بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الثلاثاء، 18 أغسطس 2020

حول لباس المرأة المسلمة

 

حسن ملاط
مقدمة
الزي الذي تلبسه النساء أو ذلك الذي يلبسه الرجال هو ظاهرة إجتماعية، تختلف من مجتمع إلى آخر. كما وأنها تتأثر بعوامل عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر: المناخ، الغنى والفقر، التقدم الاقتصادي وغيرها من العوامل وأهمها على الاطلاق المفاهيم السائدة في هذا المجتمع. وتأثير هذه العوامل على الزي لا يستدعي إقناع الرجل أو المرأة بارتداء هذا الزي لأن ارتداءه شيء طبيعي. أما الحديث عن الزي في أيامنا هذه فهو ناتج عن اعتبار الأكثرية المطلقة أن الزي مفروض عليهم من خارج.
كيف تحدث القرآن الكريم عن الموضوع
قال ربنا تبارك وتعالى متحدثاً عن زي النساء بهذه الكلمات المختصرات " ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها". وعندما تأتي صيغة "إلا ما ظهر منها" فهذا يعني أن جميع الناس يعلمون ما هو مدلول هذا الكلام، لأنه ما أنزل إلا لإفهام الناس ما هو المطلوب منهم، أو منهن إذا كان الحديث موجهاً للنساء. وأما المطولات في أيامنا هذه عن الزي ومتطلباته فهو ناتج عن أن كاتبي هذه المطولات يضيفون إلى كلام الله تبارك وتعالى جميع مفاهيم وعادات وتقاليد الشعوب المختلفة التي دخلت في دين الإسلام.
كلنا يعلم أن الاسلام دين الفطرة، أي أن الانسان يتقبله من غير تعقيد. إنه يدخل قلب الانسان من غير وسائط إصطناعية. من أين نتج التعقيد إذن في جميع الأمور التي يطرحها الناس في هذا الدين الحنيف؟
أتساءل هل كان من المعقول دخول الناس في هذا الدين "أفواجاً" لو كان الدخول فيه يتطلب من الذي يريد أن يؤمن أن يحمل امتيازاً في الفلسفة أو في العلوم؟ إن هذا السؤال يتضمن الجواب وهو أن التعقيد ليس من أصل الدين، إنما الذين فرضوا هذه التعقيدات هم العاملون على إيضاح متطلبات هذا الدين. وعوضاً عن تبسيط المفاهيم، البسيطة أصلاً، كما مر معنا، يعقدونها.
لماذا السؤال عن اللباس الشرعي في أيامنا هذه؟ الأكثرية الساحقة من المسلمين والمسلمات هم كذلك بالتقليد، أي لأن أهاليهم مسلمون. فلماذا لا تطرح الأنثى على أمها المسلمة هذا السؤال وكذلك يفعل الشاب المسلم. ولماذا التحدث عن اللباس الشرعي للأنثى وليس عن اللباس الشرعي للفتى؟ أليس الفتى مكلفاً كما الفتاة؟ (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم)، (وقل للمؤمنات أن يغضضن من أبصارهن، ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن). هذا الخطاب القرآني موجه للنساء وللرجال على السواء. وهذا يعني أن المساواة في الخطاب تتطلب أن يرى الرجال والنساء أنفسهم متساوين لأن الله تبارك وتعالى تحدث معهم بنفس الأسلوب. أليس من الطبيعي أن تعرف الأم الاجابة عن السؤال حول اللباس وكذلك الأب؟
إن طرحي لهذه الأسئلة هو حتى أقول أن السؤال عن اللباس الشرعي للفتاة هو سؤال من خارج، إنه سؤال مفتعل، إنه لا يتناسب مع الفطرة. والإسلام دين الفطرة.
أوضح فأقول، إن التشوهات التي أدخلها المجتمع على عقولنا هي التي أفسدتنا. وهذا ما يجعلنا نتذكر حديث نبينا صلى الله عليه وسلم "يولد الانسان على الفطرة فأبواه يهودانه..." إلى آخر الحديث. فالنبي عليه السلام يبين لنا أن المجتمع هو الذي يشوه فطرة الانسان، أو هو الذي يدخل التعقيدات على المفاهيم والممارسات التي تفهم بالفطرة من غير واسطة من أحد.
هل أني بحديثي هذا أقوم بتعطيل دور العلماء أو الدعاة إلى الله تبارك وتعالى؟ بالطبع لا، ولكن ما أدعو إليه هو أن يتواضع العلماء ويطرحوا قضايا ديننا الحنيف بالشكل الذي يمكن عامة الناس من فهم قضاياه. كما وأدعو إلى تواضع من نوع آخر وهو أن لا يعتبر هؤلاء العلماء أنفسهم أشد غيرة على دين الله من النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بما يسمى "سد الذرائع" كما جاء في الفتوى التي أوردها شيخنا الجليل يوسف القرضاوي، أطال الله في عمره.
عن ابن عباس قال: كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة حسناء من أحسن الناس وكان بعض القوم يستقدم في الصف الأول لأن لا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع قال: هكذا ونظر من تحت إبطه، وجافى يديه فأنزل الله عز وجل في شأنهم "ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين".أورده الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الاسناد.
عن أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل بن حجر زعم أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد فاستغاثت بهم فأدركوا التي استغاثت به وسبقهم الآخر فذهب فجاؤا يقودونه إليها فقال: إنما أنا الذي أغثتك وذهب الآخر فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم...إلخ. هذه الواقعة رواها البيهقي في السنن الصغرى.
في الروايتين نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب من الأولى أن تغطي وجهها ولم يطلب من النساء عدم المجيء إلى الصلاة في المسجد بحجة "سد الذرائع". كما وأني على يقين أن النبي صلى الله عليه وسلم يغار على نسائنا أكثر من أنفسنا.
قال نافع مولى عبد الله بن عمر: حدثني عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى النساء في احرامهن عن النقاب والقفازين وما مس الورس (لون أحمر) والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من الألوان معصفراً أو خزاً أو حلياً أو سراويل أو قمصاً أو خفاً. أورده البيهقي في السنن الصغرى.
عن الحسن قال: رأيت نساءً من نساء المدينة يصلين في الخضاب. أورده الدارمي في سننه.
وعن ابن عباس قال: كن نساءنا إذا صلين العشاء الآخرة اختضبن فإذا أصبحن أطلقنه وتوضأن وإذا صلين الظهر اختضبن فإذا أردن أن يصلين العصر أطلقنه وتوضأن وإذا صلين الظهر اختضبن فإذا أردن أن يصلين العصر أطلقنه فأحسن خضابه ولا يحبسن عن الصلاة. أورده الدارمي في سننه.
ويصف أحدهم عائشة فيقول: ورأيت عليها درعاً مورداً. أورده البخاري في صحيحه.
عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت: يا نبي الله بايعني قال: لا، حتى تغيري كفيك، كأنهما كف سبع. أورده أبو داود في سننه.
قال لامرأة أخرى: ألا اختضبي، تترك إحداكن الخضاب حتى تكون يدها كيد الرجل. أورده السيوطي في جمع الجوامع.
وعن صفية بنت عصمة عن عائشة رضي الله عنها: أومت امرأة من وراء سترها بيدها كتاباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال: ما أدري أيد رجل أم يد امرأة، قالت: بل امرأة قال: لو كنت امرأة لغيرت أظفارك، يعني بالحناء. أورده أبو داود في سننه.
عن ابن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضأون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال مسدد من الاناء جميعاً. أورده أبو داود في سننه.

و عن ابن عمر قال: كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء أحد ندلي فيه أيدينا. أورده أبو داود في سننه.
عن ابن عباس قال: أردف النبي صلى الله عليه وسلم الفضل بن العباس، يوم النحر على عجز راحلته، وكان الفضل رجلاً وضيئاً فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم وأقبلت امرأة من حقم وضيئة تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها – وفي رواية أخرى: فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها فأخلف بيده وأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها. رواه البخاري ومسلم في الصحيحين والبيهقي في الصغرى.
لو أن هذه القصة حصلت في أيامنا هذه لرأينا من يفتي بعدم ذهاب النساء إلى الحج كما أفتوا بعدم ذهابهن إلى المسجد.
حدثنا عثمان بن عمر: وأما الأمة قبل أن تعتق فرأسها ورقبتها وجذور يديها وقدمها وما يظهر منها حال المهنة ليس بعورة. أورده البيهقي في السنن الصغرى.
إن قراءة هذه الأحاديث تبين بشكل جلي أنه لا تعقيد في لباس المرأة حسب الشريعة الاسلامية، كما وأنه لا تعقيد في علاقة المرأة بالرجل خاصة إذا جعلنا الشرع الحنيف هو ميزان هذه العلاقة.
إن أحد أهم الأسباب التي جعلتنا جميعاً، رجالاً ونساءًً معقدين هو خوضنا في مفاهيم المجتمع الاستهلاكي. هذه المفاهيم التي حولتنا من منتجين إلى مستهلكين. فقد أصبح لزاماً علينا أن نقارن ما يفرضه المجتمع الاستهلاكي علينا من أزياء، نقارنها بما يفرضه علينا ديننا الحنيف. وهنا يكمن المرض. حيث أننا نتصور أن الدين يفرض علينا ممارسة معينة ونحسبها مفروضة علينا من خارج. وكأن الدين لم يعد قناعة داخلية له الأولوية في محاكمة جميع المفاهيم التي نصادفها في حياتنا العملية، فنقبل ما يتوافق مع فطرتنا ونرفض ما لا يتوافق مع هذه الفطرة. والدين لا يفرض ما لا يتوافق مع الفطرة. ولكن مفاهيم المجتمع الاستهلاكي هي التي تناقض فطرتنا وبالتالي ديننا.
فلينظر كل منا إلى نفسه، ألا يستحيي من أن لا يلبس آخر زي فرضه علينا بيار كاردان مثلاً. ألا يستحي من أن لا يلبس حذاءً موجود عليه ماركة معينة؟ ثم يروح أو يلجأ إلى سيل التبريرات أن هذا أقوى وأمتن. ولم يفكر أنه إذا استهلك من مصنوعات بلده يخف ارتباطه بأعداء أمتنا ومضطهدينا، وبالتالي تصبح إمكانية التحرر منهم أقرب منالاً. وهكذا نكون مستهلكين لثقافتهم ومستهلكين لمصنوعاتهم. وكيف سنبني ديننا إذا لم نكن منتجين؟
لايمكننا أن نكون غربيين في فكرنا ومسلمين في عقيدتنا. إن الكلام عن زي المرأة المسلمة فرضه علينا الكم الهائل من الأزياء التي تفرضه علينا دور الأزياء الغربية التي تصادر أموالنا وعقولنا في آن.
أختم فأقول أن إيماننا لا يترسخ حتى يصبح هوانا تبعاً لما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم.

السبت، 1 أغسطس 2020

الثورة في الثورة


                                              أو
                           كيفية الحفاظ على استمرار المقاومة
حسن ملاط
كانت انطلاقة المقاومة الإسلامية في لبنان في لحظة مناسبة جداً. مناسبة لأن المقاومة الفلسطينية كانت قد طُردت من الجنوب بعد معاناة مع الأهالي الذين احتضنوها، نتيجة بعد العديد من كوادر المنظمات عن الروح الثورية وعملهم من أجل مصالحهم الخاصة وابتعادهم الفعلي عن الثورة ومصالح الثورة وضرورات القتال مع العدو الإسرائيلي. كل هذه الأسباب وكثير غيرها قد جعلت أهالي الجنوب يتمنون الساعة التي يرتاحون فيها من هؤلاء الثوار المزيفين.
في هذه اللحظة جاء حزب الله يدعو إلى قتال العدو الصهيوني من أجل تحرير الأرض التي احتلها بعد اجتياح الأراضي اللبنانية. وكان استقبال الأهالي للحزب يليق بالأهداف التي طرحها مبرراً لوجوده.
لم يحد الحزب عن هذه الأهداف، فقد اعتبر التناقض الأساسي والرئيسي مع العدو الصهيوني لذلك عندما حاربه الجيش السوري في ثكنة فتح الله لم يرد على هذا الإعتداء. وكذلك عندما قتلت قوات الأمن اللبنانية ثلاثة عشر شهيداً لم يحارب الجيش اللبناني ولا القوى الأمنية.
في تلك الأثناء لم تكن أية شبهة لانتماء طائفي أو مذهبي تحوم حوله. هذا مع العلم أن الأحزاب اليمينية كانت تتهمه بالعمل على أسلمة لبنان، وذلك من أجل أن تشن الحملات عليه. وتأكيداً على هذا الطابع، فحزب الله عندما شنت القوات السورية حربها الضروس على طرابلس وعلى باب التبانة أعلن تأييده لأهل طرابلس من دون أي لبس. كذلك في حرب المخيمات ما بين أمل والمخيمات الفلسطينية كانت مواقف الحزب مناهضة بالمطلق لهذه الحرب ومؤيدة للفلسطينيين.
بعد تجذرالحزب بين صفوف الطائفة الشيعية وعدم فتحه باب الإنتساب لغير الشيعة اللبنانيين أو غيرهم، أصبح المضمون يطغى على الشكل. وأخذ الحزب طابعه المذهبي. ولم تعمل أدوات الحزب الإعلامية على نفي هذا الطابع. فالمرء يثق بما يعرف ويخشى مما يجهل. علماً أن علاقة الحزب القوية مع حركة التوحيد الإسلامي كانت تمكنه من أن يصل مع هذه الحركة إلى أشكال متطورة جداً من التنسيق، كان من الممكن أن يصل إلى الإندماج. فالحركة كان يحاربها أعداؤها باتهامها بالتشيع. كما وأن المسؤولين الكبار في الحركة كانوا متهمين بالتشيع. ورغم هذا، لم تؤثر هذه الإتهامات سلباً على حركة التوحيد الإسلامي لأن حزب الله لم يكن قد اندمج نهائياً في الطائفة الشيعية، كما وأن الحرب مع العدو الصهيوني كانت يومية. أضف إلى ذلك أن المحاولات التي قامت بها الحركة من أجل الشراكة مع الحزب في محاربة إسرائيل لم تكل رغم الرفض المستمر من قبل الحزب. وهذا الإصرار من قبل حركة التوحيد كان منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي، وكان يتكرر باستمرار، وكانت نتيجته الرفض المطلق.
وحيث أن الشيء بالشيء يذكر، كان هدف حركة التوحيد إعطاء الصراع مع العدو الصهيوني طابعه الإسلامي العام وليس المذهبي، وكان الرفض من حزب الله يقوم على أسباب تتعلق بالبنية العسكرية والأمنية. المهم لم تكن هذه الإجابات ترضي قيادات حركة التوحيد الإسلامي وعلى رأسهم الشيخ سعيد شعبان. ولكن لم تؤثر هذه القضية على التنسيق ما بين الحركة والحزب.
وتطورت قوة الحزب نتيجة اندماجه أكثر مع بيئته الحاضنة ونتيجة التأييد الإسلامي العام لمسيرته النضالية والتأييد من الحركات الوطنية العلمانية. فالقتال مع إسرائيل هو الجواز الذي يدخل منه المرء إلى جميع قلوب العرب والمسلمين. وكان الإنتصار الكبير في 2000 على العدو الصهيوني، والذي انسحب في نتيجته هذا العدو من الجنوب مخذولاً مدحوراً. وجال الحزب بغنائمه الحربية من قتاله مع العدو على جميع المدن اللبنانية. وقد استقبل في طرابلس استقبال الفاتحين، فقد كان فعلاً من الفاتحين.
ماذا فعل الحزب إزاء الإنتصار المدوي الذي حققه على العدو الصهيوني؟
لم يكن انتصار ال2000 هو الإنتصار الكبير الوحيد الذي حققته المقاومة في حربها مع إسرائيل. فانتصارها السياسي في 1996 كان المقدمة الحقيقية لانتصار أيار. فقد أجبرت العدو الصهيوني على توقيع اتفاق يعترف المجتمع الدولي بموجبه بحق المقاومة بقتال العدو، وينزع من العدو حقه بضرب المدنيين الذي كان يمارسه عندما يحلو له ( وهو ليس حقاً طبعاً). وكان الشريك في هذا الإنتصار الرئيس رفيق الحريري الذي بذل جهوداً دبلوماسية مضنية من أجل الوصول إلى هذا الإتفاق، ولكن إعلام الحزب لم يشركه بالإنتصار؟
المهم من كل ما تقدم أن الحزب لم يترجم انتصاره إلى خطة عمل في الداخل اللبناني وعلى الصعيد العربي والإسلامي.
1 – كان على الحزب أن يترجم انتصاره في الداخل بإبعاد العناصر المتآمرة على المقاومة في السلطة اللبنانية، عن دائرة القرار. وهذا ما لم يفعله. على سبيل المثال، كانت محاكمات العملاء محاكمات صورية، برضىً من حزب الله، حتى يرضي البطرك صفير الذي كان يدافع عن العملاء. كما فعل لاحقاً مع فايز كرم، إرضاءً للعماد عون.
2 – لم يوسع دائرة الإستقطاب في الداخل اللبناني بحيث يفتح صفوفه لجميع الراغبين في المقاومة، وخاصة من الذين كانوا يطالبونه باستمرار بإشراكهم في المقاومة.
3 – لم يشكل جبهة عربية مقاومة ضد الكيان الصهيوني، إنما ما حصل هو مؤتمرات تحكي كثيراً وتفعل قليلاً أو لا شيء.
4 – وهو الأهم. فقد تجذرت المقاومة في المجتمع اللبناني، ولم يحاول حزب الله تحويل المجتمع الحاضن للمقاومة إلى مجتمع مقاوم. فالمقاومة تكون على جميع المستويات، الثقافية والفكرية والإقتصادية والعسكرية.... كان الحزب رائعاً على المستوى العسكري والأمني، ولكن ما الذي تغير في الجنوب والبقاع، وهما البيئتان الرئيستان الحاضنتان للمقاومة. فقد كان البقاع يزرع المخدرات ماقبل المقاومة، ولا زال يزرع المخدرات. ما هو المستجد الذي أدخلته المقاومة على البيئة الإقتصادية البقاعية أو الجنوبية؟ لا شيء. هل كان بإمكانها أن تصنع شيئاً؟ نعم كان بإمكانها أن تفعل الكثير. كان يمكنها أن تؤمن القروض للمزارعين الذين يزرعون منتجات تطلبها منهم المقاومة: دوار الشمس، الشمندر السكري، الفواكه.... وتؤسسس مصانع مرتبطة بهذه الزراعات لصالح المزارعين. تؤسس شركات للتجارة الداخلية والخارجية. تزرع القمح كانتاج يؤمن الغذاء بدل من شرائه من الأمريكان، وتشتريه مدعوماً من المزارعين. فبدلاً من أن نعود الناس على الريوع التي تساوي الرشاوى نعودهم على الإنتاج الذي يجعل من المزارع ثورياً مؤمناً مرتبطاً بالله تبارك وتعالى برزقه، ومن ثم بالثورة. وهذا ما يمكن أن يفعله الحزب في الجنوب، البيئة الزراعية، مثل البقاع. الثورة تريد من الإنسان أن يكون ابن أرضه، ويرتبط بها، ويدافع عنها، لأنها تؤمن له الإستمرار. إن الناس الذين آمنوا بحزب الله وخاضوا جميع معاركه، يخوضون معه حتماً معركة الإنتاج وتحويل الناس إلى منتجين. يقول تبارك وتعالى:" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"....
بعد ست سنوات من الإنسحاب الأسرائيلي من الجنوب اللبناني، أراد العدو الصهيوني أن ينتقم لهزيمته، فاعتدى على لبنان في تموز 2006، والذي نعيش في هذه الأيام ذكراه المجيدة. فقد تمكنت المقاومة من تحقيق إنجاز كبير أهم بكثير من إنجاز ال2000. فقد تركت هزيمة آب 2006 على العدو الصهيوني آثاراً مدمرة. فقد استمر أولمرت كرئيس لوزراء العدو ب2% حسب استطلاعات الرأي في إسرائيل. ولم تجرؤ المعارضة من التقدم إلى الحكم مكان أولمرت. حتى بتنا نقول أن "المجتمع" الإسرائيلي أصبح عاجزاً عن إنتاج طبقة سياسية. لقد كان السيد حسن نصر الله محقاً عندما قال أن الهزيمة القادمة لإسرائيل تعني القضاء النهائي عليها. ولكن فاته أن يقول أن المجتمعات العربية هي التي تؤمن لإسرائيل الإستمرارية، كما تؤمن إسرائيل لهذه الطبقة من الحكام العرب الإستمرار.
هل استفاد الحزب من التجربة السابقة؟
لقد استمرت الحكومة التي تآمرت على المقاومة في السلطة. فكل الناس يعلمون أن رئيس حكومة ال2006 هو من طالب المجتمع الدولي بنزع سلاح المقاومة، ولم يطلب في المقابل بسحب سلاح إسرائيل التي اعتدت ودمرت وقتلت. استمر في الحكم وهو يعلن هو وفريقه أن المقاومة لم تنتصر مع أن حكام إسرائيل أقروا بهزيمتهم. كما وأن كتاب الرأي في إسرائيل يتحدثون حتى الآن عن الآثار المدمرة التي تركتها هزيمة 2006. إن ما يمنع إسرائيل من شن عدوان على لبنان الآن، هو خوفها من الهزيمة، علماً أن جميع الظروف الموضوعية والذاتية مؤاتية لمثل هذا العدوان، عدا خوفها من الهزيمة.
إن عدم ترجمة المقاومة انتصارها على إسرائيل على صعيد السلطة السياسية في لبنان، هو الذي شجع الحكومة اللبنانية على الإعتداء على المقاومة عندما طلبت منها التخلي عن شبكتها الخاصة للإتصالات. وكان نتيجته ما حصل في 8 أيار 2008  من دخول إلى بيروت الغربية والذي تُرجم مذهبياً من أجل محاصرة المقاومة .
أما الأخطر من كل ما تقدم هو ما طلبه السيد حسن نصر الله من السلطة اللبنانية بالدخول إلى مناطقه بسبب من تفشي الأمراض الإجتماعية، وعلى رأسها المخدرات، حتى لا نتحدث عما تتحدث عنه الجرائد اللبنانية. وقد كان الشعار" النظام من الإيمان". نقول إن ثقافة المقاومة تمنع الأمراض الإجتماعية، لأنها تغير النفوس. المقاومة هي التي تبني مجتمعها، وهي لن تكون يوماً بحاجة للآخرين من أجل مساعدتها في بيئتها الخاصة. لكن عدم بناء المقاومة لمتطلبات مجتمع المقاومة هو ما أوصلها إلى أن ترفع شعار النظام من الإيمان، وإلى أن تطلب مساعدة من حاربها بالأمس ولازال يحاربها. علماً أنني أعتقد أن نظام مجتمع المقاومة هو من الإيمان، وليس نظام أي مجتمع آخر.
ما العمل؟
لقد تمكن حزب الله، خلال مسيرته النضالية، من تحقيق الكثير من الإنتصارات، فجبينه مكلل بالغار. لقد حقق ما لم تحققه جميع الدول العربية مجتمعة. أما على صعيد الإستقطابات فنحن نعتقد بأنه لن يؤمن معه من الطائفة الشيعية في لبنان إلا من قد آمن، وهو لا يريد، حتى الآن مريدين آخرين. فهل نفهم أن طرح بناء الدولة ومؤسساتها الذي طرحه الحزب على لسان الأمين العام يأتي من ضمن هذا السياق؟ إذا كان الأمر كذلك فلنناقش هذا الأمر.
النبي صلى الله عليه وسلم، عندما تصدى لبناء المجتمع الجديد في المدينة المنورة، لم يبن هذا المجتمع على النمط الكسروي الذي كان سائداً في بلاد فارس. ولم يبن المجتمع على النمط القيصري الذي كان سائداً في بلاد الروم. ولم يُعد انتاج دار الندوة الذي كان سائداً في مكة. إن ما فعله النبي عليه السلام هو أن أقام مجتمعاً جديداً يقوم على رابطة الأخوة الإيمانية.
هل بإمكان الحزب أن يجعل من مؤسسات الدولة اللبنانية، مؤسسات تستجيب لمتطلبات المجتمع الثوري الذي يريده حزب الله، والذي يهدف إلى محاربة إسرائيل ومحاربة رأس الكفر من الأمريكان؟ مع العلم أن جميع شركاء الحزب من الطبقة السياسية اللبنانية، حتى أكثر المقربين إليه، هم من النيوليبيراليين، أي من أتباع العولمة الأمريكية. ألا نرى جميعاً أن جميع مشاريعهم تقوم على نهب الدولة لصالح الرأسمال الخاص. يريدون أن يبيعوا القطاع العام إلى الرأسمال الخاص. أما الحزب ففكره يقوم على تنمية القطاع العام ولابأس من شراكة ما محدودة مع القطاع الخاص. الأهم بالنسبة للحزب هو بناء إقتصاد وطني يلبي مصالح جماهير الناس من الفلاحين والعمال وصغار الكسبة، الذين يشكلون المدد الحقيقي لجسم المقاومة.
إن بناء المؤسسات الحكومية يجب أن ينطلق من مسلمة تحقيق أهداف المقاومة. وهذا يتطلب اختيار الشركاء المؤهلين للقيام بهذه المهمة. والطبقة السياسية اللبنانية ليست من هذا الصنف. فالإعتماد الأساسي يكون حتماً على الجماهير ذات المصلحة بالتغيير.
ما تقدم يعني أن على الحزب أن ينهج نهجاً آخر، نهج يتطلب من الحزب إختراق السقف القائم اليوم وتجاوزه. وهذا ما أسميته الثورة في الثورة. وهذا يتطلب:
1 – الإنفتاح على جميع المجموعات الطائفية والمذهبية الأخرى وتغذية الحزب بعناصر منها، بحيث يتحول الحزب إلى ممثل فعلي للجماهير اللبنانية. وهذا لن يتم بين ليلة وضحاها، ولكن تأكيد النهج هو الأساس.
2 – المسارعة إلى تطبيق سياسة إقتصادية خاصة في البقاع والجنوب مبدئياً ثم تنتقل إلى عكار لاحقاً، تقوم على مشاريع زراعية منتجة، تقوم دوائر الحزب بانتقاء الزراعات. ومنها على سبيل المثال الذرة ودوار الشمس والشمندر السكري، وإنشاء مصانع مرتبطة بتلك الزراعات. فالقضاء على زراعة المخدرات يرتبط بتأمين زراعات بديلة وليس بالقضاء على هذه الزراعات من دون بديل. ونرفع شعارات تؤيد هذا الإتجاه من قبيل: أنا أشتري زيت الذرة اللبناني وزيت دوار الشمس اللبناني وكذلك السكر اللبناني، حتى وإن كان سعره أغلى. والناس تستجيب. ولنا في مثال الإمام الخميني أكبر دليل على ذلك. فالإمام الخميني، عندما أعلنت أمريكا الحصار على إيران، أعلن أنه سوف يصوم يوماً ويفطر يوماً، فما كان من جماهير الشعب الإيراني إلا أن أعلنت أنها سوف تلتزم بما ألتزم به الإمام. وفشل الحصار وانتصرت الثورة. نحن نعتقد بأن الكثير من الناس سوف يلتزمون بشراء المنتجات اللبنانية عندما يعلن السيد حسن أنه سوف يشتري المنتجات اللبنانية. وهكذا يتحول جمهور المقاومة إلى جمهور منتج، يرتبط بأرضه وبإصلاحها وبالمحافظة عليها وبالدفاع عنها. وهكذا ترتبط معركة الفلاح العكاري والفلاح الجنوبي والفلاح البقاعي بالحفاظ على الأرض وتنميتها ويتراجع الشحن المذهبي إزاء معركة بناء البلد.
شركاء الحزب في هذه المعركة لن تكون الطبقة السياسية، إنما جماهير الشعب اللبناني العريضة. فبناء الدولة يكون شعاراً ثورياً عندما نفتش عن مؤسسات بديلة تمثل مصالح الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني. وهكذا يرتبط تحرير الأرض بتغيير الإنسان لما فيه مصالحه الآنية والمستقبلية.
إن تجاوز الحزب لنفسه سوف يمكن الحزب من إنطلاقة جديدة سيكون من نتائجها الخير العميم على لبنان ومحيطه العربي والإسلامي. "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".
8 آب 2012

الثلاثاء، 12 مايو 2020

هل من مؤشرات لاستقرار الاقليم؟


           

حسن ملاط

 الحروب التي لا زالت مستمرة في الاقليم والتي أنهكت الجميع، باستثناء القوة العظمى، فرضت توازنات جديدة يبدو أنها بدأت تفعل فعلها في اقليمنا.
في ليبيا، تشارك بشكل أو بآخر تركيا والامارات وروسيا والسعودية ومصر وفرنسا ووو... أمريكا تتفرج!
في العراق، وبعد القضاء على حكومة صدام حسين، كانت الجهود التي شاركت فيها ايران أمريكا للقضاء على امكانية قيام عراق موحد. وما نراه، أنه حتى اللحظة، لا يزال المواطن العراقي يعيش حياة الكفاف في ظل الفساد المستشري والمحمي من الثنائي الأمريكي الايراني، والذي يجعل من الشعب الذي ينتج أكثر من أربعة ملايين برميل نفط يومياً يخسر حاضره ومستقبله.
أما في سورية، فلا زالت الحرب على الشعب السوري مستمرة ويشارك فيها بنشاط كل من روسيا وايران وتركيا وتوابعهم. أما أمريكا فأخذت حصتها ووقفت تتفرج على المشهد.
في لبنان، الصراع بين مختلف المكونات الطائفية والمذهبية والتي ترتبط بقوى إقليمية والتي تقيم جميعها علاقات بالقوة العظمى، إما تفاهماً أو تعارضاً، لا يزال مستمراً منذ انطلاقة الانتفاضة المباركة في السابع عشر من تشرين الفائت. وقد تعقد هذا الصراع أكثر بعد سقوط حكومة الحريري وتشكيل حكومة جديدة.
هذا الانهاك لجميع القوى نتج عنه توازنات جديدة يمكن تلخيصها كما يلي:
ليبيا: يُعتبر تأثير الوضع الليبي على بلادنا قليل الأهمية لولا انعكاس التناقض بين الروس والأتراك من حيث تأييدهم لقوى متصارعة!
العراق: تمكنت القوى المؤيدة لايران من الصمود أمام المظاهرات التي قامت بها جماهير المحافظات الجنوبية خاصة والوسطى والتي تنتمي بأكثريتها الساحقة للمذهب الشيعي التي تدعي ايران أنها تقوم بحماية ناسه. وكانت هذه الجماهير تهتف بضرورة كنس الفاسدين وداعميهم من الأمريكان والإيرانيين.
ولكن اغتيال الجنرال قاسم سليماني، المشرف المباشر على حماية أصدقاء النظام الايراني في الحكومة العراقية والذي كان يقود التصدي للمظاهرات التي اتهمها المرشد الايراني بتبعيتها للأمريكان، ساهم بشكل مباشر بتراجع حدة هذه المواجهة. هذا بالاضافة الى عامل هام جداً وهو عدم تخلي مرجعية النجف عن التأييد العلني لمطالب المتظاهرين ودعوة الحكومة الى حماية هؤلاء المتظاهرين من الميليشيات المذهبية.
سورية: منذ تغير الموقف الأمريكي العلني من الوجود الروسي في سورية، طفا على السطح التباين الروسي الايراني من مستقبل الوضع السوري. فالتفاهم التركي الروسي بالنسبة للمنطقة الحدودية التركية السورية يتم بمعزل عن رأي الايرانيين والنظام السوري. والحملة الممنهجة من الصحافة الروسية على الرئيس السوري تحمل دلالات هامة، أبرزها إفهام الرئيس السوري أن مستقبله يحدده الروسي وليس غيره.
وهنا لا يجب أن يغيب عن بالنا الهجمات المتكررة التي يقوم بها العدو الصهيوني على أماكن تواجد القوات الايرانية في سورية أو حلفائها والتي لا تلقى رداً من أي من الأطراف المتواجدة على الساحة السورية. وفي هذا ايحاء بأن مستقبل سورية يحدده الصراع في الداخل السوري وليس الصراع مع العدو الصهيوني.
هذه الجرأة الصهيونية على ايران وحلفائها تعطي انطباعاً بضعف الامكانات الايرانية على التصدي للعدوان رغم التهديدات الاعلامية اليومية لهذا العدو.
لبنان: أما في لبنان، فقد لعبت الانتفاضة دوراً هاماً في تطور الأوضاع الداخلية وأبرزها كانت استقالة الحكومة التي لم يعد بامكانها الاستمرار في السلطة برضىً من الناس. وقد كان لافتاً عدم موافقة الحزب على هذه الاستقالة حتى بعد إعلانها من الرئيس الحريري.
هذه الاستقالة أدت الى تفجر الخلافات بين الأطراف السياسية الطائفية والمذهبية. فقد كان اختيار شخصية لا تغطية مذهبية لها وغير قادرة على أخذ قرارات شعبية تؤمن تغطية لها، غير موفق. وهذا ما أدى الى انهيار سريع للأوضاع المالية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية. كما وأدى إلى تفجر الخلافات بين الحلفاء على خلفية الفساد المستشري في الادارة وعلى صعيد الطبقة السياسية.
هذه الممارسات السلطوية كانت صاعقاً لتفجر الخلافات المذهبية والطائفية بأبشع أشكالها. علينا أن لا ننسى أن الشعار الذي رفعه العهد وحلفاؤه هو تحالف الأقوياء بين طوائفهم. إنسحاب السني من هذا التحالف أدى الى خلل أدى فيما أدى اليه الى إظهار الخلل بين الأطراف ضمن كل طائفة.
هل يمكن الاستمرار في هذا الوضع سواء في العراق، سورية أو لبنان؟ بالطبع لا!
هذا الخلل في توازنات القوة هو المدخل إلى التسويات القادمة.
ففي العراق، لا يمكن تفسير القبول الايراني بالكاظمي المتهم من قبل العراقيين المرتبطين بايران بأنه المسؤول عن اغتيال سليماني والمهندس إلا بأنه مدخل لتفاهم أمريكي ايراني على مستقبل العراق يقوم على الانسحاب الأمني الايراني من العراق والابقاء على الدور الاقتصادي. وهذا هو معنى التمديد ستة أشهر لاعفاء الحكومة العراقية من العقوبات بسبب استيرادها للغاز الايراني. وهذا هو سبب مباركة حكومة الكاظمي التي أعلنت بأنه لا سلاح سوى السلاح الرسمي وبأنها ستلبي مطالب المتظاهرين وقد باشرت باعتقال أفراد الميليشيا التي قتلت المتظاهر العراقي في البصرة. وكذلك قبول هذه الحكومة بانتخابات مبكرة وبضرورة انسحاب القوات الأمريكية والايرانية وهذه هي مطالب المتظاهرين والمرجعية في النجف الأشرف.
أما في سورية، فلن يكون الوضع مختلفاً عما هو في العراق، أي القبول الروسي الأمريكي بدور اقتصادي لايران حتى تتمكن من تعويض مليارات الدولارات التي أنفقتها على دعم النظام في سورية.
أما في لبنان، فالدور الايراني مرهون بضرورة التفاهم على أمن العدو الصهيوني مضافاً إلى أن يكون لبنان منصة اعلامية للنظام الايراني، أي الاحتفاظ بالدور السياسي الهام للحزب في الحياة السياسية الرسمية اللبنانية.
هذا الدور يستوجب تشكيل حكومة جديدة يمكنها تأمين الاستقرار في البلد، أي تُرضي جميع الطوائف الفاعلة.
ما تقدم يجعلنا نقول بأن الوضع الاقليمي والمحلي يسيران باتجاه تسوية تؤمن نوعاً من الاستقرار بانتظار تمكن القوى الحية من العمل على تشكيل البديل الذي يمكنه تأمين مصالح أكثر الناس.
التسوية الآتية هي بين الأطراف السياسية لا علاقة لجماهير الكادحين بها. تسوية مفروضة من أطراف الصراع الدوليين والاقليميين الذين يهمهم الحفاظ على نظام النهب القائم في العالم أجمع.
                                                  12 أيار 2020




السبت، 18 يناير 2020

عن البرنامج السياسي المرحلي للحزب الشيوعي اللبناني



يبدو أن من قاموا بصياغة البرنامج قد بذلوا جهداً مشكوراً للاضاءة على قضايا تهم المواطن اللبناني، إن من حيث السياسية منها أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
ولكن، ما استوقفني أيضاً، أن كاتبي البرنامج، اعتقدوا أنهم يكتبون مقالاً سياسياً وليس برنامجاً نضالياً لتحقيق أهداف تهم معظم شرائح المجتمع اللبناني.
لماذا؟
لن نقوم بتشريح البرنامج في جميع تفاصيله، ولكن ما سنقوم به هو الاضاءة على بعض النقاط التي توضح المقصود من هذا النقد.
أولاً
يقول كاتبو المقال (البرنامج): "إن المهمة المطروحة أمامنا اليوم هي مسألة تثوير الانتفاضة الشعبية نحو الثورة الوطنية الديمقراطية بمواجهة النظام الحاكم وأحزاب السلطة المسؤولة عن الانهيار الاقتصادي المأساوي الذي وصل إليه لبنان".
-      ال"نا" تعود لمن؟ للحزب أم للمنتفضين؟
هذه المهمة أكبر بكثير من امكانات الحزب ومن امكانات المنتفضين غير الموحدين على  تصور مشترك لمآلات نضالاتهم. من هنا، كان من المفترض على الحزب أن يطرح ضرورة العمل الدؤوب على تشكيل الكتلة الشعبية التي تتولى مهمة فرض التغيير على الطبقة السياسية، سواءً بقيادة الحزب أو بقيادة القوى الطليعية والجذرية التي تقود الانتفاضات.
-      هل يقوم الحزب بهذه المهمة النضالية التي تتقدم على ما عداها؟ الجواب: كلا.
ثانياً
يقول كاتبو المقال (البرنامج): "تطبيق المادة 22 من الدستور بانتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني ولا طائفي يستحدث مجلساً للشيوخ تتمثل فيه جميع الطوائف وتختصر صلاحياته في القضايا المصيرية".
 "استحداث قانون مدني موحد للأحوال الشخصية، يتم تطبيقه بشكل اختياري ومؤقت ليتحول بعد عشر سنوات إلى قانون إلزامي".
أين أهمية استحداث مجلس للشيوخ مهمته الحفاظ على امتيازات الطوائف بالنسبة لجماهير الشعب اللبناني؟
إن خوف الطبقة السياسية من توحد الشعب اللبناني عندما يمارس الانتخابات من غير قيد طائفي هو الذي دفع هذه الطبقة الى استحداث ما يسمى مجلساً للشيوخ. أما فئات الشعب اللبناني تريد التوحد وراء مصالحها ولا يمكن أن يكون أحد مطالبها استحداث مجلس شيوخ يذهب بايجابيات قانون الانتخاب من غير قيد طائفي.
أما عن استحداث قانون موحد للأحوال الشخصية يكون تطبيقه اختيارياً، فلا بأس في ذلك. أما فرضه بعد عشر سنوات على الناس، فهذا مرفوض، لأن الناس هم من يقرر ذلك.
خلاصة
قام البرنامج بتفنيد كيفية فرض الضرائب بدلاً من تفنيده كيفية البدء بتحويل وزارة الزراعة الى وزارة ناشطة تستثمر جميع الأراضي المُبوَّرة وتحولها إلى أراض منتجة. كما وأنه لم يحدد مهام وزارة الصناعة بالتعاون مع وزارة الزراعة لاقامة المصانع التي تنشط الزراعة المنتجة وتحول الصناعة الى مصدر أساسي لفرص العمل وللدخل القومي.
على كل حال، الأولويات التي حددها البرنامج لا يمكن تحقيقها أو تحقيق شيء منها إلا إذا كانت الخطوة الأولى هي العمل الجاد على خلق الكتلة الشعبية التي تكون الرافعة التي لا بد منها لكل عمل نضالي سواء كان سياسياً، اجتماعياً أو اقتصادياً.
أما عن المهمات النضالية اليومية، فلها حديث آخر!



الاثنين، 30 ديسمبر 2019

تفعيل الانتفاضة


                      
د. جوزيف عبدالله
الشيخ ابراهيم الصالح
حسن ملاط
التغيير، عملية لا تقوم بها نخبة حزبية مهما كانت متفانية، بل تقوم بها الجموع الشعبية المقتنعة بضرورة التغيير والمستعدة للسير بها بقيادة المحالفة الحزبية الموثوقة من قبلها. وما لم تحصل هذه القناعة وهذه الثقة لدى الجماهير فمن العبث الكلام عن ثورة لإسقاط النظام و «تغيير هذه الدولة الفاشلة".
وعليه، فإن الأزمة الاقتصادية- الاجتماعية- السياسية التي انفجرت في لبنان مؤخراً استولدت انتفاضة شعبية هي استكمال على نطاق أوسع للنضالات التي قامت بها الجماهير الشعبية اللبنانية مع بدايات الربيع العربي، منذ مطلع هذا العقد وعلى مدى سنواته.
هذه الأزمة تلازمت بوضع ثوري بكل معنى الكلمة في لبنان. في هذا الوضع الثوري وعلى قاعدة الأزمة العميقة في النظام قامت انتفاضة متعددة المشارب والاتجاهات والمرجعيات.  ولكن نواتها الصلبة طرحت مطلباً مركزياً: "إعادة تكوين السلطة". وذلك على اعتبار أن محالفة الطبقة السائدة عاجزة عن مواجهة الأزمة الشاملة والتقدم بحلول منطقية وفعالة. وعليه لا بد من إسقاط النظام السياسي، وهذا هو معنى إعادة تكوين السلطة.
ولكن هذه المهمة الشاقة تتطلب تكوين الكتلة الشعبية الفاعلة من أولئك الذين ينخرطون في عملية الانتاج الفعلي.
فالكتلة الشعبية ليست مجرد محالفة طبقية يسيرة التحقيق بل هي عملية معقّدة تبدأ بالعمل على تفكيك (كسر) كتل رأسمالية طائفية متموضعة في محالفة رأسمالية أعمّ (هي الطبقة السائدة المكونة من رأسماليي: المصارف، الاحتكارات التجارية والعقارية، الفساد والمافيا). كما أن تفكيك هذه الكتل الرأسمالية يبدأ بالضرورة من تفكيك الكتل الفكرية المرتبطة بها والمبررة لها، أي تفكيك الفكر الطائفي بجوهره الواحد وتنوعه المتعدّد (معركة الأفكار). ومن دون ذلك لا يمكن قيام محالفة طبقية بين الفئات الشعبية العمالية والفلاحية والفئات الوسطى وأفراد من ذوي المعرفة العلمية والمشاعر الإنسانية الطيبة.
ما تقدم هو الذي يمكن أن يُنتج إعادة تكوين السلطة والتي تبدأ بتشكيل حكومة من خارج الطبقة الحاكمة، حكومة بصلاحيات استثنائية (تشريعية) مؤقتة ومستقلة. هذه الحكومة تطرح قانوناً انتخابياً خارج القيد الطائفي ولبنان دائرة انتخابية واحدة، إصلاح القضاء، استعادة المال المهرب والمنهوب، برنامج اقتصادي إجتماعي...
حتى الآن، لم تتمكن الانتفاضة من تحقيق سوى مطلب واحد: استقالة حكومة السيد سعد الحريري.
ماذا يفعل المنتفضون؟
يجتمع المنتفضون في الساحات ويجرون النقاشات فيما بينهم، ويتظاهرون أمام المصارف وأمام بيوت بعض السياسيين. يشتبكون أحياناً مع بعض الغوغاء وأحياناً مع قوى السلطة.
صحيح أن الحياة لم تعد الى طبيعتها في البلد، ولكن الصحيح أيضاً انه أصبح لزاماً تفعيل الانتفاضة وذلك من خلال:
(1) تنظيم القوى الجذرية للانتفاضة وتنسيق نضالاتها، وتكييف أحزابها مع مستلزمات الانتفاض لتصبح هذه الأحزاب أكثر قدرة على استقطاب الجماهير وعلى الممارسات التعبوية.
(2) اشراك قوى اجتماعية جديدة في الانتفاضة لها مصلحة فعلية في إعادة تكوين السلطة. من هي القوى التي نقصدها؟ هي القوى المنتجة (في الزراعة والصناعة والسياحة) التي حول النظام المرتبط بالرأسمال المعولم وسائل إنتاجها إلى سلعة لا علاقة لها بما خُلقت من أجله. وعليه فالقوى الاجتماعية المطلوب العمل على استقطابها هي المزارعون، والصناعيون.
لبنان مهدد بالمجاعة لأن عملته تكاد تصبح ورقاً لا قيمة لها بسبب تهريب العملات الأجنبية الى خارج البلد من قِبل الطبقة السياسية وشركائها من كبار أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب المصارف.
من هنا، أصبح لزاماً على شعبنا أن يفكر كيف يحمي نفسه من مصاصي دمائه. لذا على اللبنانيين أن يبادروا بالعودة إلى أمنا الأرض.
ما العمل؟
على مالكي الأرض "المُبَوَّرة" بانتظار بيعها ووضع الأموال في البنوك للتمتع ب"فوائدها" أن يعلموا أن هذا أصبح من الماضي. لذا لا بد أن تعود الأرض إلى وظيفتها وهي انتاج الغذاء لسكان هذه البلاد.
إن نزول المزارعين إلى الساحات، ساحات الانتفاضة القائمة حالياً، أو استحداث ساحات جديدة أصبح ملحاً ليفرضوا على الحكومة العتيدة الأمور التالية:
1-   إختيار الزراعات الواجب إنتاجها في الحالة التي تمر بها البلاد. وهي تتركز على الزراعات ذات الطابع الاستراتيجي مثل القمح والذرة والعدس والحمص وغيرها من الحبوب التي يستهلكها المواطن اللبناني.
2-   تحديد الأسعار لهذه المنتجات بما يتناسب مع امكانية تأمين الحياة للمزارع. وهذا يتطلب إما شراء السلطات للمنتوج أو منع استيراد هذه السلع حتى يتم استهلاك الانتاج المحلي.
3-   تأمين البذار والسماد للمزارعين الذين سيستصلحون أراضيهم، على أن لا يكون هذا البذار معدلاً جينياً لأنه يُفسد الأرض ويجعلها عقيماً. وكذلك أن يكون السماد عضوياً.
4-   تشجيع تربية الأبقار في الريف من أجل تأمين استهلاك المواطن اللبناني بحيث لا يُضطر لاستيراد الحليب ومشتقاته.
إن تأمين الأمور سابقة الذكر تتطلب مشاركة المزارعين في الحراكات القائمة. كما وعلى المزارعين أن يبينوا للناس أن العودة إلى الأرض تؤمن الحياة الكريمة لجميع اللبنانيين. كما وأنها تحمي اقتصادهم الذي يقوم على الاستهلاك من دون الانتاج.
ولا بد من التواصل مع الصناعيين ورفع مطالبهم بوصفها مطالب جدية للانتفاضة لأن في استمرار هذه الصناعة تلبية لحاجات محلية وتوفيراً لفرص العمل...
في النهاية، يمكننا التأكيد أن إشراك قوى جديدة في الانتفاضة أو استحداث ساحات جديدة لفتح الطريق أمام ما يُسمى اقتصاد انتاجي وليس ريعياً لا يكون بالشعارات الاستهلاكية، إنما بوضع برنامج فعلي وعملي لهذا التحول.
إلى مزيد من التلاحم بين مختلف أبناء وبنات شعبنا من أجل تحقيق هذه المطالب التي تفتح الطريق إلى تحويلنا من مستهلكين إلى منتجين للخيرات المادية التي نحتاجها من أجل حياة كريمة لنا وللأجيال القادمة.
                                    30 كانون الأول 2019

الأربعاء، 4 ديسمبر 2019

تعليق



ما قام به الشعب العراقي ويقوم به حالياً هو أهم ما مر من أحداث في اقليمنا. فقد تمكن هذا الشعب من نقض الرواية التي يتاجر بها حكامنا في الاقليم من أجل تذرير الشعب وجعله قبائل وشيع للتقاتل فيما بينهم.
قام الامام الخميني بالثورة الاسلامية ودعا الى الوحدة الاسلامية. بعد وفاته أصبحت الوحدة الاسلامية دعوة الى التشيع تحت القيادة الايرانية التي تفترض أن التشيع هو الارتباط بالدولة الايرانية والقيام على مصالحها حسب نظرة الحكام. ورواية حكام ايران أنهم يدافعون عن الشيعة.
العراقيون في المناطق الجنوبية أكثريتهم الساحقة من الشيعة، وهم من يطالب باعطاء الحرية للشعب باختيار الحكام الذين يريدهم، ولم يضع شرطاً أن يكونوا من الشيعة، إنما الشرط هو أن لا يكونوا فاسدين. علماً أن الحكام الذين يدّعون الدفاع عن شيعة العراق منذ الغزو الأمريكي والاحتلال هم الأكثر فساداً في العالم وتدافع عنهم ايران الاسلامية علماً أن الله لا يحب الفساد ولا يحب الفاسدين.
حماية الانتفاضة العراقية هامة جداً لأنها ستعيد شعوبنا الى وطنيته وتحرره من الروايات التي تريد تأبيد كونه شيعاً وطوائف ومذاهب.
الانتفاضة العراقية هي انبعاث للوطنية.
الخطر الحقيقي عليها ليس من ايران وجماعتها لأنه قد تبين عجزهم عن القضاء عليها، إنما الخطر الحقيقي هو من الاحتلال الأمريكي الذي يملك عدة قواعد عسكرية في البلاد.