بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الثلاثاء، 13 أغسطس 2013

مصر والإخوان؟


                                يا أيها الذين آمنوا، آمنوا...
حسن ملاط                           
الوضع في مصر مقلق لأنه مفتوح على خيارات عديدة، منها العنيف أيضاً. الإنقلاب العسكري لم يستكمل جميع ترتيباته، فهو لا يزال حتى الساعة يحتمي بغطاء مدني مع أنه غير كاف كورقة توت تغطي المعايب العسكرية. يهدد العسكريون باتخاذ إجراءات تؤدي إلى الحسم النهائي، مع العلم أن البعض يعتبر أن إجراء كهذا سيؤدي ربما إلى حرب أهلية لأن الإخوان المسلمين لن يتراجعوا أمام الذين اغتصبوا سلطتهم.
الستاتيكو القائم الآن يبشر بخسارة حتمية للإخوان المسلمين. فالجيش أو الحكومة التي تحكم بسلطته تتخذ إجراءات عملية لا يتمكن الإخوان من معارضتها. اي بصيغة أخرى، ليس هناك سلطتان بل سلطة واحدة بيد العسكر. من هنا فالخاسر هم الإخوان لأنه ليس بإمكانهم اتخاذ قرارات، ولكن يمكنهم تعطيل بعض القرارات في أحسن الأحوال. فللعسكر عليهم درجة. لذلك لا بد للإخوان من التحرك ولكن باتجاهات أخرى.
اولاً: عليهم القيام بعملية تقييم لتجربتهم في السلطة التي استمرت عاماً كاملاً كان كافياً لتغيير مصر نوعياً. وهذه العملية هي أبعد ما تكون عن محاولة إيجاد التبريرات لما قاموا به، وادى إلى ما أدى إليه.
ثانياً: دراسة الإنقلاب العسكري وتقييم القوى التي شاركت فيه ومدى تماهي هذه القوى مع العسكر ومدى استقلاليتها. ولا بد من توزيع هذه القوى على أسس طبقية وسياسية.
ثالثاً: إن انعزال القوى المؤيدة للإخوان في الميادين ماهو في الواقع إلا تشرنق يؤدي إلى إبعاد الإخوان عن الشعب وهذا ما يؤدي إلى هزيمتهم الحتمية. العسكر يقاتل بقوى منظمة بناء لأوامر. أما الإخوان فلا يمكنهم المجابهة إلا بالناس الذين يقبلون طوعاً بقيادتهم. من هنا ضرورة الإنخراط الواسع بين الناس والمحافظة على قاعدتهم الصلبة في الريف المصري الذي يمكنه تحمل المواجهة لمدة أطول من سكان المدن.
رابعاً: لم يرفع الإنقلابيون حتى الآن شعارات وطنية يمكن أن توحد الناس عليها. وهذا ما لم يفعله الإخوان أيضاً. لذلك على الإخوان أن يعدوا برنامجاً سياسياً شعاره مجابهة السلطة الإنقلابية بمطالب محددة. مطالب اقتصادية، اجتماعية، وطنية وسياسية. منها على سبيل المثال لا الحصر:
1 – على الصعيد الوطني
أ‌-       استفتاء شعبي يحدد مستقبل اتفاقية الذل مع العدو الصهيوني المسماة كامب ديفيد.
ب‌-   عودة الجيش للمرابطة على الحدود مع العدو الصهيوني في سيناء بمعزل عن انتظار نتائج الإستفتاء.
ت‌-   ترشيد العلاقة مع الفلسطينيين بحيث لا تكون مصر وسيطاً نزيهاً بين إسرائيل والفلسطينيين، إنما حليفاً عنيداً للشعب الفلسطيني.
ث‌-   يترافق ذلك مع دعاية مضادة لما تقوم به الأجهزة العميلة التي تصور الفلسطينيين كأعداء للشعب المصري.
2 – على الصعيد الإقتصادي
أ‌-       أولوية حماية الشعب المصري من تداعيات سد النهضة الإثيوبي على نهر النيل. السد التي تؤيده وتدعمه الولايات المتحدة وإسرائيل، من دون أن نهمل ما يشكله هذا السد من خطر فعلي على حياة الشعب المصري في المدن المحاذية للنهر.
ب‌-   إصدار قرارات باستعادة الشعب المصري للمنهوبات التي أعطاها مبارك لزبانيته، وإعادة القطاع العام إلى ما كان عليه في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
ت‌-   الجيش يسيطر على 40% من الإ قتصاد المصري. ضرورة إصدار قرارات بضم هذه الإستثمارات إلى القطاع العام بحيث يستفيد منها الشعب المصري بمجموعه. هذا من دون أن ننسى المساعدة الأميركية التي تعطى للجيش حتى يبقى عميلاً لأمريكا. ضرورة ضم هذه المساعدة للخزينة المصرية أو إعادة هذه الرشوة لأصحابها في حال عدم الموافقة.
3 – على الصعيد السياسي
أ‌-       إعادة فتح العلاقات مع مختلف مجموعات الشعب المصري الذين ساهموا في ثورة 25 يناير، وخاصة أولئك الذين ساهموا بإيصال مرسي إلى الرئاسة.
ب‌-   رفع الشعارات التي توحد الناس على ضرورة الدفاع عن المكتسبات الديموقراطية نتيجة ثورة يناير. والأهم هو الإتفاق مع أكبر عدد من القوى الفاعلة على هذه الشعارات.
ت‌-   ضرورة إقناع هذه القوى أن الإخوان قد تخلوا عن أخطائهم بانفرادهم بالسلطة. وضرورة رفع الشعارات التي تؤكد على الوحدة الوطنية.
ث‌-   غاية هذه الحوارات هو الوصول إلى تأسيس جبهة وطنية تدافع عن الحكم المدني وإبعاد العسكر عن السلطة. لذلك لا بد من النضال من أجل تحديد موعد مبكر للرئاسيات والبرلمان.
ج‌-    ضرورة إنهاء الإعتصامات التي تعزل المناضلين عن شوارعهم وحاراتهم ومدنهم وقراهم. وضرورة ابتكار أساليب جديدة للنضال ضد استئثار العسكر بالسلطة.
إن رفع شعار مصر قوية يستدعي إنهاء عزلة مصر التي فرضتها الولايات المتحدة وإسرائيل. يجب أن تعود مصر إلى محيطها الإفريقي وإلى محيطها الإسلامي. يجب أن تعود البعثات الأزهرية إلى جميع الدول الإسلامية وإلى الدول التي تضم جاليات إسلامية. هذه مصر أم الدنيا، ليست مصر كامب ديفيد المعزولة عن شعبها ومحيطها وناسها.
هذه أفكار تساعد الإخوان على الإيمان بدورهم الطبيعي.    
 13/8/2013


السبت، 20 يوليو 2013

الوضع الحكومي.. مؤشرات إيجابية؟



                    الوضع الحكومي.. مؤشرات إيجابية؟ 
حسن ملاط
مضى خمسة شهور كاملة على استقالة الحكومة التي تسير الأعمال حالياً، ولم يتمكن الرئيس تمام سلام، المكلف تشكيل الحكومة الجديدة من إتمام مهمته. ويعزى البعض عدم التشكيل إلى الشروط والشروط المضادة التي يريد أن يفرضها طرفا المعادلة في لبنان، 8 و14 آذار. ولكننا نعتقد أن ما منع تشكيل الحكومة هو عدم نضوج الظروف الموضوعية لولادة الحكومة الجديدة.
ولكن دراسة متأنية للوضع القائم حالياً تؤدي إلى الإستنتاج أن هناك مستجدات في الوضع الإقليمي والدولي سوف تنعكس إيجاباً على الوضع المحلي، بحيث يصبح متاحاً تأليف حكومة جديدة، ولكن ليس برئاسة تمام سلام.
كما أن الأوضاع المحلية تبدو مساعدة لتشكيل الحكومة العتيدة ضمن شروط معقدة ولكنها قابلة للحياة.
الوضع السوري: بعد أن تأكد لمختلف الأطراف الإقليمية والدولية أن جبهة النصرة وأخواتها هي الأكثر نشاطاً في الحرب القائمة على الشعب السوري، قرر الأمريكي ضرورة مراقبة حركة تسليح المعارضة السورية لنظام الرئيس الأسد. واتخذت الإدارة الأمريكية قراراً بتصنيف جبهة النصرة منظمة إرهابية يجب محاربتها. ومنعت أتباعها من تسليح المعارضة بشكل جدي يمكنها من الإنتصار على النظام. واتفقت الأطراف التي تقود الصراع في سوريا وعليها، أعني أمريكا وروسيا وإيران وتوابعهم من "الحلفاء"، على تحديد العدو الذي يجب محاربته في سوريا. وتحدد العدو بجبهة النصرة وحلفائها. فموسكو أكدت أن الجهاديين سينتقلون إلى القوقاز الروسي بمجرد انتهاء الحرب في سوريا. وأمريكا أعلنت أنه يجب إنهاء الإرهابيين السنة والشيعة (المقصود حزب الله) في سوريا. من أجل ذلك، أعلن أوباما، الرئيس الأمريكي عند زيارته إلى عمان أن الأسد لم يوف بتعهداته. والمقصود إنهاء جبهة النصرة.
المعارضة السورية، لسذاجتها، اعتقدت أنها هي من يحدد روزنامة التحرك في سوريا. ولم تع أن الدول المستكبرة هي من يحدد للآخرين حركتهم. فأجندة النظام تتقاطع بشكل كبير مع ما تريده الولايات المتحدة. من أجل ذلك نرى أمريكا تعلن عن تسليح المعارضة ثم تعلن عن عدم تسليحها، تبعاً لما تراه مناسباً لها. فقد ترافق عدم التسليح مع تقدم النظام على مختلف الجبهات. ولكن هذا التقدم لم يقلق أمريكا في شيء. ولن يقلقها أيضاً إذا بقي الأسد على رأس النظام في سوريا رغم إعلان أوباما عدة مرات أن بشار الأسد يجب أن يرحل.
هذا التوافق الدولي إقليمياً، هل ينعكس إيجابيا في ساحتنا المحلية؟
جميع المعارك التي خيضت تأييداً للنظام السوري كانت تغطى إيجابياً من الإدارة الأمريكية. وحيث أن الأطراف العربية والإقليمية التي تشارك في الصراع في سوريا بشكل أو بآخر، لها وجود في الساحة المحلية، لذلك لا بد من هذه الإنعكاسات الإيجابية. صحيح أن بعض الأطراف السعودية لم تتمكن من هضم الموقف الأمريكي من النظام في سوريا، ولكن المواقف السياسية تتحدد من الدراسة الواقعية للقوى وليس من خلال العواطف. الإدارة الأمريكية لا تريد للنظام السوري أن ينتصر انتصاراً باهراً. لذلك هي سمحت للسعودية بتسليح محدود للمعارضة، بشكل لا يمكنها من تغيير الحقائق المستجدة على الأرض؛ ولكن على أن لا تُمكن النظام من تحقيق نصر مؤزر على المعارضة. أي ما تريده أمريكا هو أن يبقى الوضع السوري بأيديها هي وروسيا. بحيث تتمكن هي وروسيا من تحديد مستقبل هذا البلد بمعزل عن حكومته ومعارضته.
في لبنان، أمريكا لا تريد للأوضاع أن تتفجر، لذلك تضغط باستمرار في هذا الإتجاه. فالموقف السلبي الذي أخذته المعارضة من الجيش بعد عملية صيدا لم توافق عليه الإدارة الأمريكية. إنما أعلنت أنها سوف تسلح الجيش وترعاه. وكذلك فعل الإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
ولكن الأوضاع في لبنان ليست بالبساطة التي تجعل تصريحاً ما يغير وقائعها. من أجل ذلك لا بد من توافق ما بين القوى الفاعلة لحماية الوضع الداخلي من التفجر.
هل تحتاج هذه القوى للتوافق؟
لم يبق في جعبة 14 آذار من شعارات تعمل عليها من أجل ضبط جمهورها سوى التحريض المذهبي. هذا لا يعني أن الآخرين لا يقومون بنفس العمل. ولكن يعني أن هذا الفريق بحاجة ماسة للسلطة. كما أن الطرف الآخر بحاجة إلى تغطية لحركته التي لا تحظى بتأييد أي طرف لبناني. من المؤكد أن سعد الحريري لن يغطي تدخل حزب الله في سوريا، ولكن يمكنه أن يسكت عنه. والحزب ليس بحاجة لأكثر من ذلك، خاصة بعد سلسلة العمليات الأمنية التي أعطت انطباعاً أن منطقة نفوذ الحزب أصبحت مكشوفة أمنياً، مثلها مثل باقي المناطق اللبنانية.
إن توافقاً مثل هذا يفيد الطرفين. ولكن هذا التوافق يستدعي وجود الأصيل وليس الوكيل. هذا على الصعيد الداخلي، أما خارجياً، فالحل يوجب توافقاً بين الراعيين الإقليميين. والأنباء تتحدث عن زيارة متوقعة للزعيم الإيراني الجديد للمملكة السعودية.
الصبح قريب! الحظ لم يؤات تمام سلام. فلينتظر فرصة أخرى!
19/7/2013

الأحد، 7 يوليو 2013

مصر أي مستقبل.



حسن ملاط                              مصر، أي مستقبل؟
عادت الأنظار تتجه إلى مصر. فالإنقلاب العسكري الذي قام به الجيش المصري سرق الأولوية من الحدث السوري وأعطاها إلى مصر ذات التسعين مليوناً.
ما هي المحفزات التي ساعدت العسكر على القيام بخطوتهم؟
لم يمر أكثر من عام على حكم الإخوان المسلمين، ورغم ذلك كانت الألسن تتناولهم بالنقد. وهذا ناتج عن أسباب عديدة. فالشعار الذي يرفعه الإخوان، ولا زالوا، أن الإسلام هو الحل فقد انتظر الناس على أحر من الجمر "الإسلام" حتى يريحهم من مصائبهم الكثيرة. ولكن الرئيس مرسي لم يتمكن من ذلك.
الثورة التي قامت على الرئيس مبارك كانت لها أسباب عديدة ومتنوعة سنوجزها بثلاثة: الإقتصادي-الإجتماعي، السياسي والوطني. ولنناقش هذه الأمور وكيفية تعامل مرسي والإخوان معها.
1 – المسألة الإجتماعية: قبل قيام الثورة على مبارك كان معدل التحركات الشعبية على الحكومة لأسباب إقتصادية-إجتماعية هي بمعدل ثلاث تحركات يومياً، رغم القمع الشديد الذي كان يميز حكم مبارك. وكان اللافت أزمة الخبز التي وقع نتيجتها عدة قتلى.
لم يتعامل مرسي مع هذا الموضوع بجدية. ففي المئة يوم الأولى من حكمه كان هناك 300 تحركاً إقتصادياً-إجتماعياً. ولم يتهم أحد هذه التحركات بأسباب أو تحريض ذي طابع سياسي. إن ما جعل مرسي عاجزاً عن مقاربة أي حل لهذه المشاكل يعود إلى أن البرنامج السياسي لحزب الإخوان المسلمين الذي خاضوا الإنتخابات على أساسه متواضع بحيث لم يتعامل بجدية مع قضايا الناس. فجميع المجموعات الإسلامية لا تهتم بهذه الأمور وتركز على الأمور العقائدية. هذا مع العلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام سارع إلى إقامة سوق للمسلمين في المدينة لأن سوق المدينة كان يسيطر عليه يهود.
لا يمكن لأحد أن يلوم الناس إذا تحركوا من أجل مصالحهم، خاصة أننا تعلمنا جميعاً أن الإسلام هو لتأمين سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. وحيث أن حكم الإخوان هو حكم الإسلام، كما أوحوا للناس، فهم من يتحمل وزر هذا الخطأ الإستراتيجي، وهم من يدفع ثمنه. كما أن الإسلام لا يمثل وجهة نظر مجموعة معينة مهما ادعت ذلك.
2 – المسألة السياسية: الثورة على مبارك قامت بتآلف عريض من القوى الشعبية والمنظمات والأحزاب السياسية. والإخوان لم تكن من المجموعات الناشطة جدياً في الميدان، هذا إذا استثنينا الشباب الذين شاركوا بجميع التحركات، بدون مباركة من قيادتهم. ومعروفة المناورات التي قام بها الإخوان مع عمر سليمان. ولكن صمود الناس أدى إلى إجهاضها جميعاً. وانتصرت الثورة على مبارك. وجرت الإنتخابات النيابية ونجح الإخوان والسلفيون. كما ونجحوا أيضاً في مجلس الشورى بحوالي سبعين بالماية. ولكن بدل أن يطرحوا الإئتلاف مع القوى التي أتت بهم إلى البرلمان، تنكروا لها وتعاملوا معها على أنها أقلية "منبوذة".
وجاءت انتخابات الرئاسة’ ولم يتمكن مرسي من الحصول على أكثر من ثلث الأصوات مما اضطره لخوض الإنتخابات التكميلية. وقد فاز بما يزيد قليلاً عن نصف أصوات الناخبين.
ما لم يفعله الإخوان هو الوفاء لناخبي مرسي. فناخبوه كانوا يتألفون من مروحة واسعة من مختلف القوى المعارضة لحكم مبارك والذين على شاكلته، مثل أحمد شفيق. لقد استبعد الإخوان جميع القوى التي أنجحتهم في الإنتخابات. لقد اشترت عداوتهم وأثبتت للقاصي والداني أن فكرهم إقصائي بدل من أن يجمع جميع الناس حول من يدعي أنه يمثل الإسلام. النبي صلى الله عليه وسلم جمع جميع أهل المدينة على الوثيقة وبرضاهم ومن دون إكراه من أحد. جميع أهل المدينة قبلوا بقيادة النبي. أما الإخوان لم يطرحوا الإئتلاف مع الذين سلفوهم بانتخابهم لمرسي. لم يتعلموا حتى من أسوتهم الحسنة بنص الكتاب الكريم.
3 – المسألة الوطنية: برنامجهم السياسي ذكر القضية الفلسطينية مرة واحدة وباتجاه تسووي وليس باتجاه استرجاع فلسطين. أما اتفاقية الذل في كامب ديفيد فقد تعهدوا باستفتاء شعبي حولها. وقد تراجعوا عن الإستفتاء عندما ذهب الوفد الشهير إلى الولايات المتحدة لتقديم أوراق الإعتماد عند الأميركي البشع. قامت الجماهير المصرية بطرد السفير الأسرائيلي وبإغلاق السفارة. ولكن مرسي بعث برسالة ودية لشمعون بيريز رئيس ما يسمى إسرائيل، محطماً جميع تاريخ الإخوان المسلمين الجهادي ضد الكيان الصهيوني.
أما في غزة، فبدلاً من فتح معبر رفح، حافظ على إغلاقه وعلى إغلاق الأنفاق، المتنفس الوحيد لغزة. هذه الأنفاق التي لم يجرؤ مبارك على إقفالها. لا بل سمح للجيش والمخابرات بالقيام بحملة عنصرية على الفلسطينيين، لخلق عداوة مصرية- فلسطينية، متهماً المقاومة بقتل الجنود المصريين أو بالمساعدة على قتلهم من دون أي دليل. ليس هذا فحسب، بل عند العدوان الأخير على غزة كلف الأمريكان الرئيس مرسي أن يكون وسيطاً نزيهاً بين غزة وإسرائيل. وقد كان باعتراف العدو.
فبدلاً من أن يكون حليفاً للشعب الفلسطيني ضد العدوان الصهيوني، كان مرسي وسيطاً. لا نريد التحدث عن شحنات الأسلحة التي عطلت وصولها مخابرات جيش سيسي.
ما تقدم يبين أن الإخوان المسلمين، عن وعي أو خلاف ذلك، هم من هيأ للجيش إمكانية قيامه بانقلاب عسكري.
الجيش والإخوان والآخرون
إذا تصرف الإخوان بشكل خاطىء، فهذا لا يبرر للجيش بالقيام بانقلاب على الدستور، بصرف النظر عن رأينا بالدستور الذي أقره الإخوان خلافاً لرأي أكثر المصريين.
أما الجيش فقد أصبح عديده قليلاً بالنسبة لدولة مثل مصر تعدادها حوالي ال90 مليوناً. ولكن اتفاقية كامب ديفيد منعت من تطوير الجيش بحيث يلعب دوراً فعلياً بحماية الحدود من العدو الإسرائيلي. أضف إلى ذلك البنود الأخرى والتي تجعل من هذا الجيش عدواً للشعب المصري. فهو شرطة مجهزة بأسلحة ثقيلة. أضف إلى ذلك أن كل ضابط من رتبة عقيد فما فوق يجب أن يمر باختبار تأهيل عند الإدارة الأميركية. فإذا كان هناك شبهة عداء لإسرائيل أو للأميركان فيكون نصيبه التسريح. فالجيش المصري إذن هو معاد للشعب المصري وصديق لأمريكا وإسرائيل. إذا أضفنا إلى ما تقدم الرشوة السنوية والتي تبلغ مليار وثلاثة مئة مليون دولار التي تقدمها الإدارة الأميركية نعرف مدى حرية هذا الجيش. ليس هذا فحسب، بل إن الجيش المصري يملك مشاريع إقتصادية خاصة به لا تدخل ضمن ميزانية البلاد، ويقال أنها تبلغ حوالي40% من حجم الإقتصاد المصري. فهو يتمتع بخيرات البلاد في الوقت الذي يتقاتل فيه المصريون على لقمة العيش.
جميع ما تقدم هو لنقول أن القوى التي قدمت البلاد على طبق من ذهب للجيش قد اقترفت خطأً أكبر بكثير من الأخطاء التي وقع فيها الأخوان المسلمون. إن التخلي عن رئيس منتخب للعسكر هو جريمة موصوفة بحق نضال الشعب المصري. لقد قدم الشعب المصري الشهداء لنيل حريته فما كان من القوى التي تدعي تمثيله إلا أن باعته مجدداً للعسكر.
إن استبدال الرمضاء بالنار لن يحل المشكلة الإقتصادية – الإجتماعية ولن يحل المسألة الوطنية ولن يعيد تشكيل الحياة السياسية. إن تأمين التغطية الشعبية للإنقلاب العسكري في الوقت الذي كان على القوى الديموقراطية دعم الخيار الديموقراطي ومتابعة النضال الديموقراطي بالضغط على مرسي للوصول للمطالب المحقة. أما تدخل الجيش فكان كفيلاً لمن يتمتع بأي حس ديموقراطي أن يحول مظاهراته ضد الجيش اللاوطني واللاديموقراطي.
مصر إلى أين؟
نحن لا نرجح الخيار الجزائري. ولكن على الإخوان المسلمين، إذا كانوا يؤمنون فعلاً بالخيار الديموقراطي، أن يعملوا على إعادة ترميم علاقتهم مع القوى التي أوصلت مرسي إلى الرئاسة. كما أن عليهم فتح نقاش جدي حول خطورة خيار سيطرة العسكر على السلطة الشرعية. صحيح أن هذه المحاولة تبدو شبه مستحيلة بعد أن تركوا الأمور تصل إلى هذا الحد، ولكن لا بد من المحاولة.
أما الخيار الآخر وهو تمكن الجيش من لجم الحركة الإحتجاجية للإخوان المسلمين، وهو الخيار الأسوا والذي سيتيح للعسكر الحكم بشكل مقنع. العسكر يتمتع بخيرات البلاد والإحتجاجات الشعبية تكون ضد الواجهة التي لا تملك القرار.
7 تموز 2013

السبت، 29 يونيو 2013

المحالفات في زمن العولمة

                            المحالفات في عصر العولمة
حسن ملاط
المثقف، بدلاً من دراسة الواقع وكشف تناقضاته واتجاهاته، يكون مع المزمرين والمطبلين!
يتعامل عدد لا بأس به من الكتاب السياسيين مع الأوضاع الراهنة وكأننا لا زلنا نعيش في أيام الحرب الباردة التي انتهت مع انهيار الإتحاد السوفياتي. وقد انهارت مع انهياره جميع المنظومات الفكرية والسياسية التي كانت تؤرخ لذلك العهد. ويمكننا التمثيل على ذلك بما جاء في مقررات مؤتمر بوتسدام الذي عقد بعد مؤتمر يالطا الشهير، والذي نص على تعهد الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، بعدم التدخل في مناطق النفوذ السوفياتي. وهذا ما جعل الولايات المتحدة وحلفاؤها تمتنع عن التدخل في تشيكوسلوفاكيا، أيام ربيع براغ، وسمحوا للدبابات السوفياتية بالقضاء على الحركة التحررية التي قادها أمين عام الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي ألكسندر دوبتشيك. وحصل الأمر نفسه في دول أخرى من الكتلة الشرقية.
ولكن بعد انهيار الإتحاد السوفياتي تدخل الغرب بأوروبا الشرقية حتى المحاذية لروسيا من دون ردود فعل من روسيا، بسبب تغير الظروف. ودخلت أكثر دول الإتحاد السوفياتي السابق في حلف الأطلسي، بعد قضائهم على حلف وارسو.
ما الذي تغير؟
في عصر الحرب الباردة، كان هناك معسكران منفصلان فعلياً. فالتجارة السوفياتية، بمجملها كانت مع الكتلة السوفياتية أو بعض دول عدم الإنحياز. كما أن التبادل التجاري مع الكتلة الغربية كان يتم ضمن شروط خاصة جداً. لم يكن هناك تجارة حرة. أما بالنسبة للنقد المتداول فهو العملات المحلية. أما العملة الصعبة فكانت تلزم فقط للتعامل مع الدول الغربية. لذلك، لم يكن للدولار الهيمنة القائمة اليوم في جميع دول العالم. هذا الإنفصال سمح لبعض الإقتصادات الوطنية بالتطور. وهذا ما لا إمكانية له في عصر العولمة إلا بشروط خاصة غير متوفرة في أي من المجتمعات، إذا استثنينا ربما، كوريا الشمالية. ووضع هذه الدولة لا يشبه وضع إيران، رغم المقاطعة الإقتصادية لهما. ذلك أن إيران لا زالت تتعامل في العملة الصعبة التي تحصل عليها نتيجة بيع النفط والغاز. وهذه المنتجات لا تملكها كوريا الشمالية.
ما تغير هو أن العالم كان يحوي العديد من العملات وأصبح الآن يخضع لعملة واحدة تُقيم جميع العملات تبعاً لها. ففي أزمة 2008 التي عصفت في الولايات المتحدة، لم يبق اقتصاد واحد في العالم لم يتأثر بها. وقد كانت الخسائر من نصيب جميع الإقتصادات في العالم. أما الولايات المتحدة فقد طبعت مئات بلايين الدولارات، وتغطيتها كانت من جيوب تلك الدول التي تقدس الدولار.
العالم اليوم هو كقرية كونية، كما يحلو للكثير أن يسميه. في هذه القرية يوجد قائد واحد، ويوجد الكثير ممن يود التحرر من هيمنة هذا القائد. ولكن، حتى الآن لم يوفر أحد الشروط الموضوعية لإمكانية التحرر.
التحدث عن المحاور سهل على اللسان صعب على التحقق في الواقع ضمن الظروف القائمة. هناك في العالم دولتان وتكتل يمكنهم أن يحققوا شروط التحرر. ولكن هذا يستدعي العمل من هؤلاء بهذا الإتجاه، وهذا ما لم يحصل حتى الآن.
روسيا: تملك ترسانة عسكرية هامة تجعل رأيها مسموعاً نسبياً من الولايات المتحدة. ولكن هذه الترسانة لا تجعلها مؤهلة لأن تكون قطباً موازياً للولايات المتحدة. فرئيس الوزراء الروسي صرح بأن  روسيا لا يمكنها أن تستمر في ظل الإقتصاد الريعي. روسيا لا تملك سوى الصناعة العسكرية، لذلك فحجم اقتصادها متواضع. وهو يقوم على بيع الغاز والنفط والسلاح الذي بلغ حجمه حوالي 18 مليار دولار.
الصين: وهي تملك ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ولكن ترسانتها العسكرية لا تزال متواضعة. فهي لا تملك سوى حاملة طائرات واحدة. وقوة رأسالمال يلزمها قوة عسكرية موازية. كما أن هناك آفة عضوية في الإقتصاد الصيني وهو عيشه على التصدير وليس على الإستهلاك الداخلي. وقد قررت القيادة الصينية الإلتفات إلى الداخل الصيني من أجل تدعيم اقتصادها. كما علينا التأكيد على أنه لا يمكنها أن تكون قطباً منافساً للولايات المتحدة في الظروف الحالية، خاصة وأن حجم توظيفاتها في الولايات المتحدة يزيد على 1,6تريليون دولار. كما أن التوظيفات الأمريكية في الإقتصاد الصيني تعتبر الأهم على الصعيد العالمي.
ولا يغيب عن بالنا أن الصين وروسيا يعتبران الولايات المتحدة الأمريكية الشريك الأهم لهما.
الإتحاد الأوروبي: نسي الإتحاد الأسباب التي من أجلها قام الإتحاد. حيث أن السبب الإيديولوجي عند التأسيس كان التحدي الأمريكي. بعد أحداث البلقان تبين للأوروبيين أنهم متخلفين عسكرياً (حسب ما صدر عن اجتماع وزراء الدفاع بعد أحداث كوسوفو). لذلك تخلو كلياً عن فكرة منافسة امريكا.
نأتي إلى المحالفات الدولية، وأهمها على الإطلاق "البريكس". فهو يضم أكبر دولتين في العالم من ناحية عدد السكان، الصين والهند، والبرازيل أكبر دول أمريكا وجنوب أفريقيا، أهم دولة إفريقية، بالإضافة إلى روسيا. هذه الدول مجتمعة تضم حوالي نصف عدد سكان العالم. ولكن إذا علمنا أن حجم المبادلات البينية لا يبلغ إلا 2% من حجم المبادلات العالمية، نصبح مجبرين على تخفيف حجم التفاؤل بإيجاد تكتل يمكن أن ينافس الولايات المتحدة على قيادة العالم. أضف إلى ما تقدم أن الصين، حليفة روسيا، تستورد نفطها من إيران والسعودية وغيرهما، علماً أن هناك حدوداً مشتركة بين الصين وروسيا، وان النفط الروسي والغاز أيضاً يوجدان في القسم الأسيوي للإتحاد الروسي. والهند أيضاً تستورد نفطها من إيران. هذا إذا لم نشر إلى ما قاله أحد الإستراتيجيين الروس عندما أعلن أن الصين لا يمكنها أن تتمدد (استعمارياً) إلا في روسيا أو كازاكستان. نعني أن روحية المحالفة غير موجودة.
أما المحالفة الهامة الأخرى هي دول تفاهم شانغهاي والذي يضم الصين وطاجيكستان وكازاكستان وروسيا، وقد طلبت الهند الإنضمام إلى هذه المحالفة. وأهمية هذه المحالفة أن دولها متجاورة جغرافياً. ورغم ذلك لم تتطور هذه المحالفة بحيث تصبح منافساً فعلياً لأمريكا.
لن نتحدث عن "ميركوسير" و دول آسيان لأنهما يقلان أهمية عن التكتلات التي تحدثنا عنها.
أما الكلام عن محور روسيا، الصين، إيران، العراق وسوريا، فهو كلام سوريالي لايمت إلى الحقيقة بصلة. او من يتحدث عن بريكس وإيران والعراق وسوريا، كمحالفات مقابلة لمحالفة الولايات المتحدة مع بعض دول الخليج وتركيا.
ما تقدم من شروحات يُظهر بشكل جلي وواضح بأنه لا مكان للمحالفات قبل التحرر من هيمنة الدولار الأمريكي على العالم. لا يمكن التحدث عن محالفات اقتصادية وسياسية قبل إمكانية التحدث عن الروبل مقابل الدولار أو عن الروممبي أو الروبية...ألخ
العالم يقوده مجلس إدارة عالمي بقيادة الولايات المتحدة يضم شركاء متشاكسين متنافسين، كل منهم يريد القضاء على الآخر عندما تتوفر الظروف.
أما الحديث عن تحالفات الأنظمة مع أحزاب فقد اختُبر هذا الموضوع في تجربة الإتحاد السوفياتي مع الأحزاب الشيوعية في مختلف البلدان. كما أن طبيعة الدول هي غير طبيعة الأحزاب. لذلك فالأحزاب لا يمكن أن تكون حليفة للدول ولكن تابعة لها، تنفذ أجنداتها.
أما على صعيد التجربة السورية، فروسيا هي التي استدعت أمريكا إلى كرمها السوري. حيث أن الرئيس الأمريكي قد أعيا أتباعه بعدم الإلتفات إلى محاولاتهم جره إلى المستنقع السوري. وفعلة الروسي تدخل ضمن معرفة الأخير أن حل أي مسألة دولية يجب أن تحمل توقيع الأمريكي.
من هنا نرى بأن الأطراف التي يمكنها الإستثمار في الحدث السوري هي محدودة جداً. ولا يمكنها المشاركة إلا برضى الولايات المتحدة. وهذا ما جعلنا نقول أن الخاسر الأكبر هو الشعب السوري لأن كل التوافقات سوف تكون على مصالحه. نقول أن المكسب الوحيد لهذا الشعب هو اكتسابه تجربة غنية يمكنه استثمارها في نضالاته المستقبلية في مسيرة تحرره الطويلة.

29 حزيران 2013

الأحد، 2 يونيو 2013

في الممارسة

أبو نزهة                             في الممارسة
المرحلة التي تمر فيها منطقتنا تكاد تكون مصيرية على أكثر من صعيد. فالحدث السوري، أصبح، نتيجة أهمية سوريا، ونهج النظام السوري، والتدخلات الخارجية التي استدعاها هذا النظام، من دون أن نغفل إمكانية التدخل من دون استدعائها من النظام بسبب نهجه القاصر، المحدد لإتجاه سياسات أكثر من دولة ومنظمة ذات طابع شعبي.
لن نتحدث عن جميع من يتدخل في الحدث السوري، ولكننا سنتحدث فقط عن القوى الفاعلة في مجتمعنا، وذلك بسبب أهميتها على مستقبل الحركة الشعبية في بلدنا وأمتنا.
إن التجربة الإجتماعية لا تتم في المختبر كما باقي التجارب العلمية. ولكن عالم الإجتماع يدرس تجارب الشعوب حتى يصل إلى قوانينه الإجتماعية. كما أن تعميم هذه القوانين يتطلب شروطاً لسنا بصدد تحديدها ودراستها في هذه المقالة. إنما أردنا القول أن دراسة التجربة الراهنة على ضوء تجارب أخرى هي ممارسة مشروعة وتحمل طابعاً عملياً وعلمياً.
التكفيريون أو الجهاديون: أصبح التحدث عن التكفيريين أو الجهاديين ( وهو الإسم الذي كان معتمداً قبل أخذ القرار بشيطنتهم) في هذه الأيام وكأننا نتحدث عن مرض خطير يجب استئصاله، حتى من دون إمعان الفكر بأحقية ذلك. الجهاديون هم الذين أعلنوا الجهاد على الأمريكان أعداء الشعوب في أربع جهات الكرة الأرضية. صحيح أن ممارستهم تتسم بالعبثية والطفولية السياسية لأنهم يستبدلون أنفسهم بالمجتمع. فهم يعتقدون أنه بإمكانهم تغيير المجتمع ببعض العمليات الإرهابية، ناسين المبدأ الأساسي بالتغيير الإجتماعي: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. من أجل ذلك، لم يجرؤ أحد على تأييدهم لأنهم بممارساتهم عزلوا أنفسهم عن المجتمع.
في سوريا، يقال أن جبهة النصرة تمثل تنظيم القاعدة، لذلك أعلنت أمريكا أن هذه الجبهة إرهابية، ورفضت تسليح المعارضة خوفاً من وصول السلاح لهذه الجبهة. وأعلنت روسيا أنها هي المستهدفة من الجهاديين، بعد معركة سوريا. لذلك اتخذت القرار مع أميركا بضرورة محاربة النصرة في سوريا قبل أن تنتقل إلى الإرهاب العالمي، أو قبل سفر أعضائها إلى القوقاز الروسي الإسلامي. ولكن المثير للإستغراب هو معركة إيران وحزب الله على جبهة النصرة. فمن المعروف أن كوادر القاعدة قد لجأوا إلى إيران بعد انتهاء حرب أمريكا ضد طالبان في أفغانستان. ألم يكن بالإمكان التوصل إلى تفاهمات مع أعداء أمريكا من قبل الإيرانيين، الذين يجمعهم مع القاعدة العداء للشيطان الأكبر. كما أن حزب الله قد أعلن الحرب على النصرة قبل محاولة التفاهم معها، خاصة أن مساحة المشترك معها أكبر بكثير من الخلافات. وأهم المشترك هو العداء للشيطان الأكبر وإسرائيل. أما الخلاف فهو يختصر بتقييم كل طرف للنظام السوري. فمن المعروف أن النظام السوري الحالي قد تعامل مع القاعدة قبل أن يسلم رؤوسهم لأمريكا.
إن شيطنة جبهة النصرة، لأسباب تكتيكية تتعلق بمصلحة النظام السوري الحالي، لا تخدم المقاومة على المستوى الاستراتيجي. لذلك لا مبرر لحرب النصرة التي تتماهى مع مصلحة الأمريكان والروس والنظام السوري. ولا يغيب عن بال أحد التصريح الذي أدلى به الرئيس الأمريكي عند زيارته للأردن، حيث قال أن الرئيس الأسد لم يف بتعهداته. والتعهدات تتعلق بجبهة النصرة تحديداً. فما معنى هذه المعركة المشتركة مع أمريكا. نحن نعلم أن الحزب لا يمكن أن يقدم أوراق اعتماد لأمريكا. لذلك فالخطأ في مكان آخر؟
أما التذرع بحرب القاعدة في العراق، فإنه حديث يطول. ولكن ما يمكن تأكيده أن التكفيريين لا يقتصرون على المنتمين لأهل السنة والجماعة، فالتكفيريون موجودون عند السنة والشيعة. منذ أقل من أسبوعين أعلنت "عصائب أهل الحق" التعبئة العامة ضد السنة في العراق. ولم يعلن الحزب ضرورة محاربة "عصائب أهل الحق" الذين يأتمرون بأوامر إيران مباشرة. وبذلك يصبح الشعار ضرورة محاربة التكفيريين الذين يحاربون الإستكبار العالمي، سواء كان أمريكياً أو روسياً، من دون إغفال فكرهم الذي يفرق الأمة ولا يجمعها. وهذا يستوجب إقامة الدليل عليهم. أما أولئك الذين لم يطلقوا طلقة واحدة على الإحتلال الأمريكي، فلا بأس من حمايتهم، او على الأقل إغفال دورهم التخريبي داخل الأمة. أما إيران فقد طلبت من جميع الأحزاب الشيعية تأييد المالكي، الذي يلعب دوراً تخريبياً، بدل من الطلب منهم التفاهم مع المتظاهرين حول المطالب المحقة لهم. هذه المطالب التي أيدها المرجع السيستاني والمرجع النجفي.
هذا ما جعلنا نستذكر تجربة الحزب الشيوعي السوفياتي مع الأحزاب المنضوية في منظمة الكومنترن. حيث كان الحزب الشيوعي السوفياتي (ك. ج. ب.) هو الذي يقرر سياسات هذه الأحزاب تبعاً لمصلحة الدولة السوفياتية تبعاً لرؤية الحزب القائد. هذه السياسة التي أدت إلى خفوت دور الأحزاب الشيوعية التي كانت متجذرة في مجتمعاتها، نذكر الحزب الشيوعي السوداني والعراقي والسوري على سبيل المثال لا الحصر.
هل يمكن أن تكون إيران تلعب الدور نفسه مع حزب الله الذي كان يلعبه السوفيات مع أحزاب الكومنترن؟
من المعروف أن إيران تدعم النظام السوري بكل قوتها لأنها تعتقد أنه النظام المثالي لإمكانية تمدد نفوذها في شرق المتوسط. ولا بد من دعم هذا النظام حتى تتمكن من الإحتفاظ بحصتها من النفوذ في سوريا. وخلاف ذلك، فإنه يعني أن الغرب سيتمكن من إبعادها عن شرق المتوسط. لذلك لا بد من دعم هذا النظام، فبعثت ب 10000 مقاتل للذود عن المقامات(!) والدفاع عن النظام. وأوعزت إلى حزب الله للقيام بنفس المهمة التي يقوم بها الباسيج في سوريا. وهذا بغض النظر عن مدى مصلحة الحزب من وراء القيام بهذه المهمة.
هنا لا بد من العودة إلى الدور الذي كان يقوم به الكومسومول في الإتحاد السوفياتي، والدور الذي يقوم به الباسدران والباسيج في النظام الإيراني. فالكومسومول اخترعه السوفيات من أجل الدفاع عن الحكم السوفياتي وإقناع المجتمع بضرورة الخضوع لما تراه الإدارة السوفياتية. اي بلغة أخرى، من أجل فرض الهيمنة. والهيمنة هي القبول من داخل وليس الفرض من خارج أي التسلط. لم يتمكن الكومسومول من القيام بذلك، إنما تمكن من أن يكون سلطة على الشباب المنضوي في صفوفه، سيما أن من لا ينضم للكومسومول لم يكن ليتمكن من الحصول على أدنى حقوقه المشروعة. هذا هو الدور الذي يلعبه الباسيج في إيران. حيث أن الباسدران قد تجاوز هذا الدور. فهو يلعب دور الجيش الشعبي على الطريقة الصينية. وهذه طريقة أخرى لديمومة التسلط. لقد نجحت الدول الغربية من فرض الهيمنة من خلال منظمات المجتمع المدني، الغير موجودة في الدول التسلطية. علماً أن النتيجة تكاد تكون متطابقة من حيث النتيجة في المجتمعات الغربية والمجتمعات التسلطية.
بقي إشارة لا بد منها، وهي أن التدخل الإيراني بهذا الحجم في سوريا، يذكر المرء بتدخل الإتحاد السوفياتي في تشيكوسلوفاكيا، بعد انطلاق ربيع براغ بقيادة دوبتشيك. فقد رأى السوفيات أن هذا الشعب سوف يتمتع بالحرية المحرومة منها جميع الشعوب التي تدور في الفلك السوفياتي. لذلك كان لزاماً التخل العسكري للقضاء على ربيع براغ. وهكذا تأخر التغيير لسنوات، ولكن لم يُقض عليه، فالشعوب تظل أقوى من جلاديها.
نحن لا نشك بعداء إيران لإسرائيل، لكننا لا نشك بأن السياسات كما تُدار تؤدي إلى عكس ما تريده الشعوب العربية والشعب اللبناني. لا مصلحة لربط مستقبل حزب المقاومة بنظام آيل للسقوط نتيجة ظلمه لشعبه لعقود عديدة. إن المؤهل لتحديد السياسات المحلية هي الكوادر المحلية وليس الخارج، مع العلم أنه لابأس من التشاور مع الخارج.
لقد حدد أمين عام حزب الله أن الخلاف يقوم في لبنان على نقطتين هما الموقف من سوريا والموقف من قانون الإنتخاب. وبدلاً من التحاور حول النقطتين جاء قرار التدخل في سوريا. وهذا القرار خارجي بامتياز. لأن مصلحة المقاومة تستدعي أن يكون الداخل متآلفاً. والتأكيد أن حزب المقاومة يمثل شريحة طائفية معينة هو تحضير لمعركة فئوية لا يوافق عليها أكثر الشعب اللبناني. لذلك كانت شعارات المعركة مذهبية استحضرت خلافات مضى عليها مئات السنين. هل نحارب العدو بقسمة الساحة الداخلية وجرها إلى غرائزها؟ إنه القرار الخارجي والذي يخدم الخارج.
مصلحة المقاومة تفرض إعادة التفكير بالخيارات المتخذة، والتفكير بتوحيد الساحة الداخلية لما فيه مصلحة الشعب والأمة. الإنسحاب من الساحة السورية وتحضير الساحة الداخلية للتصدي لعدوان إسرائيلي محتمل. الجميع يعرف ماذا يقول الأمريكان والروس والصهاينة: اتركوا المتطرفين السنة والشيعة يقضون على بعضهم البعض. هذا أحد أهم أسباب عدم إعلان الحرب علينا من قبل الإسرائيلي.