بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الخميس، 29 يناير 2009

نتائج لمحرقة غزة

نتائج "محرقة" غزة
29 كانون الثاني، يناير 2009

لقد بات من المسلم به الآن أن حرب اسرائيل على غزة كانت الأكثر وحشيةً واجراماً في تاريخ حروب هذا العدو على عالمنا العربي والاسلامي. ولسنا في صدد لوم العدو على اجرامه لأن هذا من طبيعته، ولكن اذا كان لابد من اللوم فما علينا الا لوم أنفسنا اذا لم نكن نتوقع منه هذه الممارسات.
لقد كشفت هذه الحرب الغطاء عن كثير من البؤس الذي يعيشه النظام الرسمي العربي. فعلى صعيد المعارف فهو يتمتع بالجهل المطلق. فالنظام الرسمي العربي، بدون استثناء، يعتبر أن الكيان الصهيوني كياناً طبيعياً، مع العلم أن أحد أهم منظري هذا الكيان يقول وبالفم الملآن أن الأرض التي يجب أن يقام عليها الكيان الصهيوني هي أرض الفلسطينيين ومن الطبيعي أن يحاربوا من أجل الحفاظ عليها ويمنعوا اليهود من الاستيلاء عليها. يضيف "جابوتنسكي" لا يوجد شعب في الأرض يقبل بالتخلي عن أرضه. يمكننا هنا أن نضيف "الا النظام الرسمي العربي"، هذا النظام الذي اتهم المقاومة بشتى الأوصاف ليبرر تخاذله وتخليه عن أرض الجدود. فعوض أن يمد المقاومة بجميع أسباب الدعم، حتى تتمكن من النصر المؤزر على العدو، كان يفعل المستحيل حتى يمنع حتى الشعوب من التعبير عن تضامنها مع المجاهدين في غزة. أضف الى ذلك أن الأنظمة التي اعتبرت نفسها تدعم صمود هذه المقاومة ، كانت أشكال دعمها تدخل ضمن دائرة التهريج أكثر من دائرة الدعم الحقيقي. أما النتائج التي تمخضت عنها هذه "المحرقة" فهي التالية:
النتيجة الأولى: انقسام النظام الرسمي العربي الى معسكرين "متخاصمين" لم يفد المقاومة كثير الفائدة، أللهم الا اذا اعتبرنا التصاريح التي كان يبثها الأستاذ خالد مشعل من دمشق، ذات تأثير مفصلي بالنسبة لصمود المقاومة في الميدان. ان اهتمام المعسكرين المتخاصمين بتسجيل النقاط كل منهما على الآخر جعل كسب المعركة هو بانتصار فريق على آخر (على الصعيد الرسمي العربي)، ولا دخل لأرض الميدان في غزة في هذه المعركة. هذا مع التأكيد أننا لسنا من الذين يأخذون الجميع في سلة واحدة. ان اهتمام الاعلام في دول معسكر ما يسمى بالممانعة في المعركة التي كان يخوضها المجاهدون الأبطال في أرض الميدان لعب دوراً هاماً في رفع معنويات الناس. كما وأن اعلام "الجزيرة" و "المنار" كان ايجابياً أيضاً على صعيد تجييش الناس عاطفياً للوقوف مع المجاهدين في غزة. ولكن ما تقدم يستتبع السؤال التالي: هل هذا هو الدور الذي تلعبه الأنظمة في استرجاع حقوق الأمة من اعدائها؟ هل هذه هي الأشكال التي يمكن فيها نصر المجاهدين في الميدان؟ لماذا علينا انتظار المنظمات الشعبية لمجابهة العدو ولا تقوم الأنظمة العربية بخوض المعركة مع العدو كما يفعل "حزب الله" و"حماس" و"الجهاد" وغيرها من المنظمات المقاتلة؟ لن نسأل جميع الأسئلة، لأن هناك منها الكثير.
أما على صعيد الأنظمة الأخرى، يكاد يكون من المعيب تذكر ما كان يدلي به وزير خارجية النظام المصري من تبرير للعدوان الاسرائيلي على القطاع. أما الأنكى من ذلك، ما كان يقوم به من يسمى "برئيس السلطة الوطنية الفلسطينية" من تحريض للعدو على هدم غزة عله يتمتع بالجلوس على عرش السلطة من دون أدنى تشويش من "حماس" أو من أمثالها. لا داعي للاشارة الى ما كان يقوم به الأزلام الصغار من جماعة "عباس" أو من المتعيشين في الصحف والمجلات الناطقة بما يريده القيمين على أنظمة الارتباط بالادارة الأمريكية. أما فضائيات هؤلاء ، "أخبار المستقبل" أو "العربية" فما كان ينقصهما بعد تحويل المجاهدين في أرض الميدان الى بكائين، كان الشهيد يموت مرتين، في هذه الفضائيات، الأولى عندما يستشهد وفي الثانية عندما يعلم أنه قتل لا لشيء الا لخدمة أحد طرفي الصراع (الممانعة والمرتبطين بأمريكا على حد زعم هذه الفضائيات) أما قضية الجهاد من أجل المقدسات والأرض فأصبحت لا وجود لها عند هؤلاء.
أما المظاهرات الشعبية التي انطلقت لتأييد المجاهدين كانت ايجابية بشكل عام، مع العلم أن أكثر هذه المظاهرات كانت مبرمجة ولم تكن عفوية.
النتيجة الثانية: لقد أثبتت معركة غزة ومن قبلها حرب تموز، يوليو، 2006 في لبنان، أنه لم يعد بامكان الكيان الصهيوني حسم معركة مع المقاومة لصالحه مهما تكن ظروفها (أي المقاومة) غير مؤاتية (كما في مثال غزة). وهذا ما منع السلطة الاسرائيلية من الاعلان المسبق عن أهداف المحرقة التي قامت بها في غزة. كما وأضيف أن المعارضة الاسرائيلية لم تضغط على الحكومة للاعلان عن الأهداف من هذا العدوان. وهذا يعني أن الكيان الصهيوني أصبح الآن يعيش في حماية الأنظمة العربية. هل مهمة "السلطة الوطنية الفلسطينية" منع الفلسطينيين من التظاهر ضد العدوان الاسرائيلي على أهلهم في غزة؟ وهذا المثال ليس على سبيل الحصر، أم هل من مهمات النظام المصري حماية أمن اسرائيل حتى يراقب المعابر ويمنع ليس السلاح فقط انما الغذاء أيضا بحجة الالتزام بالمواثيق! ومع من؟ مع الذين لم يلتزموا يوماً بميثاق، أعني اسرائيل.
النتيجة الثالثة: لم تقم الادارة الأمريكية بادارة الحرب الاسرائيلية على غزة كما فعلت في حرب تموز، يوليو 2006 . ولا يمكننا القول أن الادارة الأمريكية كانت تودع، ذلك أنها ألزمت نفسها باتفاقات مع اسرائيل عشية وداع الرئيس بوش البيت الأبيض. اذن هناك أسباب أخرى، أعتقد أن أهمها على الاطلاق هو يقين هذه الادارة أنه لم يعد بامكانها خوض معارك لصالحها أو لصالح حلفائها قبل أن تعيد تقييم وضعها الحقيقي بعد الانزلاقات أو الهزائم التي وقعت فيها في لبنان والصومال والعراق وأفغانستان ... لذلك لم تمنع الادارة الأمريكية فرنسا والاتحاد الآوروبي وتركيا من التدخل في محاولة ايجاد حلول لهذا "النزاع". وعلينا في هذا المقام علينا أن نتذكر بأن الادارة الأمريكية كانت تمنع أياً كان من التدخل في الصراع الشرق أوسطي الا باذن مسبق منها.
النتيجة الرابعة: لقد بينت حرب غزة أن القضية الفلسطينية لا زالت هي القضية الأساس عند المواطن العربي. ايران أخذت شرعية لوجودها في قضية "الشرق الأوسط" من خلال مساعدتها لحركات المقاومة. وكان الدخول التركي مدويا بسبب المواقف التي تستجيب لعواطف وآمال الشارع العربي والاسلامي والتي أعلنها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس عبد الله غول. كما والأهم أنه لم يعد بامكان الادارة الأميركية استبعاد أحد من هذه الأطراف عند العمل على اعادة ترتيب البيت الشرق أوسطي. وعلينا التنبه أو الاشارة أنه لا الادارة الأميركية ولا الكيان الصهيوني اتخذا موقفاً سلبياً من الموقف التركي. لم يصرح أحد من المسؤولين اليهود بأن الموقف التركي لم يكن محايداً (الا بعد انتهاء العدوان أو تجميده)، لذلك لا نقبل بوساطته. هذا مع الاشارة الى أن السيد أردوغان قد صرح بأنه سوف يحمل وجهة نظر منظمة "حماس" الى مجلس الأمن ولم يلق هذا التصريح الاستهجان لا من أمريكا ولا من اسرائيل. هناك اربعة لاعبين: أميركا، ايران، تركيا واسرائيل. لا بد من التنبيه هنا بضرورة عدم الاعتقاد بأن الأتراك سوف يلتزمون خط المقاومة، انما هم مستمرون بعلاقتهم الحسنة والمتميزة مع الكيان الصهيوني. أما الموقف الايجابي بالنسبة للمقاومة فهذا يجب فهمه على ضوء الواقع الداخلي التركي وعلاقاته المعقدة مع أمريكا والاتحاد الأوروبي واسرائيل ناهيك عن المصالح التركية مع الجوار العربي على كافة الصعد الاقتصادية والسياسية.
النتيجة الخامسة: ان الوضع الفلسطيني المعقد جداً يستدعي من المنظمات المقاومة "حماس" و"الجهاد" وغيرهما التحرك وبسرعة كبيرة في اصلاح هذا الوضع. ومن المهمات الملحة:
1 – اصلاح ما يسمى "منظمة التحرير الفلسطينية". ضرورة انضمام جميع الفصائل المقاومة ومنظمات المجتمع المدني الفلسطيني الى هذه المنظمة ونفض الغبار والترهل عنها وجعلها ممثلة فعلية للشعب الفلسطيني في الشتات والداخل.
2 – ضرورة أن تمثل المنظمة الشعب الفلسطيني سياسيا. وهذا يستتبع أن تصبح ما يسمى السلطة الوطنية الفلسطينية الراعية الفعلية للشؤون الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والتعليمية ...الخ للفلسطينيين في الضفة والقطاع، مع التأكيد أن ليس للسلطة أي دخل في عملية التفاوض مع الكيان الغاصب. ان من يفاوض العدو عليه أن يفاوضه من موقع القوة وليس من موضع الضعف. فعندما تكون السلطة هي المسؤولة عن التفاوض، ترى لزاماً عليها التنازل للعدو من أجل فك الحصار مثلاً (كما يفعلون الآن مع "حماس" من أجل تأمين الدواء والغذاء). والنتيجة التي نصل اليها في وضع كهذا هي خسارة القضية الوطنية من أجل تأمين الغذاء. ان تخلي السلطة عن التمثيل السياسي لفلسطينيي الداخل في الضفة والقطاع يجعل منهم بحكم الشعب المحتلة أرضه، وبالتالي يصبح لزاماً على المحتل تأمين المستلزمات الضرورية لحياة هذا الشعب. أما المفاوضات ذات الطابع السياسي فتتسلمها "منظمة التحرير" الممثلة الوحيدة للشعب الفلسطيني.
3 – على "حماس" والمنظمات المقاومة في القطاع ومنذ الآن تسليم مهمة مفاوضة العدو والنظام الرسمي العربي والدول الأجنبية الأخرى الى قيادات الخارج حتى لا تضطر للتنازل تحت الضغوطات المعيشية من غذاء ودواء واعادة اعمار ...الخ
4 – لا بد من الوعي العميق الى أن المعركة الآن أصبحت أكثر شراسة. فالأعداء من كل صوب، فما على المجاهدين في القطاع الا ترتيب أمورهم الداخلية بغض النظر عن تطور المفاوضات سواء مع الأعداء أو "الحلفاء".
5 – هناك خمسة ملايين فلسطيني في الشتات عاطلين عن العمل. ما كان دورهم في معركة غزة؟ وحيث أن الشيء بالشيء يذكر نقول بأنه لا وجود في العالم ليهودي لا يملك موقفاً عملياً من اسرائيل. الجميع يشارك مشاركة فعالة في معاركها. اذا كانت اسرائيل التي تملك أكبر ترسانة عسكرية في الشرق اضافة الى السلاح النووي تستدعي التأييد العملي لجميع يهود الكرة الأرضية عطفاً على المؤيدين من الدول الاستعمارية، فما بالنا نحن لا نشرك من من أجله تخاض هذه الحروب؟
لا بد من وضع برنامج عملي لاشراك جميع فلسطينيي الشتات في النضال من أجل أرضهم.
6 – على منظمات المقاومة في القطاع تأليف لجنة من منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، بغض النظر عن الانتماء السياسي ومشهود لها بنظافة الكف، مهمتها الاشراف على اعادة الاعمار، والنأي بالسياسيين عن العمل في هذا الموضوع وانما الاشراف فقط.
7 – لا بد من التنبيه بأن الاتجاه نحو اقامة كيان بديل لمنظمة التحرير الفلسطينية سوف يؤدي الى انقسام عمودي للشعب الفلسطيني لا يستفيد منه سوى اسرائيل والقيادة الحالية التي تتجه الى التخلي عن حق العودة المقدس والتي لا تملك المسوغات القانونية للتخلي عنه، انما سوف تعطيها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وربما الأمم المتحدة التغطية السياسية لتخليها عن هذا الحق. غير أن اصلاح الأطر الحالية للمنظمة سوف يسحب البساط من تحت أقدام القيادة الحالية، عباس ومن هم على شاكلته، خاصة وأن خطوة كهذه سوف يكون لها انعكاسات ايجابية على مستوى الشارع الفلسطيني. ان اعطاء القيادة الحالية لمنظمة التحرير الشرعية في الاستمرار سوف يؤدي الى كوارث على صعيد القضية الفلسطينية، أقلها التخلي عن حق العودة والقدس والقبول بتبادل الأراضي والحفاظ على المستعمرات. والانقسام أو اقامة كيان بديل سوف يخدم القيادة الحالية. ولا يظنن من يملك الامكانية على تحريك عدة عشرات من الآلاف من الشعب الفلسطيني أنه يملك شرعية خلق كيان بديل، لاسيما وأن هناك الملايين من الشعب الفلسطيني لم يشاركوا بأي حراك. ان أعنف ممارسة قامت بها مخيمات اللجوء في الدول المجاورة لفلسطين هي التظاهر وهذا ماحصل في فرنسا والدانمارك وفي بريطانيا ولكن بوتيرة أكثر حركية. فهل أن مظاهرة تعطي شرعية لخلق كيان بديل؟ لا أعتقد. كما وأن عملاً كهذا سوف ينقل ساحة الصراع من صراع مع العدو الى صراع بين المعسكرات في الصف العربي.
8 – اعادة النظر في طرح شعار الدولتين بات أمراً ملحاً لما يحمل من بذور التراجع سواء على المستوى السياسي أو على المستوى النفسي وهو الأهم.
هناك الكثير الكثير مما يمكن أن يقال في هذا المقام و لكننا أشرنا الى بعض النتائج. ويحضرني الآن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وهو عائد من غزوة الخندق. وغزوة الخندق وما أدراك ما غزوة الخندق حيث بلغت القلوب الحناجر، و حيث قال النبي والذين آمنوا معه "متى نصر الله" وفي هذا دلالة على هول المعركة. نادى النبي على المؤمنين بضرورة التوجه الى بني قريظة هؤلاء اليهود الذين خانوا عهد النبي صلى الله عليه وسلم. والقضاء على هؤلاء الخونة هو تتمة المعركة وتتمة النصر. وفي غزة، أرى أن الأمر شبيه بالخندق، فالمعركة لما تنته. انما بدأ الشكل الأصعب من المعركة. لذلك لا بد من العمل على استنهاض جميع الامكانات وتوظيفها من أجل تأكيد النصر، ولعل فيما قدمنا فائدة.
حسن ملاط
Hassanmallat.blogspot.com

السبت، 10 يناير 2009

قراءة في أحداث غزة

قراءة لما يجري في غزة
حسن ملاط


لن أبدأ مقالتي بالقول أن الصهاينة يرتكبون المجازر في غزة، مجازر يندى لها جبين الانسانية. فقد قصف هؤلاء المجرمون المدارس والبيوت ومراكز الأونروا علماً بأنهم يعرفون أماكنها وبالاتفاق مع المنظمة الدولية كما صرح المسؤول الدولي. ولماذا فعلوا ذلك؟ أقول لأن كل نظام في هذا الكون يعبر عن قيم معينة يُعرف بها. فالنظام الاسرائيلي قام على استعمار الأرض الفلسطينية وطرد أهلها منها، فما الذي تغير حتى لا يُهجّر الفلسطينيين مرة أخرى وثالثة ورابعة ان أمكنه ذلك، أو يبيدهم من الوجود! هل يخاف لوم الأمريكيين الذين أبادوا الهنود الحمر وأقاموا دولتهم "الحضارية" مكان همجيتهم (همجية الهنود الحمر). أم يخشون الأوروبيين الذين لم يكونوا أقل وحشية من حلفائهم الأمريكيين مع الشعوب التي استعمروها. وما المأساة الفلسطينية الا من نتائج استعمار بريطانيا لفلسطين. اذن، من صلب مبادىء النظام الصهيوني القيام بالمجازر والتهجير لأن مكان الاقامة، اقامة الصهاينة هو نفس المكان الذي يقيم فيه الشعب الفلسطيني. فلا عجب اذن أن الصهاينة يستبعدون من أي "حل" مع العرب امكانية تطبيق قرار المنظمة الدولية 194 الذي ينص على عودة الفلسطينيين الى ديارهم التي هُجّروا منها والتعويض عليهم. وفي هذا المجال يقول جابوتنسكي "ان الهدف الذي لن يحيد عنه هو تحويل فلسطين الى دولة بأغلبية يهودية، وان هذا الهدف هو سلمي اما الوسيلة فهي ليست سلمية، وان استخدام العنف لن يكون بسبب موقف الصهيونية تجاه العرب وانما بسبب موقف العرب تجاه الصهيونية. فالعرب سوف يقاومون بالضرورة «الاستعمار والاستيطان الصهيوني». هذه المقاومة ليست شأنا استثنائيا، ولا هي تعود، كما يقول جابوتنسكي، الى سلوك المستوطنين واعمالهم، ولكن «... لانه لم يسبق في التاريخ او في اي مكان من العالم ان قبل السكان الاصليون لبلد ما بقيام مستوطنات للغير على اراضيهم». «ان اي شعب - سواء كان متمدنا ام همجيا - ينظر الى بلده على انه وطنه القومي، الذي يعيش فيه كسيد مطلق. هؤلاء السكان لن يقبلوا طوعا بالرضوخ لسيد جديد وغريب، ولا حتى لشريك من هذا النوع» (الحياة 8 – 1 -2009 في مقالة لرغيد الصلح). هذا ما يقوله جابوتنسكي (احد الزعماء التاريخيين للحركة الصهيونية، فهو الاب الروحي والفكري لحزبي «ليكود» و «كاديما»).أما ما فعله بعض العرب هو التصالح مع العدو الذي طرد الشعب الفلسطيني من أرضه. ليس هذا فحسب انما يحاولون (هذا البعض من العرب) اقناع من تبقى في فلسطين بتقاسم أرضهم التي بقيت لهم، مع العدو الصهيوني وذلك حتى يتمكن هؤلاء الحكام من الحفاظ على عروشهم الملوثة بحماية أمريكا لها.
كيف تعامل الشارع مع أحداث غزة؟
في بلاد الاغتراب قامت في كثير من الدول مظاهرات ساخطة شارك فيها العرب والمسلمون وأهالي هذه البلدان تضامناً مع الشعب الفلسطيني في غزة ومقاومته الباسلة. أما في بلادنا العربية فقد قامت في بعض البلدان مظاهرات تدين الاعتداء الاسرائيلي ولكن علينا الاشارة الى أن أكثر هذه المظاهرات كان مرضي عنها من الحكام، ومنها (أي المظاهرات) ما أُمر بترتيبها لعدة أهداف سوف نبينها في سياق هذا التحليل. و في بعض البلدان كان ممنوعاً قيام المظاهرات حتى لا تسيء الى النظام العام!
ان اجتياح غزة بقصد القضاء على المقاومة (اياً كانت هذه المقاومة) يعني تصفية القضية الفلسطينية لصالح العدو الصهيوني، كما ويعني أيضاً أن هذه التصفية سوف تكون على حساب الشعوب العربية شاءت أم أبت. كما ويعني أيضاً الاتجاه الى القضاء على أية مقاومة موجودة ومنها المقاومة الاسلامية في لبنان على سبيل المثال لا الحصر، والأنكى من ذلك أن هذا سوف يتم في ظرف أكثر ما تكون فيه الادارة الأمريكية في تراجع. أي أنه عوضاً عن تقدم حركة الشعوب في القضاء على قيودها وعلى من يضع هذه القيود في أيديها يكون الاتجاه معاكساً تماماً لما يجب أن يكون عليه.
ما هي انعكاسات العدوان الاسرائيلي؟
مع بدء الهجوم الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني في غزة (وليس على حماس كما يدعي الصهاينة والمعسكر العربي المؤيد لهم، مع الأسف) انقسمت الساحة العربية والاقليمية الى معسكرين أحدهما مؤيد للاعتداء الاسرائيلي ويضم حكام مصر وحكام السعودية وسلطة محمود عباس بشكل أساسي ومعسكرآخر معاد للمعسكر الأول ويضم سوريا وايران. وقد قام المعسكر الأول بالتحريض على المقاومة وبتحميلها تبعات العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني لأنها لم تبادر الى الاستسلام للعدو الصهيوني وتقبل بالحصار الظالم الذي يفرضه العدو عليها. أنا لا أبالغ هنا فبامكان أي من القراء العودة الى مرافعات الرئيس حسني مبارك والرئيس محمود عباس ووزير خارجية مصر أبو الغيط وعباس ومستشاره حماد وغيرهم من المعتاشين والمتعيشين. أما على الجبهة السعودية فجو الديموقراطية التي تفرضها الادارة الأميركية على تلك المجتمعات فهي تسمح بتسريب الأنباء ومنها الاستقبال السيء من ملك السعودية لرئيس اتحاد العلماء الدكتور يوسف القرضاوي الذي كان يطرح ضرورة توحد المسلمين لدعم المقاومة والشعب الفلسطينيين ازاء العدوان الاسرائيلي (وبالمناسبة، رفض الرئيس المصري استقبال هذا الوفد فبذلك يكون أكثر راديكالية من الملك السعودي). وما يعبر عن موقف السعودية الرسمي هي الأقلام التي كانت تدبج المقالات التي تسخر من المقاومة ومن الدور الذي تقوم به أمام جبروت الآلة العسكرية الاسرائيلية. وفي هذا المجال لا أدعي القول أن هؤلاء الكتاب مؤيدون للعدوان الاسرائيلي ولكن عليهم التسويق لوجهة نظر أولياء نعمتهم، فهم يتصورون أنهم بعملهم هذا انما ينصرون المعسكر المصري السعودي على المعسكر السوري الايراني محطمين في طريقهم أسطورة المقاومة، ومستهزئين من معجزة النصر الالهي الذي حققه "حزب الله" على الآلة العسكرية الاسرائيلية. وهنا علينا أن نضيف أن النصر الذي سوف تحققه المقاومة الفلسطينية على اسرائيل انما يعود بشق منه الى النصر الالهي الذي حققته المقاومة الاسلامية على اسرائيل في لبنان. ونصر المقاومة الفلسطينية في غزة هو "نصر الهي" أيضا.
أما على جبهة المعسكر الآخر فكان ما جرى هو الاضاءة على الموقف المصري السعودي والأمر بقيام المظاهرات الشاجبة للعدوان الاسرائيلي والموقف المصري. وعلينا أن نشير أن المظاهرات كانت تهاجم مصر أكثر من ادانتها لاسرائيل، لذلك كان لابد في كل مرة من تأمين الحماية للسفارة المصرية.
ما تقدم يعني بأن قضية العدوان الاسرائيلي على غزة قد استُغلت من المعسكرين المتخاصمين لتسجيل النقاط على بعضهما البعض مطيحين بغزة وبغيرها أيضا. فارادة نصر غزة على العدو الاسرائيلي كانت تستدعي من المعسكر الأول تأمين مستلزمات النصر للمقاومة ونصيحتها باتخاذ الموقف الذي يراه معسكر أمريكا صحيحاً، ولا يتم بمحاصرتها واجبارها على الخضوع.
وعلى المعسكر الآخر الذي اهتم بتأليب الناس على المعسكر المصري السعودي عوضاً من محاولة توحيد الساحة العربية والاسلامية وراء المقاومة ونصرتها. فكان أن جميع ما قام به هذا المعسكر هو تأكيد للانقسام العربي والاسلامي ومحاولة عزل المقاومة عن المعسكر الآخر. هذا مع التأكيد أن هذا المعسكر يملك الكثير الكثير مما يمكنه من دعم المقاومة دعماً فعلياً يفوق بأضعاف أي دعم آخر.
لقد تذرع الرئيس المصري بالاتفاقات الدولية التي تحكم طريقة العبور من المعابر التي تفصل قطاع غزة عن مصر. وهذه ذريعة مردودة كما الذريعة التي تمنع انطلاق المقاومة لتحرير الأراضي المحتلة منذ أكثر من أربعين عاما، وهي اتفاقية وقف اطلاق النار ووجود المراقبين الدوليين.
والنتيجة التي وصلنا اليها أنه "لم يبق في الميدان الا حديدان". بقيت المقاومة وحدها تقاتل بلحمها وبلحم شعبها الوفي. ولم يشاركها في جهادها من الصعيد الرسمي لا الممانعين ولا اللاهثين.
أما على الصعيد الشعبي فلم تكن الصورة أكثر نضارة من المشهد الآخر. فقد أخضعت القوى المتصارعة قضية نصرة المقاومة في غزة الى منطق الصراعات البينية ما بين المعارضة والموالاة، أو بالأحرى ما يسمى المعارضة والموالاة. والمؤسف أكثر من ذلك أن الخلافات المذهبية لم تغب عن الساحة. فقد استخدم البعض أنواعاً من التركيبات التي تعجز عنها أهم أجهزة المخابرات، حتى يتمكن من النفخ في كيره الطائفي والمذهبي. وهذا ما كان ليحدث لو أن القوى الفاعلة أوالتي بامكانها الفعل تريد أن تفعل. وكانت النتيجة أنه بدل استخدام الأزمة التي تمر بها الأمة لتوحيدنا، انما استخدمناها عن وعي لتعميق هذه الخلافات. وتعميق هذه الخلافات يؤدي حتماً الى تشرذم القوى التي تملك المصلحة في التغيير، ويؤدي حتماً الى اطالة تمتع أميركا باستعمارها لشعوبنا ويؤدي أيضاً الى اطالة اقامة اسرائيل بين ظهرانينا.
قام أحد الخطباء الممول سعودياً وأتحفنا بالتحليل التالي: " تقوم ايران والذين يملكون الصواريخ التي تصل الى ما بعد بعد .. بامداد حماس بالسلاح حتى تقاتل اسرائيل بقصد تمكن اسرائيل من القضاء عليها أي على حماس لأنها المقاومة السنية الوحيدة في العالم. وبذلك تبقى المقاومة شيعية فقط". أقسم أن هذا ما قاله. ومن الطبيعي أن لا يعرج على القاعدة وأخواتها أو على المقاومة العراقية لأنه غير مرضي عنهم لا من الموالاة ولا من المعارضة، ولا من معسكر أمريكا ولا من معسكر الممانعة.
واليكم قصة الحرب كما يرويها أحد جهابذة الكتابة في معسكر الموالاة. يقول الدكتور رضوان السيد:
"أعلنت «حماس» في تاريخ 18/12/2008 عن عدم إرادتها (هي والفصائل الحليفة لها في غزة، وأهمها تنظيم «الجهاد الإسلامي»)، تجديد التهدئة مع إسرائيل والتي كانت قد استمرت لستة أشهر وبتوسّط مصري. ومبرر «حماس» لذلك: استمرار الحصار على غزة، واستمرار الخروقات الإسرائيلية. ثم ظهرت الى جانب ذلك الأصوات الأخرى، وأعلاها صوت السيد حسن نصرالله زعيم «حزب الله» في لبنان بأمرين اثنين: إرادة إسقاط نهج التسوية، الذي لم يجلب غير الدمار والاستسلام، واستحثاث السلطة المصرية على فتح معبر رفح لإسقاط الحصار عن غزة وإلا اعتبرت مشاركة في الحصار والاحتلال". (استمرار الحصار المخالف للاتفاق على التهدئة غير كاف لدى رضوان السيد لأنه لا يمكن توظيفه في المعركة الداخلية اللبنانية لذلك يجب ادخال السيد حسن نصر الله في التحليل).
ثم يضيف قائلاً: "وهكذا، وفي يوم 19/12/2008، بدأ إطلاق صواريخ القسّام على المستعمرات الإسرائيلية، ثم تلتها صواريخ غراد. وفجأة ومن دون سابق إنذار - قياساً على لهجة الحمائم لدى المسؤولين الإسرائيليين على مدى شهور متطاولة - أعلنت الحكومة الإسرائيلية المصغّرة (رئيس الوزراء المستقيل، ووزيرة الخارجية، ووزير الحرب) الحرب على قطاع غزة و «حماس»، وقتلت طائراتها في اليوم الأول حوالي الثلاثمئة إنسان".
(آسف أن أقول أنه قد فات الدكتور رضوان السيد القول بأن حماس قد أبلغت الجانب المصري مرات عدة بأنها سوف تستأنف اطلاق الصواريخ على المستعمرات الصهيونية في فلسطين في حال استمر الجيش الصهيوني باعتدائه على السكان الآمنين في الضفة الغربية وغزة وفي حال استمراره باغلاق المعابر. وعدم ذكره ما تقدم هو حتى يوحي للقارىء بأن مسؤولية الحرب على غزة تتحملها حماس وليس الجانب الصهيوني، وهي وجهة نظر الرئيس مبارك والرئيس المنتهية ولايته عباس).
ثم يضيف الدكتور رضوان السيد في تحليله للحرب على غزة قائلاً:"إن أطراف الحكومة الحالية («كديما» وحزب العمل على الخصوص) ستخسرها لمصلحة «الليكود» وأحزاب اليمين الأخرى، والحملة العسكرية هذه خليقة أن ترفع من شعبية المنتصرين فيها وعلى رأسهم ايهود باراك وتسيبي ليفني. وكان هناك من قال إن معنويات الجيش الإسرائيلي تلقت ضربة في حرب لبنان عام 2006، لأن الجيش ما استطاع حسم المعركة لمصلحته. وقد تدرّب طوال العامين الماضيين على القيام بمحاولة لاسترجاع هيبته، والإغارة على غزة و «حماس» أسهل، ليس لأن المقاومين هناك أضعف عسكرياً وحسب، بل ولأن السيطرة الحماسية هناك لا تتمتع بأي شرعية، ولن يكون أحد حريصاً جداً عليها، ويمكن إنهاؤها بسرعة نسبية لوقوعها في منطقة محصورة. وإذا تدخل «حزب الله» للمساعدة، كما حصل عام 2006، فيمكن ضربه وتخريب لبنان، في هذه الفترة التي يسود فيها الغياب الأميركي والارتباك في الأجواء الدولية. وستُخيف الشدة والدقة سورية و «حزب الله» وإيران، وتجعل من «حماس» طرفاً ضعيفاً غير قادر على الاستمرار في التحدي.( رضوان السيد الحياة - 06/01/09//).
هنا أبدع الدكتور رضوان السيد فهنا التحليل لبناني بامتياز! لقد تمكن الدكتور من تمرير وجهة نظره القائلة بأن حزب الله لم ينتصر على اسرائيل (رغم اعتراف الصهاينة بذلك ورغم تقرير فينوغراد ورغم انهيار معنويات الجيش الصهيوني ورغم استمرار الحكومة الصهيونية في الحكم مع أن مؤيديها لم يتجاوزوا في أحسن الحالات ال7%، لعدم وجود بديل لأولمرت وذلك لعقم الطبقة السياسية في اسرائيل عقب هزيمتها في حرب 2006) لأن القول بعدم انتصار المقاومة هي وجهة نظر الموالاة. أضف الى ذلك أن سياق التحليل يوحي وكأن الادارة الأمريكية هي التي دافعت عن حزب الله ومنعت عنه الهزيمة! وبذلك توظف حرب غزة في الخلافات الداخلية اللبنانية وتصبح حماس وحرب اسرائيل على غزة هي من ضمن اللعبة السياسية اللبنانية الداخلية، ويصبح من الأهمية بمكان ضرورة استمرار انقسام الساحة الداخلية اللبنانية، وتصبح بالتالي مسألة نصرة غزة والقضية الفلسطينية خاضعة للتجاذبات الداخلية، وتخسر صفتها التي تتجاوز الطوائف والمذاهب، وتخسر بالتالي صفتها الجامعة.
وفي تحليل آخر،(فالدكتور السيد نشيط جداً ومنظر من الطراز الأول) حيث هاله موقف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من الجرائم الاسرائيلية بالرغم من أن تركيا هي عضو في الحلف الأطلسي (للتذكير فقط أن موقف الرئيس التركي كان عنيفاً في تحميل اسرائيل مسؤولية جرائمها في غزة، مضافاً الى اعلانه أنه يحمل وجهة نظر حماس الى المنظمة الدولية وتأكيد حماس على تمثيل الرئيس التركي لها). ان هذا الموقف من الرئيس التركي لعب دوراً كبيراً في تعرية الأنظمة العربية التي تدور في المحور الأمريكي مما دفع الدكتور للتحدث عن هذا الموضوع فاعتبر بشكل ما أن هذا الموقف من الرئيس أردوغان "يشير الى أن أردوغان نفسه قد تكون له اهتمامات ومطامح سياسية باعتباره رجل دولة كبيراً". وحيث أن الدكتور السيد وجد أن هذه الحجة واهية وغير مقنعة أنهى مقالته مستسلماً، حيث أنه لا يمكن الدفاع عن زعماء المعسكر الذي ينتمي اليه قائلاً: " لست فرحاً بتسلُّم إيران زمام وراية الكفاح من أجل فلسطين، ولا بتسلُّم أو تقدم تركيا لتسلُّم راية السلام، ونُصرة الإسلام السياسي في فلسطين والعالم العربي. لكنني لست فرحاً أيضاً بهذا المخاض المؤْسي الذي نغرق فيه، والذي يكاد يبدو قعره السحيق في مأساة غزة، ومع الإسلام السياسي هذه المرة، ومع الأنظمة والتنظيمات في كل مرة. ولا حول ولا قوة إلا بالله".
أما على المقلب الآخر، مقلب المعسكر الذي يعتبر نفسه منتمياً الى المقاومة وأعداء أمريكا، فلم يكن تعاطيه مع قضية العدوان على غزة أفضل من الطرف الآخر. فالقضية، قضية العدوان على غزة،على أهميتها، حيث أنها سوف تطال الساحة اللبنانية في نتائجها من دون أدنى شك، تعومل معها على أنها خلاف ما بين معسكر الرابع عشر من أذار و معسكر الثامن منه. فراح كتاب هذا المعسكر يلاحقون حركة المعسكر الآخر عوضاً عن التفكير فيما يمكن أن ينصر المقاومة في لبنان. فهذا "نادر فوز" في جريدة "الأخبار" يكتب عن العلاقة بين "حماس" و تيار "المستقبل" :" ورغم هذا الاختلاف بين حماس وتيار المستقبل، لا يتردّد أحد المتابعين في التأكيد على تميّز العلاقة بين الحركة والنائبة بهية الحريري، «التي تعطي اهتماماً خاصاً بالفصائل الفلسطينية». ربما بحكم منطقة «انتداب» السيدة الحريري، في صيدا حيث لا هروب من ضرورة الانفتاح والتحاور مع الفصائل كافة في مخيّم عين الحلوة. أما عن العلاقة ما بين السيد وليد جنبلاط فالسيد فوز يعرف لماذا، سواء من ناحية "حماس" أو من ناحية "جنبلاط". فهو يقول:" وإذا كانت القوات اللبنانية ممحوة عن الجدول السياسي لحركة حماس، فالعلاقة مع الحزب الاشتراكي عادية. ولا يرى الحمساويون في الخطاب الأخير للنائب وليد جنبلاط إلا مسعى لكسب تأييد سنّة الشوف، وزيادة اقتناعه بخيارات محور «الاعتدال» اللبناني قبيل الانتخابات النيابية المقبلة".
أما عن كيفية تعامل هذه الوسيلة الاعلامية المرتبطة بمعسكر ما يسمى بالمعارضة، مع قضية الصواريخ فكان جذابا. فقد اعتبر السيد ابراهيم الأمين:" بمعزل عمن يقف خلف هذه العملية، وبمعزل عن أهدافه المباشرة أو غير المباشرة، وبخلاف ما يتوقعه الآخرون من نتائج لهذه العملية، فإن النتيجة العملية الأساسية هي أن الصواريخ محت كل جهود الطمأنة المجانية التي تطوّع لبنانيون لتقديمها إلى إسرائيل مباشرة أو غير مباشرة. وهذا بحد ذاته يمثّل الإنجاز الذي تخشاه إسرائيل في هذه اللحظة، حتى لو كانت تبيّت لعدوان كبير على لبنان. وعندما تقرر ذلك، لن تنتظر أي ذريعة".
وفي نفس العدد نرى السيد نقولا ناصيف يتعامل مع نفس القضية تعامل أمني تعجز عنه كل المخابرات فهو قد قدم وصفا دقيقا لهم (لمطلقي الصواريخ) لا ينقصه سوى ذكر أسمائهم. وقد غاب عن ذهنه الموقف الجديد لرئيس التحرير فقد تعامل معهم على أنهم ارهابيون كما درجت جريدة الأخبار على اتهام كل المجموعات السنية المعادية لأمريكا ما عدا "جبهة العمل الاسلامي". وكتب قائلا:" القصد من نصب الصواريخ السبعة، وفي ما بعد إطلاق الصواريخ الأربعة، توجيه رسالة سياسية إلى إسرائيل مفادها أن المتشدّدين الناشطين في أكثر من منطقة في لبنان في وسعهم التحرّك في الجنوب أيضاً، واختراق الاستقرار الذي يوفره القرار 1701 للحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية وشمال الدولة العبرية خصوصاً، وكذلك اختراق وجود ألوف من جنود الجيش اللبناني والقوة الدولية من أجل الإيحاء بالقدرة على توجيه تهديد جدّي لإسرائيل على متن صواريخ. ولم تحتمل الرسالة في أي حال، وفق التقويم الذي أجرته الأجهزة الأمنية اللبنانية والقوة الدولية، إشعال الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية بما يتخطى الحادث العابر، ولا يملك هؤلاء القدرات والإمكانات التي تتيح لهم استدراج لبنان إلى حرب جديدة مع إسرائيل ترفضها الحكومة اللبنانية وحزب الله والأفرقاء اللبنانيون جميعاً. بذلك بدت الرسالة المقتضبة تجاوباً مع ما أطلقه الرجل الثاني في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، يوم 6 كانون الثاني، بدعوته المسلمين إلى مهاجمة أهداف إسرائيلية وغربية في أي مكان ردّاً على حرب غزة".
وبذلك يكون السيد نقولا ناصيف قد طمأن اسرائيل،بالرغم من معارضة رئيس التحرير، أنه لا يوجد أي طرف لبناني يريد أن يعتدي على اسرائيل الا الطرف الارهابي التابع للقاعدة والذي يعرفه السيد ناصيف جيدا، والذي نعاديه جميعا.
أما السيد أسامة سعد فقد كان موقفه مختلفا، فهو قال على مراى من جميع الناس أنه غير مستعد لادانة أية رصاصة تطلق على اسرائيل.
لا داعي للاطالة أكثر فقد بات واضحا أن التعامل على الساحة اللبنانية مع قضية العدوان الاسرائيلي على غزة ليس على مستوى الحدث.
أما انعكاسات العدوان الاسرائيلي على غزة، فهو يرتبط من وجهة نظرنا بالغاية من وراء هذا العدوان. فتوفيق الهندي وهو كاتب معروف بانتمائه الى خط القوات اللبنانية بعد انفصالها بقيادة سمير جعجع، ويقال أنه كان يساريا قبل انتقاله الى القوات! فهو راديكالي اذن. يقول السيد الهندي عن الغاية من العدوان الاسرائيلي:" بات واضحاً ما هو الهدف الإسرائيلي من هذه الحرب فهو يتلخص بسعي إسرائيل لخلق واقع عسكري يفرض ميزان قوى على الأرض يحول دون تمكن "حماس" من إطلاق صواريخها على الأراضي الإسرائيلية، ولا سيما الجنوبية منها، كما يحول دون تمكنها من القيام بعمليات إستشهادية داخل إسرائيل. ولا شك في أن إسرائيل تعلم أنه ليس بمقدورها لأسباب متعددة "شطب" "حماس" من المعادلة الفلسطينية، فضلاً عن أن هذا "الشطب" قد لا يكون بمصلحتها (وهنا ينصح السيد هندي اسرائيل) لأنها قد تريد الإبقاء على الصراع الفلسطيني - الفلسطيني قائماً لكي لا تضطر للسير بالعملية السلمية الآيلة إلى إقامة الدولة الفلسطينية". (النهار 10 – 1 – 2009 )
أما السيد روبرت فيسك الكاتب البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الاوسط فيرى الغاية من العدوان الاسرائيلي ما يلي:" ويدل ذلك بوضوح على أهداف حرب إسرائيل الحقيقية، إذ يكمن هدفها في القضاء نهائيا على التطلعات الفلسطينية القومية، ليتسنى لها الاستمرار في امتصاص أراضي الضفة الغربية من خلال توسيع المستوطنات، كما فعلت منذ حرب العام 1967. وقد تتحول الأجزاء الصغيرة المنفصلة عن الضفة الغربية التي لا تستطيع إسرائيل أو لا ترغب في هضمها إلى محميات هادئة. وسيتمّ إجبار سائر الشعب الفلسطيني على الصمت أو الرحيل إلى الأردن.
ويبدو أن إسرائيل التي لن تنهي احتلالها للأراضي الفلسطينية، وهو ما يعتبر مصدر المشكلة كلها، تحاول أن تستولي على أراضٍ إضافية. فقد دفعها إنكارها للحقوق الفلسطينية وعطشها للتوسع إلى تجاهل كل اعتبارات الشرعية والأخلاق.
ولا يكمن هدف إسرائيل بالتالي في إيقاف صواريخ القسام، بحسب الذريعة التي استخدمتها لشن الحرب، بل القضاء على حركة «حماس» بالكامل. ويبدو أنها تعتقد بأن القضاء على «حماس» في غزة مهما كلف الثمن على صعيد تدمير حياة الفلسطينيين، سيضع حدا للمقاومة الفلسطينية المسلحة. هذا هو الرهان الوحشي الذي وضعه كل من ليفني وباراك ورئيس الوزراء المستقيل إيهود أولمرت نصب أعينهم".(الحياة 10 – 1- 2009 ) (يبدو أن السيد فيسك يملك شعورا بالانتماء لأمتنا أكثر بكثير من المنتمين جينيا لهذه الأمة).
ان لهذه الحرب التي تشنها اسرائيل على غزة أهداف متعددة، منها:
1- ابادة ما تتمكن اليه سبيلا من الشعب الفلسطيني. تجمع الناس في مكان آمن ثم تقصفهم. يجمع أهل الصحافة أنهم لم يعرفوا قصفا بهذا الاجرام على الأهداف المدنية، كما أنهم يصفونها بأنها الحرب الأعنف التي رأوها. فالأهداف مدنية: أي القتل من أجل الابادة. لنتذكر جابوتنسكي.
2- القضاء على "حماس" وعلى كل فكر مقاوم. اسرائيل تعلم أنه لامقام لها في وطننا اذا لم تقض وبشكل نهائي على كل فكرة للمقاومة. وهذا يستتبع ما طلبته الادارة الأمريكية عقب أحداث الحادي عشر من أيلول من تغيير للمناهج الدراسية بحيث تشوه الفكر والاعتقاد الاسلامي الذي يرفض العبودية لغير الله ويرفض التبعية للطواغيت.
3- ان انتصار اسرائيل على المقاومة في غزة سوف يستتبع اعتداء حتميا على لبنان بقصد القضاء على "حزب الله" لأنه ما من أحد يقبل بنصف انتصار في السياسة. والا فان ذلك سوف يؤدي الى هزيمة مستقبلا نتيجة تغير الظروف. ولكن الوضع الراهن يظهر أنه ليس بامكان اسرائيل الانتصار على المقاومة في غزة. أما أن تحقق المقاومة انتصارا حاسما على اسرائيل فهذا ليس حتميا لأن الظروف المحيطة غير مؤاتية. فالمعركة مفتوحة على مصراعيها، وهذا ما يقلل بالتالي حظوظ الاعتداء على لبنان.
4- ما تريده اسرائيل أيضا القضاء على كل تفكير باقامة دولة فلسطينية، تملك مقومات الدولة، حتى تتمكن من التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والاستيلاء على المياه والأراضي الصالحة للزراعة.
هذه بعض الأهداف التي تعمل من أجلها اسرائيل. أما عن اختيار الظرف المناسب وهو تبدل الادارة الأمريكية فهذا العامل ليس له أي حظ من الأهمية. والمناسب لاسرائيل هو انقسام الصف العربي والاسلامي، واتجاه أكثر الأنظمة في المسار الذي حددته الادارة الأمريكية. فما أن بدا بصيص من تقاطع في المصالح بين أمريكا والمعسكر الممانع بين الدول الاسلامية حتى شنت هذه الأخيرة الحرب الشعواء على الارهاب الموجه بالدرجة الأولى ضد المصالح الأمريكية من غير أن تدرس وبروية نتيجة هذه الحرب على الساحة الاقليمية. ولا يمكنني أن أؤكد أن الحرب على غزة هي من نتائجها.

هل ماتقوم به الساحات العربية كاف لنصرة غزة ومقاومتها؟
صحيح أن المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات ترفع معنويات الشعب المحاصر والمقاتلين المجاهدين ولكن ما الفرق بين المظاهرة التي تجري في فرنسا والمظاهرة التي تجري في دمشق أو بيروت أو القاهرة؟ ان لم يكن هناك من فرق، فأين تظهر قيمة الانتماء الى أمة واحدة أو عقيدة واحدة ان لم تظهر في الممارسة العملية التي تبين قيمة هذا الانتماء؟
ان كل نصرة لغزة ومقاومتها من قبل المنتمين لأمتنا لا تؤدي الى ارباك العدو لايمكن تصنيفها بالنصرة الكافية. وحتى لا يشكل الأمر على أحد، أقول أن النصرة العسكرية هي أحد الأشكال. ولا يعتقدن أحد أنني سوف أرفع الصوت عاليا وأتوجه بالخطاب للسيد حسن نصر الله وأسأله عن صواريخ المقاومة. هذا ليس من مهماتي تحديده ولا أدعي امتلاكي للفكر الاستراتيجي الذي يمكنني من أن أطلب ذلك. ولكن ما يمكننا قوله من الناحية النظرية أن الظرف السياسي هو الذي يحدد كيفية النصرة. ولكن يجب أن تربك العدو والا ليست نصرة كافية.
هنا لا بد من السؤال التالي: ما هو دور مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والأردن وسوريا في نصرتهم لأهلنا في غزة وللمقاومة؟ هل التظاهر في المخيمات أو عمان أودمشق يربك العدو الاسرائيلي ويجبر هذا العدو على تشتيت قواته للتخفيف عن اخواننا المجاهدين في غزة؟ ألا يوجد أي نوع من النصرة السلمية وأشدد على الصفة السلمية للنصرة، يمكنها أن تربك العدو الاسرائيلي؟ لا أعتقد. " فمن أراد الخروج لأعد له عدة".
أعود الى لبنان وأضم صوتي الى صوت السيد حسن نصر الله بأنه لاخيار لحماية شعبنا الا خيار المقاومة. ولكن علي أن أضيف أن المقاومة لا بد أن تصبح مقاومة متجاوزة للطوائف. والجواب على هذا الكلام لا يكون بأننا لا نمنع أحد من المقاومة انما يكون ببناء للمستقبل يضع مخططا استراتيجيا لتحويل المقاومة الى مقاومة شعب. مخطط لا يسيء بأي شكل من الأشكال للتنظيم المقاوم القائم اليوم والا نكون كمن يقدم خدمة مجانية للعدو.
أما بالنسبة لغزة فما علينا الا أن نعتبر قضية غزة ذات أولوية بحيث نخضع خلافاتنا المحلية لمصلحة نصرتها، لا أن نعتبرها احدى القضايا الخلافية حتى نحولها الى قضية تافهة كتعيين حاجب في احدى الوزارات. وما علينا الا النظر الى قضية غزة كما يراها الرئيس الدكتور سليم الحص:" وليكفّ أصحاب المشاريع العقيمة عن التعاطي مع غزة وكأنها مجرّد مشكلة أمنية، تنتهي بوقف إطلاق النار ومراقبة تنفيذه. متى سيدرك هؤلاء أن غزة قضية، قضية مصير وطني وقومي. فلتكن مشاريع الحل على هذا المستوى من الفهم للحرب الدائرة.
ختاماً فلنعترف أن بعض مظاهر القضية تغلب عليها خصوصيات المشكلة، ومنها التشريد والتشتت والبطالة وسواها. وقد أفلح مناصرو الصهيونية من قوى العالم في تغليب خصوصيات المشكلة على القضية عبر حقبة طويلة من الماضي واستخدام وجه المشكلة ليطغى على وجه القضية. فجاءت معظم مشاريع الحل للمشكلة وليست للقضية. ويريدوننا أن نصدق أنها مشكلة وليست قضية. لن يكون ذلك مهما سعوا وحاولوا. ولكن الواقع أن الصهيونية وحلفاءها استطاعوا أن يشغلوا الشعب الفلسطيني بمشكلته عن قضيته إلى حد ما. كما نجحوا في شغل الشعوب العربية بمشاكلها عن قضاياها".(السفير 10 -1 -2009) .

الأحد، 4 يناير 2009

الاغتراب في الخطاب الاسلامي

الاغتراب في الخطاب الاسلامي


الاغتراب كمصطلح لا وجود له في الخطاب الاسلامي؛ ولكن حيث أن هذا المصطلح أصبح مستخدماً في الخطاب الاسلامي المعاصر (أو العصري) رأيت أن أقوم باطلالة عليه. ولا أخفي أن من دوافعي هذه الحالة من الاستلاب أو الاغتراب الذي يعيشها عالمنا العربي والاسلامي، الاغتراب بالمعنى الغربي للاغتراب أو الاستلاب، وقد سبق أن عرفنا هذين المصطلحين في دراستنا السابقة عن الاغتراب في المفهوم الماركسي والتي يجدها القارىء على: hassanmallat.blogspot.com
ان من أسوأ المظاهر لهذه الظاهرة هي شعور العربي وكأنه مسلوب التاريخ، وكأنه يعيش وحده لا ينتمي الى أمة أو الى شعب أو الى حضارة. هذا النمط من الشعور هو الذي يجعل الانسان العربي مغترباً، أو بالتعبير الذي نحتاجه كثيراً والذي سنستعيره من المفكر الفذ الأستاذ مالك بن نبي، وأعني "القابلية للاستعمار". القابلية للاستعمار هي التعبير الاجتماعي والسياسي للاغتراب على الصعيد المجتمعي وليس على الصعيد الفردي فقط. وللتوضيح أكثر دعونا نأخذ مثالاً واحداً: الشعب الفيتنامي طرد اليابانيين والفرنسيين والأمريكان ولم تتمكن أية قوة استعمارية من الاستقرار في بلاده، وهذا يعني بتعبير مالك بن نبي أن الفييتناميين ليس لديهم القابلية للاستعمار. فهذا الشعب لم يتنكر للمقاومة الشعبية للمحتل وهلل للحذاء كما يفعل مثقفونا اليوم الذين يهللون لحذاء أحد الذين لم يتحملوا رؤية ممثل الاحتلال في بلدهم ويتنكرون للمقاوم الذي يستشهد في كل يوم لطرد هذا المحتل. فالمغترب في هذا المثال هو المقاوم وليس الآخرين. ما تقدم هو من العوامل التي دفعتني للكتابة أيضا. أما العامل الأهم هو ما أراه من اغتراب الانسان المسلم عن فطرته التي فطره الله عليها، عن "لا اله الا الله".
جاء في لسان العرب لابن منظور أن التغرب يعني البعد والاغْتِرابُ والتغرُّب كذلك تقول منه تَغَرَّبَ واغْتَرَبَ وقد غَرَّبه الدهرُ ورجل غُرُب بضم الغين والراء وغريبٌ بعيد عن وَطَنِه الجمع غُرَباء والأُنثى غَريبة. و استلب تأتي بمعنى سلب والاستلاب يعني الاختلاس. وهكذا نرى بأن المعنى الذي سبق وأن رأيناه للاغتراب أو الاستلاب لا نجده في معاجمنا. ولكننا نجد تعبير الغريب والغرباء والغربة. وسوف نقتصر في بحثنا هذا على ما جاء عند "ابن باجة" في "رسالة تدبير المتوحد" وعلى ما جاء عند "ابن القيم الجوزية" في كتابه"مدارج السالكين".
جاء في رسالة "ابن باجة"في "تدبير المتوحد" ثلاثة فصول:
1 – معنى التدبير.
2 – في الأفعال الانسانية.
3 – القول في الصور الروحانية.
يتحدث عن تدبير المدن فيقول:"فأما تدبير المدن فقد بين أمره فلاطن في السياسة المدنية و بين ما المعنى منه ومن أين يلحقه الخطأ".
تحدث عن خمسة أنواع من المدن: الكاملة وهي الفاضلة وأما المدن الباقية فهي ليست فاضلة وهي المدينة الجاهلية ومدينة الكرامة والمدينة الجماعية ومدينة التغلب. أما "المدينة (الفاضلة) الكاملة قد أعطي فيها كل انسان أفضل ما هو معد نحوه وأن آراءها كلها صادقة وأنه لا رأي كاذباً فيها وأن أعمالها هي الفاضلة بالاطلاق وحدها". ويستنتج "أن رأي غير رأيها يحدث في المدينة الكاملة فهو كاذب، وكل عمل يحدث فيها غير الأعمال المعتادة منها فهو خطأ".
"أما في المدن الأربع فقد يمكن ذلك" و"أما من وجد عملاً أو تعلمه علماً صواباً لم يكن في المدينة، فليس لهذا الصنف اسم يعمه. فأما من وقع على رأي صادق لم يكن في تلك المدينة أو كان فيها نقيضه هو المعتقد، فانهم يسمون بالنوابت. وكلما كانت معتقداتهم أكثر وأعظم موقعاً، كان هذا الاسم أوقع عليهم. وهذا الاسم يقال عليهم خصوصاً وقد يقال بعموم على من هو يرى غير رأي أهل المدينة كيف كان صادقاً أو كاذباً، فلنخص نحن بهذا الاسم الذين يرون الآراء الصادقة".
ويضيف: "فبينّ أن من خواص المدينة الكاملة أن لا يكون فيها نوابت، اذا قيل هذا الاسم بخصوص، لأنه لا آراء كاذبة فيها، ولا بعموم، فانه متى كان، فقد مرضت وانتقضت أمورها وصارت غير كاملة. والسير الأربع قد وجد فيها النوابت، ووجودها هو سبب حدوث المدينة الكاملة". ويتحدث عن النوابت السعداء: "وكأن السعداء ان أمكن وجودهم في هذه المدن فانما يكون لهم سعادة المفرد. وصواب التدبير انما يكون تدبير المفرد، وسواء كان المفرد واحداً أو أكثر من واحد، ما لم يجتمع على رأيهم أمة أو مدينة. وهؤلاء هم الذين يعنيهم الصوفية بقولهم الغرباء، لأنهم، وان كانوا في أوطانهم وبين أترابهم وجيرانهم غرباء قي آرائهم...".
أما الآن فسوف نستعرض ما يقوله ابن باجة في كيفية القضاء على هذا الاغتراب، أو بالأحرى ما فهمنا أنه قصد القضاء على الاغتراب. يقول: "ونحن في هذا القول نقصد تدبير الانسان المتوحد. وبينّ أنه قد لحقه أمر خارج عن الطبع، فنقول كيف يتدبر حتى ينال أفضل وجوداته، كما يقول الطبيب في الانسان المنفرد في هذه المدن كيف يتوحد حتى يكون صحيحاً، اما بأن تحفظ صحته، ... واما بأن يسترجعها اذا زالت... . كذلك هذا القول هو للنابت المفرد، وهو كيف ينال السعادة اذا لم تكن موجودة، أو كيف يزيل عن نفسه الأعراض التي تمنعه عن السعادة أو عن نيل ما يمكنه منها، اما بحسب رويته أو بحسب ما استقر في نفسه. وأما حفظها فذلك شبيه بحفظ الصحة. فلا يمكن". ويصل الى أن المدينة الكاملة هي الحل. ولكنه في فصل آخر معنون "القول في الصور الروحانية" فيرى الآتي: "والمتوحد الظاهر من أمره أنه يجب عليه أن لا يصحب الجسماني ولا من غايته الروحانية المشوبة بجسمية، بل انما يجب عليه أن يصحب أهل العلوم. ولكن أهل العلوم يقلون في بعض السير ويكثرون في بعض، حتى يبلغ في بعضها أن يعدموا. ولذلك يكون المتوحد واجباً عليه في بعض السير أن يعتزل عن الناس جملة ما أمكنه، فلا يلابسهم الا في الأمور الضرورية، أو بقدر الضرورة، أو يهاجر الى السير التي فيها علوم، ان كانت موجودة". انتهى.
نلخص ما تقدم:
1 – النوابت أو الغرباء يوجدون في غير المدينة الفاضلة.
2 – آراؤهم اما أن تكون صحيحة أو كاذبة.
3 – اذا حددنا أن الغرباء هم أصحاب الآراء الصحيحة، فالحل لغربتهم يكون في المدينة الفاضلة أو بالهروب والعزلة.
4 – أخيراً، الغرباء هم أصل التغيير في المجتمع، وذلك بتحويل المدن الفاسدة الى مدن فاضلة.
***
وهاكم الآن استعراض لرأي ابن القيم الجوزية بال"غربة" و"الغرباء" و"الاغتراب" كما ورد في كتابه"مدارج السالكين".
يبدأ عرض الامام بقوله تعالى"فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض الا قليلاً ممن أنجينا منهم". (هود 116)
فان الغرباء في العالم هم أهل هذه الصفة المذكورة في الآية الكريمة. وهم الذين أشار اليهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "بدأ الاسلام غريباً. وسيعود غريباً كما بدأ. فطوبى للغرباء. قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون اذا فسد الناس". وقال الامام أحمد: "طوبى للغرباء. قالوا: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: الذين يزيدون اذا نقص الناس". (اذا كان الحديث بهذا اللفظ وليس "الذين ينقصون اذا زاد الناس" فمعناه): الذين يزيدون خيراً وايماناً وتقىً اذا نقص الناس من ذلك والله أعلم.
وفي حديث الأعمش: "طوبى للغرباء. قيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: ناس صالحون قليل في ناس كثير. من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم".
وقال أحمد في حديث يصل الى عبد الله بن عمرو عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ان أحب شيء الى الله الغرباء. قيل ومن الغرباء؟ قال: الفرارون بدينهم. يجتمعون الى عيسى بن مريم عليه السلام يوم القيامة".
وفي حديث آخر: "قيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس".
عن عمر بن الخطاب عن معاذ بن جبل قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان الله يحب الأخفياء الأحفياء الأتقياء الأبرياء. الذين اذا غابوا لم يفتقدوا. واذا حضروا لم يعرفوا. قلوبهم مصابيح الهدى. يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة".
فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون. ولقلتهم جداً في الناس: سموا "غرباء". فان أكثر الناس على غير هذه الصفات. وأهل العلم في المؤمنين غرباء – (في الحاشية: وهل يكون ايمان صادق بلاعلم؟ أو يكون ايمان صادق بلا محاربة للبدع والأهواء؟ دعوة الى هدى الله وجهاد في سبيله وطاعة رسوله، وصبر على الأذى في مرضاته). وأهل السنة – الذين يميزونها من الأهواء والبدع – فهم غرباء. والداعون اليها الصابرون على أذى المخالفين، هم أشد هؤلاء غربة. ولكن هؤلاء هم أهل الله حقا. فلا غربة عليهم. وانما بين الأكثرين الذين قال الله عز وجل فيهم: "وان تطع أكثر من في الأرض يضلونك عن سبيل الله". (الأنعام 116) فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه. وغربتهم هي الغربة الموحشة. وان كانوا هم المعروفين المشار اليهم.
فالغربة ثلاثة أنواع: غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق. وهي الغربة التي مدح أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين قوم دون قوم. ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقا. فانهم لم يأووا الى غير الله. ولم ينتسبوا الى غير رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يدعوا الى غير ما جاء به... .
ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: التمسك بالسنة اذا رغب عنها الناس. وترك ما أحدثوه وان كان هو المعروف عندهم. وتجريد التوحيد. وان أنكر ذلك أكثر الناس. وترك الانتساب الى أحد غير الله ورسوله، لا شيخ، ولا طريقة، ولا مذهب، ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون الى الله بالعبودية له وحده، والى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده.
ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم "هم النزاع من القبائل"، أن الله سبحانه بعث رسوله، وأهل الأرض على أديان مختلفة. فهم بين عباد أوثان ونيران، وعباد صور وصلبان، ويهود وصابئة وفلاسفة. وكان الاسلام في أول ظهوره غريبا. وكان من أسلم منهم، واستجاب لله ولرسوله: غريباً في حيه وقبيلته وأهله وعشيرته.
فكان المستجيبون لدعوة الاسلام نزاعاً من القبائل. بل آحاداً منهم. تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم. ودخلوا في الاسلام. فكانوا هم الغرباء حقاً. حتى ظهر الاسلام وانتشرت دعوته. ودخل الناس فيه أفواجاً. فزالت تلك الغربة عنهم. ثم أخذ في الاغتراب والترحل، حتى عاد (الاسلام) غريباً كما بدأ. بل الاسلام الحق – الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه – هو اليوم أشد منه غربة منه أول ظهوره. وان كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة. فالاسلام الحقيقي غريب جداً. وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس.
... فان نفس ما جاء به (الاسلام) يضاد أهواءهم ولذاتهم ("هم" تعود الى المسلمين المغتربين عن فطرتهم، عن الاسلام الحق) وما هم عليه من الشبهات والبدع التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم، والشهوات التي هي غايات مقاصدهم واراداتهم.
فكيف لا يكون المؤمن السائر الى الله على طريق المتابعة غريباً بين هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم، وأطاعوا شحهم، وأعجب كل منهم برأيه؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مروا بالمعروف. وانهوا عن المنكر. حتى اذا رأيتم شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً، ودنيا مؤثرةً، واعجاب كل ذي رأي برأيه. ورأيت أمراً لا يد لك به. فعليك بخاصة نفسك. واياك وعوامهم. فان وراءكم أياماً صبر الصابر فيهن كالقابض على الجمر". ولهذا جعل للمسلم الصادق في هذا الوقت – اذا تمسك بدينه- أجر خمسين من الصحابة. ففي سنن أبي داود والترمذي – من حديث أبي ثعلبة الخشني – قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم".(المائدة 105) فقال: بل ائتمروا بالمعروف. وتناهوا عن المنكر. حتى اذا رأيت شحاً مطاعاً... الى آخر الحديث. وهذا الأجر العظيم انما هو لغربته بين الناس، والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم. ويضيف واصفاً المؤمن الحق: ... فهو غريب في دينه لفساد اديانهم، غريب في تمسكه بالسنة، لتمسكهم بالبدع. غريب في اعتقاده، لفساد عقائدهم. غريب في صلاته، لسوء صلاتهم. غريب في طريقه، لضلال وفساد طرقهم ... وبالجملة: فهو غريب بأمور دنياه وآخرته ... داع الى الله ورسوله بين دعاة الى الأهواء والبدع. آمر بالمعروف، ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر والمنكر معروف.
النوع الثاني من الغربة: غربة مذمومة وهي غربة أهل الباطل ... وان كثر أهلها فهم غرباء... .
النوع الثالث: غربة مشتركة، لا تحمد ولا تذم وهي الغربة عن الوطن. فان التاس كلهم في هذه الدار غرباء. فانها ليست لهم بدار مقام ... وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: "كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل".
ماذا يقول ابن القيم بالاغتراب؟
يقول الامام: "الاغتراب: أمر يُشار به الى الانفراد عن الأكفاء" يريد أن كل من انفرد بوصف شريف دون أبناء جنسه، فانه غريب بينهم. لعدم مشاركه، أو لقلته.
قال: "وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: الغربة عن الأوطان. وهذا الغريب موته شهادة. ويقاس له في قبره من مدفنه الى وطنه. ويجمع يوم القيامة الى عيسى بن مريم". وفي هذا اشارة الى حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام عن عبد الله بن عمرو قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب شيء الى الله الغرباء. قيل وما الغرباء يا رسول الله؟ قال: الفرارون بدينهم. يجتمعون الى عيسى بن مريم يوم القيامة".
قال: الدرجة الثانية: غربة الحال. وهذا من الغرباء الذين طوبى لهم. وهو رجل صالح في زمان فاسد، بين قوم فاسدين. أو عالم بين قوم جاهلين، أو صديق بين قوم منافقين.
قال: الدرجة الثالثة: غربة الهمة. وهي غربة طلب الحق. وهي غربة العارف. ... وغربة العارف: غربة الغربة. لأنه غريب الدنيا والآخرة. انتهى.
هذا أهم ما جاء به ابن القيم بالنسبة لموضوع الغربة والغرباء والاغتراب.
لنعد الآن الى تحديدنا للأزمة وهي اغتراب انساننا عن الفطرة: خلق الله الانسان واستخلفه على هذه الأرض مركزاً فيه أنه لا اله الا الله وهذا ما أسميناه الفطرة. وقد بعث الله النبيين والرسل لتذكير الناس بفطرتهم، بعهدهم، بميثاقهم مع الله. هذا الميثاق هو توحيد الله عز وجل.
وحيث أن الانسان معرض للزلل وباستمرار وهذا يعني بأنه معرض وبشكل مستمر للعدول عن مسار الفطرة، الصراط المستقيم اللحظوي. لذلك على الانسان العودة الى الذكر الطمأنينة حتى ييعود الى فطرته. وهذه العملية لانهائية الا على الصعيد الفردي، تنتهي بانتهاء حياة الفرد.
فمسار الفطرة هو صراع يومي ودائم مع الشهوة ومع الهوى. الشهوة لامتناهية وكذلك الصراع معها دائم. ومن خلال صراع المسلم الحق مع جميع مضاداته: الشهوة، الشرك، الكفر، الهوى...الخ يجد المسلم الصراط المستقيم مستعيناً بالله، مهتدياً بسنة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.
حسن ملاط

نقلا عن
www.binnabi.net

الخميس، 30 أكتوبر 2008

مقدمة في تعليم القراءة للمبتدئين

مقدمة في تعليم القراءة للمبتدئين

مسألة تعليم القراءة ليست مستجدة، فتعليم القراءة ابتدأ منذ اختراع الحرف. ولكن تطور العلوم هو الذي أدى الى تطور النظر الى تعلم أو تعليم القراءة.
سوف نتحدث أولاً عن تأثير علم النفس في تعليم القراءة للمبتدئين. وما نتحدث عنه هو ما قام به فرع من علم النفس وهو فرع التحليل النفسي.
من المعروف تقليدياً أن ارتباط التعليم بعلم النفس يمر بعلم النفس التربوي (البيداغوجي) Psychopédagogie، أو علم النفس المعرفي،Psychologie cognitive ولكن أن نتحدث عن التحليل النفسي Psychanalyse فهذا أمر مستجد. ولكن يمكنني أن أؤكد أن الأفكار التي اكتسبناها من هذه الأبحاث ترتدي أهمية كبيرة في ميدان تعليم القراءة للمبتدئين. وأهم هذه الأبحاث تلك التي قام بها المحلل النفسي، Jacques Lacan . وقد ساعدت أبحاثه في تطوير الأفكار التربوية الهامة عند Françoise Dolto أيضا. وسوف نستعرض الآن وعلى وجه السرعة أهم هذه الأفكار.

1 – حتى يتعلم الطفل يجب أن يكبر. فتعلم القراءة مرتبط ارتباطاً يكاد يكون شرطياً بالنضوج النفسي Maturité عند الطفل ( وهذا هو المقصود بضرورة أن يكبر). فبقدر ما يتأمن النضوج عند الطفل بقدر ما يكون هذا الطفل مستعداً للتعلم.
2 – حتى يتعلم الطفل يجب أن يكون لديه أي (الطفل) الرغبة بالتعلم. ما من أحد يمكنه أن يعلم انساناً لا يرغب في التعلم. لذا على المعلم أن يوجد جواً تعلمياً يساعد على خلق الرغبة بالتعلم عند الطفل.
3 – المسافة الرمزية Distance symbolique: اذا ظل الطفل مرتبطاً بأمه (أو بمن يقوم مقامها) فسوف يعيق نضوجه. لذا يجب ايجاد مسافة (مسافة رمزية) بين الطفل وأمه حتى يتمكن الطفل من الانفتاح على القراءة. أو بصيغة أخرى، حتى تصبح القراءة حاجة له، عليه تأمينها حتى تقوم بالتالي أي القراءة بتأمين ما يتطلبه الطفل. ان وجود هذه المسافة هو الذي يجعل الطفل يتخلى تدريجيا عن أمه. أمه التي تؤمن له جميع متطلباته. الانفتاح على القراءة يتطلب جهدا يقوم به الطفل ، كما و يتطلب استقلالية نسبية Autonomie. أما الرمزية فهي التي ستجعل الطفل ينفتح مستقبلا على الرموز: رموز اللغة Symboles .
4 – الفرق أو لنقل التباين la différence على الطفل أن يعي أن هناك فرقا بينه وبين أمه، أو لنقل تباينا فهو ليس أمه وأمه ليست هو. أي أنه ليس هناك تماهيا بينه وبين أمه. هذا الشعور أو الوعي أو القبول من الطفل هو الشرط الأول لاستقلاله عن أمه أي لقبوله القيام بجهد ما حتى ينفتح على أي نوع من النشاط ومن ضمنها الجهد الذي عليه القيام به للتعلم. علينا أن نكون على يقين أن بعد الطفل عن أمه سوف يسبب له الأسى. ان الدور الذي تقوم به الأم بالنسبة للطفل لا يمكن استبداله ولا الاستغناء عنه، أضف الى ذلك أن البعد عن الأم أو القبول بالتباين يعني حتما الانفتاح على عالم مجهول من الطفل عالم سوف يسبب له الأسى لأنه يجهله.
5 – القبول بوجود الآخر la présence du tiers ان أول آخر يتعرف عليه الطفل هو الأب. من هنا على الأب أن يعلم أن عليه لعب دور الآخر. الآخر يعني بالنسبة للطفل أن هناك عالما آخر لا يقتصر عليه هو وأمه. فاذا تمكن الأب أن يلعب هذا الدور فسوف يجد الطفل سهولة بالانفتاح على العالم الخارجي، أي البعد عن أمه، أي القيام بجهد لتأمين متطلباته ، تلك المتطلبات التي تقوم الأم عادة بتأمينها من غير طلب من الطفل. الاستقلال عن الأم يكلف الطفل جهدا، وكذلك الانفتاح على القراءة وتعلم رموزها.
5 – التخلص من هيمنة التخيلي L’imaginaire : التخيلي يجعل الطفل يعتقد أنه بلمسة واحدة يمكنه تغيير العالم، كما تفعل الجنية أو الساحرة. فهي تحرك عصاها السحرية فتحصل على قصر أشبه ما يكون بقصور الملوك. وهيمنة التخيلي عند الطفل تجعله يعتقد أنه بامكانه أن يقرأ ساعة يشاء وأن يقرأ أيضا ما يشاء. ومن من المعلمين لم يصادف هذا النوع من الأطفال الذي يمسك بالكتاب ويبدأ بالقراءة. ولكن ماذا يقرأ؟ انه يقرأ من خياله وليس من الكتاب.
معرفة ما تقدم ضروري بالنسبة للمعلم لأنه يساعده على معرفة الطفل بشكل أفضل كما وأنه يساعد المعلم على التعامل الأفضل مع الطفل، التعامل الذي لايؤدي بالطفل الى أخذ فكرة سلبية عن المدرسة أو أي مؤسسة تعليمية أخرى.
بعد التزود بهذه المعارف يأتي دور اختيار الطريقة التي على المعلم أن يوصل من خلالها المعارف الى المتعلم. من المعروف أن هناك طريقتين لتعليم القراءة: الطريقة المجملة والطريقة التركيبية.
1- الطريقة المجملة ويندرج تحتها الطرق التي تبدأ بتعليم الطفل الجملة، أو الكلمة، أو الصورة أو القصة. ولا يظنن أحد أن الطريقة المختلطة لا تندرج تحت خانة الطرق المجملة. فجميع الطرق التي تعتمد التحليل للوصول الى الحرف هي في المحصلة طريقة مجملة، لأن انطلاقتها مجملة. واذا أحببنا أن نختصر فنقول أن كل طريقة تسمح للطفل بقراءة كلمة لا يعرف جميع مكوناتها تعتبر طريقة مجملة.
2- الطريقة التركيبية ويندرج تحتها الطريقة الهجائية والطريقة المقطعية والطريقة الصوتمية. وهذه الطرق يمكننا أن نطلق عليها اسم الطرق الطبيعية، ذلك أن الطرق المجملة لم يمر على استخدامها قرن من الزمان. وقد جاء استخدامها بناء لنظرية الجشطالت في علم النفس. وعندما نقول نظرية فهذا يعني أنها تحتمل الخطأ والصواب، أما عندما نقول أنها حقيقة علمية فهذا يعني أنه بامكاننا الفركون الى صحتها.
ها قد تعرفنا على طرق تعليم القراءة المستخدمة، فكيف لنا أن نختار الطريقة الفضلى؟ أو بصيغة أخرى هل هناك طرق صحيحة لتعليم القراءة وطرق خاطئة؟
ما المستجد على صعيد تعليم القراءة؟

 المعهد الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية في الولايات المتحدة NICHD (وهذا يعتبر أهم مركز في العالم في مجاله) وهو يعمل في مجال محاربة الأمية، وبالتالي التفتيش عن الطريقة المثلى في تعليم القراءة، توصل علماؤه الى الحقيقة التالية: ان الخيارات البيداغوجية تتحكم بمورفولوجية Morphologie الدماغ وبنيته structure، وتضغط أيضا وبشكل سلبي على نوعية المعارف، كما وتؤثر سلبا أيضا على نمو وتطور العملية المعرفية والذكاء.
كما وأن أهم ما توصل اليه هذا المركز هو الانتقال بعملية تعليم القراءة من مجال علم النفس الى مجال علم الأعصاب. كما وأنه نتيجة الأبحاث التي قام بها الحائز على جائزة نوبل R.W. SPERRY فقد تم البرهان على أنه يوجد في الدماغ مركزان الجزء الأيسر من الدماغ هو مركز التحليل وتشريح المعطيات و الجزء الأيمن الذي يأخذ الصورة ويتعرف عليها من خلال المقارنة. كما وأنه تم البرهان على أن الدماغ لا يقبل الكلمة كصورة، فهو يحللها الى عناصرها. وعناصر الكلمة هي أحرفها لذا علينا معرفة عناصرها. فمن المعروف أن هناك نوعين من اللغات: اللغة الألفبائية واللغة الرسموية وهي اللغة الصينية واليابانية القديمة، حيث أن هناك محاولة جادة لتحويل هذه اللغات الى ألفبائية.
ما أهمية ما تقدم بالنسبة لاختيارنا طريقة تعليم القراءة؟
عندما نعلم الطفل الكلمة على أنها "صورة" أي من دون أن نعلمه مكوناتها أي أحرفها نطلب منه قراءتها وتذهب الكلمة الى الدماغ الأيمن لأنه مسؤول عن معرفة الصور بالمقارنة أو بالتذكر ويجد (أي الدماغ الأيمن) أن هذه ليست صورة انما لها مكونات صوتمية يرفضها ويبعث بها الى الدماغ الأيسر المسؤول عن التحليل وحيث أنه (أي الدماغ الأيسر) لا يعرف مكوناتها تقع المشكلة أي مشكلة ايقاع الدماغ في التعثر وعدم امكانيته على القراءة. وحيث أن مهمتنا هي تعليم الطفل القراءة وليس مرافقته الى التعثر في القراءة من هنا تأتي أهمية معرفتنا بكيفة عمل الدماغ أو آلية عمله حتى نتمكن من اختيار الطريقة التي تسهل عمل الدماغ على تعلم القراءة، واختيارها.
 الدكتور Michèle Mazeau عالم نفس وأعصاب يقول: من وجهة نظر الكفايات الدماغية، لا نتعلم القراءة كما نتعلم الكلام، اللغة المكتوبة لا يمكن تعلمها الا بواسطة المبدأ الألفبائي الذي يصل كل شكل بصوت. فمن الضروري أن نعطي المفتاح للطفل منذ بداية التعلم.
 اذا كنا لا نعرف العمليات processus العقلية التي تتيح لنا أن نقرأ، فهذا لا يعني مطلقا عدم وجود هذه العمليات.
 التهجئة و المخزون اللغوي هما اللذان يتيحان للطفل أن يقرأ قراءة واعية.
 اذا أردنا مساعدة الطفل على بناء معرفته فلا خيار لنا الا باعطائه المفاتيح التي تمكن من ذلك: الأحرف والمؤالفة Combinatoire.
ويمكننا أن نستمر في السياق نفسه حتى تتضح الأفكار بشكل أفضل. اليكم ما يقوله العالم التالي: البروفيسور Lucien Israël لم يتردد بالكتابة أن المقاربة الاجمالية globale هي تفسير معكوس بالمطلق. لقد تم البرهان على أن مركز اللغة هو الجزء الأيسر من الدماغ : انه مركز التحليل وتشريح المعطيات.
من هنا فان الطريقة الكلية لا تعلم الطفل القراءة لأنها مخالفة لآلية عمل الدماغ.
 و اليكم هذه التجربة التي قامت بها "اليز تامبل" أجرت IRM f لعشرين طفلا عاديين وعشرين طفلا يعانون من الديسليكسيا قبل وبعد العلاج التعلمي الذي يرتكز على التمييز السمعي وعلى عمل من النمط المقطعي (syllabique ).
بعد العلاج أصبحت أدمغة الأطفال المرضى متقاربة مع أدمغة الأصحاء.
النتيجة:
ان تعلما للقراءة بشكل سيئ يساعد على تثبيت آلية للدماغ من النمط الديسلكسي.

من هنا ما نريد قوله هو التالي:
آن الأوان للانتقال بالتربية من الفرضيات الى الحقائق!!
 علماء النفس يضعون فرضيات عن العلاقة بين انتاج الأفكار وعمل الدماغ. هذه ليست حقائق.
 F. GRICK الحائز على جائزة نوبل في الفيزيولوجيا قال أنه يمكننا أن نعرف كيف يعمل الدماغ لانتاج الأفكار من خلال IRM f و SCANNER أي الوصول الى حقائق.
 و نضيف الى ما تقدم لقد برهن Noam CHOMSKY وSteven PINKER على الخاصية الفطرية للغة.
 كما وأن Sally SCHAUWITZ برهنت أن المعلومة الناتجة عن عدة صواتم (يكون المقياس الصوتي الدماغي قد حللها) تكون مدموجة في وحدة صوتية واحدة. أي من يقرأ عليه أن يحول الاشارات المكتوبة الى اشارات لغوية، أي تحويل الروسم graphème الى صوتم phonème.
 إن كثيرا من الأخطاء التربوية ذات النتائج الكارثية وُجدت نتيجة الجهل بهذه الحقيقة العصبية التي لا يمكن تجنبها. القارئ الجيد يحتاج الى 20 ملليثانية لتمييز الصوت بينما الآخرون يحتاجون الى 300 ميلليثانية.
 التمييز بين الأصوات لا يتحسن مع العمر، بل مع التعلم بشكل جيد.
 معرفة الرموز المكتوبة هي التي تحدد سرعة الانتقال من كلمة الى أخرى.
 بعد تمييز الدماغ للأشكال الكتابية، تصبح هذه الأشكال مدركات نظرية. إنها رموز كتابية وليست صوراً. لا بد إذن من تحليلها.

 لكن!! كيف يتم تحويل هذه المدركات النظرية الى لغة شفهية؟

في جميع اللغات: القراءة هي أن ينجح القارئ في ربط الرموز الشكلية بعناصر اللغة المحكية التي تمثلها هذه الرموز وأن يعطي معنىً لهذا المجموع من المعطيات الموجودة في الذاكرة ومن ثم تتكامل مع المجموعات الدلالية الأكثر تعقيداً والتي تشكل الكلمة ومن ثم مجموعات الكلام: الجمل والنصوص.
وهكذا يكون المتعلم قد قرأ.
سوف نقوم من دون أدنى شك بعرض مراحل تعلم القراءة من قبل الطفل على من يريد أن يعرف هذه الآلية، أما معلمو ومعلمات الروضات والحلقة الأولى فعليهم معرفة هذه المراحل بشكل مفصل حتى يعلموا مدى الخطورة التي يشكلها الخيار السيء في طريقة التعليم على الطفل ودماغ الطفل.

حسن ملاط
القلمون في 30 تشرين الأول أوكتوبر 2008

الخميس، 16 أكتوبر 2008

اطلالة على الأزمة الراهنة

اطلالة على الأزمة الراهنة

منذ حوالي الف ومايتي سنة وقف هارون الرشيد على شرفة قصره ونظر الى الغيمة التي أبت أن ترسل ما تحمل من خير فوق بغداد، عاصمة ملكه، وقال لها "اذهبي أنى شئت فان خراجك سيعود الي".
وما أشبه اليوم بالبارحة، ولكن مع تغير الشخصيات. فبوش يقف وقفة الأسد فوق فريسته ويتحدث الى العالم بأجمعه (فريسته)، عربه وعجمه، اوروبييه وأفريقييه وجيرانه الأميركيين أيضا، ويقول لهم: سوف أظل أستهلك على هواي وأوهمكم أنني أسدد ثمن ما أستهلكه وسوف تظلون تدفعون بدل استهلاكي موهمين أنفسكم أنكم لا تدفعون ثمن ما أستهلكه. ثم يضيف متحدياً وافعلوا ما شئتم.
يومياً يدبج الكثير من المقالات واصفة هذه الأزمة وامكانية حلها. والملفت للانتباه هو أنني لم أر مقالاً أو دراسةً تقول لنا لماذا اذا تأزمت في الولايات المتحدة الأمريكية سوف يحصد العالم أجمع ارتدادات الأخطاء الأمريكية. تأزمت في أمريكا فبدأ انخفاض اليورو مقابل الدولار. ومن المعروف أنه عندما تكون أزمة اقتصادية في احدى الدول، يكون انعكاس هذه الأزمة انخفاض قيمة نقدها. أما الدولار فقد تحسن سعر صرفه مقابل اليورو. وعندما بدأ ارتفاع السعر الجنوني للنفط، كان التبرير أنه ناتج عن انخفاض سعر الدولار مقابل اليورو والين و... فما بال البترول ذاهب الآن، الى الانخفاض بوتيرة أسرع من وتيرة ارتفاعه عندما كان سعر الدولار منخفضا؟ هل بسبب ضعف الاقتصاد الأمريكي. وبذلك يكون الجواب نفسه: اذا ارتفع سعر البترول أو انخفض سعر البترول يكون بسبب ضعف الدولار. أنا لا أتحدث للتسلية انما أنقل ما يكتبه "الخبراء".
طالعتنا وسائل الاعلام اليوم بالنبأ التالي: انخفاض كبير في البورصات الأسيوية (المقصود اليابان والصين وتايوان وهونغ كونغ والهند...) وانخفاض في سعر البورصات في أوروبا والدول الخليجية وذلك ناتج عن انهيار البورصة في وول ستريت في نيويورك. تغيم في أمريكا وتمطر في كل القارات! ألا يعني هذا بصيغة أخرى أن هنا سوقاً واحدةً لها استقلالية وجميع الأسواق الأخرى تابعة؟ من الأكيد أن ديغول سعيد في قبره حيث أنه لا يرى أن جميع جهوده التي قام بها من أجل ايجاد أوروبا مستقلة عن التبعية لأمريكا قد باءت في الفشل. على الصعيد العسكري وعقب الحرب الأمريكية على صربيا أعلن وزراء الدفاع في الاتحاد الأوروبي أن آلتهم العسكرية متخلفة أي أنها غير مهيئة لخوض حرب والانتصار. أما على الصعيد الاقتصادي فما علينا الا أن نتفرج على انهيار جميع الاقتصاديات في العالم بسبب تبعيتها للاقتصاد الأمريكي. اذن في هذا العالم يوجد دولة واحدة مستقلة هي الولايات المتحدة الأمريكية.
العالم أجمع يعلم أن حجم الانتاج الأمريكي يساوي حوالي خمسة عشر تريليون دولار. و العالم أجمع يعلم أن الكتلة النقدية التي يتعامل فيها الأمريكان في بلادهم هي عشرين ضعف حجم انتاجهم القومي، رغم الاحتيال في حسابهم لحجم الانتاج القومي كما قال أحد الخبراء الآقتصاديين. أي هناك 285 تريليون دولارا ورقيا من غير قيمةً. لماذا السكوت عن هذا الأمر الذي يهم العالم بأجمعه؟ هناك أجوبة مباشرة. منها على سبيل المثال لا الحصر:
1 – لأن مصالح الطبقات المسيطرة على صعيد العالم الرأسمالي واحدة.
2 – لأن الاقتصادات في الدول الأخرى تابعة للاقتصاد الأمريكي.
3 – لأن الانهيار في الاقتصاد الأمريكي سوف يؤدي حتماً الى انهيار الاقتصاديات الأخرى...
ولكن الأنكى من جميع ما تقدم هو عندما ترى توصيفاً للأزمة من خبراء تابعين للدول المنتجة للنفط. يتحدثون وكأنهم محقون بتبعيتهم لأمريكا. انهم يقدمون الطاقة للأمريكان ويأخذون بدل هذه الطاقة أرقاماً وهمية لاقيمة لها. وأضف الى ذلك أنهم حتى هذه الأرقام الوهمية قد خسروها. نتعامل مع أمريكا باقتصاد حقيقي وتتعامل معنا باقتصاد وهمي ونقبل بذلك. هل يعقل ذلك؟ وكيف يمكن تفسيره الا بالتيعية المطلقة. أي التخلي عن مصالح أمتنا واعطائها لأمريكا من غير بدل الا حماية العروش المنهارة.
نصل الى السؤال التقليدي، هل من خروج من هذه الأزمة؟ هناك الكثير ممن تحدث أن هذه الأزمة بنيوية ولا يمكن للنظام الرأسمالي الخروج منها، علماً أن أزمة 1929 كانت أكبر منها بكثير فقد كان هناك كساد امتد لأكثر من أربع سنوات. ولما يصل الاقتصاد الأمريكي الى الكساد في أزمته الراهنة. لا تزال الأزمة مالية ولم تتحول بعد الى أزمة اقتصادية. وعلينا أن نضيف بأن العالم بأجمعه يتكاتف للدفاع عن استغلال الأمريكي له، وكلنا يرى مئات المليارات التي ضخت من أجل حماية استمتاع الأمريكي بخيرات العالم من غير مقابل. أي يمكننا القول أن النظام المعولم سوف يتمكن من تجاوز هذه الأزمة وبصعوبة كبيرة لأنه لا وجود لقوى حية منظمة يمكنها من أن تكون بديلا لهذا النظام الظالم. وحيث أن الطبيعة لا تقبل الفراغ فلا بديل لهذا النظام الا هذا النظام ويا للأسف!
قبل أن أختم أود أن أشير الى أن السبب الحقيقي لهذه الأزمة هو أن الأمريكي أراد أن يعطي قيمة لما ليس له قيمة حقيقية، فأبت الطبيعة ذلك. 285 تريليون دولار من غير تغطية أي من غير قيمة حقيقية يتعامل فيها الأمريكي يعطيها للناس بدل قوة عملهم، يكتشفون أنها من غير قيمة. ألم نقل في بداية المقالة أننا نوهم أنفسنا بأن الأمريكي يدفع ثمن استهلاكه. التوازن الحقيقي يحصل عندما تصبح الكتلة النقدية في العالم موازية لقيمتها الحقيقية من الانتاج. أما التغيير فلا يتم تلقائيا، انما هو بحاجة الى قوى حية.
حسن ملاط

الخميس، 2 أكتوبر 2008

تعليم القراءة للبتدئين

حول تعلم القراءة للمبتدئين

مارست التعليم أكثر من ثلاثة عقود ولكن لم أوفق مرة في الدخول الى الصفوف الصغيرة. كنت أعاني مع تلاميذي ضعفهم اللغوي. كنت أعتقد أنه ناتج عن أن اللغة التي أستخدمها هي اللغة الأجنبية. وأنا على يقين الآن أنني كنت مخطئاً في تقديري. فالضعف في اللغة ينسحب على اللغة الأم وعلى اللغة الأجنبية في نفس الآن. هذا الاستنتاج لم أتمكن من الوصول اليه الا بعد أن مارست الاشراف التربوي. وكان الاشراف من الروضات حتى الصفوف العليا. الضعف في اللغة مرض تعاني منه المدرسة في أي مكان. وهذا هو العامل الذي جعلني أعتبر التفتيش عن ضعف اللغة هو الهم الأساسي بالنسبة لي. لقد تمكنت بتوفيق من الله عز وجل الى اليقين بأن الضعف في اللغة يعود الى الطريقة المتبعة في تعليمها. وهذه الدراسة هي مساهمة في ايضاح ما توصلت اليه.

من المعروف أن الطريقة المتبعة في تعليم القراءة للمبتدئين في بلادنا العربية هي الطريقة المختلطة ( اجمالية – تركيبية) ولكنها تبدأ على أنها مجملة. أعني بأنها لا تبدأ بتعليم الصوتم- الروسم، انما تبدأ من الجملة أو الكلمة أو الصورة. وجميع هذه البدايات متشابهة على صعيد تصرف الدماغ معها.
لقد تمكن العلم الحديث نتيجة الثورة التقنية التي لا مثيل لها، تمكن من تصوير دماغ الانسان وهو يتعلم القراءة. فبواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي تمكن هؤلاء العلماء من معرفة المناطق الدماغية التي تتأثر بتعلم كل نوع من أنواع التعلم. مثال ذلك أن الانسان عندما يتعرف على صورة ما فالمنطقة الدماغية التي تنشط هي المنطقة الدماغية اليمنى، أما المنطقة الدماغية اليسرى فلا يعنيها هذا الموضوع.
نطرح السؤال: وما يعنينا هذا الموضوع نحن الذين نتحدث عن تعلم القراءة؟
التعليم بالطريقة المجملة، أي البدء بتعلم الكلمة، يعني أن المتعلم يعتبر هذه الكلمة وكأنها صورة لأنه لا يعرف الأحرف التي تتألف منها هذه الكلمة، فهو يتعرف عليها كما يتعرف على صورة الجمل مثلاً، أو صورة قلعة... ولكن القدرة الالهية التي قدرت كل شيء تجعل الدماغ يتصرف بطريقة مختلفة عما نريد نحن. يأخذ الدماغ الكلمة الى المنطقة الدماغية اليمنى لمعالجتها على أنها صورة ولكنه لا يتقبلها لأنها مؤلفة من مكونات، من أحرف. فيحولها الى المنطقة الدماغية اليسرى المولجة بالتحليل، فان كانت تعرف مكونات الكلمة ( الأحرف) يتمكن المتعلم من قراءتها. أما اذا لم يكن يعرف مكوناتها فيبدأ ببث الاحتمالات نتيجة ما يتذكر من أشكال مشابهة للشكل (الكلمة) الموجود أمامه. وربما يصل الى قراءة الكلمة.
ما تقدم ليس قصصاً من الخيال العلمي، انما هي حقائق علمية، سوف أنقل صورها في مرة قادمة ان شاء المولى عز وجل. والجدير ذكره في هذا المقام أن جل الذين قاموا بهذه التجارب هم من الحائزين على جائزة نوبل. ومنهم أيضاً من هو حائز على الكثير من الجوائز العالمية.
المهم في هذا المجال أن نصل الى الاستنتاج التالي: ان الطريقة الصحيحة لتعليم القراءة للمبتدئين هي الطريقة التي تسهل عمل الدماغ وليست الطريقة التي تتعارض مع آلية عمله.
ما تقدم هو العامل الأهم في اختيارنا للطريقة المثلى في تعليم المبتدئين للقراءة. هناك عوامل أخرى واليكموها:
1 – الفشل في تعلم القراءة يعود بالدرجة الأولى للمتعلم.
2 – المقاربة البيداغوجية تؤثر على تقبل المتعلم للتعلم.
3 – على الطريقة التربوية أن تأخذ بكثير من الاعتبار عملية النضج السيكولوجي للطفل.
4 – تعلم القراءة يفرض أن يكون الطفل ناضجاً بشكل أو بآخر.

ما هي التبدلات التي يجب أن تتدخل في بناء شخصية الطفل حتى يتمن من تعلم القراءة في الصف الأول؟
* يرتبط الطفل بعلاقة ثنائية مميزة مع أمه. ففي مخيلة الطفل أنه هو وأمه شيء واحد، مندمجان. الاختلاف طفيف. هنا يأتي دور الأب (أعني ضرورة تكريس الاختلاف).
* تطور علاقة الطفل مع أمه ارتقائياً باتجاه التميز: وهذا ما يسمى النضج. وهو العامل الحاسم في تعلم الطفل الكلام وبالتالي تعلم القراءة.
* حتى يقرأ الطفل عليه أن يكبر.
حتى يكبر، على الطفل أن يقبل عدداً من الحقائق و التي تُعتبر الباعث الى البؤس لدى الطفل.

الحقائق التي لا بد منها لتعلم الطفل القراءة:
1 – المسافة الرمزية:
لا بد من وجود مسافة رمزية بين الطفل وأمه حتى يتمكن من أن ينبني. الروضة هي مرحلة أولى لايجاد هذه المسافة. الروضة قريبة من الأم ولكن الصف الأول بعيد نسبيا.
2 – الفرق:
حتى يكبر، على الطفل أن يقبل التباين بينه وبين أمه. ليسا متشابهين (الطفل وأمه).
- هذا التباين يسبب القلق للطفل، فالمعلوم يوحي بالأمان أما المجهول فلا. بعده عن أمه يشعره بعدم الأمان.
- ما من أحد يعرف كل شيء، ما من أحد الا وينقصه أشياء. من هنا يريد الطفل أن يظل ملتصقاً بأمه.
- القبول بالتباين هو الطريق الأول لصياغة الطفل لنفسه: فرق بين الداخل والخارج، بينه وبين الآخر، بين الحقيقي والمتوهم، بين الفتى والفتاة، بين الشرعي والغير شرعي... بين الألف والباء!
3 – الموضع الرمزي للآخر:
- حتى يكبر على الطفل التخلي عن العلاقة بين اثنين فقط (هو وأمه) و القبول بالعلاقة الرمزية مع ثالث.
- للأم دور حاسم في هذا الأمر من حيث تشجيع الطفل على الانفتاح على الآخر. والا فمن الصعب جداً أن يقبل الطفل بالمدرسة.
- يكون الأب هو أول ثالث، أول آخر... وبذلك تفتح الطريق على الآخرين: المدرسة ...... القراءة!
- الآخر يتيح الانفتاح على النظام الرمزي الذي يؤسس الحدود والقواعد (النسق). الرمزية هي التي تؤسس العلاقات.
- الرمزية تساعد الطفل على الانتقال من الحالة الطبيعية الى الحالة الثقافية.
4 – العدول عن سيطرة التخيلي:
- كل منا بحاجة الى جانب خيالي أو تخيلي. ولكن عل الطفل التخلي عن هيمنة الجانب التخيلي.
- وجود الآخر يساعد الطفل على عدم الاستغراق في التخيل.
- التخيلي مثل قصص الجنيات التي تحقق الرغبات بلمسة عصا.
- الواقع مختلف: تحقيق الرغبة لا يكون مباشرة انما هو بحاجة الى عمل الى نشاط. يوجد فرح ويوجد حزن، هناك معارضة وأشياء يصعب قبولها من الطفل...

ليس هذا فحسب بل هناك الكثير في هذا الموضوع. ولكن نكتفي بهذا القدر الذي وضح موضوع الدراسات المعمقة في هذا الموضوع للوصول الى الطريقة المثلى المقبولة لتعلم القراءة للمبتدئين.
والجدير ذكره أن البرنامج التدريبي للقراءة قد راعى جميع الجوانب العلمية وأعطى نتائج باهرة في التطبيق العملي.

حسن ملاط

الأربعاء، 1 أكتوبر 2008

فوز حماس في الانتخابات

الاتفاق الفلسطيني
أبو أيمن

بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، كتبنا تعليقا حول هذا الفوز، وقلنا يومها أن الشعب الفلسطيني بانتخابه لحماس إنما كان يؤيد خيار المقاومة. حيث أن الفصيل الوحيد المؤيد لاستمرار المقاومة الذي شارك في الانتخابات هو حماس. فمنظمة الجهاد الاسلامي عزفت عن المشاركة. (وليت أن حماس قد فعلت الشيء نفسه). وهكذا كان فوز حماس الذي فاجأ الجميع، بداية لطريق لا يعرف قادته كيفية التعامل معه. وقد أثبتت الأحداث صحة هذا الكلام.

وقلنا يومها أنه اذا كانت حماس جادة في شعاراتها من حيث الاستمرار في المقاومة وعدم الاعتراف بالكيان الصهيوني وعدم التفاوض معه، فما عليها الا أن تعزف عن تشكيل الحكومة الفلسطيسنية وتترك أمر السلطة لأهلها الذين تفاوضوا مع العدو وعقدوا الاتفاقات معه. وما عليها إلا أن تراقب عمل السلطة وتصححه حيث يمكنها ذلك وترفضه حيث يجب رفضه. وتصلب علاقتها مع شعبها وجمهورها حتى تتمكن من قيادة الشعب في صراعه الطويل مع العدو الصهيوني ودحره وإقامة الدولة الفلسطينية على كامل تراب الوطن.

وقلنا يومها أنه اذا كانت حماس مصرة على المشاركة في الحكم، حيث أنه لم يخطر في بالنا أنها ستتفرد بالحكم، فما عليها الا أن تبتعد عن كل الوزارات ذات الطابع السياسي حتى لا تضطر للتخلي عن شعاراتها بعدم التعامل مع الكيان الغاصب. أما الوزارات الخدماتية فلا تضطر الوزراء "الحماسيين" الى الحديث السياسي مع نظرائهم الصهاينة اذ أن الاسرائيليين كمحتلين عليهم واجب القيام بهذه الخدمات حسب شرعة الأمم المتحدة. وهذا النمط من التعامل ليس له أي طابع سياسي.

وقلنا يومها أنه اذا لم يرغبوا القبول بهذا الطرح، فيمكن رفع شعار حق المواطنة كشعار سياسي فيه هجوم سلمي على دولة الكيان الغاصب (كما قال الدكتور الداعية فتحي يكن في مقابلة صحافية تعليقا على فوز حماس والخيارات التي تملكها). أي أن لكل مواطن فلسطيني حق الحصول على الاقامة في فلسطين أي عودة جميع الفلسطينيين الى أرضهم وعندها، فليختاروا النظام الذي يريدون. المهم أن يعودوا، لا أن يتركوا ذلك الجدار الذي يقطع أوصال أرضهم وعوائلهم.

ولكن ما حصل هو أن حماس قد شكلت الحكومة التي رفضها المجتمع الدولي المؤيد للكيان الصهيوني العنصري الغاصب. وقد مُنعت عن الفلسطينيين جميع أنواع المساعدات، بخطوة غير مسبوقة في التاريخ الحديث. شعب بكامله يعرض للتجويع لأنه اختار ممثليه في السلطة، اختيار تم على النحو الذي تريده الادارة الأمريكية. ولكن الخطأ الذي وقع فيه هذا الشعب أنه لم يختر من تريده أمريكا وإسرائيل. وقد صمد هذا الشعب مع حكومته وقدم الكثير من التضحيات حتى يصون حكومته من الانزلاق إلى الخضوع لمشيئة الصهاينة والأمريكان. ولكن حيث أن اللعبة الداخلية الفلسطينية كان يلعبها من هم مارسوها سنوات عدة أدت في النهاية الى تحويل المعركة من صراع ضد الصهاينة الى صراع داخلي لم تكن حماس لتربح فيه لأنه يتناقض مع كل الشعارات التي أسست لوجودها في الساحة الفلسطينية من خلالها.

وهكذا بدا أنه لا جدوى من الاستمرار في هذه الدوامة التي لن تؤدي الا الى التقاتل الداخلي خدمة للعدو الصهيوني حتى وإن كان عن غير قصد من أحد. لماذا الصمود إذن؟ لتستمر حماس في السلطة؟ وما الفائدة التي يجنيها الشعب الفلسطيني من استمرارها في السلطة؟ أسئلة عديدة لا جواب لها، لأنه لا ضرورة للتفتيش عن اجابة لها.

وتراجع التناقض مع العدو الصهيوني لصالح الصراع الداخلي ما بين فتح وحماس. صراع من أجل سلطة محكومة في حدها الأدنى والأعلى من الكيان الصهيوني أي من العدو.
وحصد الصراع العشرات من الضحايا، من الشهداء، من الأطفال والمقاتلين المجاهدين. والجميع يعلم أن هذا الصراع محكوم بضرورة الاتفاق. فلماذا الاستمرار في هذه اللعبة الشيطانية؟

المهم أن القتال سوف يتوقف. وعلى كل طرف من أطراف القتال أن يعيد تقويم التجربة التي خاضها في التقاتل الداخلي، والمعني بهذا الكلام في الدرجة الأولى حماس. فالاتفاق بينها وبين فتح ينص على أن الوزارات التي ستتسلمها حماس ليست وزارات ذات طابع سيادي (أين السيادة؟!)، أي أنها وزارات خدماتية. عشرات الضحايا من أجل العودة الى هذا الخيار؟
وأخيرا لا بد لفتح وحماس على السواء أن يطلبوا الصفح من شعبهم لأنهما أدخلوه في متاهة لا مصلحة له فيها. لقد كانت التضحيات التي قدمها من أجل الوصول الى تقاسم للسلطة. وأي سلطة؟!

إن إكسير العمل السياسي هو النقد والنقد الذاتي. أللهم اذا كنا نريد مصلحة شعبنا وقضيته ومصلحة الأمة جمعاء.

حسن ملاط
العرب والعولمة آذار - مارس 2007