهب إلى أصحاب رؤوس الأموال". "نحن نعيش تحت ديكتاتورية اقتصادية. واليونان هي المختبر الذي يقيس قدرة الشعب على التحمل. وبعد اليونان يأتي دور الدول الأوروبية الأخرى. لا طبقة وسطى بعد الآن".

وجاء في صحف 7 شباط 2012 أن اليونا نيين أضربوا وتظاهروا. " وتحت لافتات تقول "لا لصرف موظفي القطاع العام" و"لا لخفض الحد الادنى للاجور" و"لا لتقليص رواتب التقاعد الاضافية" واصل المتظاهرون احتجاجهم على الاصلاحات التي طلبها الدائنون الثلاثة وهم منطقة اليورو والبنك المركزي الاوروبي وصندوق النقد الدولي".

"فمقابل تعهد اليونان بتطبيق تلك الاجراءات اكد هؤلاء استعدادهم لتقديم قرض ثان بقيمة 130 مليار يورو على الاقل بعد 110 مليارات منحت في ايار/مايو 2010."

جاء في جريدة "الحياة" اللندنية، بتاريخ 3 شباط 2012 : "بلغ معدل البطالة في إسبانيا أعلى مستوى له منذ 16 سنة، إذ خسر 4.6 مليون شخص وظائفهم. وأفاد موقع «تيبيكلي سبانيش» الأسباني، بأن «عدد العاطلين من العمل ارتفع بنسبة 4 في المئة في كانون الثاني (يناير) الماضي مقارنة بالشهر السابق».

وقدّر عدد الذين خسروا وظائفهم بـ177 ألفاً و470، وسُجلت الزيادة الأكبر في أوساط من هم في سن 25 من العمر وما فوق والعاملين في قطاع الخدمات في كل المناطق الأسبانية.

وأظهرت الأرقام التي وزّعتها وزارة العمل والضمان الاجتماعي، أن في أسبانيا «4 ملايين و599 ألف و829 عاطلاً من العمل».

يقول إد ميليباند، نائب بريطاني عمالي: وحري بنا ألا نغفل أسباب أزمة تعثر النمو وأزمة الدين العام في السعي الى ارساء الاقتصاد على أسس أمتن. والولايات المتحدة وبريطانيا تعثرتا جراء المغالاة في ربط الاقتصاد بالقطاع المالي وأرباحه الزائفة. وتدهورت ظروف عيش شطر راجح من الناس واحتكر 1 في المئة (من الشعب) الارباح. فالنموذج الرأسمالي حضّ على اتخاذ قرارات قصيرة الأمد تتجه الى جني أرباح فصلية عوض الاستقرار البعيد الأمد، وغلّب كفة امتيازات المصارف العملاقة وأقطاب الميديا على المصلحة العامة".(الحياة 1 شباط 2012)

ويضيف ميليباند: "وأوباما محق في قوله أن دفع البليونير نسبة من الضرائب توازي النسبة التي تدفعها السكرتيرة العاملة لديه لا يجافي المنطق. وتغيير قواعد الرأسمالية يفترض تغيير ما ينتظره المواطنون من السياسة. وليست القضية مناسبة رأسمالية القرن العشرين مجتمع القرن الواحد والعشرين أم لا. فالتحدي الفعلي هو إمكان تصدي السياسات لعيوب النموذج الاقتصادي ومشكلاته".

من الطبيعي أننا لانوافق أوباما على الحل ولكن إيرادنا لهذا المثل هو فقط لإظهار مدى الشعور بالمسؤولية عند الحكام الرأسماليين حيث يرون الناس تموت جوعاً وهذا لا يهمها بشيء لأن قيم الرأسمالية تقوم على تأمين الأرباح وتكديسها.

وهناك ميزة لرأسمالية القرن الواحد والعشرين، وهي تراجع الديموقراطية التي يرفع شعارها الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية. فنتيجة الأزمة التي سببتها هذه الرأسمالية لليونان، أجبرت الدول الدائنة اليونان على تغيير حكومي. واللافت أن رئيس الحكومة الحالي لوكاس باباديموس لا ينتمي لا للبرلمان ولا للأكثرية البرلمانية. كما أنه لم يأت تبعاً لاستفتاء شعبي، إنما أنزل بالباراشوت اللاديموقراطي ليكون رئيساً للوزراء، رضي من رضي وأبى من أبى.

وهذه الظاهرة ليست فريدة، إنما تكررت في إيطاليا، ثالث إقتصاد أوروبي، حيث نزل ماريو مونتي بالباراشوت أيضاً كرئيس لوزراء إيطاليا من غير أن يكون منتم للأكثرية البرلمانية أو حتى للبرلمان.

الجميع، أو على الأصح، جميع الديموقراطيين يقبلون بديكتاتورية رأسالمال. وربما لجهلنا لا نعرف أن ديكتاتورية رأسالمال هي الوجه الآخر للديموقراطية الغربية.

أما في عالمنا فما هو تأثير رأسمالية القرن الواحد والعشرين، نعني العولمة النيو ليبيرالية؟ فهي تعمل على محافظة بلادنا على الإقتصاد الريعي حتى تؤمن النهب بطرق مختلفة. فالفائض يوظف في الخزينة الأمريكية أو الخزائن الأوروبية، عوضاً من ادخاره للأجيال القادمة التي لن تعيش في ظل إنتاج النفط. والفائض الآخر يوظف في شراء الأسلحة من أجل قتل شعوبها أو رميها في القمامة. أما الإقتصاد الحقيقي فلا مكان له في أذهان حكام منطقتنا.

إن البناء للمستقبل يتطلب الإنفتاح على المحيط الأكثر تطوراً، نعني تركيا وإيران. ففي تركيا هناك إقتصاد زراعي وصناعي وفي إيران صناعة أسلحة متقدمة وتقنية متقدمة لا تعتمد على الخارج، وهذا ما يؤمن الإستقلالية. إن التخطيط الإقتصادي الذي يغطي سوقاً تعد عدة مئات من الملايين هو الذي يعطي مردودية إقتصادية... ومن الجدير ذكره أن ما نصبو إليه يتطلب نضالات جماهيرية لاتفتر...

3 شباط 2012 حسن ملاط


روسيا الصديقة!

روسيا الصديقة!

قبل البدء بالكلام عن الصداقة الروسية العربية أو الصداقة الروسية لسوريا، لابد من التحدث عن تاريخية هذه الصداقة وظروفها.

كانت علاقة جميع الدول العربية مع الإتحاد السوفياتي، حيث كانت روسيا تقوده، سيئة ولا تتسم بالصداقة، وذلك لارتباط جميع هذه الدول بالغرب الإستعماري. بدأت علاقة الإتحاد السوفياتي مع الدول العربية بعد "ثورة 23 يوليو" المصرية بقيادة جمال عبد الناصر، حيث بدأت العلاقة بصفقة بيع الأسلحة السوفياتية التي عقدتها مصر مع تشيكوسلوفاكيا التي كانت من دول الكتلة السوفياتية. كانت هذه الصفقة بسبب امتناع الدول الغربية عن بيع مصر السلاح خوفاً من أن تستخدمه ضد الكيان الصهيوني.

وهكذا بدأت علاقة جديدة مع قطب عالمي يضاهي بقوته العالم الغربي المتحد بحلف الأطلسي الذي يضاهيه حلف وارسو بقيادة الإتحاد السوفياتي. وكانت المرة الأولى في التاريخ تشتري فيها دولة عربية سلاحاً غير مشروط بعدم استخدامه ضد إسرائيل.

أما الظروف التي مكنت مصر من شراء سلاح غير مشروط هي ظروف الحرب الباردة ما بين المعسكر الغربي (العالم الحر) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الشرقي (الشيوعي أو الستار الحديدي) بقيادة الإتحاد السوفياتي، والذي تقوده روسيا. وبالإضافة إلى هذه الظروف، نضيف عاملاً لا يقل أهمية عن العامل الأول، هو العامل الإيديولوجي. حيث أن الإتحاد السوفييتي كان يرفع شعار صداقته لشعوب الدول المستضعفة والمستعمرة (بفتح الميم). فالمصالح كانت مزدوجة، أي إلى جانب المصالح الإقتصادية، لابد من التحدث عن العامل الإيديولوجي (صداقة الشعوب).

وحيث أن ظروف الحرب الباردة قد تغيرت حالياً، فهل لا زال بإمكاننا التحدث عن صداقة ما بين الدول؟ نحن نميل إلى استحالة التحدث عن صداقة مابين دول تقوم على النهب. إن ما يهم الولايات المتحدة من علاقتها مع الدول الأخرى هو نهبها خيرات شعوب هذه الدول. وتشترك في هذه الغايات دول الإتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا، وكذلك الروسيا والصين. وأضفنا الصين بالرغم من وجود حزب لازال يُسمى الحزب الشيوعي الصيني والذي يحمل تراث التحرر الوطني. أما سبب هذه الإضافة فيعود إلى انكشاف حقيقة الدول التي كانت تنهج النهج السوفياتي في إدارة الدولة. حيث أن البيروقراط، سواء من الحزب أو من كبار الموظفين قد تحولوا إلى مالوقراط حيث كانوا يستولون على أموال الدولة والمجتمع بسبب سيطرتهم على شؤون الدولة أو قربهم من الحكام. وهذا هو نفس ما هو حاصل في الصين. أما بالنسبة لكوبا وكوريا الديموقراطية فلا يمكننا التأكيد أو النفي لضآلة المعلومات التي نملكها عن هذين البلدين.

إذن، روسيا التي تمد يد العون للنظام السوري إنما تفعل ذلك ليس لأنها صديقة للشعب السوري، ولكنها تفعل ذلك لمصالح علينا استكشافها، ولا يدخل ضمنها أي شبهة صداقة للشعب السوري.

فما هي الأسباب التي دفعت الروسيا إلى التمرد على الإجماع الدولي، مع الصين واستخدامهما حق النقض (الفيتو) لعرقلة القرار الأممي العربي – الغربي؟

هناك مجموعة من الأسباب. سنتحدث عن السبب الذي جمع الصين وروسيا من أجله. إنه الضعف الذي أصاب الولايات المتحدة الأمريكية وأدى إلى اضطرارها إلى ترك العراق من دون الوصول إلى الإتفاقات التي كانت تزمع إقامتها مع الحكومة العراقية قبل إتمام انسحابها من العراق. وحيث أننا رأينا أنها قد انسحبت من دون هذه الإتفاقات، فهو دليل على ضعفها، لعدم تمكنها من إجبار الحكومة العراقية على الرضوخ لمطالبها. فأرادت الصين وروسيا أن لا تمدا يد المعونة للأمريكان، لذلك كانتا في الجانب المعاكس للتموضع الأمريكي.

نضيف إلى هذا العامل إعلانها (أمريكا) الإنسحاب المبكر من أفغانستان واضطرارها للتفاوض مع طالبان من أجل الإنسحاب المخزي من هذا البلد.

أما السبب الذي يجعل الصين تؤكد هذا الأمر هو إعلان الولايات المتحدة أنها سوف تتفرغ للمحيط الهادي، أي المنطقة الحيوية بالنسبة للصين، والتي يهمها أن تأتي أميركا وهي ضعيفة وليست وهي قوية. هذا من دون الإشارة إلى الضعف الإقتصادي التي تعاني منه الولايات المتحدة منذ أزمة 2008. ولا داعي للتذكير أن الصين هي المستثمر الأكبر في الميزانية الأمريكية( 4،1 تريليون دولار).

أما العامل الثاني الذي يجعل روسيا تتمسك بدفاعها عن النظام السوري هو وجود القاعدة البحرية في طرطوس واستعدادها لتفعيل قاعدة قاسيون للتنصت على الغرب.

كما وعلينا التنبه إلى أن سوريا هي المكان الوحيد في البحر المتوسط الذي لايزال على علاقة طيبة مع روسيا. نضيف إلى هذه العوامل 5،4 مليار دولار ثمن فاتورة الأسلحة من سوريا إلى روسيا. وما دخول الخبراء الروس إلى الأراضي السورية إلا لتأمين القواعد التي تحدثنا عنها.

ما تقدم يبين بوضوح أنه لا مكان لأي عامل إيديولوجي في موقف روسيا من الأحداث الجارية في سوريا، إنما لعبة مصالح فقط.

هل بإمكان أحد تأمين هذه المصالح لروسيا حتى تستجيب لما تريده الولايات المتحدة الأمريكية؟ أي تتخلى عن دعمها للنظام السوري؟

التقارير الأمريكية تزعم بأن الإدارة الأمريكية لم تتخذ حتى الآن قراراً يفيد بأنها تريد أن تتخلى عن إدارة الرئيس بشار الأسد لسوريا. لذلك لم تعمد إلى مفاوضة الروس من أجل التوصل إلى اتفاقات ترضي الطرفين. فأمريكا لا تريد أن تعترف بأن روسيا هي دولة كبرى (قطب دولي) لها مصالحها المستقلة عن مصالح أمريكا. لذلك لم تعمد إلى تعديل الدرع الصاروخي الذي يحاصر روسيا. أي أنها لا تعتبر أن لروسيا الحق بالإعتراض على محاصرتها عسكرياً من قبل الحلف الأطلسي. فهذه الدرع موجودة في أوروبا الشرقية وتركيا أي أن روسيا أصبحت محاصرة من قبل الحلف الأطلسي. ومن المنطقي أن يكون لها حق الدفاع عن نفسها. من هنا جاء دفاع الروس عن النظام السوري وكذلك عن إيران. ومن أجل إضعاف أمريكا كان تأييد الصين للموقف الروسي.

أين الصداقة بين الشعوب في الموقف الروسي، أو الصيني؟ إنها لعبة المصالح. المصالح التي لا دخل لها بالقيم. فلا داعي أن يتشدق البعض بالصداقة الروسية للعرب حتى لا يُصدموا كما كانوا يُصدموا دائماً في رهاناتهم على الخارج. إن من يريد الحرية عليه أن يعتمد على نفسه وعلى نفسه فقط.

12 شباط 2012 حسن ملاط

الجمعة، 3 فبراير 2012

رأسمالية القرن الواحد والعشرين

لم تمر فترة من التاريخ لم يدفع فيها الإنسان ضريبة تطوره من تشكيلة أدنى إلى تشكيلة إجتماعية أعلى بالمفهوم التاريخي. فالضريبة التي دفعها الأوروبيون نتيجة انتقالهم من الإقطاع إلى المجتمع البورجوازي كانت تخريب الأراضي الزراعية وانتقال مئات الآلاف من الفلاحين إلى المدن حيث تعرضوا للإذلال والعوز. أما في بريطانيا فقد تعرض جزء غير بسيط منهم للتصفية الجسدية.

أما استقرار النظام الجديد فقد دفعت ضريبته الطبقة العاملة بالدرجة الأولى، حيث كان يوم العمل حوالي ست عشرة ساعة في اليوم. ثم كانت النضالات العمالية والتضحيات التي أجبرت الطبقة الرأسمالية الأوروبية على التنازل عن جزء من حقوق الطبقة العاملة. أما ما جعل الرأسمالي يتنازل للعامل الأوروبي هو الكمية الكبيرة التي كان ينهبها من العالم الثالث، بحيث يصبح تأثير التقديمات على أرباحه غير ذي بال.

هذه أوضاع الرأسمالية في القرن العشرين. فهي تجعل الإنسان يعتقد وكأنه يعيش مجتمع الرفاه، وخاصة في الدول الأوروبية ما قبل الأزمة الحالية. أما الذين تعرضوا للظلم أكثر من غيرهم فهم الأطفال والنساء، حيث كان يوم عملهم يتجاوز يوم العمل بالنسبة للرجال وبأجر أقل.

ولكن نضالات الطبقة العاملة في القرن التاسع عشر وردحاً من القرن العشرين أدى إلى إجبار الطبقة الرأسمالية إلى التنازل أمام إصرار العمال وتضامنهم وتضحياتهم، حيث أدى ذلك إلى حصول العمال على الكثير من المكاسب: تحديد يوم العمل بثماني ساعات أو أقل، ضمانات صحية وإجتماعية، بطالة...إلخ. ومن الجدير ذكره أن العامل الأمريكي لا يحصل على نفس التقديمات التي يتمتع بها العامل الأوروبي.

فهل استمر الإستقرار على ما هو عليه؟

إن القيم الرأسمالية تقوم على مضاعفة الربح وضرورة النهب، نعني مد اليد على جيبة الغير. هذه أخلاقية المجتمع الإستهلاكي الذي نعيش في كنفه نتيجة تطور الرأسمالية إلى ما يسمى العولمة النيوليبيرالية في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحالي.

فما هي أهم ملامح هذا التطور؟ نؤكد على النهب من غير أي قيم أخلاقية، القيم المتعارف عليها. وهذا ما أدى إلى أزمة 2008. ومن الجدير ذكره أنه لم ينكر أحد أن النهب والسرقة هي أسباب الأزمة.

ومن ملامح هذا التطور هو كيفية حل الأزمات. فالأزمة أدت إلى إفقار الناس. أما كيفية حل الأزمة هو بتقديم يد المعونة إلى النهابين وليس إلى الذين تعرضوا للجوع والطرد من منازلهم. فقد قدمت أمريكا وأوروبا مئات المليارات من الدولارات إلى أصحاب البنوك التي نهبت الناس. أما ما فعلته بالعمال والمستخدمين فكان أن بدأت بنزع التقديمات الإجتماعية التي حصلوا عليها بتضحيات ملايين العمال بأنفسهم. وأصبح الوضع على الشكل التالي:

جاء في جريدة "الباييس" الإسبانية، بتاريخ الأول من شباط ،2012 بقلم الكاتبة "ماريا أنتونيا سانشيز فالييو": إن ارتفاع معدل البطالة يهدد بدفع نحو ربع الأوروبيين من أولئك الذين يعسشون بمستوى لابأس به، بالإستبعاد الإجتماعي. وهذا ما يوجب النضال ضد الفقر في الإتحاد الأوروبي.

أضافت:"إليكم ضحايا الأزمة: شرائح المجتمع اللائي كن منذ وقت قليل يشكلون جزءاً من الطبقة المتوسطة، أصبحن الآن من الفقراء الجدد".

"في 2007 كان 85 مليون من الأوروبيين (17%من الشعوب الأوريبية) يعيشون تحت خط الفقرالنسبي. من بين الدول المعنية، نجد اليونان واسبانيا وإيرلندا؛ ولكن أيضاً فرنسا وألمانيا والنمسا يقول مندوب كاريتاس أوروبا".

"الفقراء يفتقرون والمطاعم الشعبية المجانية تستقطب أناس لم يفكروا يوماً الوصول إلى هذا المستوى. إن أرقام الفقر ازدادت بشكل لافت عند الأطفال (طفل من أربعة أطفال إسبان يواجه الفقر) ونفس النسبة عند المهاجرين والشباب. هذا ما قاله "بول ماري كلوز"، عالم اجتماع في المجلس الأعلى للبحوث العلمية".

"في اسبانيا كما في اليونان والبرتغال وإيطاليا، تفاقم الفقر، بل يمكن القول أنه تعمم ويستهدف مجموعات خاصة".

"في إيسلندا تزايد الفقر بشكل لافت وخاصة عند الشباب" أضاف العالم نفسه.

"الأولاد والمسنون، النساء والمهاجرون هم تقليدياً المجموعات المهددون بالفقر. كما وأن العمر والجنس وكذلك الإتنية هي من العوامل الهامة بالفقر".

جاء في جريدة "غازيتا ويبورشا":"إن عدد الأوروبيين من غير وظيفة قد ازداد بحوالي مليون خلال السنة الأخيرة حتى وصل إلى 24 مليون إنسان. في منطقة الأورو، وصلت البطالة إلى حدود 10,4%".

"الوضع هو أكثر صعوبة في جنوب أوروبا، خاصة في اسبانيا واليونان حيث يوجد شاب من اثنين من دون وظيفة، وحيث شروط السوق كارثية". "الهوة بين الشمال الذي يعيش برخاء والجنوب المأزوم لاتفتأ تزداد. أما إذا نظرت إلى سوق العمل فأنت في عالمين مختلفين".

جاء في جريدة "ليبيراسيون" الفرنسية بتاريخ 1 شباط 2012، وبقلم "ماريا مالاغارديس" :" بينما تتتابع مباحثات شطب الديون اليونانية، تقوم مختارية أثينا بتقديم وجبتبن مجانيتين يومياً للعمال المعتبرين "ضحايا مخطط التقشف" ومهددين بالمجاعة. الوضع الذي لا يتردد بعض اليونانيين من تشبيهه بأيام الإحتلال النازي". "كم عددهم؟ مئة؟ أكثر بكثير؟" "في المساء يتضاعف العدد مرتين أو ثلاث مرات". "كما وترى جماعات من المواطنين لم يتعودوا حتى الآن على إستعطاء الغذاء". "الأكثرية منهم يرفضون التحدث للصحافة. إنهم يستحيون، يقول أحدهم الذي وجد نفسه من دون عمل بعد عشرين سنة من العمل في شركة تأمين. ففي اليونان يقبض العاطل عن العمل مدة سنة فقط".

"إن مخطط التقشف يصيب حسب الأولوية الأجراء والمتقاعدين، الذين يروا دخولهم تتناقص، أو بالأحرى تختفي، عندما تتضاعف الضرائب بشكل غير اعتيادي. والنتيجة أن من لايملكون منزلاً ثابتاً تضاعف خلال سنتين حتى وصل إلى 25%، والجوع أصبح الشغل اليومي لبعضهم".

يقول أحد الأطباء المجانيين: "لقد اضطربت عندما عاينت عشرات من الأطفال الذين لم يتذوقوا طعاماً في الصباح". ويضيف: أنه كان يعاين أناس من الطبقة الوسطى الذين خسروا تقديماتهم الإجتماعية، كما وأنه كان يوزع الطعام عليهم كما في العالم الثالث".

" إن عودة الجوع هي بسب إملاءات بروكسيل (مركز الإتحاد الأوروبي) أو بالأحرى برلين. كل ثلاثة أشهر يهددونا بانهيار مفاجىء، ويأمروننا بخنق الفقراء أكثر وأكثر. أما الأموال الموعودة فهي تذهب إلى أصحاب رؤوس الأموال". "نحن نعيش تحت ديكتاتورية اقتصادية. واليونان هي المختبر الذي يقيس قدرة الشعب على التحمل. وبعد اليونان يأتي دور الدول الأوروبية الأخرى. لا طبقة وسطى بعد الآن".

جاء في جريدة "الحياة" اللندنية، بتاريخ 3 شباط 2012 : "بلغ معدل البطالة في إسبانيا أعلى مستوى له منذ 16 سنة، إذ خسر 4.6 مليون شخص وظائفهم. وأفاد موقع «تيبيكلي سبانيش» الأسباني، بأن «عدد العاطلين من العمل ارتفع بنسبة 4 في المئة في كانون الثاني (يناير) الماضي مقارنة بالشهر السابق».

وقدّر عدد الذين خسروا وظائفهم بـ177 ألفاً و470، وسُجلت الزيادة الأكبر في أوساط من هم في سن 25 من العمر وما فوق والعاملين في قطاع الخدمات في كل المناطق الأسبانية.

وأظهرت الأرقام التي وزّعتها وزارة العمل والضمان الاجتماعي، أن في أسبانيا «4 ملايين و599 ألف و829 عاطلاً من العمل».

يقول إد ميليباند، نائب بريطاني عمالي: وحري بنا ألا نغفل أسباب أزمة تعثر النمو وأزمة الدين العام في السعي الى ارساء الاقتصاد على أسس أمتن. والولايات المتحدة وبريطانيا تعثرتا جراء المغالاة في ربط الاقتصاد بالقطاع المالي وأرباحه الزائفة. وتدهورت ظروف عيش شطر راجح من الناس واحتكر 1 في المئة (من الشعب) الارباح. فالنموذج الرأسمالي حضّ على اتخاذ قرارات قصيرة الأمد تتجه الى جني أرباح فصلية عوض الاستقرار البعيد الأمد، وغلّب كفة امتيازات المصارف العملاقة وأقطاب الميديا على المصلحة العامة".(الحياة 1 شباط 2012)

ويضيف ميليباند: "وأوباما محق في قوله أن دفع البليونير نسبة من الضرائب توازي النسبة التي تدفعها السكرتيرة العاملة لديه لا يجافي المنطق. وتغيير قواعد الرأسمالية يفترض تغيير ما ينتظره المواطنون من السياسة. وليست القضية مناسبة رأسمالية القرن العشرين مجتمع القرن الواحد والعشرين أم لا. فالتحدي الفعلي هو إمكان تصدي السياسات لعيوب النموذج الاقتصادي ومشكلاته".

من الطبيعي أننا لانوافق أوباما على الحل ولكن إيرادنا لهذا المثل هو فقط لإظهار مدى الشعور بالمسؤولية عند الحكام الرأسماليين حيث يرون الناس تموت جوعاً وهذا لا يهمها بشيء لأن قيم الرأسمالية تقوم على تأمين الأرباح وتكديسها.

أما في عالمنا فما هو تأثير رأسمالية القرن الواحد والعشرين، نعني العولمة النيو ليبيرالية؟ فهي تعمل على محافظة بلادنا على الإقتصاد الريعي حتى تؤمن النهب بطرق مختلفة. فالفائض يوظف في الخزينة الأمريكية أو الخزائن الأوروبية، عوضاً من ادخاره للأجيال القادمة التي لن تعيش في ظل إنتاج النفط. والفائض الآخر يوظف في شراء الأسلحة من أجل قتل شعوبها أو رميها في القمامة. أما الإقتصاد الحقيقي فلا مكان له في أذهان حكام منطقتنا.

إن البناء للمستقبل يتطلب الإنفتاح على المحيط الأكثر تطوراً، نعني تركيا وإيران. ففي تركيا هناك إقتصاد زراعي وصناعي وفي إيران صناعة أسلحة متقدمة وتقنية متقدمة لا تعتمد على الخارج، وهذا ما يؤمن الإستقلالية. إن التخطيط الإقتصادي الذي يغطي سوقاً تعد عدة مئات من الملايين هو الذي يعطي مردودية إقتصادية... ومن الجدير ذكره أن ما نصبو إليه يتطلب نضالات جماهيرية لاتفتر...

3 شباط 2012 حسن ملاط

الجمعة، 13 يناير 2012

قراءة في انعكاسات الربيع العربي على لبنان

في الذكرى السنوية الأولى لانتصار الشعب التونسي والشعب المصري على جلاديهم، أصبح من الممكن القيام بقراءة أولية لانعكاسات هذا الانتصار على لبنان، من دون أن نغفل بعض الملاحظات فيما يخص الواقع التونسي والمصري.

لاخلاف أن الإسلاميين سواء في تونس أو في مصر لم يكونوا على رأس الثائرين على الأنظمة الطاغوتية. بل بالعكس فقد كان الإخوان المسلمون على استعداد لمساومة النظام القائم على بعض المكاسب السياسية التي يمكن أن يستحصلوا عليها من خلال تنكرهم للحراك الشعبي الذي قاده الشباب من مختلف الإنتماءات السياسية والطائفية. وقد اجتمع وفد الإخوان المسلمين مع نائب الرئيس المعين من قبل حسني مبارك من أجل المساومة. ولكن شباب ميدان التحرير، ومنهم شباب الإخوان رفضوا أية مساومة وكان الإنتصار الباهر الذي اضطر الطاغية إلى التخلي عن مسؤولياته وتسليمها للمجلس العسكري الذي لا يزال في الحكم حتى الآن.

وجرت الإنتخابات في تونس وفي مصر. وفاز في تونس حزب النهضة الذي تمرس مناضلوه في سجون زين العابدين بن علي، ولكنهم لم يكونوا قادة الثورة على هذا الطاغية. وفاز في مصر الإخوان المسلمون كذلك. وليس لنا أن نعترض على الشعب التونسي لأنه اختار النهضة، ولا على الشعب المصري لأنه اختار الإخوان المسلمين والسلفيين. ولكن ما يمكننا فعله هو دراسة ما جرى والإنعكاسات المتوقعة لما جرى.

جميع الحركات الإسلامية القائمة في الوطن العربي وبعض البلدان الإسلامية مثل تركيا وباكستان، جميعها كانت جزءاً من تنظيم الإخوان المسلمين أو تأثرت بهذا التنظيم. فقد كان لهذا التنظيم فرع يسمى التنظيم الدولي وتتاثر جميع التنظيمات به. من هنا نرى بأن نجاح الإسلاميين في تونس ومصر والمغرب سوف يكون له انعكاسات على باقي البلدان العربية ومنها لبنان.

في لبنان، كان انتصار الإسلاميين في بلاد الجوار مناسبة لرسم سياسة جديدة للإسلاميين الذين يتأثرون بالإخوان المسلمين، وهذا حقهم. فقد اختلفت لهجة التخاطب مع المجموعات الإسلامية الأخرى. فنرى السيد إبراهيم المصري ينتقد "حزب الله" بألفاظ لم نتعود عليها وخاصة عبر الإعلام. ولا نخفي بأن هذا النقد، أو التجني، قد أصاب الحزب الحليف بأذىً في وقت غير مناسب لهذه الأذية. ولم يقتصر هذا الأذى على حزب الله وحده بل تعداه ليصيب بشظاياه المجموعات الإسلامية الصديقة للحزب وعلى رأسها حركة التوحيد الإسلامي.

إن ما مكن السيد المصري من ذلك هو شعوره بالتماهي مع الإخوان الذين نجحوا في مصر وتونس والمغرب. ولن يكون الأردن بعيداً عن ذلك وكذلك ليبيا، إن جرت الإنتخابات في هذه الأقطار. نضيف أن حزب الله قد تعامل مع الجماعة الإسلامية على أنها جزء من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وهو يريد ذلك حتى يتمكن من فتح علاقات مع الإخوان لأنه لايرى نفسه بعيداً عنهم. هذا لايعني أن الحزب يتبنى نفس النهج الإخواني الذي لم نعلم حتى الآن كيف سيتصرف عندما يصبح في السلطة. هل سيلتزم بتلك التسريبات التي تشكل تراجعاً عن كل الشعارات التي ميزت الإخوان المسلمين عن السلطات التي أقامت العلاقات مع الكيان الصهيوني الغاصب. فنرى أحدهم يصرح بأن الإخوان سوف يلتزمون باتفاقية كمب ديفيد، ونرى آخر يصرح أنه لامجال للتفاهم مع الكيان الصهيوني الذي اغتصب فلسطين، ونرى ثالثاً يقول بأنهم سوف يعدلون اتفاقية السلام مع العدو الصهيوني. هذا لايعني تخبطاً، إنما يعني أن القرار بكيفية التعامل لن يتخذ حتى يصبح الإخوان في السلطة. ويمكن أن يكون هذا التكتيك مقبولاً. ولكن هذا يختلف قطعاً عن سياسات حزب الله الإسرائيلية.

ماذا يعني هذا الإستقواء من قبل الجماعة الإسلامية؟ إنه يعني أن الجماعة تطالب حزب الله بتعديل قواعد التعامل مع الجماعة. فالجماعة ما قبل انتصار الإخوان هي غير الجماعة بعد انتصارهم، وهذا مما لايفسد للود قضية. ولكن ما معنى إدخال الجماعات السنية التي لها علاقات تاريخية مع الحزب في هذا البزار؟ أعني حركة التوحيد الإسلامي. هل يمكن أن يعني أن علاقة الحزب مع هذه المجموعات سوف تمر عبر الجماعة الإسلامية، أو أن الجماعة تريد ذلك. نحن لانميل إلى هذا الإعتقاد، إنما نميل إلى أن الجماعة تريد أن تكون علاقة الحزب بالمجموعات السنية معروفة من حيث الكيف والأهداف. أي بمعنى آخر لاتريد الجماعة أن يستغل الحزب علاقته مع المجموعات السنية بحيث يشكل ضغطاً على الجماعة. أو ربما تريد الجماعة من الحزب أن يكف يده عن "العبث" بالساحة السنية.

جميع هذه الإحتمالات لا تربك الحزب. ذلك أن الحزب يعرف ما يريد. فالعلاقة الصحية مع الإخوان المسلمين يستأهل من الحزب المجازفة. ولكن لن يتم ذلك الآن. لأن صورة ممارسة الإخوان في السلطة لم تتوضح بعد. لذلك فالحزب عليه أن يمد الحبال بانتظار إمساكها من الطرف الآخر بعد توضح الأمور.

نحن لانميل إلى أن الإخوان المسلمين سوف يتماهون مع الأمريكان إذا فتحوا حواراً معهم. ولكن التفاوض يستدعي الأخذ والرد ولن يكون القرار إلا بالشكل الذي يبقي على التمايز بين كل طرف والآخر. فالعداء المطلق للعدو الصهيوني هو من مميزات الإخوان المسلمين. وخلاف ذلك سوف ينزع صفة الإخوان عن أولئك الذين يضعون أيديهم بأيدي العدو. نحن نعتقد بأن حزب الله يعرف ذلك. لذلك نراه يعمل من أجل فتح قناة اتصال مع الاخوان، وهو محق بذلك. فمصلحة الأمة تتقدم على ما عداها. من هنا لايضير الحزب إن أراد الإخوة في الجماعة الإسلامية تحسين شروط التفاوض معه.

يبقى الحديث عن المجموعات المؤتلفة مع حزب الله، وعلى رأسها جبهة العمل الإسلامي. ففي خضم هذه التغيرات التي طرأت على أمتنا، أصبح من الضروري أن يأخذ كل حجمه ومكانه. فالجبهة لم تكن مولوداً طبيعيا لساحتها السنية. إنما كانت نتيجة مفاوضات أملت تشكيلها نتيجة ظروف معينة تستدعي وجود مجموعة إسلامية سنية بإمكانها في حال ترعرعت ونمت أن تجابه أوضاع استجدت في الساحة السنية نتيجة إغتيال الرئيس رفيق الحريري. ولكن الجبهة، ومنذ نشأتها لم تتمكن من معرفة الساحة التي عليها التحرك في رحابها. لذلك رأيناها تقيم الإحتفالات في الضاحية الجنوبية، وكأنها تريد استقطاب جماهير الضاحية ليكونوا مع المقاومة. أما الساحة الطرابلسية والعكارية والضناوية فقد تركت لتيار المستقبل. فما هو مبرر وجودها إذن؟

نحن نعلم أن الجسم الأساسي للجبهة هو حركة التوحيد الإسلامي. لماذا لا تهتم هذه الحركة بأوضاعها الدعوية والسياسية من أجل أن تعود كما كانت الرقم الصعب في الساحة الشمالية. إن العمل الحقيقي للحركة هو في الساحة الشمالية وكل ما عدا ذلك يعتبر إضاعة للوقت وحرث في أرض غير صالحة. من هنا وجب دفن الميت وشحذ الهمم من أجل إعادة الساحة السنية إلى موقعها الطبيعي في مجابهة العدو الصهيوني وجميع أعوانه. جميع الثورات أفرزت من تريد أن يقودها. والساحة اللبنانية، حتى تتكامل، تفرض حركة في الساحة الشمالية تتماهى مع شعارات المقاومة، ليس بدعمها فقط، إنما بالإنخراط في صفوفها. وبذلك نترجم عملياً شعار الوحدة الذي مر على رفعه عشرات السنين.

13 كانون الثاني 2012 حسن ملاط

السبت، 3 ديسمبر 2011

السكوت من ذهب!

صرح السيد برهان غليون، رئيس ما يسمى "المجلس الوطني السوري" في مقابلة مع صحيفة "وول ستريت جورنال" الاميركية بان حكومة سورية جديدة بقيادة المعارضة في البلاد، ستقطع العلاقات العسكرية لسوريا مع إيران وتنهي إمدادات الأسلحة للمجموعات المسلحة في الشرق الأوسط مثل "حزب الله" وحركة المقاومة الاسلامية "حماس"... وأكد أن سوريا ستواصل التزامها استعادة هضبة الجولان المحتلة من إسرائيل، لكنها ستركز على مصالحها من طريق المفاوضات عوض اللجوء الى النزاعات المسلحة.
كان تشكيل "المجلس الوطني السوري" خطوة بإيقاع مختلف عن تطور حركة المعارضة السورية الداخلية. فقد تدخلت دول عديدة حتى جمعت مختلف مكونات هذا المجلس. أو بعبارة أخرى، فتشكيل هذا المجلس هو نتاج تآلف قوى عربية ودولية معادية للنظام السوري القائم حالياً. وليس لها علاقة (هذه القوى) لامن قريب ولا من بعيد بأي مطالب يرفعها الشعب السوري الذي يتعرض للإرهاب على أيدي أجهزة قمع النظام. كما وأن ردود فعل المعارضة الداخلية بأكثريتها لم تكن مؤيدة لهذا المجلس للأسباب التي سبق ذكرها إضافة إلى سبب جوهري هو معارضة أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية السورية. فما أن تشكل هذا المجلس حتى بادر إلى طلب التدخل الخارجي، وكأني به قد شُكل من أجل تشريع التدخل الخارجي. ولم توافق المعارضة الوطنية الداخلية على هذا المطلب. من أجل ذلك، فليس من المستغرب أبداً أن يسارع غليون إلى إعلان عدائه لإيران التي تساند المقاومة الفلطسينية والتي تساند حزب الله. وكيف يقدم غليون أوراق اعتماده للغرب إن لم يكن بإعلانه العداء للمقاومات التي أعادت الأمل إلى شعوبنا باستعادة حقوقها من مغتصبيها. أما عن الجولان فهو يريد استعادته كما استعاد عباس الضفة الغربية!؟ ولم يكن غليون بحاجة لهذه الإعلانات لأن طريقة تشكيل المجلس الوطني الذي يرأسه لن تفرز إلا هكذا مواقف. فليت أنه سكت، لأن السكوت من ذهب.

لقد اعتبرنا أن تشكيل المجلس السوري يستدعي خطوة من النظام اتجاه المعارضة الداخلية. فتذكَر التجربة الليبية يستدعي الحذر من تشكيل المجلس السوري، خاصة وأن المجلس الإنتقالي الليبي كان الممر للتدخل الخارجي والذي أدى إلى المجازر المعروفة بحق الشعب الليبي والتي أودت بحياة عشرات الآلاف على أيدي قوات الناتو السيئة الذكر. أما التفرج على ما يحصل من دون القيام بأي عمل سوى القمع، لن يساهم في حل الأزمة السورية حتى مع الدعم الروسي المرهون بسعر مؤات لتغيير مواقفه.

المطلوب الآن، ومن دون إبطاء، المسارعة إلى الإفراج، من قبل النظام، عن جميع المعتقلين على خلفية الإنتفاضة السورية، والمسارعة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة أحد رموز المعارضة، والمباشرة بمباحثات جادة ما بين النظام والمعارضة الوطنية السورية على الخطوات التي ينبغي القيام بها من أجل تأمين السلم الأهلي، ومحاكمة جميع المجرمين الذين قتلوا الشعب السوري. كما وأن من واجبات هذه الحكومة المسارعة إلى إصلاح الإقتصاد السوري بحيث يؤمن مصلحة الناس وليس مصلحة حفنة من المتاجرين بعرق الشعب. إضافة إلى قانون عصري للأحزاب وقانون عصري للإنتخابات يؤمن الإصلاح الذي يطالب به المواطنون السوريون...

إن خطوات كهذه سوف تساهم بإعادة الأمن والإستقرار إلى القطر السوري. أما الإعتقاد أن الوصول إلى تفاهم من دون تنازل من مختلف الأطراف، فهذا يعني الإستمرار باللعبة الجهنمية التي لن تنتهي إلا بتهشيم جميع الأطراف بدون أدنى شك. والخاسر الوحيد سوف تكون سوريا.

3 كانون الأول 2011 حسن ملاط

الأحد، 6 نوفمبر 2011

ديون اليونان، أم شعب اليونان؟

القرقعة تملأ الدنيا ولا تترك لأحد فرصة الراحة من الضجيج، ديون اليونان. وما قصة اليونان وديونها. الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تُسمى العولمة القائمة اليوم في العالم باسمها، هي السبب الرئيس. ذلك أن الدولار هو النقد العالمي الوحيد، ونضيف "تقريباً" من دون قناعة، إنما إرضاءً لمن يرون اليورو يحمل هذه الصفة.

عندما وقعت أزمة الديون الأمريكية في العام 2008، تأثر العالم بمجموعه بالأزمة. وقليلة هي البلدان التي لم تتأثر بتلك الأزمة بصورة سلبية، وذلك لارتباط الجميع بالدولار. والسؤال هل لازالت الأمور على ماهي عليه حتى الآن، أم أن هناك بعض التغيرات.

لقد صرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن على أوروبا أن تجد الحلول لمشكلة المديونية في منطقة اليورو لأن هذا الوضع يؤثر سلباً على النمو في أمريكا. وقد سارع الإتحاد الأوروبي لدراسة أوضاع الدول المتعثرة وعلى رأسها اليونان واسبانيا والبرتغال وإيطاليا وارلندا. وقد قدم الإتحاد المساعدات لبعضها، عله يساعد في إمكانية حل مشاكل المديونية. وطلب الإتحاد الأوروبي المساعدة من دول البريكس ( البرازيل، الهند، الصين، جنوب أفريقيا وروسيا) وعلى رأسها الصين. وقد وضعت الصين شروطاً قاسية من أجل المساهمة في المساعدة، علماً أن 20% من حجم تجارتها هي مع الإتحاد الأوروبي. أما روسيا فقد أبدت استعدادها للمساعدة بعشرة مليارات دولاراً، ولكن عبر صندوق النقد الدولي، أو بشكل ثنائي. بينما اشترطت الصين شراء بعض الأصول الأوروبية والحصول على التقنية العسكرية المتطورة والممنوعة عليها حالياً. كما اشترطت الإعتراف بأن نظامها رأسمالي للتخفيف من بعض الشروط التجارية التي تراها مجحفة. وقد أبدت الصين استعدادها المساعدة بمبلغ يتراوح ما بين 50 و100 مليار دولاراً.

ثم اجتمع العشرون الكبار لدراسة مشاكل منطقة اليورو وقد ألقوا الخطب وتوصلوا لعدد من المقررات لا يتسم أي منها بأي صفة عملية. وقديماً قيل "أن جهنم مرصوفة بالنيات الحسنة".

قمنا بهذا الإستعراض السريع حتى نصل إلى الموضوع الذي يشغل الدنيا في هذه الأيام وهو ديون اليونان وأين موقع الشعب اليوناني من هذه الضجة؟ لقد أقرالإتحاد الأوروبي مساعدة اليونان ب160 مليار أورو وبشطب 100 مليار يورو من ديونها، وأن هذه المبالغ تُدفع على دفعات على أن لا تخل اليونان بالشروط المفروضة عليها. وأهم هذه الشروط هي التي تنقل الشعب اليوناني من الحياة الطبيعية إلى الحياة البائسة.

كيف يعيش الشعب اليوناني في هذه الأيام التي قدمت أوروبا له المساعدة ب160 مليار يورو؟

جاء في جريدة (ايليفتوروتيبيا) اليونانية متحدثة عن المظاهرات الإحتجاجية على الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الحكومة بحق الشعب اليوناني حتى يُموَل أصحاب الملايين المبعثرة على نزواتهم كما أصحاب البنوك والشركات الأمريكية والتي يعتصم ضدهم الشعب الأمريكي في حركة "احتلوا وول استريت" ما يلي:" (يقول المتظاهرون) نحن لن نرحل من هنا، هذا هو يومنا، مهما كان عدد القنابل المسيلة للدموع، سنظل هنا. (وقد كانوا في ساحة كيرياكوبوللوس) هذه ساحة الثورة الشعبية، ساحة الديموقراطية، الساحة التي فيها ينمو الأمل. وقد عمت المظاهرات جميع المدن والجزر اليونانية. وقد خرج المزارعون مع جراراتهم وصغار التجار والطلاب والتلاميذ والمتقاعدون". ومن الجدير ذكره أن هذه المظاهرات قد تعرضت لكثير من العنف.

ولكن لماذا يحتل المتظاهرون الشوارع رغم هذا العنف السلطوي؟

جاء في جريدة (تو فيما) اليونانية: "لم تعد سلة التبضع تمتلىء، كما كانت الحال قبل الأزمة. فقط 12% يدفعون أكثر من مئة يورو عندما يذهبون للتبضع. كما أنهم يفتشون عن الصنف الأرخص من دون الإهتمام بالنوعية أو الماركة. ما من أحد يخرج إلى المطاعم أو الحانات. قال أحد أصحاب المطاعم أنه تمر بعض الأيام لا نجد زبوناً واحداً، علماً أن مصروفنا اليومي يبلغ 1500 يورو. لقد أقفل 6000 مطعم. ومن الآن حتى آخر السنة سيقفل 25000 مطعم. حتى المواد الغذائية لاتجد من يشتريها بالرغم من انخفاض أسعارها 35%".

"في مجال الصحة، يؤجل الناس الذهاب إلى الطبيب لأن الدواء غال وكذلك الإستشارة الطبية. لايذهب الناس إلى المختبر أو إلى التصويرالشعاعي، لايشترون الفيتامينات أو المضادات الحيوية لأنها مكلفة. لا يدفعون فاتورة الكهرباء لأنها غالية. لقد أعلنت شركة الكهرباء أن عدم التحصيل قد وصل إلى 200 مليون أورو. كما أن اليونانيين قد أقلعوا عن استخدام سياراتهم الخاصة. التعليم الخاص انخفض 40%. المتقاعدون لا يذهبون إلى المقاهي بل يلتقون في الشوارع أو السوبر ماركت".

وفي عدد آخر لنفس الجريدة تقول "بأن اليونانيين يفتشون عن الأرخص لشرائه من أجل التغذية. ولكن منهم من يفتش في القمامة عن شيء يعينه على الإستمرار في الحياة، خاصة بعد أن خفضت الحكومة مخصصاتهم. هناك جوع حقيقي في اليونان، هناك من لايتمكن من شراء اللحوم ولو مرة واحدة في الشهر. ومع هذا يتلف كبار التجار الأوروبيين ما يقارب من 89 مليون طن من المواد الغذائية بسبب انتهاء الصلاحية، أي ما يعادل 180 كيلو لكل أوروبي".

يكفي هذا القدر من المآسي، ولكن السؤال هو ما الإفادة التي يجنيها اليوناني من استدانة حكومته من الإتحاد الأوربي؟ هو تكديس الدين عليه من دون الإستفادة من أي من هذه الملايين التي تذهب إلى كبار المرابين وأصحاب البنوك والشركات الكبرى. أليس من أجل ذلك يتظاهرون في المدن الأمريكية. 99% يعملون ويدفعون من أجل أن يتمتع 1% من الشعب الأمريكي. لمن دفعت الحكومة الأمريكية في أزمة 2008؟ أليس لأصحاب البنوك؟

ما هي الأسباب الكامنة وراء هذه المآسي؟

إنها العولمة النيوليبيرالية. لقد ابتدع الأمريكي البشع قيماً للمجتمع الجديد المعولم تقوم على الإستهلاك والمزيد من الإستهلاك، من دون النظر عن أصل المال إن كان شريفاً أو ملوثاً. المهم الإستهلاك وتكديس الثروات من أصحاب الشركات الكبرى والبنوك. ألم تفتعل الإدارة الأمريكية الحروب من أجل أصحاب مصانع السلاح ومن أجل الشركات النفطية. ألم يبتدع أصحاب البنوك ما يسمى بالمشتقات المالية من أجل سرقة أصول أصحاب الحسابات المتواضعة. ألم تسرق البنوك عقارات أصحاب الدخل المحدود ورمتهم في الشوارع عندما أغرتهم على الإستدانة. ألم تطبع الإدارة الأمريكية المليارات من الدولارات من دون أي تغطية من ذهب أو من إنتاج. أليس هذا بالسرقة الموصوفة.

ليس هذا فحسب، بل إن الإدارة الأمريكية المهيمنة على العولمة قد أجبرت الجميع على السير في ركابها. ذلك أن نمط الإنتاج الرأسمالي يجعل الجميع على نمطه، فهو يحطم جميع الأنماط السابقة على وجوده. من هنا تداعت جميع الدول على دعم الدولار، عصب الإقتصاد الأمريكي، ودفعت مليارات الدولارات من الخسائر حفاظاً على هيبة الأمريكي البشع.

هل من إمكانية للخلاص من هذا الواقع البائس؟

الصين، أكبر الدول المنتجة في العالم والتي تملك اقتصاداً حقيقياً وتملك احتياطاً، جله من الدولار، يساوي 3.2 تريليون دولار، يمكنها التصرف ب500 مليار دولار فقط تريد أن تتجه نفس الإتجاه التي تريده الولايات المتحدة الأمريكية. فالأخيرة تريد من الصين أن توسع سوقها الداخلية، وهذا يجبرها أن تسعر اليوان بسعره الحقيقي مما يوجد نوعاً من التوازن في السعر بين المنتجات الصينية والأمريكية. كما وأن الصين تريد أن تجعل من اليوان نقداً عالمياً مثل الدولار واليورو. أليس اقتصادها هو ثاني اقتصاد في العالم؟ وهذا ما اشترطته على الإتحاد الأوروبي من أجل مساعدته، أي احتساب الدين باليوان.

إن اتجاهاً كهذا سوف يؤخر الحل التي تصبو إليه الشعوب لأنه يؤخر انهيار النمط الأمريكي في استغلال الشعوب ويساعد الصين على أن تكون الشريك الأول لأمريكا في الاستغلال أو من الممكن أن يجعلها الأولى في استغلالهم!

ما يساعد على تحرر الشعوب من أزمتها هو التخلي عن سرقة الشعوب بأساليب متعددة، كالمشتقات المالية مثلاً. وأن يعود الإقتصاد حقيقياً يقوم على انتاج الخيرات المادية، وليس على تأمين الأرباح لأصحاب الملايين. وبهذا الشكل تعود القيمة للسلعة وليس للربح من دون تأمين السلعة. أما الوصول إلى هذا النمط الرأسمالي يتطلب الصراع مع النيوليبيراليين إلى أي جنسية انتموا. كما ويتطلب عودة الثقة إلى الشعوب بقدراتها الكبيرة. ولعل الربيع العربي ونسخته الأمريكية الناشئة "احتلوا وول استريت، هي من المبشرات بالغد المشرق لشعوب المعمورة.

6 تشرين الثاني، نوفمبر 2011 حسن ملاط

الأحد، 2 أكتوبر 2011

"الأقليات" بضاعة أوروبية بامتياز

لم يتعامل الغرب الأوروبي مع الشرق العربي على أنه يوجد فيه شعب، إنما توجد فيه أكثرية وأقليات. وحيث يمكنه أن يقسم الأكثرية إلى أقليات، فلا مانع لديه. لذلك تحدث عن الموارنة والأرثوذكس، ومن ثم تحدث عن الكاثوليك والبروتستانت، وتحدث عن السريان والكلدان والأشوريين. وعندما تحدث عن السنة كأكثرية قسمهم إلى أقليات إتنية، أكراد وأتراك وعرب...

وحيث أن الأقليات صناعة غربية سوف نستشهد بمقطع طويل نسبياً من محاضرة ألقاها الفرنسي جاك وُلرس Jacques Weulersse نُشرت سنة 1936 وهي من تعريب الدكتور جوزيف عبد الله (أستاذ في معهد العلوم الإجتماعية في الجامعة اللبنانية) وهي تلقي الضوء على تشكيل الأقليات في شرقنا العربي. يقول جاك ورلس: "بيد أن المطلوب فهمه، وهنا الأمر الأساسي، هو أنه لا الدين ولا اللغة ولا الاثنين (الدين واللغة معاً) ما يمكنه أن يخلق ما أسميه "المركب الأقلوي" complexe minoritaire. فهذا المركب هو الذي يجعل مجموعة اجتماعية تبني تماسكاً خاصاً بها، ويرسخها لتنتصب بوجه الآخرين".

ثم يضيف: "فمن أين ينبع في الشرق هذا "المركب الأقلوي"؟ إن الدين واللغة، كما قلنا، لا يكفيان لخلقه. بالنسبة للدين، يكفي أن أذكركم بتقاليد التسامح الديني وهي سمة كل الشرق. فالشرق موطن الأديان التي نشأت وتعايشت معاً، وبفعل احتكاكها تعلمت كيف تمارس عيشاً مشتركاً".

ثم يقول: "وإلى جانب تعددية الأديان، هناك أيضاً عملية التوليف syncrétisme (بين العبادات) التي ما تزال حية في سورية. لقد تشابكت الأديان مع بعضها البعض حتى اليوم، في الكثير من المواضع، لدرجة أن نفس الموضع يكون مقصد حج المسيحيين والمسلمين.

لنتذكر أيضاً تسامح الإسلام، خصوصاً في ما يتعلق بأتباع أهل الكتاب: اليهودية والمسيحية. كما أنكم تعرفون أيضاً الدور الذي قدمه اليهود والمسيحيون في الحضارة الإسلامية من بغداد إلى قرطبة".

"وأخيراً، يجب الاستناد إلى قدرة الشرق التسامحية التي سبق وتجلت بكل وضوح في زمن الحروب الصليبية. وإنه لمن المثير في الحقيقة ملاحظة فرق الذهنية بين قدامى الصليبيين والصليبيين الجدد؛ فقدامى الصليبيين المعتادون على بلاد الشرق بحكم معايشة طقوس مختلفة عن طقوسهم لم ينتهوا بعدم شعورهم بالصدمة من الكثير من معتقدات الشرق فحسب، بل تقبلوها. وذلك بعكس الصليبيين الجدد الذين لدى وصولهم شعروا بالتناقض المباشر وطالبوا بملاحقة الكفار"!

"وأخيراً، لنتذكر أن أي دين في الشرق الأدنى، لا المسيحية ولا اليهودية ولا الإسلام، لا يمارس الآن بشكل شائع وسوي التبشير لاجتذاب الآخرين prosélytisme. فمن الغرب أتى "المركب الأقلوي"، هذا إذا شئنا النظر بهذه العين إلى النزعة التبشيرية الساعية إلى اكتساب مواقع على حساب الديانات الأخرى".

"وبالنسبة للغات فالمسألة هي نفسها، لأنه هنا أيضاً لا يكفي عنصر اللغة ليحفر فاصلاً مطلقاً بين مختلف الجماعات الاجتماعية. ونظراً لتعددية اللغات فإن الشرقي بالضرورة متعدد اللسان. وهذا أمر يصعب علينا، نحن الغربيين، تفهمه، وخصوصاً في فرنسا حيث الناس أبناء لغة واحدة؛ بينما من الشائع أن نلاحظ في الشرق، الكلام بلغتين أو ثلاث أو أربع".

"لنضِف إلى ذلك أن تغيرات اللغات كانت متواترة عبر التاريخ؛ ولهذا قبل مسيحيو الشرق بسهولة العربية كلغة شائعة، وكذلك اليهود. وهكذا فالشرق، وعلى الأقل الشرق الأدنى، لم تكن فيه بغير شكل كامن أو افتراضي العناصر الملائمة لتكوين "المركب الأقلوي"؛ ولقد استلزم تحولها إلى عناصر فعلية وتطورها، إن جاز القول، جرثومة ("فيروس" virus). وكانت هذه الجراثيم ("الفيروسات") على نوعين: الجرثومة الاقتصادية والجرثومة القومية".

"تظهر الجرثومة الاقتصادية ما أن تحتل مجموعة، هي أقلية على العموم، موقعاً في الدولة بحيث تزعج الآخرين من خلاله. هذا ما حصل في الشرق مع اليهود ومع الأرمن".

"عندما نقول أقلية غالباً ما نقصد نخبة. وفي الحقيقة، من الطبيعي لمن يشعرون بأنهم في عزلة اللجوء إلى التضامن والمدافعة بالاستناد إلى تفوق مكتسب مرجعه الثقافة. وسرعان ما يتحول هذا التفوق، وهذا التضامن الذي يمارسه الأقلويون، إلى تهديد لجمهور الجماعة".

"ثم جاء، علاوة على نظام الامتيازات الأجنبية الذي كان محدود الأهمية بفعل أن الأجانب وحدهم هم المستفيدون منه، نظام المحميين من جانب قناصل الغرب؛ وبذلك تجمع إلى جانب الغرباء عدد من أبناء البلاد الذين طالبوا بنفس الحقوق. وأصبح هذا الأمر بالغ الخطورة عندما اتخذ نظام الحماية صبغة سياسية: فرنسا ومحميوها من الأقليات الكاثوليكية، روسيا ومحميوها من الأقليات الأرثوذكسية. وكانت النتائج الحتمية لهذه الحماية انتشار مشاعر الغيرة والحقد لدى غالبية السكان بوجه هذه الأقليات. وهكذا تلاحظون في هذا الصراع بين الغالبية والأقلية أن الأقلية هي التي شرعت بشن الهجوم".

"وهكذا نرى أن تأثير الغرب هو الذي أدى تدريجياً بصراع الأقليات إلى أن يتخذ هذا المنحى المأساوي الذي يجعل من الأقليات واحدة من المسائل الأساسية في الشرق الأدنى".

إنطلاقاً من هذه المقدمات سوف نقرأ مقاربة البطرك الراعي من الإنتفاضات العربية ومن سلاح حزب الله، وكذلك الموقف من إسرائيل.

قال البطرك الراعي متحدثاً عن الثورات الديموقراطية القائمة في بعض البلدان العربية: "نحن لا نحترم فقط كرامة الشخص البشري بل نقدسها، وبالتالي لا يمكننا أن نعارض مطالب الشعوب المحقة المطالبة بالديموقراطية وحماية حقوق الأفراد فيها، إلا اننا لا يمكن ان نرضى، تحت هذه الذرائع، أن نشجع على الحروب الاهلية والفتن التي تنتهي ببطش الاكثريات بحقوق الاقليات وثقافتها وتراثها وحقها بالمساواة". وهذه المقاربة بالنسبة لبطش الأكثريات بحقوق الأقليات استوردها غبطة البطرك من العراق، حيث تبطش الأكثرية الشيعية بحقوق المسيحيين. هذا مع العلم أنه لادخل للشيعة بهذه المقاربة. فالحكام في العراق هم صنيعة الإدارة الأمريكية التي قضت على الوجود المسيحي في العراق أو تكاد. فما على غبطته إلا أن يطالب الإدارة الأمريكية باحترام حقوق جميع شرائح الشعب العراقي. فهذا الوضع بالنسبة لمسيحيي العراق تتحمل مسؤوليته الإدارة الأميركية بمفردها، أو مع حلفائها البريطانيين.

وعليه، فإن مقاربة غبطة البطرك بالنسبة للوضع السوري خاطئة أيضاً. يقول غبطته: "وإذا وصل السّنّة إلى الحكم (في سوريا) فسيتحالفون مع سنّة لبنان وسيتأزم الوضع مع الشيعة". هل من منافسة على الحكم ما بين سنة لبنان وشيعته على الحكم في سوريا؟ إن الخطأ في المقاربة لدى البطرك يتأتى من حيث أنه لا يؤمن بوجود مواطن لبناني أو سوري إنما يوجد أقليات وأكثريات كما ينظر الغرب إلى شعبنا في هذه المنطقة. لذلك جاءت مقاربة الفاتيكان متطابقة مع مقاربة البطرك، ليس لأن الفاتيكان أصبح شرقي الهوى إنما لأن البطرك فكر في الشرق على الطريقة الأوروبية. قال وديع الخازن في تصريحٍ له اليوم:

" لأول مرة في تاريخها، تطلق حاضرة الفاتيكان صفارة الخطر، فأكّد وزير خارجيتها المونسنيور دومينيك مومبتي في كلمته إلى مجلس الأمن على هواجس ومخاوف سبقه إليها غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي.
ففي التوقيت، يمثّل هذا الإشعار من أعلى سلطة روحية في العالم بضرورة إتّخاذ التدابير لحماية الأقليات "حيث هم مهدّدون" وتحمّل مسؤولية الحماية التي تتلازم مع قواعد الأمم المتحدة".
اضاف:" في الرسالة، إشارات ذات مغزى إستعجالي، إذ أوجب رئيس الدبلوماسية الفاتيكانية "أن يكون ما سوف يتوقّع إتّخاذه مجلس الأمن حلاًّ لمدة محدودة من الزمن وإجراء طارئًا لسبب ملحّ يرافقه ويليه إلتزام ملموس بالسلام.
وكأني بالكرسي الرسولي قد تراجع عن مقررات السينودس من أجل مسيحيي الشرق وأصبح بحاجة إلى تجنيد الغرب الأوروبي لحماية مسيحيي الشرق، ولكن لا نعلم ممن سوف يحميهم. مسيحيو العراق يجب حمايتهم من الأمريكان. ومسيحيو فلسطين يجب حمايتهم من الصهاينة. ولكن لم يتخذ الفاتيكان صفة الإلحاح بمطالبته أمريكا بحماية مسيحيي العراق، ولم يطالب الكيان الصهيوني بحماية مسيحيي فلسطين. فهذه الإستيقاظة المتأخرة تقول بأن وراء الأكمة ما وراءها؟ من هو بطرس الناسك؟

ثم تابع غبطة البطرك متحدثاً عن سلاح حزب الله: "واشار الى ان سلاح «حزب الله» مرتبط بشؤون عديدة، لافتاً الى ان الحزب يحمل السلاح لان الاسرة الدولية لم تضغط على اسرائيل لتخرج من لبنان. وطلب من المجتمع الدولي المساعدة في تحرير الارض وعودة الفلسطينيين الى بلادهم وحينها نقول لحزب الله سلم سلاحك، فلم يعد هناك من حاجة اليه، لان سلاح حزب الله مرتبط بعدة شؤون". نحن نؤيد هذه المقاربة مع فرق واحد هو أننا لن نطالب حزب الله بتسليم سلاحه حتى يعم العدل على هذه الأرض.
كما أننا نؤيد مقاربة البطرك من الدول الكبرى. فهو يقول: "الدول الكبرى لا يهمها إلا مصالح اسرائيل، وما يحصل من تفتيت للدول العربية هو لصالح اسرائيل". أليس الحديث عن أن الشعب أقليات وأكثريات هو تفتيت أيضاً؟

هذا التأييد لا ينزع عن منطق الأقليات، والذي استخدمه غبطة البطرك، خطورته. وأكثر ما ظهرت هذه الخطورة في لبنان. فمنطق الأقليات هو الذي برر للقوات اللبنانية والكتائب وغيرها من المجموعات المسيحية التحالف مع إسرائيل، وبرضىً من الكنيسة المارونية. كما أن منطق الأقليات هو الذي سمح لأحد أهم حلفاء حزب الله اليوم أن يذهب إلى الكونغرس الأمريكي من أجل القرار 1559. ومنطق الأقليات نفسه هو الذي يجعل هذا الحليف حيث هو اليوم. هذا كلام مزعج ولكنه يعبر عن الحقيقة. نحن نريد تأييد المقاومة لأنها تعبر عن مصالح شعبنا، لا أن نؤيد المقاومة إنطلاقاً من منطق تحالف الأقليات.

والتبعية العمياء هي التي جعلت بعض القوى تسبح بحمد ما قاله غبطة البطرك بالرغم من خطورته على المدى البعيد. لذلك كان البيان الختامي للقمة الروحية خالياً من أي تصحيح لما قاله البطرك. فهم أعلنوا تأييدهم بدل من تصحيح المفاهيم ومن ثم التأييد. وهذا ما جعل المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى ينسف ما جاءت به القمة الروحية.

إن مصلحة لبنان في أن تتحالف جميع القوى لما فيه مصلحة البلد بالحفاظ على سلاح المقاومة حتى نتمكن من تحرير كامل التراب اللبناني واستغلال جميع ثرواتنا. وهذا غير ممكن من دون سلاح المقاومة. كما ولأن حق العودة للشعب الفلسطيني اللاجىء في بلادنا هو بحاجة لسلاح المقاومة أيضاً. إنطلاقاً من هذه المقاربات نحن نؤيد سلاح المقاومة. ليس انطلاقاً من مقاربات تقسم الشعب اللبناني إلى اقليات متناحرة لايستفيد منها إلا العدو الإسرائيلي.

2 تشرين الأول 2011 حسن ملاط