بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الأحد، 14 أبريل 2013

حول القراءة


                                          حول القراءة
حسن ملاط
يقول الفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه، في مقالة له بعنوان " التربية المستنيرة على التعلم لم تزل في طور الطفولة" نشرها في جريدة لوموند الفرنسية: " ما أنا علي يقين منه هو أن التربية (في المدارس الفرنسية) تعتاش على صور وأفكار خاطئة. فنحن مررنا بانعطاف حاد في السبعينات قضى بالتخلي عن تربية تقوم على نقل المدرس علماً يمتلكه إلى متعلم أو تلمـــيذ يتلقى هذا العلم، وحل محل هذه التربية نــهج نشط يولي التلميذ دوراً فاعلاً في بناء معارفه وصوغـــها. وهـــذا الانقــلاب لا عودة عنه، ولا رجعة فيه. ولكننا استعجلنا الأمور من غير روية. وحسبنا أن الانقلاب وهبنا مفاتيح سيرورات التعلم والوقائع. والحقيقة أننا لا نعلم شيئاً تقريباً من طبيعة التعلم وعملياته. وما نعلمه جنيني وغامض. والصندوق الأسود (الدماغ) لا يزال مغلقاً، ولم تكشف أسراره بعد". ثم يتساءل: " ما العمل لكي تصبح الدراسة جذابة ويقبل عليها التلامذة؟".  ويضيف: " فعلى سبيل المثال، نعرف أن مجموعة الكلمات التي يعرفها الطفل عامل راجح في تعلمه القراءة وتيسيرها، وأن مرونة القراءة والكتابة والحساب تكتسب من طريق عمليات آلية أو تلقائية، أي من طريق التدريب والتمرين"... " وما لا نعرفه إلا على سبيل التخمين هو تجربة الطفل الحقيقية وما يفهمه منها. فما ينشده الطفل، ولا يدركه على نحو واضح، هو رغبته في أن يصبح أو يصير راشداً مستقلاً بنفسه. وقد لا يؤدي إلى هذه الحال ما نحسبه ســـعادة الولد المباشرة والراهنة. وقد تكون نظرة الأهل إلى طفلهم من أعصى الأمور التي على المؤسسة المدرسية معالجتها. فالأهل يثقل عليهم قبول اكتساب المهارة بواسطة الجهد". وينهي مقالته قائلاً: " والاضطلاع بالتعليم والإقبال على مهنة التدريس، أمر محير. فهي مهنة تقتضي من صاحبها القيام بأدوار قلما تجتمع في شخص واحد: عليه أن يكون رائد فريق، وممثلاً، وبصيراً بنفوس أفراد صفه. وإلى هذا، عليه أن يلم إلماماً دقيقاً بمواد تدريسه. وهي مهنة تعنى بإنسانية الإنسان، وترعى جهد الولد في سبيل بلوغه رشده".
والمهارة في القراءة هي العامل الحاسم في تعلم الطفل مختلف مواد المنهاج المدرسي.
ماذا نفعل حتى نقرأ؟ في العشرين سنة الأخيرة، تقدمت الدراسات العلمية حول الدماغ والقراءة، بخطاً سريعة. علم النفس الإختباري والتصوير الدماغي أوضحا كيفية تعرف الدماغ على الكتابة وكيف تغير (الدماغ) خلال هذا التعلم. أصبح الآن ممكناً التحدث عن علم حقيقي للقراءة. والمؤسف حقاً هو عدم معرفة هذه العلوم من الجمهور المعني مباشرة بهذه العلوم، عنينا الأهل والمعلمين.
هذه المحاضرة هي حتى نضع في متناول المعلمين والأهل المعارف العلمية التي تتعلق بعلم الأعصاب المعرفي المتعلق بكيفية تعلم القراءة. وهذا ما صرف العلماء عقوداً من البحوث حتى تمكنوا من اكتشافه، والذي يحاول المعلمون بواسطة التجربة والخطأ الوصول إليه. المعلمون، الخبراء الأوائل بمعرفة غرفة الصف، يعرفون قوانين التفكير والنمو وأسس الإنتباه والذاكرة. ونحن نطمع أن يعرف الأهل كيف يعمل دماغ أبنائهم حتى يساعدوا المدرسة على الإنتاج والإبداع.
هناك فكرة مستجدة يتحدث عنها مؤلف كتاب "الخلايا العصبية للقراءة" ستانيسلاس دوهايين، وهي أن معرفة آلية عمل الدماغ لا تفرض طريقة معينة لتعليم القراءة أو تمارين محدودة للمساعدة في تعليم القراءة، ولكنه يتحدث عن ترك الحرية للطفل والمعلم بابتداع الطريقة التي يريد. ولكنه في مكان آخر من كتابه الجديد" تعليم القراءة" "Apprendre à lire”"  يقول في الصفحة 104: "لم نكن لنكتب هذا الكتاب لو لم يكن هناك عشرات من الدراسات قد أوصلت إلى استنتاجات صلبة والتي تؤكد أن تعليم الصوتمية phonologie وعلاقة الصوتم الروسم هي الطريقة الأكثر فعالية في تعلم القراءة. إنها تقود إلى تقدم أسرع من الطرق التربوية الأخرى في تعليم القراءة أو تعلمها، والتي لا تثير انتباه الأولاد إلى الحروف والأصوات. إن طريقة التعليم الهجائية (التركيبية) هي التي تدوم أكثر من الطريقة التحليلية. كما أن الإختبار قد أعطى نتيجة ضرورة تعلم كتابة الحروف...".
كيف يتعلم الدماغ القراءة؟
ما هي الكتابة؟ الكتابة تشبه الشيفرة السرية التي تحجز الأصوات. وكما كل الشيفرات علينا تعلمها. القارىء المُجيد هو من يعرف تفكيك هذه الشيفرة. في اللغة العربية، كل حرف مع حركنه يدل على صوت معين، ولكن التعقيد يأتي من حيث أن الحرف له أشكال مختلفة. أما في الفرنسية فكل صوت له حرف مقابل أو أكثر من حرف. كما أن هناك نفس الحرف يُلفظ بشكل مختلف: مثال abri و absent مثال آخر agenda و enfant.
كيف يعمل الدماغ قبل القراءة؟
القراءة ليست نشاطاً طبيعياً للطفل. الكتابة هي اختراع حديث نسبياً في تاريخ الإنسانية حتى يتمكن (هذا الإختراع) من التأثير على تطور دماغنا. فبكثير من الجهد تمكن الإنسان من إعادة تأهيل مناطق من دماغه حتى أصبح قارئاً خبيراً. دارون كان قد لاحظ أن القراءة هي نشاط صعب ومستحدث وأنه ليس كالكلام.
أثبتت التجارب العلمية أن الجزء الأيسر من الدماغ هو المسؤول عن تعلم القراءة. وأن هذا الجزء هو المسؤول عن تمييز أصوات اللغة الأم خلال عدة أشهر. فابتداءً من الشهر السادس يصبح الطفل حساساً للغته الأم بحيث يمكنه التمييز بين أصواتها. كما وأن الطفل بعمر السنتين يمكنه أن يميز إن كانت الكلمة تنتمي إلى لغته الأم أو لا. وخلال السنة الثالثة يمكنه التمييز بين الإسم والفعل. ويمكنه أيضاً معرفة أهمية ترتيب الجملة: فعل، فاعل... هذه المعرفة ليست واعية، فهو لا يعرف أنه يعرف.
حتى يتعلم القراءة على الطفل أن يعرف أنه يعرف. عليه أن يكون واعياً لبنية اللغة المحكية: الكلمة، الصوتم...
يوجد منطقة في الدماغ تختص بالكلمات المكتوبة:
قراءة الكلمة لا تتشابه مع تسمية شيء ما. قبل تعلم القراءة، جميع الكلمات تتشابه، خربشة على صفحة بيضاء. معرفة الكلمة المكتوبة يتطلب معالجة مختصة. حتى يتعلم الطفل تفكيك رموز الكلمات المكتوبة، هناك منطقة من الدماغ يجب أن تتخصص بهذا النشاط، لأن هذه الأشياء المرئية هي من نموذج جديد. التغير الرئيس الذي تفرضه القراءة يوجد في المنطقة اليسرى من الدماغ، في مكان محدد يدعى "مساحة الشكل المرئي للكلمات". بقدر ما تتطور القراءة تتطور هذه المنطقة من الدماغ. القراءة تعيد تهيئة الدماغ لتقبل التغيرات الضرورية للقراءة في القشرة الدماغية والخلايا الدماغية. وفي حال تلفت هذه المنطقة من الدماغ تصبح القراءة مستحيلة.
ما هي الفروقات الأخرى بين المتعلم والأمي؟
تبين في المختبر أن منطقة الرؤية في الدماغ تكون متطورة عند القارىء ولا تكون كذلك عند الأمي.
في النتيجة، القراءة تعني تنمية تواصل فعال بين رؤية الحروف وتحويلها إلى أصوات. هذا التواصل يجلب إفراط في الدقة لنظام الرؤية.
تركيز الإنتباه إلى الأصوات:
تركيز الإنتباه إلى أن اللغة المحكية مؤلفة من أصوات أصلية وبسيطة (صواتم) يدعى الوعي الصوتمي. هذا الوعي يعتبر المهارة الأساسية التي تؤدي لتعلم الطفل القراءة.
في البداية، يتنبه الطفل الذي لم يتعلم القراءة، إلى الكلمة بمجملها. ولكن، مع تعلمه القراءة يتنبه الطفل إلى أن الكلمة تتألف من مقاطع، ثم إلى أن المقاطع تتألف من صواتم بسيطة.
إن تعلم القراءة يجب أن يبدأ بتنمية الوعي الصوتمي، وهذا يبدأ في الروضة. هذه المرحلة تعتبر المفتاح لتعلم القراءة. لقد بينت الأبحاث أن التركيز على تنمية الوعي الصوتمي ضروري جداً لتعلم القراءة. لذلك على المعلمة أن تقوم بكثير من التمارين التي تنمي هذا الوعي. فالتمييز بين الأصوات يوجه المساحات الدماغية المختصة بالقراءة إلى التطور بحيث يتمكن الطفل من القراءة.
رؤية الحروف والرواسم:
في الرؤية، كما في السمع، يتنبه الطفل، قبل القراءة، إلى الكلمة بمجملها. فهو لا يتنبه إلى المقاطع، ثم إلى الرواسم، سواء كانت بسيطة أو مركبة. من هنا ضرورة تعليم الطفل وتنبيهه إلى أن الكلمة تتألف من حروف بسيطة ومركبة وبأن جميع الكلمات تتألف من هذه الحروف، وأن الكتابة تبدأ من اليمين أو من اليسار تبعاً للغة التي ندرسها. وهذا ما ينتج " علبة الحروف" في الدماغ. ألم نقل أن تعلم القراءة يستدعي إعادة تأهيل الدماغ recyclage. وعلينا التنبيه أن تعلم الحروف لا يكفي، فهناك ضرورة لتعلم الطفل العلاقة بين الرواسم والصواتم.
لقد أظهرت الإختبارات التربوية أن تعليم الطفل، بشكل واضح ومباشر، للعلاقة بين الروسم والصوتم هي الطريقة التي تؤدي إلى تعلم الطفل القراءة بشكل سريع. كذلك الإنتقال إلى القراءة الواعية السريعة تستدعي هذه الطريقة في التعليم.
كما أن التصوير الدماغي، اظهر أن هذه الطريقة تؤدي بشكل سريع إلى تنشيط المساحة الدماغية المسؤولة عن القراءة. كما أظهرت أن تعليم الطفل للكلمات بشكلها المجمل، لم يغير المساحات الدماغية المسؤولة عن القراءة. فهي تنشط قليلاُ في القسم الأيمن، علماً أن القسم الأيسر من الدماغ هو المسؤول عن القراءة.
إن ترك تعليم القراءة بالطريقة المجملة، وتركيز الإنتباه إلى مكونات الكلمة، هي مرحلة ضرورية في التعلم.
نلخص فنقول: حتى يتعلم القراءة، على الطفل أن يتنبه إلى أن الحروف تمثل أصواتاً في جميع الكلمات التي يتعلمها. كما وأن التعليم المنهجي للعلاقة روسم- صوتم هي التي تسرع التعلم.
الأحرف المتقابلة
هذه مشكلة لا بد من حلها، لأن الطفل الذي لم يتمرس على القراءة يخلط بين هذه الأحرف، وهذا يعود إلى عدم تأهيل الدماغ على التفريق بين هذه الحروف. إذ أن هذا يتطلب تدريباً للمساحة المسؤولة عن رؤية الأشياء في الدماغ. من هنا يخلط الطفل بين ن وب وت عندما تكون الأحرف متصلة أو بين p و q كما وبين b و d.
الطريقة لحل هذا الإشكال تقوم على الكتابة سواء في الفضاء أو على الدفتر أو اللوح. فحركات الكتابة تبين للطفل الفروقات بين هذه الحروف، وليس هناك حل آخر.
الطفل كقارىء جيد
القراءة تتطلب من الطفل جهوداً جبارة، فعليه تحليل الكلمة إلى مقاطع وحروف، ثم إعادة تركيبها حتى يحول الرواسم إلى صواتم أي أصوات. ولكن هذا لا يمنع الطفل من أن يصبح قارئاً جيداً، خاصة بعد إعادة تأهيل المناطق الدماغية الخاصة بالإبصار ومن ثم بالقراءة.
باختصار شديد، القراءة تتطلب جهداً هائلاً ينشط جميع الروافد العقلية عند الطفل.  كما أن آلية القراءة ضرورية لتحرير الذاكرة والإنتباه من العمل. والوقت الذي يستغرقه الطفل للقراءة هو الذي يمكننا من قياس الكفايات عنده. وعندما تصبح القراءة آلية، تستقل عن عدد الأحرف في الكلمة.
صعوبات تعلم القراءة "ديسلاكسي" dyslexie
الديسلاكسي هي تشوه عصبي بيولوجي مبكر، ذو أصول وراثية على الأغلب. والأطفال المصابون لا تتنشط عندهم المنطقة الدماغية الصدغية اليسرى المسؤولة عن القراءة. وتعليم الأطفال المصابين الهادىء والمركز بواسطة الطريقة صوتم – روسم يؤدي إلى تصحيح لهذه التشوهات. علينا استبعاد عامل السمع والرؤية قبل التحدث عن الديسلاكسي.
القراءة في وسط غير محظي أو فقير
مع أن تعلم القراءة هو رهان أساسي بالنسبة لمجتمعنا، إلا أن هناك عدداً كبيراً من التلامذة، حتى في الصفوف المتوسطة، لا يتقنون القراءة. والسبب يعود إلى طريقة تعليم القراءة في الصفوف الأولى. كما وأن أكثرية هؤلاء تنتمي إلى الطبقة المتوسطة أو الفقيرة.
هناك عوامل عديدة، أرجو التنبه لها.
1 – العائلات الفقيرة، أو غير الميسورة، تملك لغة غير غنية بالمفردات والتركيبات المختلفة.
2- كفايات هذه العائلات محدودة على صعيد الصوتمة. وهذا عامل أساسي في تعلم القراءة.
3 – لا وجود للألعاب التي تختص بالكلمات والغنى اللغوي.
إن تراكم هذه العوامل، مضافاً غليها العوامل الوراثية تؤدي إلى الصعوبات في تعلم القراءة الغير مرضية.
يضاف إلى ما تقدم عاملان أساسيان، هما عدم ثقافة الأم التربوية، وعدم وجود كتب في البيت. هذان العاملان يعكسان عدم تأقلم العائلة مع اللغة المكتوبة.
الحل يقوم على نوع من التربية المختصة، تقوم على تكثيف التمارين الصوتمية، على الألعاب اللغوية وخاصة التركيز على التعبيرالشفهي (أي إعطاء الطفل وقتاً للتعبير عن نفسه بحرية، وتشجيعه على ذلك). يضاف إلى ما تقدم، إغناء ملكتهم اللغوية من الكلمات والتعابير.
أخيراً، يبقى أن نتحدث في لقاء آخر، عن المبادىء الكبرى لتعليم القراءة.
شكراً لحسن استماعكم. والآن إلى الأسئلة والملاحظات.

السبت، 6 أبريل 2013

لا بد من خطوة إلى الوراء


                        لا بد من خطوة إلى الوراء!
حسن ملاط                                                                 6/4/2013
انهار الإتحاد السوفياتي، القطب المواجه للولايات المتحدة، من دون أن تطلق الأخيرة أي رصاصة باتجاهه. وهذا الإنهيار لم يكن بسبب مؤامرة قادها غورباتشيف، الرئيس الأخير، أو من حوله. ولكن السبب الرئيس كان التناقض بين نظرة النظام عن نفسه والممارسة الفعلية لأركان هذا النظام. كان الإتحاد السوفييتي يعتبر نفسه اشتراكياً، ويدافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها. ولكن الممارسة الفعلية كانت تقوم على نظام مخابراتي يصادر حرية الشعوب وبيروقراطية تتمثل بكبار موظفي الحزب والدولة تتمتع بخيرات الشعوب السوفياتية دون غيرها، وتصادر حرية الشعوب التابعة لحلف وارسو. يضاف إلى ذلك الفساد المستشري في جميع أركان دول الإتحاد السوفياتي ودول حلف وارسو التي تتبنى سياساته. لذلك ما أن انهار الإتحاد السوفياتي حتى انهارت جميعها.
التناقض بين المفاهيم والممارسات الفعلية تؤدي إلى انهيار المنظومة القائمة، سواء كانت امبراطورية أو دولة أو حزب أو منظمة ... إلى آخر ما هنالك.
إن حديثنا عن هذا الموضوع كانت مناسبته هو التغيير الحكومي في لبنان. لم يكن أحد يتوقع التغيير الحكومي في هذا الوقت بالذات. فالدول الأوروبية وأمريكا كانت جميعها تدافع عن الإستقرار الحكومي في لبنان بالرغم من الصفة التي كانت تضاف إلى هذه الحكومة بأنها حكومة حزب الله. وكلنا يعلم أن أوباما، الرئيس الأمريكي، لم ينس حزب الله في زيارته الأخيرة لكيان العدو. فهو يريد القضاء على الحزب لأنه منظمة إرهابية حسب زعمه، بسبب انتصاره مرتين على العدو الصهيوني. ورغم هذا الدعم الغير مسبوق للحكومة فقد سقطت. والتفسير المنطقي لهذا السقوط هو التناقضات الداخلية لهذه الحكومة.
والتناقضات هي على أكثر من مستوى: منها ما بين الكتل المؤلفة لهذه الحكومة، ومنها ما هو بين كل طرف من أطراف الحكومة، ومنها ما بين شعارات هذه الحكومة والممارسة الفعلية لها. والأهم في كل ما ذكرنا هو ضرورة التركيز على أزمة الطرف القائد لهذه التشكيلة الحكومية.
حزب الله، هو الطرف الأفعل في هذه التشكيلة الحكومية، كما أنه يتميز بالتماسك القوي التي تفتقر إليه جميع الأطراف الأخرى. من هنا، فإن أي تشويش يلحق بموقف الحزب سيكون له تأثير جدي على التماسك الحكومي.
رفعت هذه الحكومة شعار النأي بالنفس عن ما يحدث في سوريا، الدولة الأكثر تأثيراً في الوضع اللبناني. ولكن هذه الحكومة لم تلتزم بذلك، لأنها سمحت لأطراف لبنانية أن تتدخل في الوضع السوري، وهو ما يحصل في شمال لبنان أوما يحصل في شرق هذا البلد. وكان تدخل حزب الله المعلن هو الأكثر فعالية بسبب اشتراك الحزب بحكومة النأي بالنفس وبسبب إعلان أرفع مصدر في الحزب عن هذا التدخل، في الوقت الذي تعلن الأطراف الأخرى عن عدم تدخلها.
ما الذي يقال في هذا المجال؟
ورد في البيان الوزاري للحكومة المستقيلة الشعار الذهبي "الجيش والشعب والمقاومة". وفي التفصيل أن المقاومة هي للدفاع عن لبنان إزاء أي تدخل إسرائيلي. والحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة هي هادئة منذ ال2006. وقد حصل استخدام سلاح المقاومة في المعارك الداخلية، كما يُقال في 2007، علماً أن التعهد كان بعدم استخدام السلاح إلا في قتال العدو الصهيوني. وتقول المصادر أن السلاح يستخدم اليوم ضد الشعب السوري وإلى جانب النظام الذي يقتل شعبه.
هذا ما يُقال. فأين صدقية شعار المقاومة من أجل الدفاع عن لبنان؟
إن ارفضاض الكثير من مؤيدي المقاومة عنها بسبب تدخلها إلى جانب النظام السوري، كان هو العامل الأهم في انهيار الإئتلاف الحكومي في حكومة الميقاتي.
المقاومة حتى تستقيم على شعاراتها لابد لها من الإلتزام بها. فالدفاع عن المظلومين يستدعي تأييدها للذين ثاروا على الظلم، أو في أبعد تقدير الوقوف على الحياد. ففي بساطة تامة، ثار الشعب السوري على حكامه، فليستمر بمعركته حتى ينجح أو ينهزم، فهو من اختار الثورة. أما النظام، الذي اختار التصدي بالسلاح للمظاهرات السلمية، فليكمل معركته ضد شعبه الذي كانت خياره من دون أن يفرضها عليه أحد. أما القول بالحرب العالمية على سوريا فهذا غير دقيق. فالدقيق هو أن هناك حرب عالمية في سوريا، أطرافها روسيا وإيران من جهة وقطر والسعودية من جهة ثانية بتأييد فعلي من تركيا وغير فعلي من أمريكا وأطراف أوروبية.
فإذا كانت هذه الحرب التي تُخاض في سوريا سوف تؤدي إلى انهيار لبنان، فالأحرى بالأطراف اللبنانيين أن يبتدعوا ما يجعل بلادهم لا تتأثر بشكل مدمر بما يحصل في محيطها. أما الأحزاب التي ترفع شعارات معينة فعليها أن تفتش عن الطريقة التي تفعل شعاراتها وتحضير الأرضية الصالحة لنجاح هذه الشعارات. وأهم ما يمكن أن يُقام به في هذا المجال هو الإجابة على السؤال التالي: كيف يمكن أن نعُيد للمقاومة جمهورها العريض. وكيف يمكن تفعيل المقاومة. وكيف نحول مجتمعنا إلى مجتمع مقاوم.
ليس من الفطنة في شيء أن نقضي على أقدس ظاهرة أنتجها مجتمعنا: المقاومة. إنها ضرورة إزاء هذا العدوان الصهيوني المستمر. فحمايتها مهمة يومية يجب أن يقوم بها كل مؤمن بحق شعوبنا بالحياة. وعلى كل مؤمن في مجتمعنا أن يُساهم بكل ما يمكن أن يقوم به من أجل حماية استمرار هذه المقاومة. هذه المقاومة أهم بما لايقاس من استمرار النظام السوري أو عدم استمراره. فالرهان يكون دائماً على الشعوب. الشعب السوري استقبل من لاذ به في 2006، وليس بناءً على أوامر من نظامه. فهو استقبل شعب المقاومة.
لم يفت الأوان على الإستدراك. على الجميع الحفاظ على الشعارات التي استقطبت تأييد الشعوب في البلاد العربية والإسلامية. المقاومة هي التي تجمع. على الجميع أن يُفعل هذا الشعار خدمة للإستقرار في بلدنا، وحفظاً لمصالح أمتنا.

السبت، 23 مارس 2013

هل من فرصة لحكومة جديدة؟


                                   هل من فرصة لحكومة جديدة؟
حسن ملاط
استقال الرئيس ميقاتي من الحكومة بعد أن عجز عن البقاء على رأسها لأسباب عديدة، لم تكن مسألة التجديد للواء ريفي إلا الصاعق الذي فجر الإستقالة.
لماذا استقال الرئيس؟
السبب الأهم للإستقالة هو عدم تمكن الرئيس ميقاتي من تغطية ممارسات لا يستطيع تغطيتها، وهو غير مقتنع أصلاً في ضرورة تغطيتها. فالرئيس قد بقي على رئاسة الحكومة بعد العملية الإجرامية التي أودت باللواء الحسن بعد ضغوط شديدة مارسها عليه معظم السفراء الأوروبيين وكذلك الإدارة الأمريكية. وقد فرح حلفاؤه كثيراً بهذه التغطية للحكومة. وقد كان موقف الغرب لائماً لجميع التحركات المعارضة للحكومة التي قامت بها أطراف 14 آذار وعلى رأسهم تيار المستقبل، من الإغارة على السراي الكبير إلى الإعتصام المفتوح سواء في بيروت أو طرابلس. وقد أبدى هؤلاء السفراء إعجابهم بقيادة الرئيس ميقاتي للعمل الحكومي رغم صعوبة الأوضاع الداخلية منها والمحيطة.
إن الأحداث في سوريا أضحت ضاغطة كثيراً على الوضع اللبناني، خاصة بعد أن أكدت بعض الأطراف اللبنانية تدخلها في الأحداث الجارية. وهذه الأطراف تريد من رئاسة الحكومة تغطية هذا التدخل والسكوت عنه، في نفس الوقت الذي تريد فيه هذه الأطراف نفسها من الحكومة إدانة تدخل أطراف لبنانية أخرى. ليس هذا فحسب، ولكنها تريد أيضاً تدخل القوى العسكرية اللبنانية ضد هؤلاء ونزع سلاحهم، كما جرى في مشاريع القاع، على ما جاء على لسان النائب معين المرعبي.
لم يتصور أحد أن يكون الرئيس ميقاتي على هذا القدر من العناد في موقفه فيما يراه صواباً. فهو أصر على موقفه بالرغم من تدخل جهات عديدة، ومنها سفراء أوروبيون، على ما جاء في إحدى الوسائل الإعلامية.
هل هناك فرصة لتشكيل حكومة جديدة؟
حاولت بعض الوسائل الإعلامية المقربة أو الناطقة بلسان 8آذار أن توحي بأن الإستقالة جاءت لصالح التحالف الأمريكي السعودي. ولكن الوقائع هي بخلاف ذلك. فالسبب الرئيس للإستقالة يتعلق بحوادث الإقليم وليس بالوضع الداخلي. فالإقليم الذي بادر الروسي والأمريكي لمحاولة إيجاد حل له، تبين أن الأمريكي يريد إبعاد الإيراني عن أي تدخل في الوضع السوري، وهذا ما لا يمكن القبول به من إيران. لذلك باشرت الأخيرة بالهجوم المضاد على هذا الإتجاه. وبدأت الإشاعات عن هجوم مضاد يقوم به النظام على مختلف الجبهات. كما وأن هذه الإشاعات تحدثت عن انتصارات لقوات النظام، خاصة بعد الهمروجة الإعلامية التي قادها مفتي سوريا الموالي للنظام عن ضرورة الجهاد مع النظام، إلى جانب ما قيل عن تعبئة عامة. ولكن هذه الضجة بقيت إعلامية وتبين بعد أن زال الغبار أن من يتقدم هي المعارضة وليس النظام.
ثم بدأ بلعبة ثانية عن زعم ضرب المقاومة لصاروخ كيميائي. أكد الروسي هذا الزعم، ولكن سرعان ما تراجع عنه عندما أكدت أمريكا أنها ستتدخل إن كان هذا الزعم صحيحاً.
وكانت المحاولة الأخيرة هي تأكيد النظام أنه سيحرر حمص من المعارضة، حتى يتمكن من إقامة منطقة آمنة في الساحل وحمص تمكنه من الإنقضاض على المناطق الأخرى، وخاصة دعم دمشق التي لا يريد التخلي عنها. وتحرير حمص يتطلب تحرير ريف حمص أيضاً من أجل تأمين طريق دمشق. هذا الأمر يتطلب نقل الحرب جزئياً إلى تخوم لبنان. هذا الأمر لا يمكن لأي حكومة لبنانية أن تغطيه. لذلك كان لا بد من الإستقالة. وحيث أنه لا يمكن تأليف حكومة تغطي هذا الأمر، فلبنان من دون حكومة حتى إشعار آخر.
تأليف حكومة جديدة يتطلب تغير الظروف الإقليمية، قبل تغير الظروف المحلية. ولكن ما يساهم في تغيير جميع هذه المعادلات التي سبق ذكرها، هو طاولة حوار تضم زعماء السنة السياسيين وزعماء الشيعة السياسيين أيضاً تتوصل إلى اتفاقات تؤطر العلاقة ما بين هذين الطرفين في الساحة اللبنانية. إن حواراً كهذا هو وحده الذي يمكن أن يسحب إلى أجل بعيد تأثير الساحة الإقليمية على الوضع اللبناني وينقل لبنان من ساحة متفجرة إلى واحة للسلام، في حال عدم اعتداء إسرائيل على بلادنا.

الأحد، 17 مارس 2013

الفتنة مسرعة


                                      الفتنة مسرعة
حسن ملاط
تدهورت الأوضاع على الحدود اللبنانية السورية نتيجة تسلل مسلحين من لبنان، لإغارتهم على جنود النظام السوري. وهذا ما دفع الحكومة السورية إلى بعث رسالة إلى السلطات اللبنانية تلفت نظرها إلى ضرورة منع التسلل من حدودها إلى الجانب السوري. وممثل الجيش السوري الحر لم ينف هذا الكلام، بل أكده وربطه بالتدخل الذي يجري في البقاع لصالح النظام. واشترط عدم مشاركة الفئات المؤيدة للنظام في القتال إلى جانب النظام، حتى يمنع التدخل من شمالي لبنان.
وحيث أن إمكانية بدء المفاوضات في سوريا أصبحت ممكنة، فهذا يعني أن كل طرف أصبح عليه أن يقاتل من أجل تحسين وضعه على الأرض حتى يكون مرتاحاً في المفاوضات. وهذا يعني مزيداً من التدخل، إذا ربط اللبنانيون أنفسهم بالصراع في سوريا. كما وأنه يعني مزيداً من التدهور ينتقل بسهولة من وراء الحدود إلى داخل الحدود. فالمشاركون في القتال ينتقلون من لبنان إلى سوريا. وربما يخطر ببال هؤلاء أن شروط التقاتل في لبنان أسهل، سهولة انفجار الحرب الأهلية في لبنان، الذي ما فتىء الغرب يخطط لها ويغذيها مع مختلف الأطراف التي تتدخل في الصراع في سوريا.
ما تقدم لا يريده أحد من اللبنانيين، وقد حذر منه السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير. كما وأن مختلف المسؤولين اللبنانيين يحذر منه. ولكن اللافت أنه لم يصدر عن المسؤولين سوى اقتراح يتيم، وهو الدعوة إلى طاولة الحوار مجدداً. هذا الإقتراح، على أهميته، ليس جدياً. فالعديد من الموجودين على طاولة الحوار الرئاسية ليسوا فاعلين في الأوضاع الواجب نقاشها. وقد حدد أحد أهم المسؤولين أن الخلاف الأساسي القائم الآن والذي يبشر بالكثير من الشرور هو بين السنة والشيعة. وموضوع الخلاف، حسب نفس المسؤول هو الوضع السوري وقانون الإنتخابات.
فبالنسبة للوضع السوري، أشار الرئيس سليمان من ساحل العاج الى "التمسك باعلان بعبدا"، قائلاً: "علينا جميعاً أن نتمسك بهذا الاعلان وألا نرسل مسلحين الى سوريا ولا نستقبلهم، ويجب علينا أن نلتزم الحياد". واضاف: "كلفنا الجيش اللبناني قمع وتوقيف أي مسلح موجود بهدف المحاربة إن كان من المعارضة (السورية) أو من غير المعارضة". وكلنا يعلم أن ما من أحد سوف يورط نفسه مع المسلحين الذين يتسللون إلى داخل الأراضي السورية، إن لم يمتنعوا من تلقاء أنفسهم.
كما ان الرئيس ميقاتي جدد عقب تسلمه نص الرسالة التي وجهتها السلطات السورية الى الحكومة اللبنانية "دعوة جميع الاطراف الى التزام سياسة النأي بالنفس وتجنيب لبنان أي انعكاسات خارجية عليه". وعرض مع قائد الجيش العماد جان قهوجي التدابير التي يتخذها الجيش على الحدود مع سوريا.
أما وليد جنبلاط فتمنى ان "نعمل جميعاً من اجل منع الفتنة ومن اجل الوحدة الوطنية والحوار لأن الايام المقبلة يبدو ان فيها شيئاً من الصعوبة".
أما سمير جعجع فقد استغرب "تلكؤ الحكومة عن الدعوة الى اجتماع طارئ لمواجهة المخاطر الكبيرة في طرابلس وعلى الحدود الشرقية الشمالية" ودعاها الى الاستقالة.
وحذر مصدر في تيار "المستقبل" من اي تهاون في انتشار الجيش على الحدود مع سوريا، وقال لـ"النهار" ان على قيادة الجيش "اتخاذ اجراءات حازمة تواجه تورط حزب الله في اكثر من ساحة في سوريا وما قد يترتب على ذلك من تداعيات خطيرة".
واضح مما تقدم أن الوضع السوري هو الضاغط فعلياً على الأوضاع الداخلية. كما الواضح أيضاً أن المطلب هو النأي بالنفس عما يجري في سوريا.
أما ما يدعو إلى الإستغراب أن الأطراف التي تدعو إلى النأي بالنفس تختلق لنفسها الأعذار من أجل التدخل في الحرب السورية وتتدخل.
أما على صعيد قانون الإنتخابات فالحركة التي تجري ليست مباركة، لأن الذين يريدون قانون اللقاء الأرثوذكسي قد حصلوا على نقطة أفضلية من الذين يريدون قانوناً آخر. ولن يتنازلوا عنه إذا لم يحصلوا على ما يجعلهم يتنازلون عنه.
الوقت يمر، والفتنة تنشط في الوصول إلى ديارنا. ولا نجد حركة تتناسب مع فظاعة ما هو آت. هل تنتظر الأحداث حركة من عليه أن يتحرك. أم أن هذه الفرصة القائمة الآن التي تسبق الإنفجار يجب أن تضيع من بين أيدي المسؤولين كما تضيع مختلف الفرص؟
أطراف الصراع لا يمكنهم القيام بمبادرات توافقية. الأطراف المقربة من مختلف الأطراف بإمكانها المبادرة. المبادرة غير مكلفة، ولكن نتائجها قيمة، فهي تحمي لبنان.
إذا كان حزب الله وأمل يمثلون الشيعة في لبنان، من دون أن ننسى الرئيس الحسيني، فممثلو السنة في لبنان هم الحريري والسنيورة وميقاتي وكرامي والحص. من يبادر إلى جمع هؤلاء حتى يُجنَب لبنان الكأس المرة؟

 

الأحد، 3 مارس 2013

الوضع اللبناني


                                           الإنتظار القاتل
حسن ملاط
الوضع في لبنان جعله السياسيون من مختلف الأطراف مرتبطاً بالوضع الإقليمي. وطالما كان الوضع كذلك، فهذا يعني أن لبنان لن ينعم بالأمن والإستقرار.
إيران، لا يمكنها الخسارة في سوريا، لذلك سوف تستخدم مختلف أسلحتها حتى تتمكن من الربح. وهي تقوم بذلك. فعلى الحدود العراقية تمكنت المعارضة السورية من الإستيلاء على إحدى النقاط الحدودية، فما كان من وحدات الجيش التابع للمالكي إلا أن باشرت القصف على هذه النقطة. كما حصل في النقاط الحدودية المحاذية للقصير. أي أن الموقف في هذه النقاط يكون مرتبطاً بإيقاع الحرب الدائرة في سوريا ومدى سيطرة النظام على الأرض من عدمها. الأمر نفسه يتم على النقاط الحدودية المحاذية للسهل الساحلي، ولكن على إيقاع حركة المعارضة.
هذه الحالة لا تناسب معظم الشعب اللبناني، لأن هذه الممارسات هي التي تنقل الأحداث السورية إلى الداخل اللبناني. ونرى الأطراف التي تتدخل في الداخل السوري يتهم كل منهم الطرف الآخر بالتدخل. ومختلف الأطراف صادق في هذا الأمر.
ولكن، حيث أن الأمر أصبح أكثر حساسية، وأصبح على شفا تطور حاسم، أي أن المفاوضات بحاجة إلى ضغوط من مختلف الأطراف. لذلك لا بد من الخروج عن التحفظ إلى التدخل السافر. وهذا ما يشكل خطورة على المواطن اللبناني. من أجل ذلك لا بد من تدخل الأطراف التي تجد في نفسها الأهلية للقيام بهذا الأمر حفاظاً على لبنان واللبنانيين.
ومن الطبيعي أن من يشارك في تأزيم الوضع السوري واللبناني كتابع، لا يرى الأمور على حقيقتها، إنما يراها بقدر ما تحقق له أهدافه. لذلك على الأطراف المحايدة أن تقوم بالمبادرة حتى تنجح.
ما هي المبادرة التي نتحدث عنها؟
جعل النأي بالنفس عن ما يحصل في سوريا واقعاً معاشاً، لصالح الإستقرار في لبنان. حيث أن الإستقرار اللبناني يخدم السوري واللبناني لأن هناك مئات الآلاف من السوريين يعيشون في لبنان. فإذا انتقل الوضع اللبناني إلى الحرب الأهلية التي حذر منها سماحة السيد حسن نصر الله، فهذا يعني تهجير آخر للسوريين وربما للبنانيين أيضاً.
ليس بإمكان السيد نصرالله الدعوة إلى اجتماع يضم القيادات السنية والشيعية لأنه طرف في الصراع. والأمر نفسه ينطبق على قيادة المستقبل. لذلك لا بد للرئيس بري من أن يبادر إلى هذا الأمر أو للرئيس نجيب ميقاتي، أو للإثنين معاً، بوصفهما يتبوآن أعلى مركزين في الدولة للسنة والشيعة.
إن اجتماعاً يضم القيادات السنية والشيعية بإمكانه أن يحل مسألة التدخل في الصراع في سوريا، وبإمكانه أيضاً حل مشكلة القانون الإنتخابي الجديد.
النقطة المركزية في الحل هي عدم إخضاع الوضع في لبنان إلى الصراعات الإقليمية. فهل تستجيب الأطراف سريعاً أم أننا نظل في الإنتظار القاتل؟
إن انتقال القرار من القيادات الأولى إلى قيادات الصف الثاني أو العاشر، ربما يكون أخطر من الإنتظار.
3 آذار 2013

الجمعة، 1 مارس 2013

المشهد العام


                                            المشهد العام
حسن ملاط

اتخذت أمريكا قرارها بنقل نشاطها إلى المحيط الهادي، حيث تكون قريبة من منافسها الإقتصادي الأول، الصين. ولا تكون بعيدة عن منافسها العسكري، روسيا. ولكن القرار هو غير التنفيذ. فتنفيذه منوط بضرورة ترتيب وضع الشرق الأوسط قبل تركه. كما أنه عليها أن تعرف من ستكون الدول الفاعلة في هذا الإقليم (الشرق الأوسط)، وإن كانت توافق على هذه الدول.
من هنا، فإن اتجاه أمريكا لتسليم روسيا الملف السوري تحت إشرافها هي خطوة جدية. لذلك نراها التزمت بما تقتضيه هذه الخطوة في مؤتمر أصدقاء سوريا في روما. فهي زادت مساعداتها الإنسانية للمعارضة وألزمت الآخرين بضرورة عدم المساعدة العسكرية النوعية. وهذا يعني استمرار الوضع على ما هو عليه في سوريا: عدم إمكانية النظام على الحسم، وعدم إمكانية المعارضة على الإنتصار. هذا الوضع يقوي ارتباط النظام بروسيا ويقوي ارتباط المعارضة بمموليها المرتبطين سياسياً بالإدارة الأمريكية. هذا الوضع يجعل النظام يتفوق بنقطة على المعارضة، وهي إمكانيته التمرد على إملاءات روسيا عليه بسبب إمكانيته على الإتكاء على الدعم الإيراني المفتوح.
ما تقدم يعني أن اتجاه أمريكا وروسيا بإيجاد حل للمسألة السورية هو اتجاه جدي.
هناك ملف آخر بحاجة للحل في الشرق الأوسط، وهو الملف الإيراني الذي يرتبط مباشرة بدول الخليج. ما جرى في ألما آتا في كازاخستان يؤشر إلى أن هذا الملف مفتوح على مصراعيه. فالإيراني صرح بأن الوضع إيجابي. وكذلك فعل الأمريكي. نشير أن الفرنسي أعلن أنه لا تقدم في المباحثات حول الملف النووي الإيراني. هذا ما يمكننا أن نفهم أن التقدم هو بالإتجاه نحو مباحثات ثنائية إيرانية أمريكية بمعزل عن الدول الأخرى، رغم عدم قبول المندوب الإيراني التحادث مع المندوبة الأميركية في العاصمة الكازاكية. وفي حال عدم قبولنا بافتراض التقدم، فعلينا القول أن التصريحات الأمريكية من صالحي وكيري هي عبثية، وهذا خطأ.
كانت إيران الدولة الأقوى ارتباطاً بأمريكا ما قبل الثورة. فالأمريكي يفهم الإيراني، وكذلك الإيراني أيضاً. وكانت إيران تدعى "شرطي الخليج" لصالح الإدارة الأمريكية. أي أن إمكانية التفاهم بين طرفين يفهمان بعضهما البعض هي أسهل من الدخول إلى ملف غامض. هذا لا يعني أن إيران سوف تعود إلى لعب الدور الذي كانت تلعبه في السابق. إنما يعني أن إمكانية وجود قواسم مشتركة لاتفاق ما بين الطرفين البرغماتيين قائمة. ولنتذكر أفغانستان والعراق وأخيراً حكومة المالكي التي تعبر عن التوافق الإيراني الأمريكي.
من دون توافق ما بين أمريكا وإيران، لن يكون سهلاً نقل النشاط الأمريكي إلى الهادي. فأمن الخليج يبقى أولوية مع أن أمريكا خلال سنوات لن تعود بحاجة إلى نفط الخليج. فنفط الخليج هو ثروة أمريكية قبل أن يكون ثروة خليجية. واستقرار الخليج منوط بوجود القواعد الأمريكية. فكيف يمكن للأميركيين من تخفيف وجودهم بدون اتفاق ما مع إيران.
ما تقدم يجعل من المرجح اتجاه الطرفين إلى التفاوض، ويجعل تصريحات كيري وصالحي جدية.
لا يمكن التحدث الآن عن مستقبل هذه العلاقات، إنما يمكن التحدث فقط عن إمكانية قيامها. كما لابد من التأكيد على أن تحسن العلاقات الأمريكية الإيرانية لن يؤثر سلباً على أطراف أخرى. فالتجارة ما بين إيران وروسيا يبلغ حجمها 3,65مليار دولار وهذا رقم تافه. بينما التجارة بين تركيا وروسيا هي 50مليار دولار وباتجاه رفعها إلى 100مليار دولار. بينما التجارة بين إيران وتركيا باتجاه أن تصل إلى 35مليار دولار، ولكن ربما تجاوزت هذا الرقم. فتركيا هي البلد الوحيد، ربما، الذي لا يلتزم بالعقوبات الأمريكية على إيران، بخلاف روسيا والصين اللذان تلتزمان بهذه العقوبات. نتحدث عن الأرقام لأن الحديث عن تفاهم بين الدول بدون الأرقام يبدو بدون حاملة شرعية.
أما عن أثر انتقال النشاط الأمريكي إلى المحيط الهادي، فهو سيقوي الخلافات بين الصين وجيرانها مثل الفيليبين وفيتنام وغيرها على ثروات بحر الصين الجنوبي. ويعقد الخلاف بين اليابان والصين حول بحر الصين الشرقي. كما أنه سيظهر الخلاف الصيني الأوسترالي، خاصة إذا قررت أمريكا تدعيم قاعدتها في أوستراليا. ولكن الصين منذ الآن تتحضر لهذا التغيير في النشاطات الأمريكية. فقد دعمت بحريتها بحاملة طائرات، وقررت رفع العدد إلى ست حاملات. وكذلك فإن روسيا، على لسان بوتين، خصصت 700مليار دولار لتحديث الجيش الروسي....
 1/ آذار/ 2013 

الخميس، 28 فبراير 2013

هل تسقط الحكومة في لبنان


                        هل يسقط عدم الإنسجام الحكومي الحكومة؟
حسن ملاط
1 - تتصرف هذه الحكومة بعكس تقاليد العمل الحكومي التقليدي. فأطراف الحكومة في واد والحكومة في واد آخر. فإذا أخذنا على سبيل المثال التحرك النقابي بقيادة جبهة التنسيق النقابية، نرى بأن مختلف أطراف الحكومة مؤيدة لهذا التحرك ولكن الحكومة لا تلبي مطالب الموظفين، ما جعل هؤلاء يعلنون الإضراب ويقومون بالمظاهرات ضد الرئيس ميقاتي، وكأن الرئيس ميقاتي، منفرداً، يقرر أو يمنع تلبية مطالبهم. ولا نرى بالتالي أي دعم من أطراف الحكومة لرئيسها.
2 – أحالت الحكومة مجتمعة قانون الحكومة الإنتخابي إلى المجلس النيابي. وقام الرئيس بري بتعيين لجنة مصغرة لمناقشة القانون الإنتخابي الذي يمكن الإتفاق عليه من أجل إجراء الإنتخابات القادمة. وكانت النتيجة أن حزب الله وأمل والتيار العوني لم يطرحوا هذا المشروع، إنما طرحوا مشروع اللقاء الأرثوذكسي وأيدوه. أما كتلة جنبلاط فهي منذ البداية تحفظت على مشروع الحكومة.
3 – قررت الحكومة مجتمعة تسليم الرئيس ميقاتي القرار بموضوع تسليم داتا الإتصالات للقوى الأمنية والعسكرية. ولكن الوزير المختص لم ينفذ قرارات رئيس الحكومة، مع أنه ملزم بذلك. ولم يعترض الوزراء على تصرف الوزير. إنما وجدوا له المبررات.
4 – قررت الحكومة مجتمعة تخصيص 100 مليون دولار لمشاريع ملحة لمدينة طرابلس المظلومة والمهملة. ولكن لم يتم صرف هذه المخصصات حتى الآن ولم ينفذ أي مشروع حيوي في هذه المدينة. في نفس الوقت خصصت الحكومة مبلغ مليار ومئة مليون دولار لوزير الكهرباء وتم صرف المبلغ ولم نر الكهرباء.
5 – قررت الحكومة النأي بالنفس بالنسبة لأحداث سوريا. ولكن أطراف في الحكومة لا زالت تتدخل في سوريا، وباعتراف أعلى المرجع. هذا مع العلم أن هذا التدخل، كما التدخلات الأخرى تؤدي إلى توتر الأوضاع الداخلية إلى أبعد حد. حتى أن أمن البلد بات مهدداً. وأن الحكومة غير فاعلة مطلقاً في هذا الموضوع. ولكن جميع السهام موجهة إلى الحكومة بسبب الفلتان الأمني الذي يتحدث عنه من يحمون هذا الفلتان، وهذا طبيعي.
6 – تحدث أحد المراجع الفاعلة في البلد عن التوتر المذهبي، وأطلق في نهاية حديثه ما يشبه التهديد. علماً أن هذا المرجع قد تمكن من صياغة تحالفات مع أطراف كانت تشكل نقيض تنظيمه. ولكن المرجع نفسه لم يحاول صياغة أي تحالف مع أطراف أخرى فاعلة. حتى بات الجميع يعتقد أنه من الواجب أن يكون الصراع في لبنان بين السنة والشيعة لأنه لم يحاول الطرف الفاعل باعتبار رموز مهمة من السنة كممثلين لهذه الطائفة، أو دعونا نقول أطراف فاعلة في هذه الطائفة. إن هذا التوجه يجعل الصراع قائماً لأنه لا يمكن الإلتقاء بين تيار المستقبل وحزب الله. ولكن الطائفة السنية التي اختزلها حزب الله بتيار المستقبل ليست كذلك. ففي اتفاق الدوحة قبل الحزب بأن تتمثل الطائفة السنية بتيار المستقبل فقط. هذا مع العلم أن الرئيس ميقاتي والرئيس كرامي يمثلان شريحة لا بأس بها من الطائفة السنية وكذلك الرئيس الحص. والحزب يتعامل اليوم وكأن هؤلاء الرؤساء قد فقدوا صفتهم التمثيلية. ولو أن الأمر خلاف ذلك، كان على الحزب الدعوة إلى مناقشة ما يؤدي إلى توتير الوضع الداخلي مع ممثلي الطائفة السنية الذين دعوا لحل مشكلة المجلس الشرعي الأعلى. عندها سوف يجد أن من يلبي الدعوة 3 من 5 من ممثلي الطائفة السنية. هذا التصرف كان سيساهم بفتح نقاش واسع بدل من التهديد الذي لن يوصل إلى أية نتيجة، إلا ما لا نريده جميعاً والذي حذر منه سماحة السيد نصر الله، نعني التوتر المذهبي.
هذه الأمور جميعها تجعل الإنسجام الحكومي في أدنى درجاته. ولكن، رغم ذلك لا نعتبر أن التغيير الحكومي بات قدراً. فالرئيس ميقاتي وغيره من المرجعيات في البلد، وحتى سفراء الدول الفاعلة، يعلمون أن إمكانية تشكيل حكومة جديدة هو شبه مستحيل إن لم يكن مستحيلاً. لذلك نعتقد بأن الرئيس ميقاتي لن يترك البلد في مهب الريح مع علمه الأكيد أن استمراره في تحمل المسؤولية، في الظروف القائمة، يكاد يكون انتحاراً سياسياً.

 28/ شباط 2012/