بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الثلاثاء، 9 يونيو 2015

حول الإنتخابات التركية

                                 حول الإنتخابات التركية
حسن ملاط
اعتبرت الأكثرية من المعلقين السياسيين أن الإنتخابات التركية التي جرت يوم الأحد في 7/6 هي الأهم على الإطلاق. وإعطاءها هذه الأهمية كان لأنه بنتيجتها يتعلق تغيير النظام السياسي في تركيا ونقله إلى النظام الرئاسي بدلاً من البرلماني القائم الآن.
أما في بلادنا، كان الوضع مختلفاً، فقد نقل كل من الكتاب انتماءهم السياسي أو المذهبي ( وهو متماه في أغلب الأحيان) كأداة لتحليل نتائج هذه الإنتخابات. وهذا تبسيط للأمور وتسطيح للوعي.
تمكن حزب العدالة الحاكم من الحصول على 258 مقعداً. وكان يود الحصول على 367 مقعداً حتى يتمكن من تعديل الدستور، أو على 330 مقعداً في أسوأ الأحوال حتى يتمكن من طرح تعديل الدستور على استفتاء شعبي. وما لم يخطر على بال قيادة الحزب هو عدم الحصول على 276 مقعداً حتى يتمكن من تشكيل الحكومة منفرداً.
ما تقدم يعني أن الحزب قد خسر الإنتخابات.
على جبهة المعارضة، حصل حزب الشعب الجمهوري على 132 نائباً والحركة القومية على 80 نائباً وحزب الشعوب الديموقراطي (الكردي) على 80 نائباً أيضاً. وتبعاً لهذه النتيجة، يُعتبر حزب الشعب الجمهوري خاسراً، لأنه فقد 2% من ناخبيه. والفائزان هما الحزب الكردي أولاً لأنه للمرة الأولى يدخل البرلمان، والثاني الحركة القومية التي حسنت عدد مقاعدها.
ماذا تقول هذه النتائج؟
لتشكيل حكومة تركية جديدة، هناك الإحتمالات التالية:
1 – تشكيل حكومة أقلية بقيادة حزب العدالة، وتكون حكومة غير مستقرة. وحيث أن الإقتصاد التركي أصبح مهدداً نتيجة عدم الثقة التي تركتها نتائج الإنتخابات، فالليرة التركية تهاوت أمام الدولار واليورو، والبورصة نزلت أرقامها حوالي 8%. لذلك فإن هذا الخيار لن يكون مرجحاً.
2 – تشكيل حكومة إئتلافية من الأحزاب الثلاثة. وهذا الإحتمال غير مرجح أيضاً لأنه لا سبيل للإنسجام بين حزب الشعوب الديموقراطي والحركة القومية لأن هذا الأخير لا يعترف بالشعب الكردي.
3 – تشكيل حكومة من الشعب الجمهوري والعدالة. هذا الإحتمال ضعيف لأن كل من هذين الحزبين لا يقبل الآخر. فحزب العدالة جاء ليقضي على الإرث الأتاتوركي وحزب الشعب الجمهوري هو حزب أتاتورك. على كل، هذا الإحتمال غير مستبعد.
4 – تشكيل حكومة العدالة والحركة القومية. خطورة هذا الإحتمال أنه سيوقف العمل على حل المشكلة الكردية، والذي بدأت به حكومات العدالة والتنمية. وهذا سيؤدي حتماً إلى عدم استقرار سيؤثر سلباً على الإقتصاد التركي الذي يحتاج إلى الإصلاح.
5 – الإحتمال المرجح هو تشكيل حكومة بين العدالة والأكراد. هذا الإحتمال هو الذي يضفي على الوضع التركي نوعاً من الإستقرار يحتاجه الإقتصاد المتعثر.
6 – الدعوة إلى انتخابات جديدة خلال ثلاثة أشهر. هذا الإحتمال ممكن في حال عدم تمكن داوود أوغلو من تشكيل حكومة خلال 45 يوماً، بعد تكليفه من قبل رئيس الجمهورية.
هذه الإحتمالات لا تلغي احتمالات أخرى لم نذكرها، مثال الطلب من عبد الله غول تشكيل الحكومة لأنه مقبول من مختلف الأطراف...الخ
أما عن أسباب فشل حزب العدالة والتنمية من الإحتفاظ بالأغلبية فيعود على الأرجح لأسباب عديدة، أهمها:
أ – حزب العدالة جاء إلى الحكم ممثلاً للبورجوازية الصاعدة في تركيا، بعد سنين عديدة من عدم الإستقرار السياسي الذي أدى إلى عدة انقلابات كان يقودها العسكر. وهذا مناخ غير مؤات للإقتصاد الذي يتطلب استقراراً وأماناً. وقد أمنت الحكومات المتعاقبة للعدالة هذا الجو من الإستقرار وأبعدت العسكر عن السلطة بما ينسجم مع الشروط السياسية للدخول إلى الإتحاد الأوروبي والذي كانت تريده البورجوازية الصاعدة.
تمكن الحزب من رفع الدخل الفردي إلى ثلاثة أضعاف، وأدخل إلى البلاد الكثير من الإستثمارات، ورفع البلاد إلى مصاف الدول الكبرى من حيث الدخل القومي. كما وأمن نمواً كبيراً تجاوز 12% أحياناً.
هذا الإزدهار الإقتصادي أدى إلى تطور غير صحي في بنية الإقتصاد التركي، حيث كانت الإستثمارات الأجنبية تتغلب بكثير على الإستثمارات المحلية. وهذا النوع من الإستثمار يتميز بعدم الإستقرار وعدم الديمومة. من أجل ذلك، حذر البنك الدولي تركيا من هذا الخلل البنيوي أكثر من مرة. ولكن الأسباب السياسية جعلت المسؤولين لا يستجيبون لهذه التحذيرات. وكان أن تدخل الرئيس بمقررات البنك المركزي التركي وكذلك بخطط وزير المال علي باباجان والذي يُقال أنه يحظى بثقة الأطراف المستثمرة. هذه الأجواء أدت إلى عدم استقرار أدى إلى التلاعب باسعار الليرة التركية مما أثر سلباً على صورة الحزب الذي أنقذ الإقتصاد التركي لأكثر من عقد من الزمان.
وحيث أنه ليس في الأفق مبادرات لإعادة الحيوية للإقتصاد التركي، انعكس عدم حماسة لدى الناخبين لدعم توجه الرئيس أردوغان لتعديل النظام السياسي القائم، والذي كان شعار الإنتخابات التي جرت.
هذا باعتقادنا هو السبب الرئيس. وهذا لا ينفي وجود أسباب أخرى.
ب – من الأسباب التقنية هو خسارة الحزب الأصوات الكردية التي أعطيت للحزب الكردي.
ج – الهجرة السورية التي أدت إلى عدم استقرار في المناطق التي سكنوها من حيث منافستهم لليد العاملة التركية. وهذا أدى إلى تدفيع الثمن لحزب العدالة.
د – الدعاية الإنتخابية التي أثارت حساسيات مذهبية والتي أدت إلى خسارة حزب العدالة للأصوات العلوية...
هذا لا يعفينا من الإشارة إلى أن السياسة التي تتسم بالغموض والتي اتبعتها الحكومة التركية إزاء الأحداث في الدول المتاخمة مثل العراق وسوريا، أدت إلى خوف لدى الناخب التركي، ما أدى بالتالي إلى الخسارة الإنتخابية. في الإنتخابات البلدية كانت أصوات هذه المناطق لحزب العدالة، اما في هذه الإنتخابات فقد كانت للأحزاب الأخرى...
التقييم
نعتقد أن الأسباب التي أدت إلى هيمنة حزب العدالة والتنمية على الحياة السياسية في تركيا لم تعد موجودة، وتطوير بنية الإقتصاد التركي ليست بالأمر الميسر سريعاً، لذلك نقول بأن الحزب يمر بفترة انحسار، وهذا ما يجعل الدعوة إلى انتخابات مبكرة مستبعداً خوفاً من خسارة مزدوجة. لذلك، من المرجح أن يرتبط الوضع التركي في الأيام المقبلة بأحداث البلاد المتاخمة وخاصة العراق وسوريا. صحيح أن الإتفاق التركي الروسي والذي يريد أن يرفع حجم التبادلات إلى 100مليار دولاراً بدلاً من 50 ملياراً، إضافة إلى خط الغاز الروسي تركش ستريم والذي سيساعد الإقتصاد التركي المتعثر خاصة أنه من المتوقع أن تستخدمه إيران أيضاً لتصدير الغاز إلى أوروبا، كل ذلك سيكون له انعكاسات إيجابية على الإقتصاد التركي، ولكنها لن تكون سريعة. لذلك فإن تأثيرها السياسي لن يكون كبيراً. هذا لا يعني أن الحزب في حالة انهيار. كلا، ما قدمه الحزب لتركيا كان حجمه كبيراً، ومع هذا فإن نجمه إلى أفول. ولكن هذا الأفول لن يكون بوتيرة متسارعة.
                                                                            9 حزيران 2015


السبت، 6 يونيو 2015

في أزمة العمل الإسلامي في لبنان

                      في أزمة العمل الإسلامي في لبنان
حسن ملاط
لقد درج الأستاذ قاسم قصير على الكتابة عن أزمة العمل الإسلامي، وخاصة بعد ما اصطلح على تسميته "الربيع العربي". وذلك بسبب التباين في الآراء والممارسات بين العديد من العاملين في الحقل الإسلامي من جهة وفي الحقل الوطني من جهة ثانية. وهذا ما جعل الأستاذ قصير يشارك في المنتديات والنشاطات العابرة للطوائف والمذاهب، كل ذلك خوفاً من الصدام في الساحة الوطنية بين مختلف فئاتها لأنه يخدم أعداء الأمة والوطن.
نحن نشارك الأستاذ العزيز في هواجسه، ما يدفعنا للمساهمة بالملاحظات التالية:
 نقصد بالعمل الإسلامي ما تقوم به مختلف الجماعات أو الهيئات أو المجموعات أو الحركات والأحزاب، سواء انتسبوا إلى الساحة السنية أو الشيعية، وسواء كان عمل هذه المجموعات ذا طابع دعوي أو سياسي.
إن شرط نجاح أي تنسيق أو عمل مشترك، يتطلب تحقيق الشروط التالية:
1 – عدم اشتراط التماهي أو التطابق في الآراء في رؤية مختلف الفئات لحل القضايا المطروحة على بساط البحث. إنما يجب الإكتفاء بتفعيل مايمكن الإتفاق عليه وتوسيع مساحته بعد الإلتزام بتحقيقه من مختلف الفئات التي توافقت عليه.
2 – فصل جميع الفئات بين عملها على الساحة اللبنانية وارتباطاتها الخارجية. أو بمعنى أوضح، فإن اختلاف إيران والسعودية وقطر يجب أن لا يؤثر على العلاقات التي تربط الفئات اللبنانية التي تلتزم بالرؤية الإيرانية أو تلك التي تلتزم بالرؤى الأخرى.
3 – على "حزب الله" أن يفصل بين عمله داخل الساحة اللبنانية وعمله خارج هذه الساحة، حتى وإن كان يعتبر أنه يدافع عن لبنان عندما يتدخل في سوريا، بما أن هناك العديد من الفئات التي لا تريد الصدام مع الحزب لا توافق على تدخله في سوريا. وهذا لا يخالف ما أعلنه الأمين العام للحزب بضرورة عدم التصادم في لبنان وليكن التصادم في الساحة السورية.
وهذا الشرط يتطلب من الفئات الأخرى عدم البناء على تدخل الحزب في سوريا للإختلاف مع الحزب داخل الساحة اللبنانية. أو بصيغة أخرى لبننة العمل التوافقي بين مختلف فئات العمل الإسلامي بصرف النظر عن انتمائهم المذهبي وبصرف النظر عن آرائهم بالحروب التي تجري في سوريا والعراق واليمن وبصرف النظر عن تعاطفهم مع هذا الطرف أو ذاك.
4 – التحديد وبدقة لمساحة العمل الفلسطيني في الساحة اللبنانية. أي على جميع الفئات والجماعات الإسلامية والأحزاب أن تتفق فيما بينها على طبيعة الممارسة السياسية الفلسطينية على الساحة اللبنانية بشكل يخدم القضية الفلسطينية ولا يسيء لها، وكذلك القضاء على المقولة التي أشيعت في الحرب الأهلية أن الفلسطينيين هم جيش السنة.
هذا الأمر يتطلب بالمقابل عدم اختراق الأحزاب والفئات اللبنانية للساحة الفلسطينية في تجنيد الشباب الفلسطيني للعمل العسكري في أي من الساحات: اللبنانية أو السورية أو في المخيمات الفلسطينية.
إن تنفيذ هذه الإشتراطات هو شرط لنجاح أي عمل إسلامي مشترك على الساحة اللبنانية، كما أنه يؤسس لعمل يتسم بالديمومة لأنه يصلب الثقة بين مختلف أطراف العمل الإسلامي ولا يؤسس لأي صدام مستقبلي، حيث أنه يقوم على الوضوح في مساحة الإتفاق وفي مساحة الإختلاف. والإتفاق عادة يكون بين مختلفين.

                                                            6  حزيران 2015

الأحد، 10 مايو 2015

حرب القلمون السورية

                                              حرب القلمون السورية
حسن ملاط
يتساءل الكثير عن تأثير نتائج معارك القلمون السورية التي بدأت والتي لا يعلم أحد عن مستقبلها: هل ستتوقف أم أنها ستستمر؟ هل تطورات الشمال السوري هي التي استدعت فتح هذه المعركة أم تطورات درعا والجولان؟ أم أن هذه المعركة لها علاقة ما بتطورات التدخل السعودي في اليمن بعد تقدم القوات الموالية لإيران في ذلك البلد؟ وأخيراً، وهو الأهم بالنسبة لنا، تأثير هذه الحرب على الداخل اللبناني، سيما وأن أرض المعركة هي منطقة تداخل لبناني سوري؟ سنحاول الإجابة على ما نراه مهماً.
في هوية المعركة
تتأتى أهمية منطقة القلمون من عوامل عديدة أهمها خمسة وهي: قربها من دمشق العاصمة، السيطرة على هذه المنطقة يمكن من قطع الطريق التي تربط دمشق بالساحل السوري وبحمص، وحيث أن الزبداني هو امتداد لهذه المنطقة، فالسيطرة عليها يمكن من قطع طريق دمشق بيروت، ارتباط المنطقة بعرسال اللبنانية السنية قد يجعل من هذه البلدة قاعدة خلفية لمعارضي النظام السوري. وأخيراً، يمكن أن تشكل هذه المنطقة في حال عدائها لحزب الله عنصر ضغط على بيئته الحاضنة في البقاع.
العوامل التي ذكرناها هي التي تمنع النظام السوري من جهة وحزب الله من جهة ثانية من إغفال الإنتباه عن أي تطور يحصل في هذه المنطقة. لذلك يمكننا القول أن المعركة يكاد يستحيل عدم وقوعها، مع عدم استبعاد الوصول إلى تسوية ما مع المسلحين تجنب المنطقة ويلات هذه الحرب على الصعد كافة، المادية منها والمعنوية، ونخص بالذكر الشحن المذهبي.
المعركة مطلوبة إذن لعوامل سورية، تخص النظام وبامتياز.
النتائج المرتقبة وتأثيرها على الداخل اللبناني
ضرورة التحدث عن نتائج هذه المعركة على الداخل اللبناني ناتج عن أن أحد أهم الأحزاب اللبنانية هو العنصر الأكثر فاعلية فيها. عنينا حزب الله.
1 – انتصار الحزب: بما أن الحرب في القلمون تقوم لأسباب سورية تخص النظام، من أجل ذلك ستكون نتائجها اللبنانية متواضعة. صحيح أنه في حال انتصار الحزب، فإن الجهة التي سيتراجع دورها نسبياً هي الجهة الحليفة ل14آذار منافس الحزب الأساسي، ولكن هل يمكن للحزب أن يستغني عن اقتسام السلطة مع الطرف الفاعل في 14آذار أعني تيار المستقبل؟ الجواب بالطبع لا. وإذا أضفنا إلى ما تقدم أن التوازن في لبنان قائم على قوى طوائفية مذهبية، كان علينا أن نستنتج أن التوافق ما بين حزب الله وتيار المستقبل هو قدر للبنان كي يستمر على ماهو عليه الآن. إن وجود قوى سنية فاعلة أمام تيار المستقبل كان سيستتبع حتماً تغيرات هامة على صعيد السلطة السياسية ولكن هذه الفرضية لا وجود لها، لذلك نقول بأن انتصار حزب الله في معركة القلمون لن تكون له نتائج دراماتيكية على الصعيد السياسي اللبناني.
حتى على الصعيد السوري، ستكون النتائج محدودة. يأتي ذلك من أن الحديث عن التوازنات القائمة في سوريا تعتبر المنطقة الممتدة من دمشق وحتى الساحل السوري، بما فيها اللاذقية وطرطوس هي من ضمن مناطق النظام. فانتصار الحزب في القلمون يصلب هذه الفرضية من دون أن يشكل إضافة نوعية، لاأكثر ولاأقل. ولكن يصبح الأمر مختلفاً إذا تمكن الإيرانيون وحلفاؤهم من تحقيق نتائج إيجابية في المنطقة الجنوبية: درعا والهضبة السورية المحاذية للكيان الصهيوني الغاصب.
أما ما يجعل هذه الفرضية الأخيرة مستبعدة، هو تصريح أحد المسؤولين الإيرانيين بضرورة نقل العاصمة السورية إلى طرطوس لتأمين الحماية لها. فحماية دمشق تستدعي وجود منطقة القلمون ودرعا والهضبة السورية في أيدي الموالين للنظام أو الحلفاء. وفرضية نقل العاصمة أو الوثائق تعني إقرارا بعدم الإمكانية على تحرير هذه المناطق من القوى المعارضة للنظام حالياً.
هذا ما يدفعنا للقول أن النتائج في سوريا ستكون محدودة في حال الإنتصار.
2 – في حال عدم الإنتصار: علينا التنبيه هنا على أن حرب القلمون هي بالنسبة للحزب معركة محدودة وليست حرباً مصيرية. فالعدو الإسرائيلي لايزال يهدد الحزب بالإعداد الحثيث للقضاء عليه. وهذا يستتبع التهيؤ لهذه الحرب المحتملة في كل حين. من هنا، فإن عدم انتصار الحزب في معركة القلمون لن يكون له تأثيرات دراماتيكية على التوازنات في الوضع اللبناني. الحزب هو القوة الأقوى في لبنان منذ الآن وحتى إشعار آخر. كما أن الحزب هو حاجة ضرورية في الإستقرار الداخلي. لهذه الأسباب، لا يكون منصفاً من يريد بناء نتائج سياسية داخلية على إمكانية عدم انتصار الحزب في معركة القلمون.
أضف إلى ما تقدم أن مجرد تراجع الحزب إلى الداخل اللبناني سيضاعف قوته أمام أعدائه الخارجيين الذين يجابهونه. اما الأعداء الداخليون، فمعركتهم سياسية تقوم على التوازنات على المستوى السياسي. أما عسكرياً فلا قوة موازية لقوة الحزب، مع ضرورة الإشارة أن استخدام القوة العسكرية في التوازنات السياسية الداخلية سيصبح محدوداً.
من هنا، نقول بأنه لا يمكن بناء نتائج سياسية ذات أهمية على عدم انتصار الحزب في معركة القلمون.
3 – أما في حال عدم الحسم، فسيظل الوضع على ما هو عليه مع ترجيح تسلم القوى الرسمية اللبنانية مهمة التعامل مع القوى الخارجية في حال اعتدائها على اللبنانيين.
                                               ***
يبقى نقطة من المهم الإضاءة عليها. هل أن الدور العسكري المتعاظم للحزب في الإقليم سيترجم سياسياً؟
نعني بالإقليم الدول العربية مع إضافة إيران وتركيا. ومن يتابع الأحداث السياسية يرى بأن القوى العظمى تتعامل مع دولنا على أنها جزء من هذا الإقليم. أما عوامل ضعفنا على مختلف الأصعدة تجعلنا نتعامل مع الحقائق بشكل جزئي يفقد معه هذا التعامل فعاليته وتأثيره.
إن مجرد إعلان الحزب عن نفسه كحركة مقاومة للكيان الصهيوني، حجزت له مكاناً ضمن المنظمات الشعبية العربية والإسلامية. وقد أصبح يملك شرعية التعبير عن استراتيجيته في جميع ما يريد الوصول إليه من أهداف. أما تصديه اليومي للعدو فقد جعل منه قبلة جميع أعداء أمريكا وإسرائيل في جميع الدول العربية والإسلامية، كما وأنه تعداها إلى الدول المعادية للهيمنة الأمريكية وصولاً إلى أمريكا اللاتينية.
رغم تصدي الكثير من الأنظمة العربية لانتشار الأفكار المقاومة للصهيونية للحزب والمعادية للهيمنة الأمريكية، لم تتمكن هذه الأنظمة من جبه انتشار تأثير الحزب في كثير من هذه البلدان، إن لم يكن فيها جميعاً. وأحد أهم العوامل في هذا التأثير كان انتصار أيار 2000 وإجبار الصهاينة على الإنسحاب من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة من دون قيد أو شرط. وهي المرة الأولى في تاريخ الصراع الوجودي العربي الإسرائيلي، الذي ينسحب فيها العدو من دون فرض شروطه كما حصل في سيناء ووادي عربة والجولان السوري المحتل.
أما ولعوامل عديدة لسنا في معرض ذكرها أو مناقشتها، فقد قررت قيادة الحزب أن يقتصر نشاطه على الشريحة المذهبية التي يمثلها. وفي هذا الصدد أعلن سماحة الأمين العام أن حزبه يمثل الشيعة هو وتنظيم آخر، وفي أكثر من مناسبة. فبدلاً من تمثيل طموحات عشرات ملايين البشر، أراد الحزب أن يمثل طموحات أقل من مليونين من الشيعة اللبنانيين.
ألا يتناقض هذا الكلام مع الدور الذي يلعبه الحزب في سوريا والعراق والبحرين واليمن؟
بما أن الحزب قد حدد هويته، فهذا يعني أن الدور الذي أراده لنفسه سيتماهى حتماً مع الهوية التي ارتضاها أيضاً. من هنا فالدور الذي يلعبه هو دور عسكري مٌفرغ من انعكاساته السياسية التي حددها مسبقاً. إن النصر أو الهزيمة التي تصيبه ستكون انعكاساتها على من يُلعب الدور من أجله. أما الترويج للإنعكاسات المحلية على بيئته الحاضنة، فهذا مما لا بد منه من أجل تبرير مشاركته في معارك بعيدة عن "أهله". وهذا ما يتماثل مع ما أعلنه مستشار الرئيس الإيراني عندما أعلن أن إيران تسيطر على أربع عواصم عربية، أو مع ذلك الإعلان الذي قال أن بغداد هي عاصمة الإمبراطورية الإيرانية . إن هذه التصريحات مهمة لتغطية الخسائر التي يمنى فيها هؤلاء على الصعيد البشري للرد على السؤال لماذا يموت أولادنا بعيداً عن وطنهم؟
لو أنه يُراد لحزب الله أن يلعب دوراً سياسياً على صعيد الإقليم الذي ننتمي إليه، وهو قادر على ذلك، لأبقى على شعاراته التي توحد الإقليم ولما لجأ إلى شعارات تساهم بقسمة الناس على أساس مذهبي. هذا الإنقسام الذي لا يمكن أن يحصل في الإعداد لمعركة تُخاض ضد إسرائيل أو ضد الهيمنة النيوليبيرالية.
معركة القلمون معركة محدودة لن يكون لها انعكاسات دراماتيكية لا على صعيد لبنان ولا على صعيد سوريا، أكثر من تصليب عود النظام في ظل بعض الإنهيارات إذا تم النصر، أو بالحفاظ على التوازن القائم بين مختلف القوى في الداخل السوري، الموالية منها والمعارضة.
                                                                                   10 أيار 2015





الخميس، 30 أبريل 2015

التغييرات السعودية

                                           التغييرات في المملكة السعودية
الموضوع الذي كان حديث الأوساط المختلفة التي تهتم بالأمور السياسية، ومنذ سنوات عدة، هو مستقبل السلطة السياسية في المملكة العربية السعودية الأغنى من حيث انتاج النفط. وهذا الإهتمام كان سببه أن جميع أبناء الملك المؤسس أصبحوا في العقد الثامن من أعمارهم.
وهذا الأمر كان موضع اهتمام الإدارة الأمريكية بسبب العلاقات الخاصة التي تربط السعودية بها من جهة، وبسبب تأثير الأوضاع الداخلية في المملكة على استقرار أسواق الطاقة، من جهة أخرى. وزاد هذا الإهتمام بعد اندلاع ما اصطلح على تسميته في الإعلام بالربيع العربي. لاسيما بعد أن دقت هذه الإنتفاضات باب الإتحاد الخليجي من بوابة البحرين وعُمان. فانتفاضة البحرين، الجارة الأقرب للملكة، وذات الأغلبية الشيعية، والمحاذية للمنطقة الشرقية في المملكة، ذات الغالبية الشيعية أيضاً، والغنية بالنفط، هي التي دفعت السعودية للتدخل العسكري في هذه الجزيرة الصغيرة رغم عدم رضى الولايات المتحدة عن هذا التدخل. ذلك أن مصطلح الشيعية أصبح موازياً للنفوذ الإيراني، وهذا ما لا يمكن أن تقبل به السلطة السعودية بأي شكل من الأشكال.
إضافة إلى عدم استقرار الوضع البحريني، جاءت أحداث اليمن لتزيد الأمور حساسية. اليمن هي الجارة الجنوبية للمملكة التي تضم جالية يمنية كبيرة العدد. كما وأن السعوديين من أصل يمني يتواجدون في مختلف أطياف المجتمع السعودي. واليمني يمكنه الدخول إلى السعودية ساعة يشاء حيث أن الحدود يستحيل ضبطها لطولها من جهة ولتداخل المجتمعين اليمني والسعودي من جهة ثانية. إذا أضفنا إلى ما تقدم عاملين أساسيين هما مسألة جازان وعسير وخلاف السعودية واليمن على ملكيتهما ومسألة الإرتباط الجديد للحوثيين بإيران كبديل عن ارتباطهما السابق بالمملكة السعودية، عندها تصبح أوضاع اليمن أكثر أهمية بما لا يقاس من موضوع البحرين.
لم نتحدث عن موضوع التنافس السعودي الإيراني في الساحات الأخرى، العراق، سوريا ولبنان، لعدم ارتباطه المباشر في الساحة السعودية الداخلية.
الوضع القائم حالياً، هو الوضع المثالي لفرض التغييرات على مستوى السلطة السياسية في المملكة.  فمبرر القيام بهذه "الثورة" هو الحفاظ على المملكة وعلى العائلة الحاكمة.
ضمن هذا السياق يأتي التدخل السعودي العنيف في اليمن. فالسعودية تخوض معركة "وطنية"، شعارها الحفاظ على المملكة وعلى أمنها إزاء التدخل الإيراني السافر في جميع الساحات من دون استثناء. بذلك أصبح من المستحيل معارضة هذه التغييرات لأن المعارضة تعني انقسام المجتمع السعودي في الوقت الذي يخوض فيه معركة مصيرية مع أعداء الخارج وأعداء الداخل من الإرهابيين. إذا أضفنا إلى ما تقدم أن نجمي التغيير هما حامي الأمن الداخلي (محمد بن نايف) وحامي الأمن الخارجي (محمد بن سلمان)، يصبح لزاماً على جميع الناس حماية هذه التغييرات وإلا يصبح المعارض خائناً لوطنه لأنه يفتت الساحة الداخلية في وقت الحرب.

وهكذا يكون قد تم الإنتقال من حكم الأولاد إلى حكم الأحفاد من دون أي انعكاسات سلبية على استقرار المملكة.

السبت، 21 فبراير 2015

في الوضع الإقليمي



                                        في الوضع الإقليمي
تميزت المرحلة السابقة على ما سمي الربيع العربي، بهزائم متلاحقة للإدارة الأمريكية وحلفائها في العالم والإقليم. فقد تجرأت القاعدة على ضرب أمريكا في عقر دارها، عندما أغارت على نيويورك وغيرها من المدن الأمريكية. كما وأنها ضربت أكثر من سفارة واغتالت مستشارين عسكريين في أكثر من دولة. كما أن الشعب العراقي تمكن من طرد القوات الأمريكية من بلده، وكذلك الشعب الأفغاني. والإنتصارات التي حققتها المقاومة الإسلامية على إسرائيل في لبنان تندرج ضمن تراجعات الهيمنة الأمريكية. لا ننسى أن صمود المقاومة في غزة واضطرار جيش الإحتلال الصهيوني للإنسحاب فور الإعلان عن وقف النار، يأتي في إطار تراجع هذه الهيمنة أيضاً.
ولكن الملاحظ الآن، أن السطوة الأمريكية عادت للإنتعاش؟ الربيع العربي ليس هو العامل المساعد على هذه القفزة، إنما مجابهة صحوة الجماهير التي دافعت عن حريتها هي العامل الأهم في عودة الأميركي البشع للعب الدور الموجه في إقليمنا.
1 – ماذا يريد الأمريكي في إقليمنا؟
أهم ما يريده الأمريكي كان ولا يزال أمن الكيان الصهيوني كأولوية أولى. يليها من حيث الأهمية استمرار تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية، خاصة وأن كلفة استخراج النفط في بلادنا هي الأرخص في العالم. أما المطلب الثالث بالنسبة للإدارة الأمريكية فهو ترتيب أوضاع الإقليم بحيث تكون جميع الأطراف بحاجة للأمريكي للحصول على ما يُرضيها من مطالب.
أما بالنسبة للمطلب الأول، فقد تغيرت الأحوال كثيراً عما كانت عليه سابقاً. لم يعد بإمكان النظام السوري تأمين حدود الكيان الصهيوني كما فعل طوال أربعين سنة أو يزيد. ينطبق نفس الكلام على السلطة الفلسطينية بالنسبة للحدود الجنوبية لفلسطين المحتلة. أما الحدود الشمالية للكيان فهي الأكثر أمناً، وهذا نتيجة التزام المقاومة بالقرار الدولي 1701.
في عملية القنيطرة الأخيرة، تمكنت إسرائيل من إيقاع ستة شهداء للمقاومة وجنرال إيراني. ومن الملاحظ ان المقاومة لم تعلن عن استشهاده، إنما قامت إيران بذلك على لسان مسؤول رسمي إيراني هو أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني. وبعد أن نفت إسرائيل معرفتها بهوية الشهداء، عاد وزير الأمن الإسرائيلي وأعلن مسؤولية العدو عن العملية.
بعدها، قامت المقاومة برد "مدروس" على العدوان الصهيوني. وأعلن السيد حسن نصرالله، عن تغيير قواعد الإشتباك بوجود مسؤول إيراني رفيع. أما التغيير فيقوم على اعتبار جميع الجبهات جبهة واحدة بمواجهة العدو بوجود إيراني معلن. أي أن إيران والكيان الغاصب قد أعلموا العالم أن حدودهما أصبحت مشتركة.
حدود الكيان الغاصب أصبحت محاطة بإيران وحلفائها من حزب الله وحماس. كما أن هناك جزءاً بيد جبهة النصرة. المسؤولون الإسرائيليون يقولون بأن العلاقات التي يقيمونها مع المعارضة السورية لا تعطيهم الأمن الذي يريدونه لأن العلاقات مع هذه المجموعات الإرهابية لا توحي بالأمان. لذلك هم بحاجة إلى طرف مجرب بإمكانه الإلتزام بالمواثيق مثل النظام السوري أو المقاومة.
أمريكا ترى خلاف ذلك. الأمن حسب المنظور الأمريكي هو بحروب داخلية تُخرج الجميع من دائرة الخطر على إسرائيل. في العراق حرب داخلية وفي سوريا حرب داخلية، أما في لبنان، فما يوقف الحرب عوامل تكاد تكون لها نفس مفاعيل الحرب الأهلية. هذا هو الأمن الذي تريده أمريكا. أما ما ساعدها على ذلك فهو تقاطع إيراني سعودي أمريكي بإيقاد مثل هذه الحروب.
2 – في إقليمنا دولتان وشبه دولة. أما الدولتان فهما إيران وتركيا. والشبه دولة هو الكيان الصهيوني. فهو كيان مصطنع، غير طبيعي زرعته الدول الإستعمارية للحفاظ على مصالحها في الإقليم. إسرائيل هي دور. ما أن ينتهي هذا الدور حتى تنهار طبيعة هذا الكيان.
الدول العربية تريد المحافظة على كياناتها. هذا ما تريده. دول الخليج تحميها أمريكا. العراق وسوريا في طور التشكل. اليمن في مخاض. دول المغرب وضعها غير مستقر بنسب متوسطة. أما مصر، فقد يُراد لها دور في المغرب العربي يُخرجها نهائياً من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي. والتدخل في ليبيا يدخل ضمن هذا التصور.
إذن هناك دولتان هما تركيا وإيران. ماذا تريد كل منهما؟
أ – تركيا: دولة إسلامية ذات تاريخ امبراطوري تحت مسمى الدولة العثمانية. هي باب أوروبا إلى المشرق العربي. عضو فاعل في الحلف الأطلسي وتريد أن تكون عضواً كامل العضوية في الإتحاد الأوروبي. نظامها برلماني ديموقراطي. يحكمها حزب العدالة والتنمية. أهم رجالات هذا الحزب ذوو خلفيات إسلامية، أقرب ما يكونون للإخوان المسلمين.
ما يريده حكام تركيا هو الحفاظ على تقدمها الإقتصادي، مع العلم أنهم على استعداد دائم للعب دور رئيسي في الإقليم. فهي دولة لها صلات تاريخية في المنطقة امتدت لمئات السنين. أي أنها مؤهلة للعب دور في الإقليم. ولكن لازالت خطواتها خجولة ومترددة، بالرغم من اتهامها من قبل المتعاطفين مع إيران بدور كبير ليس له وجود على أرض الواقع.
تركيا ضروري وجودها من اجل الموازنة مع الدور الإيراني المفترض والذي يحظى بقبول نظري امريكي. لذلك لا بد من إرضائها. وقد باشرت أمريكا بخطوات عملية في هذا الإتجاه، نعني الموافقة على تدريب المعارضة السورية والتي ستختارها تركيا بالتعاون مع الادارة الأمريكية وليس الإستخبارات الأمريكية.
كما وأن تركيا ستلعب دوراً هاماً بحماية أمن الخليج، خاصة إذا كان على مصر التوجه نحو الغرب، وهذا هو المرجح. إذا أضفنا إلى ما تقدم التعاون التاريخي الذي كان يسم العلاقات التركية الإيرانية سواء في حلف السانتو القديم أو بخرق العقوبات الأمريكية على إيران من قبل النظام التركي. كما علينا أن لا ننسى أن هناك ملفات عديدة مشتركة بين الدولتين: الملف الكردي والملف العراقي والملف السوري. هذه الملفات لا يمكن إيجاد حل لها إلا بتعاون هاتين الدولتين.
ب – إيران: إذا أخذت إيران صفة الإسلامية فقط، فسوف تكون جزيرة في بحر شاسع من الدول الإسلامية. ولكن بما أنها تريد لنفسها دوراً لم تفتقده عبر التاريخ، حيث كانت كجارتها امبراطورية أعرق تاريخاً من الإمبراطورية العثمانية الحديثة نسبياً، لذلك لابد من وسم نفسها بالصفة الشيعية. إيران هي الدولة الشيعية الأكبر، وهي التي تحافظ على مصالح الشيعة حيثما وُجدوا. وهي تقوم بالتبشير الشيعي حيثما تتمكن من ذلك.
القيادة الإيرانية تعلم أن الباب الذي يلج منه أي كان إلى إقليمنا هو القضية الفلسطينية. فهي ناشطة في هذا الميدان وتقدم المساعدات للفلسطينيين وللمنظمات المقاومة. ولكنها رغم ذلك، هي تعلم أنها لن تخرج عن الإتجاه العام للمسألة الفلسطينية. لذلك أعلنت أنها تسعى إلى حل مرض للمسألة الفلسطينية.
ما تقدم لم يمنع القيادة الإيرانية من العمل في الساحات التي تنشط فيها على أساس مذهبي وذلك لتأكيد تميزها عن باقي الدول الإسلامية كما ولتحقيق التمدد الذي تريده في الإقليم. فهي تقود الميليشيات الشيعية في العراق في حربها ضد داعش وبتغطية من الطيران الأمريكي، وبسكوت من قبلها ومن قبل التحالف الأمريكي عن الجرائم التي تقترفها ميليشيات الحشد الشعبي بحق مواطنيهم العراقيين السنة. وقد تحدثت المرجعية في النجف عن هذه الجرائم أكثر من مرة، وقد تحدث عنها رئيس الوزراء أخيراً.
أميركا لا تغطي إيران، إنما تغطي الحرب الأهلية التي تلهي الجميع عن الكيان الصهيوني الغاصب.
في سوريا، تقوم إيران بنفس الممارسات، فهي حشدت لمعاركها من أجل الإحتفاظ بحكمها لسوريا بالميليشيات من جميع الأماكن الذي يوجد فيها شيعة. والتغطية قائمة من قبل دول التحالف. والمعركة الأخيرة التي تُخاض على الحدود الجنوبية من أجل ربط ساحة الصراع مع العدو الصهيوني بوضع القرار بيد النظام الإيراني، وذلك من أجل الضغط على إسرائيل عندما تتدخل سلباً في الملف النووي خاصة وأن مجلسي الكونغرس الأمريكيين أصبحا تحت السيطرة الجمهورية. وهذا ما يكبل يدي الرئيس الأمريكي نسبياً.
إيران أصبح دورها وازناً في الإقليم. ولا يمكن لأمريكا أن تتغافل عن هذا الموضوع. من أجل ذلك تسعى إلى إطالة امد الحرب ضد "الدولة الإسلامية" علها تستنزف القدرات الإيرانية وتنهكها على صعد عديدة. ولكن هذه اللعبة لا يمكن أن تستمر من غير أفق. لذلك لا يمكن الإستمرار بها من دون نهاية. من هنا لا بد من الحديث عن توزيع الحصص، سواء في سوريا أو العراق ولبنان أيضاً.
من الضروري إبداء ملاحظة أخيرة حول الإختلاف على صعيد البنى بالنسبة للنظام السياسي الإيراني والتركي. فالنظام السياسي التركي يملك الإمكانية على الصمود والإستمرار أكثر من النظام الإيراني لأن الأول يقوم على اقتصاد انتاجي يقوم على تشغيل الناس وإشراكهم في العملية الإنتاجية، ومعيار صموده هو العملية الإقتصادية السليمة. الشائبة في الإقتصاد التركي هو اعتماده الكبير على الإستثمارات الخارجية، وهذا ما يجعله يتهرب من المغامرات العسكرية رغم كل الدعايات المضللة.
أما الإقتصاد الإيراني فهو ريعي يقوم على بيع البترول والغاز والصناعات العسكرية والحشد الإيديولوجي. وهذا ما يذكر بالنمط السوفياتي الذي انهار في مباراته مع الإقتصاد الرأسمالي المعادي للشعوب. وحيث أن الإقتصاد الإيراني يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسوق الرأسمالية، فهو يتبنى نفس قيمها الإقتصادية، لذلك لا مكان لمباراة مع أمريكا فهي خاسرة قبل البدء بها. التعويض الوحيد يكون عبر الإيديولوجيا. وهذه المباراة سبق أن هُزمت في المثل السوفياتي. من هنا كان الرهان على الرئيس روحاني من أجل بناء إقتصادي حديث بالشراكة مع الغرب النيوليبيرالي.
التنافس بين أمريكا وإيران وتركيا هو تنافس لا يحمل أي طابع عدائي. هذا هو مستقبل الإقليم. شراكة بين خصوم، يدوم ربما لعقود، أو يقع الخصام سريعاً فيبدأ جميع الأطراف بتموضع جديد ينتج عنه توافقات جديدة.
إن ما يحصل الآن هو اتجاه حثيث نحو ترتيب للمنطقة يُبعد إمكانية الحروب لأمد بعيد. وهذا بالطبع ما يمكن أمريكا من التفرغ للمحيط الهادي الذي تعتبره التحدي الرئيس للسنوات القادمة.
                                                                 21 شباط 2015

الخميس، 15 يناير 2015

شارلي إيبدو



                            شارلي إيبدو كمدخل لسياسة التدخل الإستعماري
البوليس الفرنسي اعترف بتقصيره. سبعة عشر قتيلاً سقطوا نتيجة تقصير. لم يتحدث أحد عن البدء بمحاكمة المقصرين.
أكثر من ثلاثة ملايين شاركوا في مهرجانات الكراهية ضد الفرنسيين من أصل إسلامي. وإذا سألتهم عن السبب، يقولون الإرهاب، من دون مناقشة سبب وجود الإرهاب ومن الذي أوجده. كما وأنهم لم يناقشوا على من تقع مسؤولية التقصير، وإن كان متعمداً، أم كان بنتيجة الإهمال.
وقد اتخذت السلطات الفرنسية إجراءات أمنية بإنزال عشرة آلاف جندياً وحوالي ألفي شرطياً لحماية المدارس اليهودية وأماكن عبادتهم، علماً أنه وقع 54 اعتداءً على مراكز إسلامية وليس يهودية!!!!
استعرضنا هذه الأوضاع بالرغم من خوفنا الشديد من الصحفيين وكتاب الرأي، اليساريين منهم واليمينيين، الذين طالبوا باستنكار ما حصل مع صحافيي شارلي إيبدو (من دون ولكن). والمؤسف حقاً أنهم سيضطرون للقول "ولكن" بعد ما رأوا مهزلة استنكار مقتل 17 شخصاً من قبل قادة الإرهاب العالمي. لن أقول على رأسهم نتنياهو، لأن البركة فيهم جميعاً.
محطات
1 - نابليون بونابارت حاول حل المسألة اليهودية بأن توصل الى عقد مع اليهود في سنة 1807 حيث جمع في بلدية باريس المؤسسة الدينية ليهود فرنسا السانهدرين Sanhedrin لتحويل يهود فرنسا إلى "مواطنين صالحين"، وذلك عبر تكييف أحكام الشريعة اليهودية مع القيم الفرنسية العلمانية، ليصبح اليهود جزءًا من الأمة الفرنسية بعد أن كانوا في العهد البائد مجموعة دينية منطوية على نفسها. ردّ السانهدرين بالإيجاب على مطلب نابليون وقامت سنة 1808 مؤسسة الكونسيستوار  (consistoire) وأعلنت أنّ المظاهر السياسية للتوراة لم تعد صالحة  (valides)، لأنّ اليهود لم يعودوا يشكلون أمة (nation) . لذلك تمّ التخلّي عن كل شكل من الاستقلال الشرعي اليهودي.
ومن الجدير ذكره أن ماركس والآخرين قد أصدروا كتبهم عن "المسألة اليهودية" بعد هذا التاريخ بكثير وهذا دليل أن هذا الاتفاق لم يدفع اليهود الى القبول بالاندماج في المجتمع الفرنسي.
منذ أسبوع، وصل نتنياهو إلى باريس وطلب من يهود فرنسا الهجرة إلى فلسطين المحتلة (وكأنها ملكه) والإستيطان فيها. ولم يشعر رئيس فرنسا هولاند ولا رئيس وزرائه فالس بالإهانة من تصرف نتنياهو. إنما رد عليه فالس قائلا أن فرنسا لا تعود فرنسا من دون اليهود. ولم يكتف رئيس وزراء العدو بذلك، ولكنه نقل جثامين الموتى اليهود ودفنهم في القدس المحتلة.
وإمعاناً في المذلة أعلنت عن إجراءات خاصة لحماية اليهود. دولة علمانية ، حسب زعمها منذ 1807 كما قال نابوليون، تتحدث عن اليهود وليس عن مواطنين فرنسيين.
2 – قام مواطنان فرنسيان بعملية إرهابية أوقعت عدداً من الضحايا، من بينهم مواطنان مسلمان، بالإضافة إلى ثلاثة إرهابيين فرنسيين مسلمين.
قالت السلطات الفرنسية العلمانية التي تحترم جميع الأديان، أن الإعتداء الإرهابي قام به متطرفون إسلاميون، ووقع ضحيته عدد من الصحافيين والشرطة.
الإرهابيون أعطتهم السلطات الفرنسية المنحازة ضد الإسلام صفة الإسلاميين، ولكن الضحايا المسلمين الذين كانوا يدافعون عن المجلة الساقطة، لم تعطهم الصفة الإسلامية. أي أن هذه السلطات تريد أن تقول أن الإرهاب إسلامي ومن يجابه الإرهاب فرنسي. لو أن هذه السلطات عادلة لقالت قام إرهابيون فرنسيون لكنتهم باريسية باعتداء إرهابي على مجلة ساقطة فرنسية وقع نتيجته عدد من الضحايا، (ويمكنها أن تضيف أبرياء، إن أرادت ذلك).
3 – جمعت السلطات الفرنسية عدداً لا بأس به من قادة الإرعاب في العالم للإحتجاج على الإرهاب. الإرهاب الذي رعوه حق رعايته ثم وزعوه على العالم، عالمنا. لا يريدون الإحتجاج على قتل إسرائيل أكثر من ألفي بريء من أهالي غزة وتهديم بيوتهم. هؤلاء الذين يعيشون في العراء في هذا البرد غير المسبوق. في نفس اليوم لعملية باريس قُتل 37 يمنياً نتيجة عمليات إرهابية. لم يسمع بهم أحد. لماذا؟ حقوق الإنسان تكون للجنس الغالي واليهودي فقط في فرنسا وبقية السكان الفرنسيين محرومون منها!
4 – من تحدث عن سبب الإرهاب؟ لا أحد! لأن الكلام عن سبب الإرهاب يدين قادة الإحتجاج عليه. يقول بعض الكتاب من أبناء جلدتنا وأبناء جلدتهم: لا تتحدثوا عن الحرمان والتهميش. لأن الحديث عن الحرمان يدين ممولي الإرهاب الإعلامي. منذ زمن بعيد تقوم السلطات الفرنسية باستثمار المهمشين في عملياتها الخاصة. إنهم عدتها في العمليات المشبوهة. هي تعرفهم جميعاً. أحد الثلاثة الذين قتلوا يحمل سواراً إلكترونياً. السلطات الأمنية الفرنسية تحدثت عن تقصير أمني. التقصير الأمني الذي يذهب ضحيته أكثر من سبعة عشر إنساناً يكون خبراً من سطر واحد في الصحف؟!
وبعد كل هذا تتحدث عن ضرورة حماية المجتمع من الإرهاب الإسلامي، وليس عن الإرهاب الذي يسببه الحرمان والتهميش لفئة كبيرة من المجتمع تسمح لها السلطات بالقيام بجميع الأعمال المشبوهة حتى تستخدمها عند الحاجة.
5 – ما تريده فرنسا ومعظم الدول الأوروبية، في أزمتها الإقتصادية الراهنة أن تتمكن من سرقة مكتسبات الطبقة العاملة الأوروبية. هذه الطبقة التي قدمت مئات الآلاف من الضحايا حتى تمكنت من الحصول على جزء من حقوقها يؤمن لها مستقبلاً يُغنيها عن مد اليد عند التقاعد. وبما أن اليد العاملة المهاجرة تتمتع بنفس هذه المكتسبات، فلا بد من أن تعيش بعدم استقرار وظيفي مما يجبرها على العمل من دون ضمانات، اي العمل بصورة غير شرعية. وبذلك تحصل الطبقة الرأسمالية على مكسبين في الآن نفسه: خوف الأوروبيين على مكتسباتهم، وخوفهم على فرص العمل التي يحصل عليها المهاجرون. ومن جهة ثانية، يقبل المهاجرون بأجور زهيدة ومن دون ضمانات خوفاً على فرص العمل غير المؤمنة في بلادهم الأصلية. ليس هذا فحسب، بل إن الطبقات العاملة بدلاً من أن تناضل مجتمعة من أجل الحفاظ على مكاسبها والحصول على شروط أحسن للإستخدام، ترى نفسها مجبرة للنضال ضد استخدام القوى العاملة الأجنبية الوافدة.
إن شيوع هذا الجو العنصري بين الشعوب الأوروبية يجعلها ترى الأمور على غير حقيقتها، فتتناسى مآسيها من أجل الدفاع عن قيمها المزيفة، قيم العولمة النيوليبيرالية، كما يصورها الإعلام الذي يدافع عن استغلال الطبقات المسيطرة للطبقات الكادحة...
الإسلاموفوبيا هو استثمار من قبل الذين اجتمعوا في باريس، على مستويات مختلفة، ضد الشعوب المستضعفة، وضد شعوبها بشبهة تناقض المصالح بين الوافدين والسكان الأصليين في البلدان الأوربية.
6 – ليس هذا فحسب، بل هناك أمر هام لا تجرؤ السلطات على التصريح به إلا في أجواء متوترة، وهو حاجة المستثمرين الفرنسيين لحماية مصالحهم في المستعمرات السابقة، وخاصة في دول الساحل الأفريقي. ففرنسا بحاجة إلى بعث جيشها في مهمات قتالية في شمال النيجر حيث مناجم الأورانيوم وإلى مالي وجنوب ليبيا. الشعب الفرنسي لن يقبل بهذه المهمات الإستعمارية التي لن يكسب منها شيئاً سوى تقديم القتلى لحماية مصالح الرأسمال المعولم. ولكن جو الكراهية والعنصرية يسمح لهذه السلطات بأخذ القرار الذي يناسبها وبترحيب من الناس.
رئيس فرنسا الذي يحكم الآن ب12% حسب استطلاعات الرأي سيصبح بطلاً قومياً بفضل استثمار الكراهية وبحجة القضاء عليها.

سهم نتنياهوأأأت