بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الاثنين، 9 يناير 2017

اجتماع موسكو الفلسطيني

              
حسن ملاط
أعلنت وكالة نفوستي للأنباء أن معهد الاستشراق الروسي أعلن أنه سينظم، أواسط شهر يناير/كانون الثاني الجاري، اجتماعا لممثلين عن الفصائل الفلسطينية السياسية لبحث سبل تجاوز الصراع الداخلي بينها وإحياء الوحدة الوطنية.
ومن المقرر أن يركز الاجتماع على حل النزاع بين حركة "فتح"، التي تشكل قوة رئيسة في السلطة الوطنية الفلسطينية المسيطرة على أراض واقعة في الضفة الغربية لنهر الأردن، وحركة "حماس" التي تحكم في أراضي قطاع غزة.
ومن المتوقع أن المشاركين في الاجتماع سيلتقون في موسكو مع كل من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ونائبه ميخائيل بوغدانوف.
يذكر أن هذا الاجتماع ليس الأول من نوعه، حيث سبق أن عقد معهد الاستشراق مباحثات بين الفصائل الفلسطينية الأساسية، برعاية مديره فيتالي نعومكين، في العام 2011
ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الإجتماع ليس رسميا، حسب السيد نعومكين.
مقدمة
كان الإجتماع الأول لهذه الفصائل في موسكو غداة اندلاع الإنتفاضة السورية. وقد كان تأثير الروس شبه معدوم في إقليمنا. ولكن بعد التدخل العسكري الناشط للغزاة الروس للأراضي السورية، أصبحت موسكو لاعباً أساسياً في الإقليم لا يمكن لأي أحد تجاوزه. فقد تمكنت من دعم موقف الأسد الذي كان منهاراً، إلى جانب داعميه من القوات الإيرانية. وقد اضطر قائدها الجنرال قاسم سليماني إلى الذهاب إلى موسكو شخصياً طلباً لدعم قواته التي كانت على شفا الإنهيار.
كذلك، فإن الدور شبه الغائب للإدارة الأمريكية قد جعل الدور الأول في المنطقة للروس.
إضافة إلى ما تقدم، فالكيان الصهيوني الذي يراقب الأراضي اللبنانية والسورية على مدار الساعة، أصبح ملزما بالتنسيق مع القوات الروسية المتواجدة على الأراضي السورية. وهذا ما اضطر رئيس وزراء العدو لزيارة موسكو عدة مرات للتنسيق مع الرئيس بوتين.
1-          حدود الدور الروسي
منذ زيارته الأولى للكيان الصهيوني، أعلن الرئيس بوتين أن أمن الكيان الغاصب هو أولوية بالنسبة له. وقد أكد على ذلك من كون أكثر من سدس المستعمرين الصهاينة في كيان العدو يحملون الجنسية الروسية. كما وأعلن أن على قادة العدو، حتى يكونوا منسجمين مع أنفسهم أن ينسقوا مع روسيا وليس مع الإدارة الأمريكية.
وللإشارة فقط، فالعمليات الإجرامية التي قام بها العدو في الأراضي السورية والتي كان اغتيال المقاوم سمير القنطار أهمها، قد تمت بتقنية عالية مع وجود الأس 300 و400 الذي يصل مداه إلى معظم أراضي فلسطين. وهذا يؤكد أن وعود بوتين لقادة العدو كانت صحيحة.
هذه الفعالية للوجود الروسي على الحدود الفلسطينية، مضافاً إليها العلاقات التاريخية التي تربط الفلسطينيين بالإدارة السوفياتية سابقاً والتي ورثتها الإدارة الروسية، تجعل الدور الروسي يملك القدرة على أن يكون فاعلاً، وخاصة مع احتلاله للأراضي السورية.
2-          ماذا يريد الفلسطينيون؟
أ‌-               لم تتعلم القيادة الفلسطينية من تجربتها مع ما اصطُلح على تسميته "غزو الكويت". فقد أخذت القيادة الفلسطينية قرارات اتسمت بالإنحياز إلى أحد طرفي النزاع الذي كانت نتائجه محسومة لصالح الغزو الأمريكي الذي تم التحضير له بعناية. هذه القرارات أدت إلى تهجير الفلسطينيين مرة أخرى من الكويت هذه المرة، بالإضافة إلى استياء دول الخليج مجتمعة من موقف القيادة الفلسطينية.
     هذا الموقف ليس له علاقة بأحقية دخول       القوات العراقية أو بعدمها، ولكنه يتعلق فقط بالقرار الفلسطيني المتعجل.
ب‌-        الفلسطينيون ليسوا كما كانوا سابقاً. على الفلسطيني أن يتموضع بشكل مختلف. وهذا التموضع يجب أن يكون النقطة الأولى التي يجب نقاشها عند الإنتليجنسيا الفلسطينية. بعض الأسئلة التي لا بد من طرحها وعلى القيادات الإجابة عليها:
1-          هل فلسطينيو ال48 فلسطينيون أم علينا أن نشك بانتمائهم بسبب من حملهم هوية كيان العدو؟ هؤلاء يناضلون ببسالة ضد سلطات العدو التي تسطو على أرضهم وتمنعهم من التمدد الطبيعي، وتمنعهم من السكن في القرى "اليهودية". وأصبحوا الآن يملكون فقط2،3  من أرض فلسطين المحتلة في ال48. وقرار السماح لهم بالبناء مرتبط بهدم مئات المساكن التي تسميها سلطات الإحتلال غير شرعية. هل هذا القسم من الشعب الفلسطيني يُترك لقدره، خاصة أنه يقوم بنضال بطولي ضد سلطات الإحتلال.
2-          إذا كان فلسطينيو ال48 مسلحين (نعم مسلحون) من أجل قتل بعضهم بعضاً بسبب الثارات القبلية. الرسول عليه السلام تجاوز عن ثارات قبيلته في حجة الوداع. هل للقيادة الفلسطينية دور في خلق الإستقرار في المجتمع الفلسطيني في هذا القسم من فلسطين؟
3-          فلسطينيو المخيمات التي هُدمت في سوريا لأسباب مختلفة ولا يمكن استبعاد المصير نفسه في أماكن أخرى! الفلسطيني الذي يأتمر بأوامر لا علاقة لها بالإنتماء الفلسطيني، أو بصراعه مع العدو الصهيوني، هل يُعتبر هذا العنصر من عناصر "المقاومة"؟. إذا لم يكن كذلك لماذا يجب على المخيم بأكمله أن يتحمل مسؤولية تهور بعض العناصر؟ لماذا لا يلتحق بأماكن تواجد حزبه أو منظمته؟ وهذا القرار لا يمكن أن يكون إلا فلسطينياً. أو على القيادة اللجوء إلى خيارات أخرى تمنع عن المخيمات الفلسطينية المصير السوري أو المصير العراقي بعد الغزو الأمريكي للعراق.
4-          فلسطينيو الشتاة، كيف يتموضع هؤلاء؟
5-          المؤسسات الفلسطينية "الرسمية" هل لها دور في المستقبل القريب والبعيد؟
6-          السلطة العميلة هل هي حاجة للحركة الوطنية الفلسطينية؟
7-          هل هناك برنامج وطني فلسطيني؟
لن أعدد جميع ما يجب تعداده، ولكن ألخص فأقول: إذا كانت هذه المنظمات ذاهبة إلى موسكو من أجل المصالحة، فالأولى بها إما أن لا تذهب أو تعود. أما إذا كانت ذاهبة من أجل استثمار الدور الروسي المستجد في المنطقة، فنعما ما ستقوم به.
ولا بد من التشديد على تحديد ماهية الفلسطيني، إنتمائه وتموضعه، والدور الذي على المنظمات السياسية لعبه ومنظمات المجتمع المدني في جميع تجليات هذا الشعب المقاوم.
                           9 كانون الثاني 2017



الاثنين، 2 يناير 2017

حول الوضع الإقليمي

             
حسن ملاط
·      "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"
·      "إنك امرؤ فيك جاهلية"
·      "إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال؛ اعرف الحق تعرف أهله"
      *******************
تتميز المرحلة الراهنة على صعيد الإدارة الأمريكية بانعدام الوزن وبانعدام اليقين. فالرئيس الجديد أكد مرات عدة بأنه سيلغي قرارات أخذها الرئيس الحالي فيما يختص بالعلاقات الخارجية، مثال الإتفاق النووي مع إيران ومسألة نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلتين... والأهم هو مبادرة بوتين بعدم الرد على قرارات إبعاد الدبلوماسيين الروس من العاصمة الأمريكية، الأمر الذي علق عليه ترامب بإيجابية كبيرة.
إقليمياً
اتخذت روسيا وتركيا، ربما بالإتفاق مع إيران عدة خطوات هامة في سوريا: احتلال (تحرير) حلب بعد تدمير قسمها الشرقي، مساعدة روسيا للقوات التركية في ضواحي الباب السورية، وقف النار الشامل في جميع الأراضي السورية... وقد رحبت الإدارة الأمريكية بهذه الخطوات ببرودة. أي أنها ستكون مستعدة لنسفها في حال رأت بأنها لا تنسجم مع مصالحها المستقبلية في الأراضي السورية، خاصة أن جميع هذه القرارات اتُخذت من دون استشارتها. فقد كان الوزير لافروف يبلغ زميله كيري بالقرارات التي أخذتها روسيا وتركيا مجتمعتين.
إن نجاح المبادرة الروسية التركية المشتركة دونه عقبات كثيرة، خاصة أن إيران التي تقدم أكثر من غيرها في الساحة السورية لم يكن دورها مفصلياً في هذه القرارات. والأمر نفسه ينطبق على النظام السوري الذي أُبلغ بالقرارات لتنفيذها. وهذا هو السبب الرئيسي الذي اضطُر وزير الخارجية السوري لزيارة طهران. ولم يتسرب الشيء الكثير عن فحوى هذه الزيارة.
ما يحصل هو أن روسيا تلعب الدور الرئيسي في الساحة السورية. في حربها ضد أعداء النظام، تتفاهم مع إيران التي تقدم أبناءها ضحايا لهذا التفاهم بالإضافة إلى من تجندهم من دول أخرى مثل أفغانستان والعراق وغيرهما من الدول.
وعندما تريد روسيا ترتيب أوضاع الشمال السوري تتفاهم مع تركيا المجاورة لهذا البلد بشأن هذا الموضوع. وفي النهاية، ترى لزاماً عليها استشارة الإدارة الأمريكية في جميع هذه القرارات.
والبين من هذا الأمر هو أن الدول الأجنبية هي التي تقرر مستقبل الإقليم فعلياً!
لماذا التحدث عن الإقليم؟
نتحدث عن الإقليم لأسباب تتعلق ببناء القاعدة المادية لإمكانية تحرر شعوبنا من الخضوع للعولمة النيوليبيرالية التي تفرض على شعوبنا قيمها التي تتناقض مع جميع القيم التي تؤمن بها شعوبنا. كما أنها تقوم بالإستيلاء على جميع خيراتنا، بالتفاهم مع الحكام الظلمة الذين يحوزون بدورهم على الفتات التي يتركها لهم الجابي الأمريكي وربما الروسي مستقبلاً.
الإدارة الأمريكية تملك القوة العسكرية الأعظم في التاريخ، والتي بإمكانها أن تدمر الكرة الأرضية مرات عديدة. وهي تملك القوة الإقتصادية الأقوى والأكثر تطوراً. كما أن عملتها هي التي تهيمن، كما عسكرها وثقافتها.
تحرر شعوبنا يتطلب تضامنها في وجه هذا الطاغوت. وتضامن شعوبنا يفرض على الإدارة الأمريكية التراجع كما حصل في فيتنام على سبيل المثال. فمجابهة الشعوب لا تقدر عليها أية قوة في العالم.
ما تقدم يتطلب أن تفرض شعوب المنطقة على حكامها التضامن فيما بينها لاتخاذ قرارات تؤمن التكامل الإقتصادي في الإقليم الذي ننتمي إليه. فتفكير كل دولة من دول الإقليم بتأمين مصالح حكامها على حساب شعبها وشعوب المنطقة يؤدي بهذه الطبقة الحاكمة لتقديم تنازلات إلى القوة التي تدير العولمة في العالم، وفي حالتنا الراهنة: الإدارة الأمريكية وربما الروسية مستقبلاً.
1-            لماذا الحرب على تركيا وليست على إيران؟   إذا استخدمنا نفس اللغة التي يستخدمها المعادون لتركيا من حلفاء إيران: مساعدتها لداعش انقلبت عليها. لماذا لا تقوم داعش بأية عملية إرهابية في إيران مثلاً؟ لن يكون الجواب: بسبب تواطؤ إيران مع داعش، فهذا الجواب يتسم بكثير من السطحية. إذا كانت الولايات المتحدة تغذي الحرب بين السنة والشيعة، كما يقول الإيرانيون أنفسهم، وذلك من أجل مصلحة الكيان الصهيوني، فهل الحرب على إيران تغذي الحرب المذهبية؟ الجواب هو النفي. فالشيعة، والذين يمثلون أقلية مذهبية لا تنفع الحرب في مركزهم لتأجيج الصراع. لذلك يكون الإرهاب في تركيا وليس في إيران. والنظام الإيراني ليس مقرراً في هذا الموضوع.
هل السياسة التركية تخدم وحدة الإقليم؟                الرئيس التركي يتعدى على صلاحيات شركائه ويقرر السياسات، علماً أن الدستور يمنعه من ذلك. هو يؤجج الخلافات الإتنية بين مختلف مكونات الشعب التركي حتى يتمكن من تعديل الدستور. كما ويؤجج العداء المذهبي داخلياً من أجل الغاية نفسها.
إذا كان الدستور التركي علمانياً، ما الذي يمنع من أن يكون رئيس حزب الشعب الجمهوري علوياً؟ وما الذي يمنع حزب الشعوب الديموقراطية من ممارسة العمل السياسي بكل حرية؟ هذا الإتجاه "الأردوغاني" هو لتأمين تغيير الدستور بحيث يصبح حاكماً مطلقاً كما جيرانه في الإقليم.
هذا على الصعيد الداخلي، أما على الصعيد الخارجي، فتتسم سياسة الحكم التركي بالبراغماتية المطلقة، مصالح الرأسمالية التركية المتحالفة مع الرأسمال الأجنبي تتقدم على ما عداها.
هل السياسة المتبعة تخدم وحدة شعوب الإقليم؟
بالطبع لا، الأكراد على سبيل المثال مكون أساسي في الإقليم الذي ننتمي إليه. وعليه، ما هي المصلحة من شن حرب تدميرية على هذا المكون المنتشر في سوريا والعراق وتركيا وإيران؟
2-            إيران دخلت إلى دول الإقليم من بابه العريض بسبب السياسات التي اتبعها الإمام الخميني بالتماهي مع شعوب المنطقة بضرورة إزالة الكيان الصهيوني وعودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه المغتصبة، إضافة إلى الدعوة الجدية للوحدة الإسلامية. عندما شن النظام العراقي الحرب على الجمهورية الناشئة بمعونة دول الخليج وبرعاية الإدارة الأمريكية، قبل الإمام بوقف الحرب حتى لا يكون وقودها المسلمون، سواء كانوا إيرانيين أو عراقيين.
السياسات المتبعة حالياً تتناقض كلياً مع السياسات السابقة. فالحرب التي تشارك فيها إيران هي حرب بين المسلمين فقط. ووقودها هم المسلمون فقط. والكيان الصهيوني يتفرج، يضرب متى شاء وأينما شاء، من دون أي رد فعل من إيران. كما وأن إيران تخوض حرباً في العراق بحماية العدوان الأمريكي الذي يمهد الطريق بطيرانه لدخول الميليشيات الطائفية والمذهبية التي تقوم بعمليات التطهير المذهبي والطائفي. وهذا ما حصل في ديالى وصلاح الدين والأنبار وفي بغداد نفسها حيث تمكنت هذه الميليشيات من طرد أهل سامراء من بيوتهم ومدينتهم بسبب انتمائهم المذهبي.
أما في سورية فتتم بحماية الغزاة الروس!
الحرب ضد الكيان الصهيوني، والتي تزعمها في الآونة الأخيرة (بعد الفلسطينيين والحركة الوطنية)، حزب الله اللبناني الذي أعطى نفسه الهوية الشيعية، ألم تؤد إلى توحيد الساحة الشعبية العربية؟ هل وجد ولو لمرة واحدة ممارسات ذات طابع مذهبي؟ الجواب هو النفي. من هنا فالتحجج بمحاربة عملاء الكيان الصهيوني أو التكفيريين بدل محاربة رأس الأفعى، أي الكيان الصهيوني هي حجة مردودة أيضاً. فقد علمتنا التجربة العملية وخلال أجيال أن ما يوحد الساحة الداخلية هي الحرب ضد العدو الصهيوني. وهذه الحجة استخدمتها الأنظمة لقمع شعوبها واستغلالها على صعد عديدة.
الإنتصار على عدو شعوب منطقتنا يتطلب توحيد طاقات هذه الشعوب والتأكيد على وحدتها في مجابهة هذا العدو. لقد تحارب السنة والشيعة مع بعضهم البعض وخاصة في العراق، حتى من قبل أن تصبح إيران شيعية، ولكنهم عادوا وتوحدوا. والوحدة ليست مستحيلة ولكنها تتطلب ممارسات توحيدية وليس ممارسات تقسيمية. إيران دولة هامة في الإقليم، وجودها حاجة أساسية للتخلص من هيمنة العولمة النيوليبيرالية على شعوبنا. وهذا يتطلب التخلص من السياسات القومية والمذهبية والإلتزام بالسياسات التي تقسم العمل في الإقليم وترفض بشكل حاسم تقسيم العمل على الصعيد الدولي.
3-            السعودية بدأت بتغذية الخلافات المذهبية بين شعوب الإقليم غداة نجاح الثورة الإيرانية. ليس مستغرباً على هذا النظام تغذية هذه الخلافات. ذلك أن وجوده في السلطة مرهون بحماية الإدارة الأمريكية له. والولايات المتحدة التي اصطدمت الثورة الإسلامية معها أولاً بأول، كانت مصلحتها بتقويض هذه الثورة. السعودية لا يمكن أن تسير بمشروع إقليمي يوحد الطاقات ضد الهيمنة الأمريكية ويقضي على الكيان الغاصب إلا إذا أجبرها شعبها على ذلك. وهذا لا يتم إلا بمبادرة الشعوب الأخرى الأكثر انفتاحاً على الثقافة أولاً.
خلاصة
الإقليم بحاجة إلى إنتاج سياسة توحيدية كي يتمكن من التحرر من الهيمنة الأمريكية. جميع دول المنطقة خبرت التعاون مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة وكيف أن مهمتها الأساسية قمع الشعوب، ونهب ثرواتها. فلماذا إعادة التجريب؟
لا يمكن لدولة واحدة في الإقليم أن تجابه السيطرة الأمريكية على جميع مناحي الحياة: السياسية والإقتصادية والعلمية والعسكرية والثقافية في العالم أجمع. روسيا تعمل على أن يكون لها حصة ولا تطمع بأكثر من ذلك. إنه طموح المشاركة في العولمة النيوليبرالية، ومشاركة الولايات المتحدة الأميركية، وصراعها مع الأميركي حول الحصة والدور لا أكثر. أما أمريكا فلا تقبل بأقل من فرض نظامها القيمي على جميع الشعوب. هذا النظام الذي يتناقض مع قيمنا الدينية الإسلامية منها والمسيحية. ما علينا إلا التحرر من النفق المذهبي والشوفيني والإنفتاح على العالم الرحب الذي وضعنا فيه ربنا، تبارك في علاه: "الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض...".
ولا يمكن إغفال وجهة نظر أخرى تؤكد أن الصحيح هو أن أمريكا تريد فرض نظام مصالحها الاقتصادية والسياسية والهيمنة، ولا مشكلة عندها في تنوع باقي القيم الثقافية والاجتماعية، بل هي تعمل على تدوير وإعادة تدوير القيم الدينية والروحية والثقافية - السائدة عند الآخرين- لخدمة سياساتها واقتصادها. فإذا كانت "السياسة تعبير مكثف عن الاقتصاد"، فلكم هي معبرة عبارة "إنه الاقتصاد أيها الغبي" التي قالها جيمس كارفيل المستشار الاقتصادي للرئيس الأمريكي بيل كلينتون. بل وكتبها في لافتة وعلقها على باب مكتب الحملة الانتخابية للرئيس كلينتون في انتخابات 1992.

                                     3 كانون الثاني 2017

الجمعة، 2 ديسمبر 2016

اطلالة على أزمة 2008




منذ حوالي الف ومايتي سنة وقف هارون الرشيد على شرفة قصره ونظر الى الغيمة التي أبت أن ترسل ما تحمل من خير فوق بغداد، عاصمة ملكه، وقال لها "اذهبي أنى شئت فان خراجك سيعود الي".
وما أشبه اليوم بالبارحة، ولكن مع تغير الشخصيات. فبوش يقف وقفة الأسد فوق فريسته ويتحدث الى العالم بأجمعه (فريسته)، عربه وعجمه، اوروبييه وأفريقييه وجيرانه الأميركيين أيضا، ويقول لهم: سوف أظل أستهلك على هواي وأوهمكم أنني أسدد ثمن ما أستهلكه وسوف تظلون تدفعون بدل استهلاكي موهمين أنفسكم أنكم لا تدفعون ثمن ما أستهلكه. ثم يضيف متحدياً وافعلوا ما شئتم.
يومياً يدبج الكثير من المقالات واصفة هذه الأزمة وامكانية حلها. والملفت للانتباه هو أنني لم أر مقالاً أو دراسةً تقول لنا لماذا اذا تأزمت في الولايات المتحدة الأمريكية سوف يحصد العالم أجمع ارتدادات الأخطاء الأمريكية. تأزمت في أمريكا فبدأ انخفاض اليورو مقابل الدولار. ومن المعروف أنه عندما تكون أزمة اقتصادية في احدى الدول، يكون انعكاس هذه الأزمة انخفاض قيمة نقدها. أما الدولار فقد تحسن سعر صرفه مقابل اليورو. وعندما بدأ ارتفاع السعر الجنوني للنفط، كان التبرير أنه ناتج عن انخفاض سعر الدولار مقابل اليورو والين و... فما بال البترول ذاهب الآن، الى الانخفاض بوتيرة أسرع من وتيرة ارتفاعه عندما كان سعر الدولار منخفضا؟ هل بسبب ضعف الاقتصاد الأمريكي. وبذلك يكون الجواب نفسه: اذا ارتفع سعر البترول أو انخفض سعر البترول يكون بسبب ضعف الدولار. أنا لا أتحدث للتسلية انما أنقل ما يكتبه "الخبراء".
طالعتنا وسائل الاعلام اليوم بالنبأ التالي: انخفاض كبير في البورصات الأسيوية (المقصود اليابان والصين وتايوان وهونغ كونغ والهند...) وانخفاض في سعر البورصات في أوروبا والدول الخليجية وذلك ناتج عن انهيار البورصة في وول ستريت في نيويورك. تغيم في أمريكا وتمطر في كل القارات! ألا يعني هذا بصيغة أخرى أن هنا سوقاً واحدةً لها استقلالية وجميع الأسواق الأخرى تابعة؟ من الأكيد أن ديغول سعيد في قبره حيث أنه لا يرى أن جميع جهوده التي قام بها من أجل ايجاد أوروبا مستقلة عن التبعية لأمريكا قد باءت في الفشل. على الصعيد العسكري وعقب الحرب الأمريكية على صربيا أعلن وزراء الدفاع في الاتحاد الأوروبي أن آلتهم العسكرية متخلفة أي أنها غير مهيئة لخوض حرب والانتصار. أما على الصعيد الاقتصادي فما علينا الا أن نتفرج على انهيار جميع الاقتصاديات في العالم بسبب تبعيتها للاقتصاد الأمريكي. اذن في هذا العالم يوجد دولة واحدة مستقلة هي الولايات المتحدة الأمريكية.
العالم أجمع يعلم أن حجم الانتاج الأمريكي يساوي حوالي خمسة عشر تريليون دولار. و العالم أجمع يعلم أن الكتلة النقدية التي يتعامل فيها الأمريكان في بلادهم هي عشرين ضعف حجم انتاجهم القومي، رغم الاحتيال في حسابهم لحجم الانتاج القومي كما قال أحد الخبراء الآقتصاديين. أي هناك 285 تريليون دولارا ورقيا من غير قيمةً. لماذا السكوت عن هذا الأمر الذي يهم العالم بأجمعه؟ هناك أجوبة مباشرة. منها على سبيل المثال لا الحصر:
1 –
لأن مصالح الطبقات المسيطرة على صعيد العالم الرأسمالي واحدة.
2 –
لأن الاقتصادات في الدول الأخرى تابعة للاقتصاد الأمريكي.
3 –
لأن الانهيار في الاقتصاد الأمريكي سوف يؤدي حتماً الى انهيار الاقتصاديات الأخرى...
ولكن الأنكى من جميع ما تقدم هو عندما ترى توصيفاً للأزمة من خبراء تابعين للدول المنتجة للنفط. يتحدثون وكأنهم محقون بتبعيتهم لأمريكا. انهم يقدمون الطاقة للأمريكان ويأخذون بدل هذه الطاقة أرقاماً وهمية لاقيمة لها. وأضف الى ذلك أنهم حتى هذه الأرقام الوهمية قد خسروها. نتعامل مع أمريكا باقتصاد حقيقي وتتعامل معنا باقتصاد وهمي ونقبل بذلك. هل يعقل ذلك؟ وكيف يمكن تفسيره الا بالتيعية المطلقة. أي التخلي عن مصالح أمتنا واعطائها لأمريكا من غير بدل الا حماية العروش المنهارة.
نصل الى السؤال التقليدي، هل من خروج من هذه الأزمة؟ هناك الكثير ممن تحدث أن هذه الأزمة بنيوية ولا يمكن للنظام الرأسمالي الخروج منها، علماً أن أزمة 1929 كانت أكبر منها بكثير فقد كان هناك كساد امتد لأكثر من أربع سنوات. ولما يصل الاقتصاد الأمريكي الى الكساد في أزمته الراهنة. لا تزال الأزمة مالية ولم تتحول بعد الى أزمة اقتصادية. وعلينا أن نضيف بأن العالم بأجمعه يتكاتف للدفاع عن استغلال الأمريكي له، وكلنا يرى مئات المليارات التي ضخت من أجل حماية استمتاع الأمريكي بخيرات العالم من غير مقابل. أي يمكننا القول أن النظام المعولم سوف يتمكن من تجاوز هذه الأزمة وبصعوبة كبيرة لأنه لا وجود لقوى حية منظمة يمكنها من أن تكون بديلا لهذا النظام الظالم. وحيث أن الطبيعة لا تقبل الفراغ فلا بديل لهذا النظام الا هذا النظام ويا للأسف!
قبل أن أختم أود أن أشير الى أن السبب الحقيقي لهذه الأزمة هو أن الأمريكي أراد أن يعطي قيمة لما ليس له قيمة حقيقية، فأبت الطبيعة ذلك. 285 تريليون دولار من غير تغطية أي من غير قيمة حقيقية يتعامل فيها الأمريكي يعطيها للناس بدل قوة عملهم، يكتشفون أنها من غير قيمة. ألم نقل في بداية المقالة أننا نوهم أنفسنا بأن الأمريكي يدفع ثمن استهلاكه. التوازن الحقيقي يحصل عندما تصبح الكتلة النقدية في العالم موازية لقيمتها الحقيقية من الانتاج. أما التغيير فلا يتم تلقائيا، انما هو بحاجة الى قوى حية.
حسن ملاط                          الخميس، 16 أكتوبر، 2008



الأربعاء، 30 نوفمبر 2016

عن مشاريع قانون الإنتخاب

           
حسن ملاط
إقرار قانون للإنتخاب في الظروف الراهنة ليس مسألة سهلة على الإطلاق. قانون الإنتخاب هو تعبير عن ميزان قوى واضح لا لبس فيه بين الأطراف المتخاصمة. وهذا الميزان ليس بهذا الوضوح رغم تفوق حزب الله على سائر الأطراف. أما السبب بذلك فيعود إلى أن الصراع القائم ليس بين أحزاب سياسية، إنما هو بين مكونات طائفية يرتدي أحياناً مظاهر سياسية. وهذه المكونات تملك امتدادات خارجية تلعب دوراً في التوازنات الداخلية بالرغم من أنها لا تكون حاسمة. وعليه، نقاشنا للموضوع سيكون نظرياً على أغلب الظن!
تجري الإنتخابات حالياً حسب قانون الستين مع بعض التعديلات التي أصر التيار الوطني الحر على إدخالها في اتفاق الدوحة بعد "غزوة بيروت" أو "اليوم المجيد" تبعاً للقائل!
أما المشاريع المطروحة، فأهمها:
1-        قانون الطائف الذي يطرح انتخابات نسبية من غير قيد طائفي بالنسبة للبرلمان وتأسيس مجلس للشيوخ يضم مختلف ممثلي الطوائف اللبنانية. وهذا القانون يُعتبر متقدماً على القانون القائم حالياً. أما في حال إلغاء مجلس الشيوخ فهو القانون الذي يمكن أن يُنتج مواطنين لبنانيين.
2-        القانون الأرثوذكسي، وهو القانون الذي يقر إنتخاب كل طائفة لممثليها. هذا القانون الذي يقضي على فكرة المواطنة من أساسها.
3-        القانون المختلط على أن يتم انتخاب 68 نائباً بالأكثري و 60 نائباً بالنسبي. هذا القانون الذي يُبقي على القيد الطائفي سيساهم فقط بتوسيع دائرة الطبقة السياسية من دون أي تغيير نوعي على الصعيد السياسي.
جميع هذه المشاريع لا تُنتج مواطناً يؤمن بانتمائه لوطن لأن المقدم على الوطن هو الطائفة.
القانون الوحيد الصالح لإنتاج تغيير على الصعيد السياسي هو اعتبار لبنان دائرة انتخابية واحدة. يتم الترشح على أساس الإنتماء الوطني ضمن لوائح مقفلة وعلى أساس نسبي. إن قانوناً كهذا سوف ينتج عنه طبقة سياسية منتمية وطنياً، وهذا ما يحتاجه لبنان في هذه المرحلة التي تهيمن فيها الإنتماءات المذهبية التي تهدم الأوطان.
                          30 تشرين الثاني 2016


الأحد، 27 نوفمبر 2016

التسوية المبتورة

                   
حسن ملاط
استضافت السيدة ناريمان الجمل غانم في صالونها الثقافي، السياسي المعروف الدكتور خلدون الشريف، الذي تحدث عن الأوضاع السياسية في لبنان.
ولكن، وقبل التعليق على موضوع التسوية الذي أعلن الدكتور الشريف تأييده لها، أود أن أعبر عن إعجابي بإصرار السيدة ناريمان على العمل الثقافي في ظل التصحر ثقافياً في بلدنا والذي يؤدي إلى التصحر الأخلاقي الذي نلمس نتائجه يومياً.
عن التسوية
أعلن الرئيس الحريري عن اتفاقه مع العماد عون على انجاز الإنتخابات الرئاسية على أن يُكلف الأول بتشكيل الحكومة العتيدة المكلفة بإنجاز الإنتخابات النيابية وبإنهاء الجمود على صعيد السلطة الذي ينعكس سلباً على حياة الناس ويهدد بانكشاف الوضع الأمني.
أعلن حزب الله ترحيبه بهذه التسوية وأعلن أمينه العام السيد حسن نصر الله أنه لا يُمانع بتكليف الرئيس الحريري بتشكيل الحكومة. ولكنه لم يتعهد بتسهيل مهمة التشكيل.
ما معنى التسوية؟
التسوية هي إعادة تشكيل سلطة السياسيين بشكل جديد يتوافق مع موازين القوى المستجدة والتي لم تكن في السابق على شكلها الحالي. وهذا يؤدي حتماً إلى توزيع مختلف للمكاسب التي تتصارع عليها القوى السياسية.
أما القوى السياسية التي تتصارع على المكاسب فهي الشيعية السياسية المتمثلة بحزب الله وحركة أمل والسنية السياسية المتمثلة بالرئيس الحريري والمسيحية السياسية المتمثلة بالرئيس عون وسمير جعجع. أما القوى الأخرى فهي تدخل في ظل هذه أو تلك من القوى التي ذكرناها.
والجوهري في هذه التسوية أن بعض رجالات السياسة يكسب أو يخسر من دون أن يكون مشاركاً في إنتاجها. والمثال الواضح على هذا الكلام هو أن الرئيس ميقاتي سيربح إذا تحسن وضع الحريري في السلطة لأنه سيرث الموقع الذي يمثله الحريري اليوم، وهذا ما ينطبق على سائر الأقطاب السياسيين في مختلف الطوائف لأن التسوية قامت بين الممثلين الفعليين لها في لبنان في هذه المرحلة من تاريخه.
كيف قامت التسوية؟
قامت التسوية كما أخبرنا سماحة الأمين العام لحزب الله بين الحريري والرئيس عون، حليف حزب الله. وتعهد سماحته بتسهيل مهمة انتخاب حليفه لرئاسة الجمهورية.
وبما أن هذه التسوية لم تتم مع الطرف ذي الفعالية الأكبر في الساحة اللبنانية، لذلك فهذه التسوية تُعتبر مبتورة ولن تُنتج الإستقرار الذي ينشده اللبنانيون.
التسوية، حتى تكون لها صفة الديمومة، يجب أن تكون مع الطرف الذي يملك القرار. وهذا ما لم يتم. وهذا يبدو واضحاً في التشكيل الحكومي. نبدأ بعقبة، يلي حلها عقبات. إذا تم حل عقبة بري، تظهر عقبة القوات، تليها عقبة المردة فالأرثوكس والكاثوليك الذين تستولي على مقاعد طوائفهم القوات والتيار الوطني. كما وأن المستقبل يستولي على مقاعد سنة معارضة الحريري...إلخ من يحل جميع هذه المشاكل والعقبات؟ هل الحريري قادر على حلها؟ بالطبع لا! هل الرئيس قادر على حلها؟ بالطبع لا!
القادر على حل جميع العقبات هو الذي يملك القدرة والقوة، الطرف الذي لم يفاوضه الحريري على إنتاج التسوية.
ما الذي يُمكن عمله الآن؟
إما أن يُقدم الحريري التنازلات لمنافسيه من الطبقة السياسية السنية، وإما أن يدع تشكيل الحكومة لغيره بانتظار إعادة إنتاج ميزان قوى جديد بين المسيطرين على أقوات الشعب اللبناني. أما الإحتمال الأخير أن يترك للقوي تشكيل الحكومة تحت مسمى الوحدة الوطنية!
الإحتمال الأول مارسته الطبقة السياسية السنية عند تكليف أمين الحافظ تشكيل الحكومة، حيث رفع الجميع عنه الغطاء (حالياً رفع الغطاء عن أي سياسي سني يوافق على تشكيل الحكومة في حال اعتذار الحريري). أما الإحتمال الثاني، فقد مارسه الرئيس رفيق الحريري عندما تمنع عن تشكيل الحكومة. والإحتمال الثالث هو ما كان يتم إبان سيطرة المارونية السياسية على النظام.
صراع الطوائف يقوم على الغلبة كما يقول الدكتور جوزيف عبدالله!
أين التسوية التي تؤيدها يا دكتور خلدون الشريف؟
                                 27 تشرين الثاني 2016


الخميس، 17 نوفمبر 2016

العرض العسكري في القصير

              
حسن ملاط
منذ أيام عدة، وبمناسبة يوم الشهيد، أقام حزب الله، وعلى غير عادته، عرضاً عسكرياً في مدينة القصير السورية. هذه المدينة التي كانت باكورة تدخله المعلن في الحرب السورية. وتميز هذا العرض بفرقته المدرعة والتي كانت تضم ثلاث آليات أمريكية الصنع، مما أدى إلى إعلان أمريكي بالمباشرة بالتحقيق، خاصة وأن الجيش اللبناني يستخدم هذا النوع من الآليات. ولكن حزب الله سارع للإعلان أن هذه الآليات الثلاثة كان الحزب قد غنمها من حربه ضد جيش العملاء بقيادة انطوان لحد، في الجنوب اللبناني.
ردود الفعل على هذا الحدث كانت عديدة. فقد توقفت كتلة "المستقبل" أمام "العمل المستنكر والمستهجن والمرفوض المتمثل في ما بثته وسائل إعلام متعددة عن عرض عسكري أجراه حزب الله في بلدة القصير الحدودية في سوريا". ورأت فيه "رسائل يرسلها حزب الله في مختلف الاتجاهات أولها انه يؤكد من جديد على انه يقدم مصلحة ايران على المصلحة الوطنية وثانيها انه يوجه رسائل تهديد دولية وإقليمية وأخرى داخلية للدولة اللبنانية خاصة، وأنّ الحزب يقوم بهذه الخطوة التي في حد ذاتها لها دلالة على عدم اكتراثه بمصلحة لبنان واللبنانيين، ولا بانطلاقة العهد الرئاسي الجديد، التي شدّدت على استعادة الدولة لدورها وحضورها وهيبتها كما أكّد عليها خطاب القسم للرئيس ميشال عون".
أما في ما يخص الجيش اللبناني بعد الإعلان الأمريكي عن التحقيق في هذه الحادثة، فقد أوضحت مديرية التوجيه في قيادة الجيش، تعقيباً على ما تناقله بعض وسائل الإعلام من صور لآليات عسكرية (عرضها "حزب الله" في القصير السورية)، "أن هذه الآليات ليست من مخزون الجيش اللبناني وغير عائدة إليه".
وفي هذا السياق علم ان احتجاجا اميركيا ابلغ الى جهات لبنانية معنية على خلفية ظهور ثلاث ملالات اميركية الصنع ام 113 في العرض العسكري الذي اقامه "حزب الله " في القصير قبل ايام وهي ملالات مماثلة لتلك التي يستعملها الجيش اللبناني.
أما على صعيد الحزب فقد قال الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام، إن «التنسيق بيننا وبين القيادة السورية عال جدا والاستعراض العسكري جزء من الممارسة الميدانية»، مشيراً إلى أنه «أصبح لدينا جيش مدرب (وهذا الكلام ما لبثت أن نفته الوحدة الإعلامية في الحزب)، ولم تعد المقاومة تعتمد على أسلوب حرب العصابات، وأصبحنا أكثر تسلحا وتدريبا وامتلكنا خبرات متطورة، وكل ذلك من أجل حماية لبنان ولمصلحة لبنان".
وأكد أن المقاومة «لا تريد استثمار قوتها العسكرية في الصراع الداخلي اللبناني، وبالرغم من قوتها، فنحن نشارك في العمل السياسي والانتخابي مثل بقية الأطراف فنربح أو نخسر".
وتابع قاسم: نحن جزء من تركيبة الدولة اللبنانية ومعنيون بكل ما يصلح الشأن اللبناني، لكننا وحدنا لا نستطيع تغيير المعادلة ونحن متمسكون بتطبيق اتفاق الطائف كاملا ولا نطرح تغييره أو تعديله حاليا.
نقتصر على ردود الفعل هذه لأن إعادة تشكيل السلطة في لبنان كانت نتيجة للتفاهم السياسي الذي جرى بين ممثلي السنة السياسية والشيعة السياسية.
أما عن قراءتنا لهذا الحدث فهي كالتالي:
وجه الحزب من خلال هذا العرض العسكري المميز رسائل إلى الداخل اللبناني وأخرى إلى الخارج.
رسائل الداخل
1- رسالة إلى جمهور الحزب يُعلمه فيها أنه لم يحن بعد وضع السلاح وأن الحفاظ على المكاسب يتطلب أن تظل جماهير الحزب مستعدة لإمداده بما يحتاجه من الرجال والدعم.
2- رسالة ثانية إلى كافة القوى الداخلية يعلمها فيها بأن الحزب قد قرر أخيراً أن يفصل بين نشاطه المسلح الخارجي ونشاطه الداخلي الذي يحمل طابعاً سياسياً سيما وأن القتال مع العدو الصهيوني مجمد حالياً. من أجل ذلك كان العرض العسكري خارج الأراضي اللبنانية، علماً أن بإمكان الحزب إجراءه حيث يريد.
والإيجابية تكمن بإعلانه عن تسهيل تشكيل الحكومة فهو لا يضع شروطاً على تسلمه الحقائب الوزارية. أما عن اشتراطه عدم تسلم قوات جعجع لوزارة الدفاع، فهو محق بذلك. القوى المسلحة العميلة التي حاربها الحزب طوال عشرين عاماً كانت تحمل الأفكار التي يبشر بها جعجع. فكيف له أن يثق بتسليم القوى العسكرية لهؤلاء. أضف إلى ذلك أن الحزب، ونتيجة ثقته الكبيرة بالعماد قهوجي لم يقبل التنازل لحلفائه من التيار العوني بالتخلي عن قيادة الجيش وآثر بقاءها مع العماد قهوجي. أما خلاف ذلك فلا شروط اشترطها لتشكيل الحكومة.
رسائل الخارج
وهي تتضمن رسائل كثيرة منها للنظام السوري، ومنها للروس والأمريكيين أيضاً، ومنها للعدو من غير شك. وطبيعة هذه الرسائل أنها مشتركة بينه وبين إيران.
أ‌-     رسالته للأمريكي تقول بأنه لن يتخلى عن الساحة السورية ويتركها للإدارة الأمريكية والروسية لتقرير فيها ما تريدان بعد "التضحيات" التي قدمها الحزب وإيران من أجل الحفاظ على النظام السوري. فقصف الأمريكان لدير الزور هي رسالة موجهة للإيراني أنه لن تقبل الإدارة الأمريكية بإعطائهم خطاً برياً ساخناً يمتد من لبنان مروراً بحمص ودير الزور وصولاً إلى ديالى العراقية فالأراضي الإيرانية. من هنا كانت رمزية القصير كباب لولوج هذا الممر.
ب‌-                       رسالة النظام السوري تعبر عن الإمتعاض من قبول النظام السوري بالشروط التي تضعها روسيا والتي تتمثل بالإذعان للإشتراطات الصهيونية بإبعاد إيران والحزب عن الأراضي الفلسطينية. وهذا يعني إبعاد إيران عن دمشق وريفها ودرعا وكامل الجولان السوري المحتل. وهذا ما يبعد إيران عن التماس مع العدو الصهيوني بحيث تنتفي إمكانية الإيراني في الضغط على الأمريكي بخاصرته الموجعة: أمن العدو الصهيوني. وقد تمثل هذا بإعلان النظام السوري عن تصديه للطائرات الصهيونية المعتدية. وهذا الإعلان يتضمن فتح باب التفاوض على ما يقبله ويرفضه العدو الصهيوني. وهذا يعني فتح باب التدخل الصهيوني من بابه الواسع وليس من الباب الروسي أو الأمريكي.
ت‌-                       أما رسالة الروسي فتقول بأننا نحن كما أنت، لا ندافع عنك في ريف حماه وريف اللاذقية وحلب وريفها، وندافع عن النظام لأننا جمعية خيرية. كما أنك أنت لا تدافع عن النظام لأنك جمعية خيرية. أما الفرق بيننا وبينك أنك قد قبضت سلفاً، وذلك بحيازتك على حق التنقيب واستخراج النفط والغاز في الساحل السوري ومحافظة حمص، في الوقت الذي لم تحصل فيه إيران على أي مكسب. كما الإتفاق العسكري بينك وبين النظام والذي يتيح لك البقاء على الأراضي السورية إلى ما شاء الله.
إذن، نحن هنا (الحزب وإيران) حتى الوصول إلى الحل النهائي للصراع السوري.
ث‌-                       أما عن العدو، فهي رسالة بأن ساحة المواجهة أصبحت أكثر اتساعاً وأن الخبرة أصبحت أكبر. هذا بالرغم من أن قادة العدو العسكريين قد أعلنوا عن عدم نيتهم القيام بأي عدوان حالياً، لأنهم ليسوا من الغباء الذي يجعلهم يوحدوا القوى المتقاتلة ضدهم.
أما التحرشات التي يقوم بها النظام من وقت لآخر بجوار القوات التركية المتواجدة داخل الأراضي السورية لم تصبح حتى الآن ذات طابع جدي تفتح لقتال بين إيران وحلفائها من جهة والجانب التركي من جهة ثانية.
هذه أهم النقاط التي رأيناها من خلال حركة حزب الله السورية في القصير. أما التحريض المذهبي، رغم إيجابية حركة الحزب خارج الأراضي اللبنانية، فهي "عدة الشغل" للقوى السياسية اللبنانية التي تتاجر بدم المواطن.
                                       17 تشرين الثاني 2016