بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الأحد، 2 يناير 2011

قتال المشركين الجزء الأول

من سيرة المصطفى -18 –

يقول تبارك وتعالى: "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة، واعلموا أن الله مع المتقين". (التوبة 36)
استجاب نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام لأمر الله تبارك وتعالى. وما أن استقر به المقام في المدينة، حتى تطلع إلى مجاهدة المشركين بما تقتضيه الظروف.
وكانت أولى غزواته، عليه السلام، غزوة ودان، حيث وادع بني ضمرة، مع استمرارهم على شركهم.
قال ابن هشام: قال ابن إسحاق‏:‏ حتى بلغ وَدّان، وهي غزوة الأبواء، يريد قريشاً وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذي وادعه منهم عليهم مخَشيّ بن عمرو الضمري، وكان سيدهم في زمانه ذلك‏.‏
ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم يلق كيداً، فأقام بها بقية صفر، وصدراً من شهر ربيع الأول‏.‏ قال ابن هشام:‏ وهي أول غزوة غزاها.‏
ثم أرسل النبي عليه السلام عبيدة بن الحارث بسرية يريد فيها قريشاً: قال ابن إسحاق:‏ وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مُقامه ذاك بالمدينة عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي في ستين أو ثمانين راكباً من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، فسار حتى بلغ ماءً بالحجاز، بأسفل ثنيِّة المرة، فلقي بها جمعاً عظيماً من قريش، فلم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص قد ُرمي يومئذ بسهم، فكان أول سهم رُمي به في الإسلام‏.‏
ثم انصرف القوم عن القوم، وللمسلمين حامية.‏ وفرَ من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهراني، حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر المازني، حليف بني نوفل بن عبد مناف، وكانا مسلمين، ولكنهما خرجا ليتوصَّلا بالكفار.‏ وكان على القوم عكرمة ابن أبي جهل‏.‏
قال ابن هشام‏:‏ حدثني ابن أبي عمرو بن العلاء، عن أبي عمرو المدني:‏ أنه كان عليهم مِكْرز بن حفص بن الأخيف، أحد بني معيص بن عامر ابن لؤي بن غالب بن فهر‏.‏
ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم بسرية ثانية بقيادة حمزة إلى سيف البحر: قال ابن هشام: وبعث في مقامه ذلك، حمزة بن عبدالمطلب بن هاشم، إلى سيف البحر، من ناحية العيص، في ثلاثين راكباً من المهاجرين، وليس فيهم من الأنصار أحد.‏ فلقي أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاث مئة راكب من أهل مكة.‏ فحجز بينهم مجديُّ بن عمرو الجهني.‏ وكان موادعاً للفريقين جميعاً، فانصرف بعض القوم عن بعض، ولم يكن بينهم قتال.‏
وبعض الناس يقول:‏ كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين.‏ وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معاً، فشُبِّه ذلك على الناس‏.‏ وقد زعموا أن حمزة قد قال في ذلك شعراً يذكر فيه أن رايته أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان حمزة قد قال ذلك، فقد صدق إن شاء الله، لم يكن يقول إلا حقاً، فالله أعلم أي ذلك كان.‏
فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا، فعبيدة بن الحارث أول من عقد له.‏
ثم كانت غزوة بواط، وهي الثانية بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق ‏:‏ ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول يريد قريشاً.‏
قال ابن هشام‏:‏ واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون‏.‏
قال ابن إسحاق:‏ حتى بلغ بواط، من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً، فلبث بها بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الأولى‏.‏
سوف يلاحظ القارىء أن أمر الله تبارك وتعالى يعني الكثير بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم، لذلك تلاحقت الغزوات والسرايا بوتيرة عالية قياساً مع أيامنا الحاضرة، بحيث لم يترك للعدو أي مجال للراحة.
وكانت غزوة العشيرة، وهي الثالثة: قال ابن هشام: ثم غزا (النبي عليه السلام) قريشاً، فاستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبدالأسد، فيما قال ابن هشام.
قال ابن إسحاق:‏ فسلك على نقب بني دينار، ثم على فيفاء الخبار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر، يقال لها:‏ ذات الساق، فصلى عندها.‏ فثمَّ مسجده صلى الاله عليه وسلم، وصُنع له عندها طعام، فأكل منه، وأكل الناس معه، فموضع أثافي البرمة معلوم هنالك، واستُقي له من ماء به، يقال له:‏ المشترب، ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم فترك الخلائق بيسار، وسلك شعبة يقال لها:‏ شعبة عبدالله، وذلك اسمها اليوم، ثم صب لليسار حتى هبط يليل، فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة، واستقى من بئر بالضبوعة، ثم سلك الفرش:‏ فرش ملل، حتى لقي الطريق بصحيرات اليمام، ثم اعتدل به الطريق، حتى نزل العشيرة من بطن ينبع‏.‏ فأقام بها جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة، وادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيداً‏.‏
علينا ملاحظة أن الموادعة تُخرِج العدو من مقتضيات العداوة، كالقتال، على سبيل المثال.
وفي تلك الغزوة قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام ما قال‏.‏
قال ابن إسحاق:‏ فحدثني يزيد بن محمد بن خيثم المحاربي، عن محمد بن كعب القرظي، عن محمد بن خيثم أبي يزيد، عن عمار بن ياسر، قال:‏ كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة؛ فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام بها؛ رأينا أناساً من بني مدلج يعملون في عين لهم وفي نخل؛ فقال لي علي بن أبي طالب:‏ يا أبا اليقظان، هل لك في أن تأتي هؤلاء القوم، فننظر كيف يعملون‏؟‏ قال:‏ قلت:‏ إن شئت؛ قال:‏ فجئناهم، فنظرنا إلى عملهم ساعة، ثم غشينا النوم‏.‏ فانطلقت أنا وعلي حتى اضطجعنا في صور من النخل، وفي دقعاء من التراب فنمنا، فوالله ما أهبَّنا إلا رسول الله، صلى الله عليه وسلم يحركنا برجله‏.‏ وقد تترَّبْنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها، فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب‏:‏ ما لك يا أبا تراب؟‏ لما يرى عليه من التراب.‏
ثم قال:‏ ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين‏؟‏ قلنا:‏ بلى، يا رسول الله؛ قال:‏ أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه - ووضع يده على قرنه - حتى يَبُلَّ منها هذه.‏ وأخذ بلحيته.‏
قال ابن إسحاق:‏ وقد حدثني بعض أهل العلم:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما سمَّى علياً أبا تراب، أنه كان إذا عتب على فاطمة في شيء لم يكلمها، ولم يقل لها شيئاً تكرهه، إلا أنه يأخذ تراباً فيضعه على رأسه‏.‏ قال:‏ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى عليه التراب عرف أنه عاتب على فاطمة، فيقول‏:‏ ما لك يا أبا تراب‏؟‏ فالله أعلم أي ذلك كان.‏
ثم تأتي سرية سعد بن أبي وقاص: قال ابن إسحاق:‏ وقد كان بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين ذلك من غزوة سعد بن أبي وقاص، في ثمانية رهط من المهاجرين، فخرج حتى بلغ الخرَّار من أرض الحجاز، ثم رجع ولم يلق كيداً.‏
قال ابن هشام‏:‏ ذكر بعض أهل العلم أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة‏.‏
أما غزوة سفوان فهي تدعى أيضاً غزوة بدر الأولى: قال ابن إسحاق ‏:‏ ولم يُقم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة إلا ليالي قلائل لا تبلغ العشر، حتى أغار كرز ابن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، فيما قال ابن هشام‏.‏
قال ابن إسحاق‏:‏ حتى بلغ وادياً، يقال له‏:‏ سفوان، من ناحية بدر، وفاته كرز بن جابر، فلم يدركه، وهي غزوة بدر الأولى‏.‏ ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأقام بها بقية جمادى الآخرة ورجباً وشعبان.‏
ثم كانت سرية عبد الله بن جحش. وهي تعتبر من أهم السرايا لأن من نتائجها تغيير مسار معارك المسلمين ضد المشركين: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب، مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتاباً وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحداً‏.‏
وكان أصحاب عبدالله بن جحش من المهاجرين، ثم من بني عبد شمس ابن عبد مناف‏:‏ أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس؛ ومن حلفائهم:‏ عبدالله بن جحش، وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن ابن حرثان، أحد بني أسد بن خزيمة، حليف لهم.‏
ومن بني نوفل بن عبد مناف:‏ عتبة بن غزوان بن جابر، حليف لهم.‏
ومن بني زهرة بن كلاب‏:‏ سعد بن أبي وقاص.‏
ومن بني عدي بن كعب عامر بن ربيعة، حليف لهم من عنز ابن وائل، وواقد بن عبدالله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة ابن يربوع، أحد بني تميم، حليف لهم، وخالد بن البكير، أحد بني سعد بن ليث، حليف لهم.‏
ومن بني الحارث بن فهر:‏ سهيل بن بيضاء.‏
فلما سار عبدالله بن جحش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه فإذا فيه:‏ إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، فترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم‏.‏ فلما نظر عبدالله بن جحش في الكتاب، قال‏:‏ سمعاً وطاعة؛ ثم قال لأصحابه‏:‏ قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة، أرصد بها قريشاً، حتى آتيه منهم بخبر؛ وقد نهاني أن أستكره أحداً منكم.‏ فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع؛ فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضى ومضى معه أصحابه، لم يتخلف عنه منهم أحد.‏
وسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن، فوق الفرع، يقال له:‏ بحران، أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيراً لهما، كانا يعتقبانه‏.‏ فتخلفا عليه في طلبه.‏ ومضى عبدالله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة.‏
فمرت به عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً، وتجارة من تجارة قريش، فيهما عمرو بن الحضرمي‏.‏
فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريباً منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا عُمَّار، لا بأس عليكم منهم.‏ وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم:‏ والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام؛ فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم.‏ فرمى واقد بن عبدالله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبدالله، والحكم بن كيسان؛ وأفلت لقومَ نوفلُ بن عبدالله فأعجزهم.‏ وأقبل عبدالله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة.‏
وقد ذكر بعض آل عبدالله بن جحش:‏ أن عبدالله قال لأصحابه:‏ إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس - وذلك قبل أن يفرض الله تعالى الخمس من المغانم - فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه.‏
قال ابن إسحاق:‏ فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ قال:‏ ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام.‏ فوقَّف العير والأسيرين‏.‏ وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً؛ فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سُقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا‏.‏ وقالت قريش:‏ قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال؛ فقال من يرد عليهم من المسلمين، ممن كان بمكة‏:‏ إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان.‏

فلما أكثر الناس في ذلك، أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ ‏(‏ يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير، وصد عن سبيل الله وكفر به، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر عند الله)‏ أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله، أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم ‏(‏ والفتنة أكبر من القتل ‏)‏‏:‏ أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل ‏(‏ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)‏ (البقرة 217):‏ أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين‏.‏
فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبدالله والحكم بن كيسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ لا نُفديكموهما حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما، نقتل صاحبيكم.‏ فقدم سعد وعتبة، فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم‏.‏
ثم كان يوم الفرقان، غزوة بدر الكبرى: قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلاً من الشام في عير لقريش عظيمة، فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم، وفيها ثلاثون رجلاً من قريش أو أربعون، منهم مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وعمرو بن العاص بن وائل بن هشام‏‏.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ ويقال‏‏:‏‏ عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبدالله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن ابن عباس، كل قد حدثني بعض هذا الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقته من حديث بدر، قالوا‏‏:‏‏ لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلاً من الشام، ندب المسلمين إليهم، وقال:‏‏ هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله يُنْفِلُكُموها‏‏.‏‏
فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حرباً‏‏.‏‏
وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفاً على أمر الناس.‏‏ حتى أصاب خبراً من بعض الركبان:‏‏ أن محمداً قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك.‏‏ فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمداً قد عرض لها في أصحابه‏‏.‏‏ فخرج ضمضم بن عمرو سريعاً إلى مكة.‏‏
وتنبأت عاتكة بنت عبد المطلب، فغضب أبو جهل، وكان ما كان بينه وبين العباس بن عبد المطلب: قال ابن هشام: قال العباس:‏‏ فغدوت لأطوف بالبيت، وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال:‏‏ يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل:‏‏ يا بني عبدالمطلب، متى حدثت فيكم هذه النبية؟‏‏ قال:‏‏ قلت:‏‏ وما ذاك؟‏‏ قال:‏‏ تلك الرؤيا التي رأت عاتكة؛ قال‏‏:‏‏ فقلت‏‏:‏‏ وما رأت؟‏‏ قال:‏‏ يا بني عبدالمطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال:‏‏ انفُروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقاً ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء، نكتبْ عليكم كتاباً أنكم أكذب أهل بيت في العرب.‏‏ قال العباس‏‏:‏‏ فوالله ما كان مني إليه كبير، إلا أني جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئاً‏‏.‏‏ قال:‏‏ ثم تفرقنا‏‏.‏‏
فلما أمسيت، لم تبق امرأة من بني عبدالمطلب إلا أتتني، فقالت:‏‏ أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غِيَر لشيء مما سمعت، قال:‏‏ قلت:‏‏ قد والله فعلت، ما كان مني إليه من كبير‏‏.‏‏ وأيم الله لأتعرضن له، فإن عاد لأكفينَّكُنَّه‏‏.‏‏
قال (العباس):‏‏ فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب أُرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه، ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلاً خفيفاً، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر.‏‏ قال‏‏:‏‏ إذ خرج نحو باب المسجد يشتد‏‏.‏‏ قال:‏‏ فقلت في نفسي‏‏:‏‏ ما له لعنه الله، أكلُّ هذا فَرَق مني أن أشاتمه!‏‏ قال:‏‏ وإذا هو قد سمع ما لم أسمع‏‏:‏‏ صوت ضمضم بن عمرو الغفاري، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره، قد جدع بعيره، وحوّل رحله، وشق قيمصه، وهو يقول:‏‏ يا معشر قريش، اللطيمةَ اللطيمةَ، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوثَ الغوثَ‏‏.‏‏ قال:‏‏ فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر.‏‏ ‏

فتجهز الناس سراعاً، وقالوا:‏‏ أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي، كلا والله ليعلمن غير ذلك‏‏.‏‏ فكانوا بين رجلين، إما خارج وإما باعث مكانه رجلاً.‏‏ وأوعبت قريش، فلم يتخلف من أشرافها أحد.‏‏
إلا أن أبا لهب بن عبدالمطلب تخلف، وبعث مكانه العاصي بن هشام ابن المغيرة، وكان قد لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، أفلس بها، فاستأجره بها على أن يجُزئ عنه، بعثه فخرج عنه، وتخلف أبو لهب.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني عبدالله بن أبي نجيح:‏‏ أن أمية بن خلف كان أجمع القعود، وكان شيخاً جليلاً جسيماً ثقيلاً، فأتاه عقبة بن أبي معيط، وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه، بمجمرة يحملها، فيها نار ومجمر، حتى وضعها بين يديه، ثم قال:‏‏ يا أبا علي، استجمر، فإنما أنت من النساء؛ قال‏‏:‏‏ قبحك الله وقبح ما جئت به، قال‏‏:‏‏ ثم تجهز فخرج مع الناس‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال‏‏:‏‏ لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي كان بينها وبين بني بكر، فكاد ذلك يثنيهم، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن ‏جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم:‏‏ أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشئ تكرهونه، فخرجوا سراعاً.‏‏

قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه - قال ابن هشام‏‏:‏‏ خرج يوم الأثنين لثمان ليال خلون من شهر رمضان - واستعمل عمرو بن أم مكتوم - ويقال‏‏:‏‏ اسمه‏‏:‏‏ عبدالله بن أم مكتوم - ، أخا بني عامر بن لؤي، على الصلاة بالناس، ثم رد أبا لبابة من الروحاء، واستعمله على المدينة‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ وكان أبيض.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان، إحداهما مع علي بن أبي طالب، يقال لها:‏‏ العقاب، والأخرى مع بعض الأنصار.‏‏

قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وكانت إبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعين بعيراً، فاعتقبوها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي بن أبي طالب، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيراً، وكان حمزة بن عبدالمطلب، وزيد بن حارثة، وأبو كبشة، وأنسة، مولياً رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبون بعيراً، وكان أبو بكر، وعمر، وعبدالرحمن بن عوف يعتقبون بعيراً‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار.‏‏ وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ، فيما قال ابن هشام‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فسلك طريقه من المدينة إلى مكة، على نَقْب المدينة، ثم على العقيق، ثم على ذي الحُليفة، ثم على أولات الجيش‏‏.‏‏
قال ابن هشام:‏‏ ذات الجيش.‏‏
وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم؛ فاستشار الناس، وأخبرهم عن قريش؛ فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن‏‏.‏‏
ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن‏‏.‏‏
ثم قام المقداد بن عمرو فقال‏‏:‏‏ يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ههنا قاعدون)‏‏ (المائدة 24).‏‏ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً، ودعا له به‏‏.‏‏
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ أشيروا علي أيها الناس، وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا‏‏:‏‏ يا رسول الله، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا، فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا‏‏.‏‏
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم.‏‏
فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له سعد بن معاذ:‏‏ والله لكأنك تريدنا يا رسول الله‏‏؟‏‏ قال:‏‏ أجل؛ قال‏‏:‏‏ فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدُق في اللقاء.‏‏ لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله‏‏.‏‏ فسُر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشَّطه ذلك؛ ثم قال:‏‏ سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم.‏‏
ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران، فسلك على ثنايا.‏‏ يقال لها‏‏:‏‏ الأصافر؛ ثم انحط منها إلى بلد يقال له‏‏:‏‏ الدَّبَّة، وترك الحنَّان بيمين وهو كثيب عظيم كالجبل العظيم؛ ثم نزل قريباً من بدر، فركب هو ورجل من أصحابه‏‏.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ الرجل هو أبو بكر الصديق.‏‏
قال ابن إسحاق كما حدثني محمد بن يحيى بن حبان:‏‏ حتى وقف على شيخ من العرب، فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم؛ فقال الشيخ‏‏:‏‏ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ إذا أخبرتنا أخبرناك.‏‏ قال‏‏:‏‏ أذاك بذاك؟‏‏ قال:‏‏ نعم؛ قال الشيخ:‏‏ فإنه بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي فيه قريش.‏‏
فلما فرغ من خبره، قال‏‏:‏‏ ممن أنتما؟‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ نحن من ماء، ثم انصرف عنه‏‏.‏‏ قال:‏‏ يقول الشيخ‏‏:‏‏ ما من ماء، أمن ماء العراق؟‏‏
قال ابن هشام:‏‏ يقال:‏‏ ذلك الشيخ‏‏:‏‏ سفيان الضمري.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه؛ فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، في نفر من أصحابه، إلى ماء بدر، يلتمسون الخبر له عليه - كما حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير - فأصابوا رواية لقريش فيها أسلم، غلام بني الحجاج، وعريض أبو يسار، غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فقالا‏‏:‏‏ نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء‏‏.‏‏
فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما.‏‏ فلما أذلقوهما قالا:‏‏ نحن لأبي سفيان، فتركوهما.‏‏ وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه، ثم سلم، وقال‏‏:‏‏ إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا، والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش؟‏‏ قالا:‏‏ هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى - والكثيب‏‏:‏‏ العقنقل - فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ كم القوم؟‏‏ قالا:‏‏ كثير؛ قال:‏‏ ما عدتهم؟‏‏ قالا:‏‏ لا ندري؛ قال‏‏:‏‏ كم ينحرون كل يوم؟‏‏ قالا:‏‏ يوماً تسعاً، ويوماً عشراً؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ القوم فيما بين التسع مئة والألف‏‏.‏‏
ثم قال لهما‏‏:‏‏ فمن فيهم من أشراف قريش‏‏؟‏‏ قالا:‏‏ عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنضر بن الحارث، و زمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه، ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود‏‏.‏‏
فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، فقال‏‏:‏‏ هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وكان بسبس بن عمرو، وعدي بن أبي الزغباء، قد مضيا حتى نزلا بدراً، فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنَّاً لهما يستقيان فيه، ومجدي بن عمرو الجهني على الماء.‏‏ فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر، وهما يتلازمان على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها:‏‏ إنما تأتي العير غداً أو بعد غد، فأعمل لهم، ثم أقضيك الذي لك‏‏.‏‏ قال مجدي‏‏:‏‏ صدقتِ، ثم خلَّص بينهما.‏‏ وسمع ذلك عدي وبسبس، فجلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبراه بما سمعا.‏‏
وأقبل أبو سفيان بن حرب، حتى تقدم العير حذراً، حتى ورد الماء؛ فقال لمجدي بن عمرو:‏‏ هل أحسست أحداً‏‏؟‏‏ فقال:‏‏ ما رأيت أحداً أنكره، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا‏‏.‏‏
فأتى أبو سفيان مُناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، ففتَّه، فإذا فيه النوى؛ فقال‏‏:‏‏ هذه والله علائف يثرب.‏‏ فرجع إلى أصحابه سريعاً، فضرب وجه عيره عن الطريق، فساحل بها، وترك بدراً بيسار، وانطلق حتى أسرع‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش قال:‏‏ إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجاها الله، فارجعوا؛ فقال أبو جهل بن هشام‏‏:‏‏ والله لا نرجع حتى نرد بدراً - وكان بدر موسماً من مواسم العرب، يجتمع لهم به سوق كل عام - فنقيم عليه ثلاثاً، فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونُسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها، فامضوا‏‏.‏‏
وقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، وكان حليفاً لبني زهرة وهم بالجحفة‏‏:‏‏ يا بني زهرة، قد نجَّى الله لكم أموالكم، وخلّص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا لي جُبْنها وارجعوا، فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة، لا ما يقول هذا، يعني أبا جهل.‏‏
فرجعوا، فلم يشهدها زُهري واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعاً‏‏.‏‏
ولم يكن بقي من قريش بطن إلا وقد نفر منهم ناس، إلا بني عدي بن كعب، لم يخرج منهم رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الأخنس بن شريق، فلم يشهد بدراً من هاتين القبيلتين أحد، ومشى القوم.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي، خلف العقنقل وبطن الوادي، وهو يَلْيَل، بين بدر وبين العقنقل، الكثيب الذي خلفه قريش، والقُلُب ببدر في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة.‏‏
وبعث الله السماء، وكان الوادي دهساً، فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبَّد لهم الأرض، ولم يمنعهم عن السير، وأصاب قريشاً منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.‏‏ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به‏‏.‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فحُدثت عن رجال من بني سلمة، أنهم ذكروا‏‏:‏‏ أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال‏‏:‏‏ يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة‏‏؟‏‏ قال‏‏:‏‏ بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال‏‏:‏‏ يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نُغَوِّر ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ لقد أشرت بالرأي.‏‏
فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت، و بنى حوضاً على القَليب الذي نزل عليه، فمُلىء ماء، ثم قذفوا فيه الآنية.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فحدثني عبدالله بن أبي بكر أنه حدث:‏‏ أن سعد بن معاذ قال:‏‏ يا نبي الله، ألا نبني لك عريشاً تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى، جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام، يا نبي الله، ما نحن بأشد لك حباً منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك‏‏.‏‏ فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً، ودعا له بخير‏‏.‏‏ ثم بُني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش، فكان فيه‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وقد ارتحلت قريش حين أصبحت، فأقبلت، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تَصَوَّب من العقنقل - و هو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي - قال:‏‏ اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة‏‏.‏‏
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر - إن يكن في أحد القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا.‏‏
وقد كان خفاف بن أيماء بن رحضة الغفاري، أو أبوه أيماء بن رحضة الغفاري، بعث إلى قريش، حين مروا به، ابناً له بجزائره أهداها لهم، وقال‏‏:‏‏ إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فأرسلوا إليه مع ابنه:‏‏ أن وصلتك رحم، قد قضيت الذي عليك، فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نقاتل الله، كما يزعم محمد، فما لأحد بالله من طاقة.‏‏
فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم حكيم بن حزام؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ دعوهم‏‏.‏‏ فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام، فإنه لم يقتل، ثم أسلم بعد ذلك، فحسن إسلامه.‏‏ فكان إذا اجتهد في يمينه، قال‏‏:‏‏ لا والذي نجاني من يوم بدر‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم، عن أشياخ من الأنصار، قالوا‏‏:‏‏ لما اطمأن القوم، بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا:‏‏ احزروا لنا أصحاب محمد، قال‏‏:‏‏ فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم، فقال‏‏:‏‏ ثلاث مائة رجل، يزيدون قليلاً أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد‏‏؟‏‏ قال:‏‏ فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئاً، فرجع إليهم فقال:‏‏ ما وجدت شيئاً، ولكن قد رأيت، يا معشر قريش، البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم، حتى يقتل رجلاً منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك‏‏؟‏‏ فروا رأيكم.‏‏
فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة، فقال‏‏:‏‏ يا أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟‏‏ قال‏‏:‏‏ وما ذاك يا حكيم؟‏‏ قال:‏‏ ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي؛ قال:‏‏ قد فعلت، أنت علي بذلك، إنما هو حليفي، فعلي عقله وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظلية ( أبا جهل)‏‏.‏‏
ثم قام عتبة بن ربيعة خطيباً، فقال‏‏:‏‏ يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه أو ابن خاله، أو رجلاً من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون‏‏.‏‏ ‏
قال حكيم‏‏:‏‏ فانطلقت حتى جئت أبا جهل، فوجدته قد نثل درعاً له من جرابها، فهو يهنئها.‏‏ - قال ابن هشام‏‏:‏‏ يهيئها - فقلت له‏‏:‏‏ يا أبا الحكم، إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا، للذي قال؛ فقال‏‏:‏‏ انتفخ والله سحره حين رأى محمداً وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أن محمداً وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه، فقد تخوفكم عليه‏‏.‏‏ ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي، فقال:‏‏ هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك، ومقتل أخيك.‏‏ فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ:‏‏ واعمراه، واعمراه، فحميت الحرب، وحَقِب الناس، واستوسقوا على ما هم عليه من الشر، وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة.‏‏
فلما بلغ عتبة قول أبي جهل ‏‏(‏‏ انتفخ والله سحره ‏‏)‏‏، قال:‏‏ سيعلم مُصَفِّر استه من انتفخ سحره، أنا أم هو؟‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ السَحْر:‏‏ الرئة وما حولها مما يعلق بالحلقوم من فوق السرة.‏‏ وما كان تحت السرة، فهو القُصْب، ومنه قوله:‏‏ رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار:‏‏ قال ابن هشام‏‏:‏‏ حدثني بذلك أبو عبيدة‏‏.‏‏
ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته؛ فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وقد خرج الأسود بن عبدالأسد المخزومي، وكان رجلاً شرساً سيئ الخلق، فقال‏‏:‏‏ أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه؛ فلما خرج، خرج إليه حمزة بن عبدالمطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد - زعم - أن يبر يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.‏‏
قال ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة، بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة، وهم‏‏:‏‏ عوف، ومعوذ، ابنا الحارث - وأمهما عفراء - ورجل آخر، يقال‏‏:‏‏ هو عبدالله بن رواحة؛ فقالوا:‏‏ من أنتم‏‏؟‏‏ فقالوا‏‏:‏‏ رهط من الأنصار؛ قالوا‏‏:‏‏ ما لنا بكم من حاجة.‏‏
ثم نادى مناديهم‏‏:‏‏ يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي، فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا:‏‏ من أنتم‏‏؟‏‏ قال عبيدة:‏‏ عبيدة، وقال حمزة:‏‏ حمزة، وقال علي:‏‏ علي؛ قالوا‏‏:‏‏ نعم، أكفاء كرام‏‏.‏‏
فبارز عبيدة، وكان أسن القوم، عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة؛ وبارز علي الوليد بن عتبة.‏‏
فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله؛ وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله؛ واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه؛ وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا (أجهزا) عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة‏‏:‏‏ أن عتبة بن ربيعة قال للفتية من الأنصار، حين انتسبوا:‏‏ أكفاء كرام، إنما نريد قومنا.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض ، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم ، وقال ‏‏:‏‏ إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش ، معه أبو بكر الصديق ‏‏.‏‏
فكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ كما حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه‏‏:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية، حليف بن عدي بن النجار - قال ابن هشام:‏‏ يقال‏‏:‏‏ سوَّاد؛ مثقلة؛ وسواد في الأنصار غير هذا، مخفف - وهو ‏مستنتل من الصف - قال ابن هشام‏‏:‏‏ ويقال‏‏:‏‏ مستنصل من الصف - فطعن في بطنه بالقدح وقال‏‏:‏‏ استو يا سواد، فقال:‏‏ يا رسول الله، أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل؛ قال‏‏:‏‏ فأقدني‏‏.‏‏
فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه، وقال:‏‏ استقد؛ قال:‏‏ فاعتنقه فقبل بطنه؛ فقال:‏‏ ما حملك على هذا يا سواد‏‏؟‏‏ قال:‏‏ يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك‏‏.‏‏ فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وقاله له‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف، ورجع إلى العريش فدخله، ومعه فيه أبو بكر الصديق، ليس معه فيه غيره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول‏‏:‏‏ اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، وأبو بكر يقول:‏‏ يا نبي الله:‏‏ بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك.‏‏
وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش، ثم انتبه فقال:‏‏ أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله‏‏.‏‏ هذا جبريل أخذ بعنان فرس يقوده، على ثناياه النقع.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وقد رمى مهجع، مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل، فكان أول قتيل من المسلمين؛ ثم رمى حارثة بن سراقة، أحد بني عدي بن النجار، وهو يشرب من الحوض، بسهم فأصاب نحره، فقتل‏‏.‏‏
قال:‏‏ ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم، وقال‏‏:‏‏ والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة‏‏.‏‏ فقال عمير بن الحُمام أخو بني سلمة، وفي يده تمرات يأكلهن‏‏:‏‏ بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن عوف ابن الحارث، وهو ابن عفراء قال:‏‏ يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده؟‏‏ قال‏‏:‏‏ غمسه يده في العدو حاسراً‏‏.‏‏ فنـزع درعاً كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني محمد ابن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبدالله بن ثعلبة بن صُعَير العذري، حليف بني زهرة، أنه حدثه:‏‏ لما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قال أبو جهل بن هشام:‏‏ اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة.‏‏ فكان هو المستفتح‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل قريشاً بها، ثم قال‏‏:‏‏ شاهت الوجوه، ثم نضحهم بها، وأمر أصحابه، فقال‏‏:‏‏ شدوا؛ فكانت الهزيمة، فقتل الله تعالى من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم.‏‏ فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش، الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، متوشح السيف، في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخافون عليه كَرَّة العدو، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم؛ قال‏‏:‏‏ أجل والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل بأهل الشرك احب إلي من استبقاء الرجال‏‏.‏‏ ‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني العباس بن عبدالله بن معبد، عن بعض أهله، عن ابن عباس‏‏:‏‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يومئذ:‏‏ إني قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهاً، ولا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البَخْتَري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرهاً‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فقال أبوحذيفة:‏‏ أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا‏‏.‏‏ ونترك العباس، والله لئن لقيته لأُلْحِمنَّه السيف - قال ابن هشام‏‏:‏‏ ويقال لأُلْجِمَنه السيف - قال:‏‏ فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لعمر بن الخطاب:‏‏ يا أبا حفص - قال عمر:‏‏ والله إنه لأول يوم كنَّاني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي حفص - أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف؟‏‏ فقال عمر:‏‏ يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق، فكان أبو حذيفة يقول:‏‏ ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفاَ، إلا أن تكفرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيداً.
قال ابن إسحاق: وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري لأنه كان أكفَّ القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، وكان لا يؤذيه، ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على وبني هاشم وبني المطلب، فلقيه المجذر بن زياد البلوي، حليف الأنصار، ثم من بني سالم بن عوف، فقال المجذر لأبي البختري‏‏:‏‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك - ومع أبي البختري زميل له، قد خرج معه من مكة، وهو جنادة بن مُلَيحة ‏بنت زهير بن الحارث بن أسد؛ وجنادة رجل من بني ليث‏‏.‏‏ واسم أبي البختري‏‏:‏‏ العاص - قال‏‏:‏‏ وزميلي؟‏‏ فقال له المجذر:‏‏ لا والله، ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك، فقال:‏‏ لا والله، إذن لأموتن أنا وهو جميعاً، لا تتحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصاً على الحياة.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ حدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثنيه أيضاً عبدالله بن أبي بكر وغيرهما، عن عبدالرحمن بن عوف قال‏‏:‏‏ كان أمية بن خلف لي صديقاً بمكة، وكان اسمي عبد عمرو، فتسميت حين أسلمت عبدالرحمن ونحن بمكة، فكان يلقاني إذ نحن بمكة فيقول:‏‏ يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماكه أبواك؟‏‏ فأقول ‏‏:‏‏ نعم ؛ فيقول:‏‏ فإني لا أعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئاً أدعوك به، أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف، قال:‏‏ فكان إذا دعاني‏‏:‏‏ يا عبد عمرو لم أجبه، قال:‏‏ فقلت له:‏‏ يا أبا علي، اجعل ما شئت، قال:‏‏ فأنت عبد الإله، قال:‏‏ فقلت‏‏:‏‏ نعم، قال‏‏:‏‏ فكنت إذا مررت به، قال‏‏:‏‏ يا عبد الإله فأجيبه، فأتحدث معه.‏‏
حتى إذا كان يوم بدر، مررت به وهو واقف مع ابنه علي ابن أمية، آخذ بيده، ومعي أدراع قد استلبتها فأنا أحملها‏‏.‏‏ فلما رآني قال لي‏‏:‏‏ يا عبد عمرو فلم أجبه، فقال:‏‏ يا عبد الإله، فقلت نعم، هل لك فيّ فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك.‏‏ قال قلت‏‏:‏‏ نعم.‏‏ ها الله ذا‏‏!‏‏ قال فطرحت الأدراع من يدي، وأخذت ‏بيده ويد ابنه، وهو يقول‏‏:‏‏ ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن؟‏‏ قال ثم خرجت أمشي بهما‏‏.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ يريد باللبن، أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ حدثني عبدالواحد بن أبي عون، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه عبدالرحمن بن عوف، قال‏‏:‏‏ قال لي أمية بن خلف، وأنا بينه وبين ابنه، آخذ بأيديهما‏‏:‏‏ يا عبد الإله، من الرجل منكم المُعْلم بريشة نعامة في صدره؟‏‏ قال‏‏:‏‏ قلت‏‏:‏‏ ذاك حمزة بن عبدالمطلب؛ قال‏‏:‏‏ ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل‏‏.‏‏
قال عبدالرحمن:‏‏ فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي - وكان هو الذي يعذب بلالاً بمكة على ترك الإسلام، فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت، فيضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول:‏‏ لا تزال هكذا أو تفارقَ دين محمد؛ فيقول بلال‏‏:‏‏ أحد أحد - قال:‏‏ فلما رآه؛ قال:‏‏ رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ قلت:‏‏ أي بلال، أبأسيري، قال‏‏:‏‏ لا نجوت إن نجا.‏‏ قال:‏‏ قلت:‏‏ أتسمع يا ابن السوداء، قال‏‏:‏‏ لا نجوت إن نجا.‏‏ قال‏‏:‏‏ ثم صرخ بأعلى صوته‏‏:‏‏ يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا‏‏.‏‏
قال:‏‏ فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المُسكة وأنا أذب عنه، قال‏‏:‏‏ فأخلف رجل السيف، فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فقلت:‏‏ انج بنفسك، ولا نجاء بك فوالله ما أغني عنك شيئاً، قال‏‏:‏‏ فهبروهما ‏بأسيافهم، حتى فرغوا منهما.‏‏ قال‏‏:‏‏ فكان عبدالرحمن يقول:‏‏ يرحم الله بلالاً، ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري‏‏.‏‏
وتحدث البعض ممن شهد بدراً، أن الملائكة قد شاركت في القتال. ونحن لا نشك بأن الملائكة قد نصرت المؤمنين في بدر لأنه قد ورد في القرآن ما يفيد بذلك: قال تبارك وتعالى في سورة آل عمران في الآية الكريمة 123 وما بعدها: "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، فاتقوا الله لعلكم تشكرون. إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. بلى، إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. وما جعله الله إلا بشرى لكم، ولتطمئن قلوبكم به، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم". ويقول تعالى في سورة الأنفال في الآية التاسعة والعاشرة: "وإذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بثلاثة آلاف من الملائكة مردفين. وما جعله الله إلا بشرى، ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حكيم". قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني عبدالله ابن أبي بكر أنه حُدث عن ابن عباس قال‏‏:‏‏ حدثني رجل من بني غفار، قال‏‏:‏‏ أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة، فننتهب مع من ينتهب، قال:‏‏ فبينا نحن في الجبل، إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول:‏‏ أقدم حيزوم؛ فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه، فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني عبدالله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة عن أبي أسيد مالك بن ربيعة، وكان شهد بدراً، قال، بعد أن ذهب بصره:‏‏ لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك فيه ولا أتمارى.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن رجال من بني مازن بن النجار، عن أبي داود المازني، وكان شهد بدراً، قال:‏‏ إني لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري‏‏.‏‏ ‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني من لا أتهم عن مِقسم، مولى عبدالله ابن الحارث، عن عبدالله بن عباس، قال:‏‏ كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء قد أرسلوها على ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمراً.‏‏ ( وابن عباس كان طفلاً).
قال ابن هشام‏‏:‏‏ وحدثني بعض أهل العلم:‏‏ أن علي بن أبي طالب قال‏‏:‏‏ العمائم:‏‏ تيجان العرب، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء وقد أرخوها على ظهورهم، إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني من لا أتهم عن مقسم، عن ابن عباس، قال‏‏:‏‏ ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى بدر من الأيام، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عدداً ومدداً لا يضربون.‏‏ (وحيث أن الملائكة والجان هم من عالم الغيب، الخفي على بني آدم، لذلك ليس بإمكاننا رؤية الملائكة ولا الجان. ولكن لانشك ولو للحظة أن الله نصر المؤمنين بالملائكة يوم بدر، وجعله بشرى لهم، بشرهم بها رسول الله عليه الصلاة والسلام).
قال ابن هشام‏‏:‏‏ وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر:‏‏ أحد أحد.‏‏

ويحدثنا ابن هشام عن مقتل رأس الكفر أبي جهل: قال ابن إسحاق:‏‏ وأقبل أبو جهل يومئذ يرتجز، وهو يقاتل.
قال ابن إسحاق:‏‏ فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه، أمر بأبي جهل أن يُلتمس في القتلى‏‏.‏‏
وكان أول من لقي أبا جهل، كما حدثني ثور بن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، وعبدالله بن أبي بكر أيضاً قد حدثني ذلك، قالا‏‏:‏‏ قال معاذ بن عمرو بن الجموح، أخو بني سلمة‏‏:‏‏ سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة - قال ابن هشام:‏‏ الحرجة:‏‏ الشجر الملتف.‏‏ وفي الحديث عن عمر بن الخطاب:‏‏ أنه سأل أعرابياً عن الحرجة؛ فقال:‏‏ هي شجرة من الأشجار لا يوصل إليها، وهم يقولون:‏‏ أبو الحكم لا يخُلص إليه‏‏.‏‏
قال:‏‏ فلما سمعتها جعلته من شأني، فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة أطنَّت قدمه بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يُضرب بها.‏‏
قال‏‏:‏‏ وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي، وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها.
قال ابن إسحاق: ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمان عثمان.‏‏
ثم مر بأبي جهل وهو عقير، معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته، فتركه و به رمق. وقاتل معوذ حتى قتل، فمر عبدالله بن مسعود بأبي جهل، حين أمر رسول الله صلى الله عليه سلم أن يُلتمس في القتلى، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - انظروا، إن خفي عليكم في القتلى، إلى أثر جرح في ركبته، فإني ازدحمت يوماً أنا وهو على مأدبة لعبدالله بن جدعان، ونحن غلامان، وكنت أشف منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه، فجحش في إحداهما جحشاً لم يزل أثره به.
قال عبدالله بن مسعود: فوجدته بآخر رمق فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه - قال‏‏:‏‏ وقد كان ضبث بي مرة بمكة، فآذاني ولكزني، ثم قلت له:‏‏ هل أخزاك الله يا عدو الله؟‏‏ قال: وبماذا أخزاني، أعمد من رجل قتلتموه، أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قال: قلت: لله ولرسوله.
قال ابن هشام‏‏:‏‏ ضبث:‏‏ قبض عليه ولزمه
قال ابن إسحاق:‏‏ وزعم رجال من بني مخزوم، أن ابن مسعود كان يقول‏‏:‏‏ قال لي‏‏:‏‏ لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رُوَيْعِيَّ الغنم؛ قال:‏‏ ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت:‏‏ يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل؛ قال:‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ آللهِ الذي لا إله غيره - قال‏‏:‏‏ وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال‏‏:‏‏ فقلت‏‏:‏‏ نعم، والله الذي لا إله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ وحدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي:‏‏ أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص، ومر به:‏‏ إني أراك كأن في نفسك شيئاً، أراك تظن أني قتلت أباك؛ إني لو قتله لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة، فأما أبوك فإني مررت به، وهو يبحث بحث الثور برَوْقه فحُدْتُ عنه، وقصد له ابن عمه علي فقتله‏‏.‏‏
وكان حديث بين أبي بكر وإبنه الكافر، عبد الرحمن: قال ابن هشام:‏‏ ونادى أبو بكر الصديق ابنه عبدالرحمن، وهو يومئذ مع المشركين، فقال:‏‏ أين مالي يا خبيث‏‏؟‏‏ فقال عبدالرحمن‏‏:‏‏
لم يبق غير شِكَّة ويعبوبْ * وصارم يقتل ضُلاَّل الشيبْ
فيما ذكر لي عن عبدالعزيز بن محمد الدراوردي‏‏.‏‏
وكان مصير قتلى المشركين في القليب: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة، قال‏‏:‏‏ لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب، طرحوا فيه، إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليحركوه، فتزابل لحمه، فأقروه، وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة‏‏.‏‏
فلما ألقاهم في القليب، وقف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:‏‏ يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟‏‏ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً.‏‏ قالت‏‏:‏‏ فقال له أصحابه:‏‏ يا رسول الله، أتكلم قوماً موتى‏‏؟‏‏ فقال لهم:‏‏ لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حقاً.‏‏
قالت عائشة:‏‏ والناس يقولون:‏‏ لقد سمعوا ما قلت لهم، وإنما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ لقد علموا‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال‏‏:‏‏ سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل وهو يقول‏‏:‏‏ يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام، فعدد من كان منهم في القليب:‏‏ هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؛ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً‏‏؟‏‏ فقال المسلمون: يا رسول الله، أتنادي قوماً قد جيَّفوا؟‏‏ قال‏‏:‏‏ ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني بعض أهل العلم‏‏:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم هذه المقالة‏‏:‏‏ يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس؛ ثم قال‏‏:‏‏ هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟‏‏ للمقالة التي قال‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا في القليب، أخذ عتبة بن ربيعة، فسحب إلى القليب، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - في وجه أبي حذيفة بن عتبة، فإذا هو كئيب قد تغير لونه، فقال:‏‏ يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء‏‏؟‏‏ أو كما قال صلى الله عليه وسلم؛ فقال:‏‏ لا، والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأياً وحلماً وفضلاً، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر، بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وقال له خيراً‏‏.‏‏
ثم يتحدث ابن هشام عن نزول سورة الأنفال التي تصف أحداث بدر:
ما نزل في تقسيم الفيء بعد اختلاف المسلمين فيه: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فلما انقضى أمر بدر، أنزل الله عز وجل فيه من القرآن الأنفال بأسرها، فكان مما نزل منها في اختلافهم في النفل حين اختلفوا فيه:‏‏ ‏‏(‏‏ يسئلونك عن الأنفال، قل الأنفال لله والرسول، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله رسوله إن كنتم مؤمنين‏‏)‏‏‏‏.‏‏
فكان عبادة بن الصامت - فيما بلغني - إذا سئل عن الأنفال، قال‏‏:‏‏ فينا معشر أهل بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل يوم بدر، فانتزعه الله من أيدينا حين ساءت فيه أخلاقنا؛ فرده على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه بيننا عن بَوَاء - يقول:‏‏ على السواء - وكان في ذلك تقوى الله وطاعته، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وصلاح ذات البين‏‏.‏‏
ما نزل في خروج المسلمين لملاقاة قريش: ثم ذكر القوم ومسيرهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرف القوم أن قريشاً قد ساروا إليهم، وإنما خرجوا يريدون العير طمعاً في الغنيمة، فقال‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون.‏‏ يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون‏‏)‏‏:‏‏ أي كراهية للقاء القوم، وإنكاراً لمسير قريش، حين ذُكروا لهم ‏‏(‏‏وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم‏‏)‏‏‏‏:‏‏ أي الغنيمة دون الحرب ‏‏(‏‏ويريد الله أن يحق الحق بكلماته، ويقطع دابر الكافرين)‏‏‏‏:‏‏ أي بالوقعة التي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر ‏‏(‏‏إذ تستغيثون ربكم‏‏)‏‏‏‏:‏‏ أي لدعائهم حين نظروا إلى كثرة عدوهم، وقلة عددهم ‏‏(‏‏فاستجاب لكم‏‏)‏‏ بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائكم ‏‏(‏‏أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين‏‏‏‏)‏‏:‏‏ أي أنزلت عليكم الأمنة ‏حين نمتم لا تخافون ‏‏(‏‏وينزل عليكم من السماء ماء‏‏)‏‏ للمطر الذي أصابهم تلك الليلة، فحبس المشركين أن يسبقوا إلى الماء، وخلى سبيل المسلمين إليه ‏‏(‏‏ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام‏‏)‏‏:‏‏ أي ليذهب عنكم شك الشيطان، لتخويفه إياهم عدوهم، واستجلاد الأرض لهم، حتى انتهوا إلى منزلهم الذي سبقوا اليه عدوهم.‏‏
ما نزل في تبشير المسلمين وتحريضهم على القتال: ثم قال تعالى:‏‏ ‏‏(‏‏إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا‏‏)‏‏:‏‏ أي آزروا الذين آمنوا.‏‏ ‏‏(‏‏سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضربوا فوق الأعناق، واضربوا منهم كل بنان.‏‏ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله، ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب‏‏)‏‏، ثم قال‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا ‏زحفاً فلا تولوهم الأدبار‏‏.‏‏ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة، فقد باء بغضب من الله، ومأواه جهنم وبئس المصير)‏‏‏‏:‏‏ أي تحريضاً لهم على عدوهم لئلا ينكلوا عنهم إذا لقوهم، وقد وعدهم فيهم ما وعدهم.‏‏
ما نزل في رمي الرسول المشركين بالحصباء: ثم قال تعالى في رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بالحصباء من يده، حين رماهم:‏‏ ‏‏(‏‏وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)‏‏‏‏:‏‏ أي لم يكن ذلك برميتك، لولا الذي جعل الله فيها من نصرك، وما ألقى في صدور عدوك منها حين هزمهم الله ‏‏(‏‏وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً)‏‏‏‏:‏‏ أي ليعرف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم على عدوهم، وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه، ويشكروا بذلك نعمته‏‏.‏‏
ما نزل في الاستفتاح: ثم قال:‏‏ ‏‏(‏‏إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)‏‏:‏‏ أي لقول أبي جهل:‏‏ اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة‏‏.‏‏ والاستفتاح:‏‏ الإنصاف في الدعاء‏‏.‏‏
يقول الله جل ثناؤه‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏وإن تنتهوا)‏‏‏‏:‏‏ أي لقريش ‏‏(‏‏فهو خير لكم وإن تعودوا نعد‏‏)‏‏‏‏:‏‏ أي بمثل الوقعة التي أصبناكم بها يوم بدر ‏‏(‏‏ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين)‏‏‏‏:‏‏ أي عددكم وكثرتكم في أنفسكم لن تغني عنكم شيئاً، وإني مع المؤمنين، أنصرهم على من خالفهم‏‏.‏‏
القرآن يحض المسلمين على طاعة الرسول: ثم قال تعالى‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله، ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون)‏‏:‏‏ أي لا تخالفوا أمره وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه ‏‏(‏‏ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون‏‏)‏‏:‏‏ أي كالمنافقين الذين يظهرون له الطاعة، ويسرون له المعصية ‏‏(‏‏إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)‏‏:‏‏ أي المنافقين الذين نهيتكم أن تكونوا مثلهم، بكم عن الخير، صم عن الحق، لا يعقلون:‏‏ لا يعرفون ما عليهم في ذلك من النقمة والتباعة ‏‏(‏‏ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم)‏‏‏‏:‏‏ أي لأنفذ لهم قولهم الذي قالوا بألسنتهم، ولكن القلوب خالفت ذلك منهم، ولو خرجوا معكم ‏‏(‏‏لتولوا وهم معرضون‏‏)‏‏، ما وفوا لكم بشيء مما خرجوا عليه.‏‏ ‏‏(‏‏يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)‏‏:‏‏ أي للحرب التي ‏أعزكم الله بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم، ‏‏(‏‏واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس، فآواكم وأيدكم بنصره، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون.‏‏ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون)‏‏‏‏:‏‏ أي لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السر إلى غيره، فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً، ويكفر عنكم سيئاتكم، ويغفر لكم، والله ذو الفضل العظيم)‏‏:‏‏ أي فصلاً بين الحق والباطل، ليظهر الله به حقكم، ويطفىء به باطل من خالفكم.‏‏
تذكير الرسول بنعمة الله عليه: ثم ذكَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنعمته عليه، حين مكر به القوم ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه ‏‏(‏‏ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين)‏‏‏‏:‏‏ أي فمكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم.‏‏
ما نزل في غرة قريش واستفتاحهم على أنفسهم: ثم ذكر غرة قريش واستفتاحهم على أنفسهم، إذ قالوا:‏‏ ‏‏(‏‏اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك)‏‏‏:‏‏ أي ما جاء به محمد ‏‏(‏‏فأمطرْ علينا حجارة من السماء‏‏)‏‏ كما أمطرتها على قوم لوط ‏‏(‏‏أو ائتنا بعذاب أليم‏‏)‏‏:‏‏ أي بعض ما عذبت به الأمم قبلنا، وكانوا يقولون:‏‏ إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفره، ولم يعذب أمة ونبيها معها حتى يخرجه عنها‏‏.‏‏ وذلك من قولهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ يذكر جهالتهم وغرتهم واستفتاحهم على أنفسهم، حين نعى سوء أعمالهم‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون‏‏)‏‏:‏‏ أي لقولهم:‏‏ إنا نستغفر ومحمد بين ‏أظهرنا، ثم قال:‏‏ ‏‏(‏‏وما لهم ألا يعذبهم الله)‏‏ وإن كنت بين أظهرهم، وإن كانوا يستغفرون كما يقولون ‏‏(‏‏وهم يصدون عن المسجد الحرام‏‏)‏‏‏‏:‏‏ أي من آمن بالله وعبده:‏‏ أي أنت ومن اتبعك، ‏‏(‏‏وما كانوا أولياءَه، إنْ أولياؤه إلا المتقون‏‏)‏‏ الذين يحرمون حرمته ويقيمون الصلاة عنده:‏‏ أي أنت ومن آمن بك ‏‏(‏‏ولكن أكثرهم لا يعلمون‏‏.‏‏ وما كان صلاتهم عند البيت)‏‏ التي يزعمون أنه يدفع بها عنهم ‏‏(‏‏إلا مكاء وتصدية)‏‏‏‏.‏‏
ثم يلتفت ابن هشام التفاتة لطيفة عن المدة بين ‏‏(‏‏ يا أيها المزمل ‏‏)‏‏ و بدر: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عائشة قالت:‏‏ ما كان بين نزول:‏‏ ‏‏(‏‏ يا أيها المزمل ‏‏)‏‏، وقول الله تعالى فيها‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً.‏‏ إن لدينا أنكالاً وجحيماً.‏‏ وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً ‏‏)‏‏ إلا يسير، حتى أصاب الله قريشاً بالوقعة يوم بدر.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ الأنكال‏‏:‏‏ القيود؛ واحدها:‏‏ نِكْل.‏‏
ما نزل من الأمر بقتال الكفار: ثم قال تعالى‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)‏‏:‏‏ أي حتى لا يفتن‏ مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصاً ليس له فيه شريك، ويخلع ما دونه من الأنداد ‏‏(‏‏فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير‏‏.‏‏ وإن تولوا‏‏)‏‏ عن أمرك إلى ما هم عليه من كفرهم ‏‏(‏‏فاعلموا أن الله مولاكم)‏‏.‏‏ الذي أعزكم ونصركم عليهم يوم بدر في كثرة عددهم وقلة عددكم ‏‏(‏‏نعم المولى ونعم النصير‏‏)‏‏.
ما نزل في تقسيم الفيء واسباب النصر: ثم أعلمهم مقاسم الفيء وحكمه فيه، حين أحله لهم، فقال:‏‏ ‏‏(‏‏واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير)‏‏:‏‏ أي يوم فرقت فيه بين الحق والباطل بقدرتي يوم التقتى الجمعان منكم ومنهم ‏‏(‏‏إذ أنتم بالعدوة الدنيا‏‏)‏‏ من الوادي ‏‏(‏‏وهم بالعدوة القصوى)‏‏ من الوادي إلى مكة ‏‏(‏‏والركب أسفل منكم)‏‏ أي عير أبي سفيان التي خرجتم لتأخذوها وخرجوا ليمنعوها عن غير ميعاد منكم ولا منهم ‏‏(‏‏ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد‏‏)‏‏:‏‏ أي ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم ثم بلغكم كثر عددهم، وقلة عددكم ما لقيتموهم ‏‏(‏‏ولكن ليقضي الله امراً كان مفعولاً)‏‏‏‏:‏‏ أي ليقضي ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله وإذلال الكفر وأهله عن غير بلاء منكم ففعل ما أراد من ذلك بلطفه، ثم قال:‏‏ ‏‏(‏‏ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم‏‏)‏‏.‏‏ أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآية والعبرة، ويؤمن من آمن على مثل ذلك‏‏.‏‏
ما نزل في لطفه تعالى به صلى الله عليه وسلم: ثم ذكر لطفه به وكيده له، ثم قال:‏‏ ‏‏(‏‏إذ يريكهم الله في منامك قليلاً، ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم، إنه عليم بذات الصدور‏‏)‏‏، فكان ما أراك من ذلك نعمة من نعمه عليهم، شجعهم بها على عدوهم، وكف بها عنهم ما تخوف عليهم من ضعفهم، لعلمه بما فيهم.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ تُخوف:‏‏ مبدلة من كلمة ذكرها ابن إسحاق ولم أذكرها.‏‏
‏‏(‏‏وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً‏‏)‏‏:‏‏ أي ليؤلف بينهم على الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد إتمام النعمة عليه، من أهل ولايته.‏‏
ما نزل في وعظ المسلمين وتعليمهم فنون الحرب: ثم وعظهم وفهمهم وأعلمهم الذي ينبغي لهم أن يسيروا به في حربهم، فقال تعالى‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة‏‏)‏‏ تقاتلونهم في سبيل الله عز وجل ‏‏(‏‏فاثبتوا واذكروا الله كثيراً‏‏)‏‏ الذي له بذلتم أنفسكم، والوفاء له بما أعطيتموه من بيعتكم ‏‏(‏‏لعلكم تفلحون.‏‏ وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا)‏‏:‏‏ أي لا تختلفوا فيتفرق أمركم ‏‏(‏‏وتذهب ريحكم)‏‏:‏‏ أي وتذهب حدتكم ‏‏(‏‏واصبروا إن الله مع الصابرين‏‏)‏‏:‏‏ أي إني معكم إذا فعلتم ذلك ‏‏(‏‏ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس‏‏)‏‏:‏‏ أي لا تكونوا كأبي جهل وأصحابه الذين قالوا‏‏:‏‏ لا نرجع حتى نأتي بدراً فننحر به الجزر ونسقى بها الخمر، وتعزف علينا فيها القيان، وتسمع العرب أي:‏‏ لا يكون أمركم رياءً، ولا سمعةً، ولا التماس ما عند الناس، وأخلصوا لله النية والحسبة في نصر دينكم، ومؤازرة نبيكم، لا تعملوا إلا لذلك ولا تطلبوا غيره‏‏.‏‏
ثم قال تعالى:‏‏ ‏‏(‏‏وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم)‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ ثم ذكر الله تعالى أهل الكفر، وما يلقون عند موتهم، ووصفهم بصفتهم، وأخبر نبيه صلى الله عليه وسلم عنهم، حتى انتهى إلى أن قال‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون)‏‏:‏‏ أي فنكل بهم من ورائهم لعلهم يعقلون ‏‏(‏‏وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)‏‏ ‏‏.‏‏ ‏‏.‏‏ ‏‏.‏‏ إلى قوله تعالى:‏‏ ‏‏(‏‏وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوفَّ إليكم، وأنتم لا تظلمون‏‏)‏‏:‏‏ أي لا يضيع لكم عند الله أجره في الآخرة، ‏ وعاجل خلفه في الدنيا، ثم قال تعالى‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏وإن جنحوا للسلم فاجنح لها‏‏)‏‏:‏‏ أي إن دعوك إلى السلم على الإسلام فصالحهم عليه ‏‏(‏‏وتوكل على الله)‏‏ إن الله كافيك ‏‏(‏‏إنه هو السميع العليم‏‏)‏‏‏‏.‏‏
والسلم أيضاً:‏‏ الصلح، وفي كتاب الله عز وجل‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون)‏‏، ويقرأ ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏إلى السِّلم‏‏)‏‏، وهو ذلك المعنى‏‏.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ وبلغني عن الحسن بن أبي الحسن البصري، أنه كان يقول‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏وإن جنحوا للسلم‏‏)‏‏ للإسلام‏‏.‏‏ وفي كتاب الله تعالى‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة‏‏)‏‏ ويقرأ ‏‏(‏‏في السَّلم‏‏)‏‏، وهو الإسلام.‏‏ (‏‏وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله‏‏)‏‏ هو من وراء ذلك‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏هو الذي أيدك بنصره‏‏)‏‏ بعد الضعف ‏‏(‏‏وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم)‏‏ على الهدى الذي بعثك الله به إليهم ‏‏(‏‏لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم‏‏)‏‏ بدينه الذي جمعهم عليه ‏‏(‏‏إنه عزيز حكيم‏‏)‏‏.‏‏
ثم قال تعالى:‏‏ ‏‏(‏‏يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين.‏‏ يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين، وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون)‏‏:‏‏ أي لا يقاتلون على نية ولا حق ولا معرفة بخير ولا شر‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ حدثني عبدالله بن أبي نجيح عن عطاء بن أبي رباح، عن عبدالله بن عباس قال‏‏:‏‏ لما نزلت هذه الآية، اشتد على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مئتين، ومئة ألفاً، فخفف الله عنهم، فنسختها الآية الآخرى (في هذه المناسبة)، فقال‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً، فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله، والله مع الصابرين)‏‏.‏‏ قال:‏‏ فكانوا ‏إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم‏‏.‏‏
ما نزل في المغانم والأسارى: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ثم عاتبه الله تعالى في الأسارى، وأخذ المغانم، ولم يكن أحد قبله من الأنبياء يأكل مغنماً من عدو له.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ حدثني محمد أبو جعفر بن علي بن الحسين، قال:‏‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ نصرت بالرعب، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأعطيت جوامع الكلم، وأحلت لي المغانم ولم تحلل لنبي كان قبلي، وأعطيت الشفاعة، خمس لم يؤتهن نبي قبلي.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فقال‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ما كان لنبي‏‏)‏‏‏‏:‏‏ أي قبلك ‏‏(‏‏أن يكون له أسرى)‏‏ من عدوه ‏‏(‏‏حتى يثخن في الأرض)‏‏؛ أي يثخن عدوه، حتى ينفيه من الأرض ‏‏(‏‏تريدون عرض الدنيا‏‏)‏‏:‏‏ أي المتاع، الفداء بأخذ الرجال ‏‏(‏‏والله يريد الآخرة)‏‏‏‏:‏‏ أي قتلهم لظهور الدين الذي يريد إظهاره، والذي تدرك به الآخرة ‏‏(‏‏لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم‏‏)‏‏‏‏:‏‏ أي من الأسارى والمغانم ‏‏(‏‏عذاب عظيم‏‏)‏‏ أي لولا أنه سبق مني أني لا أعذب إلا بعد النهي ولم يك نهاهم، لعذبتكم فيما صنعتم، ثم أحلها له ولهم رحمة منه، وعائدة من الرحمن الرحيم، فقال‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم)‏‏.‏‏ ثم قال:‏‏ ‏‏(‏‏يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم، والله غفور رحيم)‏‏.‏‏
الحض على التواصل والتواد والولاية بين المسلمين، وردّ المواريث إلى أهلها: وحض المسلمين على التواصل، وجعل المهاجرين والأنصار أهل ولاية الدين دون من سواهم، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض، ثم قال‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير‏‏)‏‏‏‏:‏‏ أي إلا يوال المؤمن المؤمن من دون الكافر، وإن كان ذا رحم به‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏تكن فتنة في الأرض‏‏)‏‏‏‏:‏‏ أي شبهة في الحق والباطل، وظهور الفساد في الأرض بتولي المؤمن الكافر دون المؤمن‏‏.‏‏
ثم رد المواريث إلى الأرحام ممن أسلم بعد الولاية من المهاجرين والأنصار دونهم إلى الأرحام التي بينهم، فقال:‏‏ ‏‏(‏‏والذين آمنوا من بعدُ وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم، وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله‏‏)‏‏:‏‏ أي بالميراث ‏‏(‏‏إن الله بكل شيء عليم)‏‏‏‏.‏‏
إن ما جعلنا نتوسع بوصف هذه الغزوة أنها كانت معركة حقيقية يخوضها المسلمون ضد أئمة الكفر. وسيكون لهذه الغزوة تأثيرها على مسيرة النبي عليه السلام الجهادية. فهذه الغزوة دعاها الله تبارك وتعالى: يوم الفرقان، لأهميتها. ولا يغيب عن بالنا أنها المرة الأولى التي يشارك فيها الأنصار في غزاة أو سرية، ولهذا دلالته.
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وكان فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر في عقب شهر رمضان أو في شوال.‏‏
ثم كانت غزوة بني سليم: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فلما قدم ‏‏(‏‏رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏)‏ ‏لم يقم بها إلا سبع ليال ‏‏(‏‏حتى ‏‏)‏‏ غزا بنفسه، يريد بني سليم‏‏.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ واستعمل على المدينة سباع بن عُرفطة الغفاري، أو ابن أم مكتوم‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فبلغ ماء من مياهم، يقال له‏‏:‏‏ الكدر، فأقام عليه ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيداً، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة، وأفدى في إقامته تلك جل الأسارى من قريش.‏‏
ثم كانت غزوة السويق: حدثنا أبو محمد عبدالملك بن هشام‏‏:‏‏ قال‏‏:‏‏ حدثنا زياد بن عبدالله البكائي، عن محمد بن إسحاق المطلبي، قال‏‏:‏‏ ثم غزا أبو سفيان بن حرب غزوة السويق في ذي الحجة، وولىَّ تلك الحجة المشركون من تلك السنة، فكان أبو سفيان كما حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، ويزيد بن رومان، ومن لا أتهَّم، عن عبدالله بن كعب بن مالك، وكان من أعلم الأنصار، حين رجع إلى مكة، ورجع فل قريش من بدر، نذر أن لايمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمداً صلى الله عليه وسلم، فخرج في مئتي ركاب من قريش، ليبر يمينه، فسلك النجدية، حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له‏‏:‏‏ ثيب، من المدينة على بريد
(فرسخين= ستة أميال أو اثني عشر ميلاً) أو نحوه، ثم خرج من الليل، حتى أتى بني النضير تحت الليل ، فأتى حيي بن أخطب، فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له بابه وخافه، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم، وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك، وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه، فأذن له، فقراه وسقاه، وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث رجالاً من قريش إلى المدينة، فأتوا ناحية منها، يقال لها:‏‏ العريض، فحرقوا في أصوار من نخل بها، ووجدوا بها رجلاً من الأنصار وحليفاً له في حرث لهما، فقتلوهما، ثم انصرفوا راجعين، ونذر بهم الناس‏‏. ‏‏فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم، واستعمل على المدينة بشير بن عبدالمنذر، وهو أبو لبابة، فيما قال ابن هشام:‏‏ حتى بلغ قرقرة الكدر ثم انصرف راجعاً، وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، وقد رأوا أزواداً من أزواد القوم قد طرحوها في الحرث يتخففون منها للنجاء، فقال المسلمون، حين رجع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ يا رسول الله، أتطمع لنا أن تكون غزوة؟‏‏ قال:‏‏ نعم.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ وإنما سميت غزوة السويق، فيما حدثني أبو عبيدة:‏‏ أن أكثر ما طرح القوم من أزوادهم السويق، فهجم المسلمون على سويق كثير، فسميت غزوة السويق‏‏.‏‏
ثم كانت غزوة ذي امر: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة السويق، أقام بالمدينة بقية ذي الحجة أو قريباً منها، ثم غزا نجداً، يريد غطفان، وهي غزوة ذي أمر، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان، فيما قال ابن هشام.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فأقام بنجد صفْراً كله أو قريباً من ذلك، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيداً.‏‏ فلبث بها شهر ربيع الأول كله، أو إلا قليلاً منه‏‏.‏‏
ثم غزا ‏‏(‏‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏)‏‏ يريد قريشاً، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فيما قال ابن هشام‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ حتى بلغ بحران، معدنا بالحجاز من ناحية الفرع، فأقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً.
ثم كانت سرية زيد بن حارثة: قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وسرية زيد بن حارثة التي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، حين أصاب عير قريش، وفيها أبو سفيان بن حرب على القردة، ماء من مياه نجد.‏‏ وكان من حديثها:‏‏ أن قريشاً خافوا طريقهم الذي كانوا يسلكون إلى الشام، حين كان من وقعة بدر ما كان، فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم تجار، فيهم:‏‏ أبو سفيان بن حرب، ومعه فضة كثيرة، وهي عظم تجارتهم، واستأجروا رجلاً من بني بكر بن وائل، يقال له:‏‏ فرات بن حيان يدلهم في ذلك على الطريق.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ فرات بن حيان، من بني عجل، حليف لبني سهم.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة فلقيهم على ذلك الماء، فأصاب تلك العير وما فيها، وأعجزه الرجال، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وكانت إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد قدومه من نجران، جمادى الآخرة ورجباً وشعبان وشهر رمضان، وغزته قريش غزوة أحد في شوال، سنة ثلاث.‏‏
ثم كانت غزوة أحد التي سنتحدث عنها بالتفصيل لأنها الهزيمة الأولى للمسلمين: قال ابن هشام: قال ابن اسحاق: وكان من حديث أحد، كما حدثني محمد بن مسلم الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبدالرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدث بعض الحديث عن يوم أحد، وقد اجتمع حديثهم كله فيما سقت من هذا الحديث عن يوم أحد قالوا، أومن قال منهم‏‏:‏‏ لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب، ورجع فلُّهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بن حرب بعيره، مشى عبدالله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش، ممن أصيب آباؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا:‏‏ يا معشر قريش، إن محمداً قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، فعلَّنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منّا، ففعلوا‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ففيهم، كما ذكر لي بعض أهل العلم، أنزل الله تعالى‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون‏‏"‏‏.
فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أبو سفيان بن حرب، وأصحاب العير بأحأبيشها، ومن أطاعها من قبائل كنانة، وأهل تهامة، وكان أبو عّزة عمرو بن عبدالله الجمحي قد منّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وكان فقيراً ذا عيال وحاجة وكان في الأسارى فقال:‏‏ إني فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها فامنن علي صلى الله عليك وسلم، فمنّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له صفوان بن أمية يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك فأخرج معنا، فقال‏‏:‏‏ إن محمداً قد منّ علي فلا أريد أن أظاهر عليه، قال بلى فأعنا بنفسك فلك الله علي إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر، فخرج أبو عزة في تهامة ويدعو بني كنانة. وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بني مالك بن كنانة يحرضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ودعا جبير بن مطعم غلامًا له حبشيًا يقال له‏‏:‏‏ وحشي يقذف بحربة له قذف الحبشة، قلما يخطئ بها، فقال له:‏‏ أخرج مع الناس فإن أنت قتلت حمزة عمّ محمد بعمّي طعيمة بن عدي، فأنت عتيق.‏‏
فخرجت قريش بحدّها وجدّها وحديدها وأحابيشها، ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة، وخرجوا معهم الظعن، التماس الحفيظة، وألا يفروا‏‏.‏‏ فخرج أبو سفيان بن حرب، وهو قائد الناس.‏‏ بهند بنة عتبة وخرج عكرمة بن أبي جهل بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة، بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود بن عمر بن عمير الثقفية، وهي أم عبدالله بن صفوان بن أمية.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج، وهي أم عبدالله بن عمرو، وخرج طلحة بن أبي طلحة وأبو طلحة عبدالله بن عبدالعزى بن عثمان بن عبدالدار بسلافة بنت سعد بن شهيد الأنصارية، وهي أم بني طلحة‏‏:‏‏ مسافع والجلاس وكلاب، قتلوا يومئذهم وأبوهم، وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب، إحدى نساء بني مالك بن حسل مع ابنها أبي عزيز بن عمير، وهي أم مصعب بن عمير، وخرجت عمرة بنت علقمة إحدى نساء بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وكانت هند بنت عتبة كلما مرت بوحشي أو مر بها، قالت:‏‏ ويها أبا دسمة اشف واستشف، وكان وحشي يكنى بأبي دسمة، فأقبلوا حتى نزلوا بعينين، بجبل ببطن السبخة، من قناة على شفير الوادي، مقابل المدينة.‏‏
قال:‏‏ فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين:‏‏ إني قد رأيت والله خيراً، رأيت بقراً، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، فأولتها المدينة‏‏.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ وحدثني بعض أهل العلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:‏‏ رأيت بقراً لي تذبح، قال‏‏:‏‏ فأما البقر فهي ناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم الذي رأيت في ذباب سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا،‏ فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها، وكان رأي عبدالله بن أبي بن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى رأيه في ذلك، وألا يخرج إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج، فقال رجال من المسلمين، ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيره، ممن كان فاته بدر:‏‏ يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا، فقال عبدالله بن أبي ابن سلول:‏‏ يا رسول الله، أقم بالمدينة لا نخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منَّا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منهم، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا.‏‏
فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته، فلبس لأْمته، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة.‏‏ وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له:‏‏ مالك بن عمرو، أحد بني النجار، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج عليهم، وقد ندم الناس، وقالوا:‏‏ استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك‏‏.‏‏ فلما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا:‏‏ يا رسول الله:‏‏ استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ ‏‏"‏‏ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل‏‏"‏‏. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد انخذل عنه عبدالله بن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال‏‏:‏‏ أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبدالله بن عمرو بن حرام، أخو بني سلمة، يقول‏‏:‏‏ يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم، فقالوا‏‏:‏‏ لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال‏‏.‏‏
قال فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال:‏‏ أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه‏‏.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ وذكر غير زياد، عن محمد بن إسحاق عن الزهري‏‏:‏‏ أن الأنصار يوم أحد، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ يا رسول الله ألا نستعين بحلفائنا من يهود‏‏؟‏‏ فقال‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏لا حاجة لنا فيهم‏‏"‏‏‏‏.‏‏
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ‏‏:‏‏ مَن رجل يخرج بنا على القوم من كثب - أي من قرب - من طريق لا يمر بنا عليهم‏‏؟‏‏ فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث:‏‏ أنا يا رسول الله.‏‏ فنفذ به في حرة بني حارثة، وبين أموالهم، حتى سلك في مال لمربع بن قيظي، وكان رجلاً منافقاً ضرير البصر، فلما سمع حِس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، قام يحثي في وجوههم التراب، ويقول:‏‏ إن كنت رسول الله، فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي‏‏.‏‏ وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال‏‏:‏‏ والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك‏‏.‏‏
فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ ‏‏"‏‏لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر‏‏"‏‏ وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بني عبدالأشهل، قبل نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فضربه بالقوس في رأسه فشجه.‏‏
قال:‏‏ ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد، في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال ‏‏"‏‏لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال‏‏"‏‏ وقد سرَّحت قريش الظهر والكراع، في زروع كانت بالصمغة من قناة للمسلمين، فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال‏‏:‏‏ أترعى زروع بني قيلة، ولمَّا نضارب‏‏؟‏‏ وتعبىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏للقتال.‏‏ وهو في سبعمائة رجل، وأمَّر على الرماة عبدالله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف، وهو مُعلم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلاً فقال، ‏‏"‏‏انضح الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك ‏‏"‏‏وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني عبدالدار.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سمرة بن جندب الفزاري، ورافع بن خديج، أخا بني حارثة، وهما ابنا خمس عشرة سنة، وكان قد ردهما، فقيل له:‏‏ يا رسول الله إن رافعاً رامٍ فأجازه، فلما أجاز رافعاً قيل له:‏‏ يا رسول الله فإن سمرة يصرع رافعاً، فأجازه‏‏.‏‏
وردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ أسامة بن زيد، وعبدالله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، أحد بني مالك بن النجار، والبراء بن عازب، أحد بني حارثة، وعمرو بن حزم أحد بني مالك بن النجار، وأسيد بن ظهير أحد بني حارثة، ثم أجازهم يوم الخندق، وهم أبناء خمس عشرة سنة.‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وتعبأت قريش، وهم ثلاثة آلاف رجل، ومعهم مئتا فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ من يأخذ هذا السيف بحقه؟‏‏ فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم؛ حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة، أخو بني ساعدة، فقال‏‏:‏‏ وما حقه يا رسول الله؟‏‏ قال:‏‏ أن تشرب به العدو حتى ينحني؛ قال‏‏:‏‏ أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فأعطاه إياه‏‏.‏‏
وكان أبو دجانة رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب، إذا كانت، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء، فاعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج عصابته تلك، فعصب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصفين.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني جعفر بن عبدالله بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب، عن رجل من الأنصار من بني سلمة، قال:‏‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين رأى أبا دجانة يتبختر‏‏:‏‏ إنها لمشية يبغضها الله، إلا في مثل هذا الموطن.‏‏
وبدأت المعركة. قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبدالدار يحرضهم بذلك على القتال‏‏:‏‏ يا بني عبدالدار، إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه، فهموا به وتواعدوه، وقالوا:‏‏ نحن نسلم إليك لواءنا ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع وذلك أراد أبو سفيان.
فلما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال، ويحرضنهم.
وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد‏‏:‏‏ أمت، أمت، فيما قال ابن هشام:‏‏ قال ابن إسحاق:‏‏ فاقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ حدثني غير واحد، من أهل العلم، أن الزبير بن العوام قال‏‏:‏‏ وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت:‏‏ أنا ابن صفية عمته، ومن قريش، وقد قمت إليه فسألته إياه قبله، فأعطاه إياه وتركني، والله لأنظرن ما يصنع؛ فاتبعته، فأخرج عصابة له حمراء، فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار‏‏:‏‏ أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وهكذا كانت تقول له إذا تعصب بها‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله‏‏.‏‏ وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحاً إلا ذفف عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه‏‏.‏‏ فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا، فأختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة، فاتقاه بدرقته، فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها.‏‏ قال الزبير فقلت:‏‏ الله ورسوله أعلم.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وقال أبو دجانة سماك بن خرشة‏‏:‏‏ رأيت أنساناً يخمش الناس خمشاً شديداً، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اضرب به امرأة.‏‏
وقاتل حمزة بن عبدالمطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار، وكان أحد النفر‏ الذين يحملون اللواء، ثم مر به سباع بن عبدالعزى الغبشاني، وكان يكنى بأبي نيار، فقال له حمزة‏‏:‏‏ هلم إلي يابن مقطعة البظور - وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ شريق بن الأخنس بن شريق.‏‏ وكانت ختانة بمكة - فلما التقيا ضربه حمزة فقتله.‏‏

واستشهد حمزة ومصعب بن عمير. والتقى حنظلة بن أبي عامر الغسيل وأبو سفيان، فلما استعلاه حنظلة بن أبي عامر رآه شداد بن الأسود، وهو ابن شعوب، وقد علا أبا سفيان.‏‏ فضربه شداد فقتله.‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ إن صاحبكم، يعني حنظلة، لتغسله الملائكة.‏‏ فسألوا أهله ما شأنه‏‏؟‏‏ فسئلت صاحبته عنه.‏‏ فقالت:‏‏ خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ ويقال‏‏:‏‏ الهائعة‏‏.‏‏ وجاء في الحديث:‏‏ خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه، كلما سمع هيعة.
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ لذلك غسَّلته الملائكة.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ ثم أنزل الله نصره على المسلمين وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عبدالله بن الزبير، عن الزبير، أنه قال:‏‏ والله لقد‏ رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر، حين كشفنا القوم عنه وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ:‏‏ ألا إن محمداً قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ الصارخ‏‏:‏‏ أزبّ العقبة، يعني الشيطان‏‏.‏‏
وقد أصيب الرسول عليه السلام في هذه الغزوة: قال ابن إسحاق:‏‏ وانكشف المسلمون، فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص، أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدُثّ بالحجارة حتى وقع لشقه، فأصيبت رباعيته، وشج في وجهه، وكلمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال:‏‏ كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وشج في وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول:‏‏ ‏‏"‏‏ كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم، فأنزل الله عز وجل في ذلك‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون‏‏"‏‏.
قال ابن هشام‏‏:‏‏ وذكر ربيح بن عبدالرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري:‏‏ أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبدالله بن شهاب الزهري شجه في جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون، وهم لا يعلمون؛ فأخذ علي بن أبي طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائماً، ومص مالك بن سنان، أبو أبي سعيد الخدري، الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ازدرده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏من مس دمي دمه لم تصبه النار‏‏"‏‏‏‏.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ وذكر عبدالعزيز بن محمد الدراوردي:‏‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏‏:‏‏ من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشى على وجه الارض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله.‏‏
وذكر، يعني عبدالعزيز الدراوردي، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عيسى بن طلحة، عن عائشة، عن أبي بكر الصديق:‏‏ أن أبا عبيدة بن الجراح نزع إحدى الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت ثنيته، ثم نزع الأخرى، فسقطت ثنيته الأخرى، فكان ساقط الثنيتين‏‏.‏‏
وكان من شجاعة الصحابة: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غشية القوم:‏‏ مَن رجل يشري لنا نفسه؟‏‏ كما حدثني الحصين بن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن عمرو، قال:‏‏ فقام زياد بن السكن في نفر خمسة من الأنصار وبعض الناس يقول إنما هو عمارة بن يزيد بن السكن، فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجلاً ثم رجلاً، يقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ ‏‏"‏‏أدنوه مني"، فأدنوه منه، فوسده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏‏
قال ابن هشام:‏‏ وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد‏‏.‏‏
فذكر سعيد بن أبي زيد الأنصاري‏‏:‏‏ أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول:‏‏ دخلت على أم عمارة، فقلت لها:‏‏ يا خالة، أخبريني خبرك، فقالت خرجت‏‏:‏‏ أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين.‏‏
فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمي عن القوس، حتى خلصت الجراح إليّ.‏‏
قالت:‏‏ فرأيت على عاتقها جرحاً أجوف له غور، فقلت‏‏:‏‏ من أصابك بهذا‏‏؟‏‏ قالت ابن قمئة، أقمأه الله!‏‏ لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول‏‏:‏‏ دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير، وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربني هذه الضربة، ولكن فلقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان‏‏.‏‏
وكان من خبر شجاعة أبي دجانة وسعد بن أبي وقاص: قال ابن إسحاق:‏‏ وترَّس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره، وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل، ورمي سعد بن أبي وقاص دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سعد:‏‏ فلقد رأيته يناولني النبل، وهو يقول‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ارم فداك أبي وأمي"‏‏ حتى إنه ليناولني السهم ما له نصل فيقول‏‏:‏‏ ارم به.‏‏
وكان من شجاعة قتادة بن النعمان ما رواه ابن هشام: قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها، فأخذها قتادة بن النعمان، فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنته‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عيله وسلم ردها بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدَّهما.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني القاسم بن عبدالرحمن بن رافع أخو بني عدي بن النجار، قال‏‏:‏‏ انتهى أنس ‏بن النضر، عم أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال‏‏:‏‏ ما يجلسكم‏‏؟‏‏ قالوا‏‏:‏‏ قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال‏‏:‏‏ فماذا تصنعون بالحياة بعده‏‏؟‏‏ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قتل، وبه سمى أنس بن مالك.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال:‏‏ لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ حدثني بعض أهل العلم‏‏:‏‏ أن عبدالرحمن بن عوف أصيب فوه يومئذ فهتم (ألقى مقدم أسنانه)، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، إصابة بعضها في رجله فعرج.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة، وقول الناس‏‏:‏‏ قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر لي ابن شهاب الزهري كعب بن مالك، قال:‏‏ عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي‏‏:‏‏ يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ أن أنصت.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، رضوان الله عليهم.‏‏ والحارث بن الصمة، ورهط من المسلمين.‏‏ ‏
قال‏‏:‏‏ فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب ادركه أبي بن خلف وهو يقول:‏‏ أي محمد، لانجوت إن نجوت، فقال القوم‏‏:‏‏ يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا‏‏؟‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ دعوه؛ فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، يقول بعض القوم فيما ذكر لي‏‏:‏‏ فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه انتفض بها انتفاضة، تطايرنا بها تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها - قال ابن هشام:‏‏ الشعراء ذباب له لدغ - ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مراراً.‏‏
قال ابن هشام ‏‏:‏‏ تدأدأ ، يقول ‏‏:‏‏ تقلب عن فرسه فجعل يتدحرج ‏‏.‏‏
قال إسحاق وكان أبيُّ بن خلف، كما حدثني صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فيقول:‏‏ يا محمد إن عندي العوذ، فرساً أعلفه كل يوم فرقاً من ذرة أقتلك عليه؛ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ بل أنا أقتلك إن شاء الله.‏‏ فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشاً غير كبير، فاحتقن الدم، قال‏‏:‏‏ قتلني والله محمد!‏‏ قالوا له:‏‏ ذهب والله فؤادك!‏‏ والله إنْ بك من بأس؛ قال:‏‏ إنه قد كان قال لي بمكة:‏‏ أنا أقتلك‏‏.‏‏ فوالله لو بصق عليَّ لقتلني‏‏.‏‏ فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة‏‏.‏‏
قال‏‏:‏‏ فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب خرج علي بن أبي طالب، حتى ملأ درقته ماء من المهراس، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه، فوجد له ريحاً، فعافه فلم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه وهو يقول:‏‏ اشتد غضب الله على من دمَّى وجه نبيه.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فحدثني صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقول:‏‏ والله ما حرصت على قتل رجل قط كحرصي على قتل ‏عتبة بن أبي وقاص.‏‏ وإن كان ما علمت لسيء الخلق مبغضاً فيه قومه، ولقد كفاني منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ اشتد غضب الله على من دمَّى وجه رسوله‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعب، معه أولئك النفر من أصحابه، إذ علت عالية من قريش الجبل.‏‏
قال ابن هشام:‏‏ كان على تلك الخيل خالد بن الوليد.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا‏‏!‏‏ فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وقد كان بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ظاهر بين درعين، فلما ذهب لينهض صلى الله عليه وسلم لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض به، حتى استوى عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، عن الزبير، قال‏‏:‏‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يقول:‏‏ أوجب طلحة حين صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع.‏‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ وبلغني عن عكرمة عن ابن عباس:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الدرجة المبنية في الشعب.‏‏ ‏
قال ابن هشام‏‏:‏‏ وذكر عمر مولى غفرة‏‏:‏‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد قاعداً من الجراح التي أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعوداً.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى بعضهم المنقَّى، دون الأعوص‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد، قال‏‏:‏‏ لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، رفع حسيل بن جابر، وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان، وثابت بن وقش في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه‏‏.‏‏ وهما شيخان كبيران‏‏:‏‏ ما أبا لك، ما تنتظر‏‏؟‏‏ فوالله لا بقي لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار (إلا يسير)، إنما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، لعل الله يرزقنا شهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذا أسيافهما ثم خرجا، حتى دخلا في الناس، ولم يعلم بهما، فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما حسيل بن جابر، فاختلفت عليه أسياف المسلمين، فقتلوه ولا يعرفونه، فقال حذيفة:‏‏ أبي؛ فقالوا:‏‏ والله إن عرفناه، وصدقوا.‏‏
قال حذيفة يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه؛ فتصدق حذيفة بديته على المسلمين؛ فزاده ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة:‏‏ أن رجلاً منهم كان يدعى حاطب بن أمية بن رافع، وكان له ابن يقال له:‏‏ ‏يزيد بن حاطب، أصابته جراحة يوم أحد، فأتي به إلى دار قومه وهو بالموت، فاجتمع إليه أهل الدار، فجعل المسلمون يقولون له من الرجال والنساء‏‏:‏‏ أبشر يابن حاطب بالجنة؛ قال:‏‏ وكان حاطب شيخاً قد عسا في الجاهلية، فنجم يومئذ نفاقه، فقال:‏‏ بأي شيء تبشرونه؟‏‏ بجنة من حرمل!‏‏ غررتم والله هذا الغلام من نفسه‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال‏‏:‏‏ كان فينا رجل أتيّ لا يُدرى ممن هو، يقال له‏‏:‏‏ قزمان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، إذا ذكر له:‏‏ إنه لمن أهل النار، قال:‏‏ فلما كان يوم أحد قاتل قتالاً شديداً، فقتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس، فأثبتته الجراحة، فاحتمل إلى دار بني ظفر، قال‏‏:‏‏ فجعل رجال من المسلمين يقولون له:‏‏ والله لقد أبليت اليوم يا قزمان، فأبشر، قال‏‏:‏‏ بماذا أبشر؟‏‏ فوالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت‏‏.‏‏ قال:‏‏ فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهماً من كنانته، فقتل به نفسه.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق، وكان أحد بني ثعلبة بن الفطيون، قال:‏‏ لما كان يوم أحد، قال:‏‏ يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق، قالوا:‏‏ إن اليوم يوم السبت، قال:‏‏ لا سبت لكم.‏‏ فأخذ سيفه وعدته، وقال:‏‏ إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما يشاء، ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتل معه حتى قتل؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - مخيريق خير يهود‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وكان الحارث بن سويد بن صامت منافقاً، فخرج يوم أحد مع المسلمين، فلما التقى الناس عدا على المجذر بن ذياد البلوي، وقيس بن زيد، أحد بني ضبيعة، فقتلهما، ثم لحق بمكة بقريش؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون قد أمر عمر بن الخطاب بقتله إن هو ظفر به، ففاته، فكان بمكة؛ ثم بعث إلى أخيه الجلاس بن سويد يطلب التوبة، ليرجع إلى قومه.‏‏
فأنزل الله تعالى فيه، فيما بلغني عن ابن عباس‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين ‏‏"‏‏ إلى آخر القصة‏‏.‏‏
قال ابن هشام:‏‏ حدثني من أثق به من أهل العلم‏‏:‏‏ أن الحارث بن سويد، قتل المجذر بن ذياد، ولم يقتل قيس بن زيد، والدليل على ذلك‏‏:‏‏ أن ابن إسحاق لم يذكره في قتلى أحد؛ وإنما قتل المجذر، لأن المجُذَّر بن ذياد كان قتل أباه سويداً في بعض الحروب التي كانت بين الأوس والخزرج، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب.
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، إذ خرج الحارث بن سويد من بعض حوائط المدينة، وعليه ثوبان مضرجان، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، فضرب عنقه؛ ويقال‏‏:‏‏ بعض الأنصار‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ قتل سويد بن الصامت معاذ بن عفراء غيلة، في غير حرب، رماه بسهم فقتله قبل يوم بعاث‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني الحصين بن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن أبي سفيان، مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة قال‏‏:‏‏ كان يقول:‏‏ حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يُصَل قط، فإذا لم يعرفه الناس، سألوه‏‏:‏‏ من هو‏‏؟‏‏ فيقول:‏‏ أصيرم من بني عبدالأشهل، عمرو بن ثابت بن وقش‏‏.‏‏ قال الحصين‏‏:‏‏ فقلت لمحمود بن أسد‏‏:‏‏ كيف كان شأن الأصيرم؟‏‏ قال:‏‏ كان يأبى الإسلام على قومه‏‏.‏‏ فلما كان يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، بدا له في الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيفه فعدا حتى دخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة‏‏.‏‏
وقال فبينا رجال من بني عبدالأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا:‏‏ والله إن هذا للأصيرم، ما جاء به؟‏‏ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث، فسألوه ما جاء به؛ فقالوا:‏‏ ما جاء بك يا عمرو‏‏؟‏‏ أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام‏‏؟‏‏ قال:‏‏ بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي، فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني، ثم لم يلبث أن مات في أيديهم.‏‏ فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:‏‏ إنه لمن أهل الجنة.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن أشياخ من بني سلمة:‏‏ أن عمرو بن الجموح كان رجلاً أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد، يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه، وقالوا له‏‏:‏‏ إن الله عز وجل قد عذرك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك، وقال لبنيه:‏‏ ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة فخرج معه فقتل يوم أحد‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ووقعت هند بنت عتبة، كما حدثني صالح بن كيسان، والنسوة اللاتي معها، يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الهن عليه وسلم يجدعن الآذان والأنف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدماً وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطتها وحشياً، غلام جبير بن مطعم، وبقرت عن كبد حمزة، فلاكتها، فلم تستطع أن تسيغها، فلفظتها، ثم علت على صخرة مشرفة، فصرخت بأعلى صوتها فقالت:‏‏
نحن جزيناكم بيوم بدر * والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر * ولا أخي وعمه بكري
شفيت نفسي وقضيت نذري * شفيت وحشي غليل صدري
فشكر وحشي عليَّ عمري * حتى ترمَّ أعظمي في قبري
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فقال:‏‏ أخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون فإن كانوا قد جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم‏‏.‏‏ قال علي‏‏:‏‏ فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون؛ فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل، ووجهوا إلى مكة.‏‏
ثم إن أبا سفيان بن حرب، حين أراد الانصراف، أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته فقال‏‏:‏‏ أنعمت فعال، وإن الحرب سجال يوم بيوم، أعل هبل، أي أظهر دينك؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ قم يا عمر فأجبه، فقل‏‏:‏‏ الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار.‏‏

الأحد، 19 ديسمبر 2010

من سيرة المصطفى – 17 –
مجادلة أهل الكتاب
يقول تبارك وتعالى: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم؛ وقولوا آمنا بالذي أُنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون".(العنكبوت 46)
إن سيرة النبي المصطفى، صلى الله عليه وسلم تبين أنه التزم بما أمر به الله تبارك وتعالى المسلمين بعدم مجادلة أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، بالطبع "إلا الذين ظلموا منهم". ومرافقتنا للسيرة المطهرة تبين أن المسلمين حرصوا في تطبيق "التي هي أحسن" مع أهل الكتاب.
فما أن استقر النبي عليه السلام في المدينة حتى كتب صحيفة ما بين المسلمين، وما بين المسلمين واليهود. وحرص النبي عليه الصلاة والسلام على تصنيف اليهود كأهل كتاب لذلك رأيناه يدعوهم بنسبهم الديني أولاً وبنسبهم القبائلي ثانياً. ونبرز فيما يلي القسم الذي يبين علاقة المسلمين باليهود من صحيفة المدينة.
تقول الصحيفة:
25 - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين؛
26 - وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسه، وأهل بيته،
27 - وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف؛
28 - وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف؛
29 - وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف؛
30 - وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف؛
31 - وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف؛
32 - وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف؛ إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتغ إلا نفسه وأهل بيته؛
33 - وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم؛
34 - وإن لبني الشُّطَيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الإثم؛
35 - وإن موالي ثعلبة كأنفسهم؛
36 - وإن بطانة يهود كأنفسهم؛
37 - وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم؛
38 - وإنه لا ينحجز على نار جرح؛
39 - وإنه من فتك فبنفسه فتك، وأهل بيته، إلا من ظلم؛
40 - وإن الله على أبر هذا؛
41 - وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم؛
42 - وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة؛
43 - وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم؛
44 - وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه؛
45 - وإن النصر للمظلوم؛
46 - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين؛
47 - وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة؛
48 - وإن الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم؛
49 - وإنه لا تجُار حُرمة إلا بإذن أهلها؛
50 - وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخُاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، ‏وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛
51 - وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره؛
مما سبق يتبين أن العلاقة ما بين المسلمين واليهود سوف تكون في أحسن حال إذا لم يخن اليهود العهد. ولكن اليهود ليس بإمكانهم إلا أن يغدروا.
ولكن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم ييأس من اليهود. قال ابن إسحاق:‏‏ ونصبت عند ذلك أحبار يهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم العداوة، بغياً وحسداً وضغناً، لما خص الله تعالى به العرب من أخذه رسوله منهم، وانضاف إليهم رجال من الأوس والخزرج، ممن كان عسى على جاهليته، فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث، إلا أن الإسلام قهرهم بظهوره واجتماع قومهم عليه، فظهروا بالإسلام، واتخذوه جُنَّة من القتل، ونافقوا في السر، وكان هواهم مع يهود، لتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم، وجحودهم الإسلام‏‏.‏‏
وكانت أحبار يهود هم الذين يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعنَّتونه، ويأتونه باللَّبس، ليلبسوا الحق بالباطل، فكان القرآن ينزل فيهم فيما يسألون عنه، إلا قليلاً من المسائل في الحلال والحرام كان المسلمون يسألون عنها‏‏.‏‏
ولكن النبي عليه السلام ظل يحاورهم، وتمكن من استقطاب شخصيات هامة منهم، مثل عبد الله بن سلام. قال ابن إسحاق:‏‏ وكان من حديث عبدالله بن سلام، كما حدثني بعض أهله عنه وعن إسلامه حين أسلم، وكان حبراً عالماً، قال‏‏:‏‏ لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له، فكنت مسراً لذلك، صامتاً عليه، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلما نزل بقباء، في بني عمرو بن عوف، أقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت؛ فقالت لي عمتي، حين سمعت تكبيري:‏‏ خيبك الله، والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادماً ما زدت، قال:‏‏ فقلت لها‏‏:‏‏ أي عمة، هو والله أخو موسى بن عمران، وعلى دينه، بعث بما بعث به‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فقالت:‏‏ أي ابن أخي، أهو النبي الذي كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة؟‏‏ قال:‏‏ فقلت لها:‏‏ نعم‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فقالت‏‏:‏‏ فذاك إذاً‏‏.‏‏
قال:‏‏ ثم خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتي، فأمرتهم فأسلموا.‏‏
قال‏‏:‏‏ وكتمت إسلامي من يهود، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له‏‏:‏‏ يا رسول الله، إن يهود قوم بهت، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك، وتغيبني عنهم، ثم تسألهم عني، حتى يخبروك كيف أنا فيهم، قبل أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إن علموا به بهتوني وعابوني‏‏.‏‏
قال‏‏:‏‏ فأدخلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض بيوته، ودخلوا عليه، فكلموه وساءلوه، ثم قال لهم‏‏:‏‏ أي رجل الحصين بن سلام فيكم؟‏‏ قالوا:‏‏ سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وعالمنا‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم، فقلت لهم:‏‏ يا معشر يهود، اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون إنه لرسول الله، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة باسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأومن به وأصدقه وأعرفه، فقالوا:‏‏ كذبت ثم وقعوا بي.‏‏
قال‏‏:‏‏ فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قوم بهت، أهل غدر وكذب وفجور!‏‏ قال:‏‏ فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث، فحسن إسلامها‏‏.‏‏
هذا عالم من علمائهم يقر لرسول الله أن اليهود أهل غدر، ومع ذلك حرص النبي عليه السلام على مجادلتهم بالتي هي أحسن. وهذا ما جعل مخيريق يسلم ويستشهد في سبيل الله.
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وكان من حديث مخيريق، وكان حبراً عالماً، وكان رجلاً غنياً كثير الأموال من النخل، وكان يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته، وما يجد في علمه، وغلب عليه إلف دينه، فلم يزل على ذلك، حتى إذا كان يوم أحد، وكان يوم أحد يوم السبت، قال:‏‏ يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق‏‏.‏‏ قالوا:‏‏ إن اليوم يوم السبت؛ قال:‏‏ لا سبت لكم‏‏.‏‏
ثم أخذ سلاحه فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، وعهد إليه من وراءه من قومه:‏‏ إن قتلت هذا اليوم، فأموالي لمحمد صلى الله عليه وسلم يصنع فيها ما أراه الله.‏‏ فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل.‏‏
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - يقول‏‏:‏‏ مخيريق خير يهود‏‏.‏‏ وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمواله، فعامة صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة منها.‏‏
ولم يتضجر النبي صلى الله عليه وسلم من مجادلة أعداء الله، ابني أخطب.
قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال‏‏:‏‏ حدثت عن صفية بنت حيي بن أخطب أنها قالت‏‏:‏‏ كنت أحب ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه‏‏.‏‏ قالت‏‏:‏‏ فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ونزل قباء، في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي، حيي بن أخطب، وعمي أبو ياسر بن أخطب، مغلسين.‏‏ قالت:‏‏ فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس.‏‏
قالت:‏‏ فأتيا كالَّين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى.‏‏ قالت:‏‏ فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما، مع ما بهما من الغم‏‏.‏‏ قالت‏‏:‏‏ وسمعت عمي أبا ياسر، وهو يقول لأبي حيي بن أخطب:‏‏ أهو هو‏‏؟‏‏ قال‏‏:‏‏ نعم والله؛ قال‏‏:‏‏ أتعرفه وتثبته؟‏‏ قال‏‏:‏‏ نعم؛ قال:‏‏ فما في نفسك منه‏‏؟‏‏ قال:‏‏ عداوته والله ما بقيت‏‏.‏‏
ولكن لم تذهب جميع جهود المصطفى عليه السلام سدىً. فهذا "جلاس الذي قال - وكان ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك - لئن كان هذا الرجل صادقاً لنحن شر من الحمر‏‏.‏‏ فرفع ذلك من قوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمير بن سعد، أحدهم، وكان في حجر جلاس، خَلَف جلاس على أمه بعد أبيه، فقال له عمير بن سعد‏‏:‏‏ والله يا جلاس، إنك لأحب الناس إلي، وأحسنهم عندي يداً، وأعزهم علي أن يصيبه شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن رفعتُها عليك لأفضحنك، ولئن صمتُّ عليها ليهلكن ديني، ولإحداهما أيسر علي من الأخرى‏‏.‏‏ ثم مشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له ما قال جلاس، فحلف جلاس بالله لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ لقد كذب علي عمير، وما قلت ما قال عمير بن سعد.‏‏
فأنزل الله عز وجل فيه‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم، وهموا بما لم ينالوا، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله، فإن يتوبوا يك خيرا لهم، وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة، وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
قال ابن هشام:‏‏الأليم‏‏:‏‏ الموجع‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فزعموا أنه تاب فحسنت توبته، حتى عرف منه الخير والإسلام.‏‏
ثم دخل النبي عليه السلام في معمعة لا تنتهي من الجدال مع اليهود.

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ حدثني عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري:‏‏ أن نفراً من أحبار يهود جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا:‏‏ يا محمد، أخبرنا عن أربع نسألك عنهن، فإن فعلت ذلك اتبعناك وصدقناك، وآمنا بك.‏‏
قال‏‏:‏‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ عليكم بذلك عهدُ الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدقُنَّني؛ قالوا‏‏:‏‏ نعم؛ قال:‏‏ فاسئلوا عما بدا لكم‏‏.‏‏
قالوا‏‏:‏‏ فأخبرْنا كيف يشبه الولد أمه، وإنما النطفة من الرجل؟‏‏ قال:‏‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة، ونطفة المرأة صفراء رقيقة، فأيَّتهما علت صاحبتها كان لها الشبه؟‏‏ قالوا:‏‏ اللهم نعم.‏‏
قالوا‏‏:‏‏ فأخبرنا كيف نومك‏‏؟‏‏ فقال:‏‏ أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أن نوم الذي تزعمون أني لست به تنام عينه وقلبه يقظان‏‏؟‏‏ فقالوا‏‏:‏‏ اللهم نعم؛ قال:‏‏ فكذلك نومي، تنام عيني وقلبي يقظان.‏‏
قالوا:‏‏ فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه؟‏‏ قال‏‏:‏‏ أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحومها، وأنه اشتكى شكوى، فعافاه الله منها، فحرم على نفسه أحب الطعام والشراب إليه شكراً لله، فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها؟‏‏ قالوا:‏‏ اللهم نعم.‏‏
قالوا:‏‏ فأخبرنا عن الروح؟‏‏ قال:‏‏ أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمونه جبريل، وهو الذي يأتيني؟‏‏ قالوا‏‏:‏‏ اللهم نعم، ولكنه يا محمد لنا عدو، وهو ملك، إنما يأتي بالشدة وبسفك الدماء، ولولا ذلك لاتبعناك؛ قال‏‏:‏‏ فأنزل الله عز وجل فيهم‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏‏‏.‏‏‏‏.‏‏ إلى قوله تعالى:‏‏ ‏‏(‏‏ أوكلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم، بل أكثرهم لا يؤمنون‏‏.‏‏ ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون.‏‏ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ‏‏)‏‏ ، أي السحر ‏‏ (‏‏ وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
وكان القرآن الكريم يواكب حركة النبي عليه السلام. فقد نزل من عند الله ما يفيد جدال النبي عليه السلام مع أبي ياسر وأخيه أبناء أخطب: قال ابن إسحاق:‏‏ وكان ممن نزل فيه القرآن، بخاصة من الأحبار وكفار يهود، الذي كانوا يسألونه ويتعنتونه ليلبسوا الحق بالباطل - فيما ذكر لي عن عبدالله بن عباس وجابر بن عبدالله بن رئاب - أن أبا ياسر بن أخطب مر برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتلو فاتحة البقرة‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ‏‏)‏‏ ، فأتى أخاه حُيي بن أخطب في رجال من يهود، فقال:‏‏ تعلَّموا والله، لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ الم ذلك الكتاب ‏‏)‏‏ ؛ فقالوا‏‏:‏‏ أنت سمعته‏‏؟‏‏ فقال:‏‏ نعم، فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقالوا له:‏‏ يا محمد، ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل إليك:‏‏ ‏‏(‏‏ الم ذلك الكتاب ‏‏)‏‏ ‏‏؟‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ بلى؛ قالوا‏‏:‏‏ أجاءك بها جبريل من عند الله‏‏؟‏‏ فقال:‏‏ نعم؛ قالوا‏‏:‏‏ لقد بعث الله قبلك أنبياء، ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه، وما أكل أمته غيرك؛ فقال حيي بن أخطب، وأقبل على من معه، فقال لهم‏‏:‏‏ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة؛ أفتدخلون في دين إنما مدة ملكه وأكل أمته إحدى وسبعون سنة‏‏؟‏‏
ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏‏:‏‏ يا محمد، هل مع هذا غيره‏‏؟‏‏ قال:‏‏ نعم؛ قال:‏‏ ماذا‏‏؟‏‏ قال:‏‏ ‏‏(‏‏ المص ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ هذه والله أثقل وأطول، الألف واحدة واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون ومئة سنة، هل مع هذا يا محمد غيره‏‏؟‏‏ قال:‏‏ نعم ‏‏(‏‏الر) ‏‏.‏‏ قال:‏‏ هذه والله‏ أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مئتان، فهذه إحدى وثلاثون ومئتان، هل مع هذا غيره يا محمد‏‏؟‏‏ قال‏‏:‏‏ نعم ‏‏(‏‏ المر ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ هذه والله أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مئتان، فهذه إحدى وسبعون ومئتا سنة، ثم قال:‏‏ لقد لُبِّس علينا أمرك يا محمد، حتى ما ندري أقليلاً أُعطيت أم كثيراً؟‏‏ ثم قاموا عنه؛ فقال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار:‏‏ ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد، إحدى وسبعون، وإحدى وستون ومئة، وإحدى وثلاثون ومئتان، وإحدى وسبعون ومئتان، فذلك سبع مئة وأربع وثلاثون سنة؛ فقالوا‏‏:‏‏ لقد تشابه علينا أمره.‏‏ فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأُخَر متشابهات ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وقد سمعت من لا أتهم من أهل العلم يذكر‏‏:‏‏ أن هؤلاء الآيات إنما أُنزلن في أهل نجران، حين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن عيسى بن مريم عليه السلام‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وقد حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أنه قد سمع:‏‏ أن هؤلاء الآيات إنما أُنزلن في نفر من يهود، ولم يفسر ذلك لي‏‏.‏‏ فالله أعلم أي ذلك كان‏‏.‏‏
وبالرغم مما تقدم، لم ييأس النبي عليه السلام وتابع نقاشه وجداله مع يهود وكانت مواكبة القرآن لكريم مستمرة: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وكان فيما بلغني عن عكرمة مولى ابن عباس، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:‏‏ أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه‏‏.‏‏ فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن معرور، أخو بني سلمة‏‏:‏‏ يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته؛ فقال سلام بن مشكم، أحد بني النضير:‏‏ ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكره لكم، فأنزل الله في ذلك من قولهم‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
وكان القرآن الكريم يرد على قضايا جزئية: قال ابن إسحاق:‏‏ وقال مالك بن الصيف، - حين بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر لهم ما أخذ عليهم له من الميثاق، وما عهد الله إليهم فيه - ‏‏:‏‏ والله ما عُهد إلينا في محمد عهد، وما أُخذ له علينا من ميثاق‏‏.‏‏ فأنزل الله فيه‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ أوكلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم، بل أكثرهم لا يؤمنون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
وهذا ما ما نزل في قول أبي صلوبا ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ما جئتنا بشيء نعرفه ‏‏)‏‏: وقال أبو صَلُوبا الفطيوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية فنتبعك لها‏‏.‏‏ فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
وما نزل في قول ابن حريملة و وهب: قال رافع بن حريملة، ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ يا محمد، ائتنا بكتاب تُنَزِّله علينا من السماء نقرؤه، وفجِّر لنا أنهاراً نتبعك ونصدقك‏‏.‏‏ فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل، ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ‏‏).
ومانزل في طلب ابن حريملة أن يكلمه الله: قال ابن إسحاق:‏‏ وقال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ يا محمد، إن كنت رسولاً من الله كما تقول، فقل لله فَلْيُكلِّمنا حتى نسمع كلامه.‏‏ فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله، أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم، قد بينا الآيات لقوم يوقنون ‏‏).
وما نزل ما في التوراة من الحق: وسأل معاذ بن جبل، أخو بني سلمة، وسعد بن معاذ، أخو بني عبدالأشهل؛ وخارجة بن زيد، أخو بلحارث بن الخزرج، نفراً من أحبار يهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه، وأبوا أن يخبروهم عنه.‏‏ فأنزل الله تعالى فيهم:‏‏ ‏‏(‏‏ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
وما نزل في جوابهم للنبي عليه الصلاة و السلام حين دعاهم إلى الإسلام: قال:‏‏ ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود من أهل الكتاب إلى الإسلام ورغبهم فيه، وحذرهم عذاب الله ونقمته؛ فقال له رافع بن خارجة، ومالك بن عوف‏‏:‏‏ بل نتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيراً منا‏‏.‏‏
فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهما:‏‏ ‏‏(‏‏ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليك آباءنا، أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
‏‏ وكان إعراض يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيده إصراراً على دعوتهم إلى الحق: قال ابن هشام‏‏:‏‏ ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله؛ فقال له النعمان بن عمرو، والحارث بن زيد‏‏:‏‏ على أي دين أنت يا محمد‏‏؟‏‏ قال:‏‏ على ملة إبراهيم ودينه؛ قالا‏‏:‏‏ فإن إبراهيم كان يهودياً؛ فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ فهلم إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم، فأبيا عليه.‏‏ فأنزل الله تعالى فيهما‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون.‏‏ ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
ثم هداهم استكبارهم إلى فكرة شيطانية بأن يؤمنوا ثم يكفرون: وقال عبدالله بن صيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، بعضهم لبعض‏‏:‏‏ تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع، ويرجعون عن دينه‏‏.‏‏
فأنزل الله تعالى فيهم:‏‏ ‏‏(‏‏ يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل، وتكتمون الحق وأنتم تعلمون.‏‏ وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعوا‏‏.‏‏ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، قل إن الهدى هدى الله أن يُؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم، قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
على أن ما فعله اليهود لم يغيرشيئاً من إيمان أهل الإيمان فجحدوا الحق جملة: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وكان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهود، إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه، وقال‏‏:‏‏ أرعنا سمعك يا محمد، حتى نُفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه‏‏.‏‏ فأنزل الله فيه:‏‏ (‏‏ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل.‏‏ والله أعلم بأعدائكم، وكفى بالله ولياً، وكفى بالله نصيراً.‏‏ من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون سمعنا وعصينا، واسمع غير مُسمَع، وراعنا ‏‏)‏‏ ، أي راعنا سمعك ‏‏(‏‏ لَيَّاًً بألسنتهم، وطعناً في الدين، ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا، لكان خيراً لهم وأقوم، ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود، منهم عبدالله بن صوريا الأعور، وكعب بن أسد، فقال لهم:‏‏ يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق، قالوا:‏‏ ما نعرف ذلك يا محمد‏‏:‏‏ فجحدوا ما عرفوا، وأصروا على الكفر.‏‏
فأنزل الله تعالى فيهم:‏‏ ‏‏(‏‏ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها، أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت، وكان أمر الله مفعولاً ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
وعند كل محطة ، كان اليهود يعودون إلى النبي عليه السلام: قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني ابن شهاب الزهري أنه سمع رجلاً من مزينة، من أهل العلم، يحدث سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة حدثهم‏‏:‏‏ أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس، حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة من يهود قد أحصنت، فقالوا:‏‏ ابعثوا بهذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد، فسلوه كيف الحكم فيهما، وولوه الحكم عليهما، فإن عمل فيهما بعملكم من التَّجْبِية - والتجبية:‏‏ الجلد بحبل من ليف مطلي بقار، ثم تسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين، وتجُعل وجوههما من قبل أدبار الحمارين - فاتبعوه، فإنما هو ملك، وصدقوه؛ وإن هو حكم فيهما بالرجم فإنه نبي، فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه.‏‏
فأتوه، فقالوا‏‏:‏‏ يا محمد، هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت، فاحكم فيهما، فقد وليناك الحكم فيهما.‏‏ فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى أحبارهم في بيت المدراس فقال‏‏:‏‏ يا معشر يهود، أخرجوا إلي علماءكم، فأخرج له عبدالله بن صوريا.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وقد حدثني بعض بني قريظة‏‏:‏‏ أنهم قد أخرجوا إليه يومئذ، مع ابن صوريا، أبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يهوذا، فقالوا‏‏:‏‏ هؤلاء علماؤنا.‏‏ فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى حصّل أمرهم، إلى أن قالوا لعبدالله بن صوريا:‏‏ هذا أعلم من بقي بالتوراة‏‏.‏‏
قال ابن هشام:‏‏ من قوله‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وحدثني بعض بني قريظة ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ إلى‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ أعلم من بقي بالتوراة ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ من قول ابن إسحاق، وما بعده من الحديث الذي قبله‏‏.‏‏
فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان غلاماً شاباً من أحدثهم سناً، فألظّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة، يقول له:‏‏ يابن صوريا، أنشدك الله وأُذكِّرك بأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟‏‏ قال:‏‏ اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعرفون أنك لنبي مرسل ولكنهم يحسدونك.‏‏
قال‏‏:‏‏ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهما فَرُجما عند باب مسجده في بني غنم بن مالك بن النجار.‏‏ ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، وجحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فأنزل الله تعالى فيهم‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ أي الذين بعثوا منهم من بعثوا وتخلفوا، وأمروهم ‏بما أمروهم به من تحريف الحكم عن مواضعه.‏‏ ثم قال:‏‏ ‏‏ (‏‏ يحرفون الكلم من بعد مواضعه، يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه، وإن لم تؤتوه ‏‏)‏‏ ، أي الرجم ‏‏(‏‏ فاحذروا ‏‏)‏‏ إلى آخر القصة‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة عن إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن عباس، قال:‏‏ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما، فرجما بباب مسجده، فلما وجد اليهودي مسَّ الحجارة قام إلى صاحبته فجنأ عليها، يقيها مس الحجارة، حتى قتلا جميعا‏‏.‏‏
قال‏‏:‏‏ وكان ذلك مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في تحقيق الزنا منهما‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني صالح بن كيسان، عن نافع مولى عبدالله ابن عمر، عن عبدالله بن عمر، قال:‏‏ لما حكَّموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما، دعاهم بالتوراة، وجلس حبر منهم يتلوها، وقد وضع يده على آية الرجم، قال:‏‏ فضرب عبدالله بن سلام يد الحبر، ثم قال‏‏:‏‏ هذه يا نبي الله آية الرجم، يأبى أن يتلوها عليك.‏‏
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ ويحكم يا معشر يهود‏‏!‏‏ ما دعاكم إلى ترك حكم الله وهو بأيديكم؟‏‏ قال‏‏:‏‏ فقالوا:‏‏ أما والله إنه قد كان فينا يُعمل به، حتى زنى رجل منا بعد إحصانه، من بيوت الملوك وأهل الشرف، فمنعه الملك من الرجم، ثم زنى رجل بعده، فأراد أن يرجمه، فقالوا:‏‏ لا والله، حتى ترجم فلاناً، فلما قالوا له ذلك اجتمعوا فأصلحوا أمرهم على التجبية، وأماتوا ذكر الرجم والعمل به.‏‏
قال‏‏:‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ فأنا أول من أحيا أمر الله وكتابه وعمل به، ثم أمر بهما فرجما عند باب مسجده‏‏.‏‏ قال عبدالله بن عمر‏‏:‏‏ فكنت فيمن رجمهما.‏‏
ولشدة إيمانهم كان اليهود يتحايلون على ما كانوا يعرفونه من أحكام توراتهم: قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني داود بن الحصين عن عكرمة، عن ابن عباس‏‏:‏‏ أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها:‏‏ ‏‏(‏‏ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم، وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ إنما أنزلت في الدية بين بني النضير وبين بني قريظة، وذلك أن قتلى بني النضير، وكان لهم شرف، يؤدون الدية كاملة، وأن بني قريظة كانوا يؤدون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك، فجعل الدية سواء‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فالله أعلم أي ذلك كان.‏‏
ولم تمنعهم غباوتهم واستكبارهم من محاولة فتنة النبي المعصوم عليه السلام: قال ابن إسحاق:‏‏ وقال كعب بن أسد، وابن صلوبا، وعبدالله بن صوريا، وشأس بن قيس، بعضهم لبعض:‏‏ اذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه، فإنما هو بشر، فأتوه، فقالوا له:‏‏ يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم‏ وسادتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعتك يهود، ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين بعض قومنا خصومة، أفنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم‏‏.‏‏ فأنزل الله فيهم:‏‏ ‏‏(‏‏وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثير من الناس لفاسقون‏‏.‏‏ أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
وبعد هذا كله، يدّعون أنهم على الحق: وأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رافع بن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حريملة، فقالوا‏‏:‏‏ يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟‏‏ قال:‏‏ بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ الله عليكم من الميثاق فيها، وكتمتم منها ما أُمرتم أن تبينوه للناس، فبرئتُ من إحداثكم؛ قالوا:‏‏ فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الهدى والحق، ولا نؤمن بك، ولا نتبعك.‏‏‏ فأنزل الله تعالى فيهم:‏‏ ‏‏(‏‏ قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل، وما أنزل إليكم من ربكم، وليزيدنّ كثيرا منهم ما أُنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً، فلا تأس على القوم الكافرين ‏‏).
وقد أشركوا بالله: قال ابن إسحاق:‏‏ وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم النحام بن زيد، وقردم بن كعب، وبحري بن عمرو، فقالوا له‏‏:‏‏ يا محمد، أما تعلم مع الله إلهاً غيره‏‏؟‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ الله لا إله إلا هو، بذلك بُعثت، وإلى ذلك أدعو‏‏.‏‏ فأنزل الله فيهم وفي قولهم‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ قل أي شيء أكبر شهادة، قل الله شهيد بيني وبينكم، وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ، أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى، قل لا أشهد، قل إنما هو إله واحد، وإنني برىء مما تشركون‏‏.‏‏ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ‏‏).
أي قلب مع رسول الله، عليه السلام، الذي مكنه من تحمل أقوال هؤلاء اليهود: وقال جبل بن أبي قشير، وشمويل بن زيد، لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ يا محمد، أخبرنا، متى تقوم الساعة إن كنت نبياً كما تقول‏‏؟‏‏ فأنزل الله تعالى فيهما:‏‏ ‏‏(‏‏ يسألونك عن الساعة أيان مرساها، قل إنما علمها عند ربي، لا يجلِّيها لوقتها إلا هو، ثقلت في السماوات والأرض، لا تأتيكم إلا بغتة، يسأونك كأنك حفي عنها، قل إنما علمها عند الله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
وقد صبر النبي على جحودهم: قال ابن إسحاق:‏‏ وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمود بن سيحان، ونعمان بن أضاء، وبحري بن عمرو، وعزير بن أبي عزير، وسلام بن مشكم، فقالوا:‏‏ احق يا محمد أن هذا الذي جئت به لحق من عند الله، فإنا لا نراه متسقاً كما تتسق التوارة؟‏‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ أما والله إنكم لتعرفون أنه من عند الله.‏‏ تجدونه مكتوباً عندكم في التوارة، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما جاءوا به؛ فقالوا عند ذلك، وهم جميع:‏‏ فنحاص، وعبدالله بن صوريا، وابن صلوبا، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وأشيع، وكعب بن أسد، وشمويل بن زيد، وجبل بن عمرو بن سكينة:‏‏ يا محمد، أما يعلمك هذا إنس ولا جن؟‏‏ قال:‏‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ أما والله إنكم لتعلمون أنه من عند الله، و إني لرسول الله‏‏:‏‏ تجدون ذلك مكتوباً عندكم في التوراة؛ فقالوا‏‏:‏‏ يا محمد، فإن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء ويقدر منه على ما أراد، فأنزل علينا كتاباً من السماء نقرؤه ونعرفه، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به‏‏.‏‏ فأنزل الله تعالى فيهم وفيما قالوا:‏‏ ‏‏(‏‏ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ‏‏).
ثم سألوا عن ذي القرنين: قال ابن إسحاق:‏‏ وقال حيي بن أخطب، وكعب بن أسد، وأبو رافع، وأشيع، وشمويل بن زيد، لعبدالله بن سلام حين أسلم‏‏:‏‏ ما تكون النبوة في العرب ولكن صاحبك ملك، ثم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ذي القرنين فقص عليهم ما جاءه من الله تعالى فيه، مما كان قص على قريش، وهم كانوا ممن أمر قريشاً أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، حين بعثوا إليهم النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط‏‏.‏‏
لم يصبر اليهود على صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فما كان منهم إلا أن تهجموا على ذات الله، و غضب الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك: قال ابن إسحاق:‏‏ وحُدثت عن سعيد بن جبير أنه قال:‏‏ أتى رهط من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا:‏‏ يا محمد، هذا الله خلَق الخلق، فمن خلق الله؟‏‏ قال‏‏:‏‏ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتُقع لونه، ثم ساورهم غضباً لربه‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فجاءه جبريل عليه السلام فسكنه، فقال‏‏:‏‏ خفِّض عليك يا محمد، وجاءه من الله بجواب ما سألوه عنه‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ قل هو الله أحد‏‏.‏‏ الله الصمد.‏‏ لم يلد ولم يولد.‏‏ ولم يكن له كفواً أحد ‏‏)‏‏.‏‏
قال‏‏:‏‏ فلما تلاها عليهم، قالوا:‏‏ فصف لنا يا محمد كيف خَلْقه؟‏‏ كيف ذراعه؟‏‏ كيف عضده؟‏‏ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول، وساورهم‏‏.‏‏ فأتاه جبريل عليه السلام، فقال له مثل ما قال له أول مرة، وجاءه من الله تعالى بجواب ما سألوه‏‏.‏‏ يقول الله تعالى:‏‏ ‏‏(‏‏ وما قدروا الله حق قدره، والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون ‏‏)‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني عتبة بن مسلم، مولى بني تيم، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، قال‏‏:‏‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ يُوشك الناس أن يتساءلوا بينهم حتى يقول قائلهم‏‏:‏‏ هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟‏‏ فإذا قالوا ذلك فقولوا:‏‏ ‏‏(‏‏ قل هو الله أحد.‏‏ الله الصمد‏‏.‏‏ لم يلد ولم يولد.‏‏ ولم يكن له كفواً أحد ‏‏)‏‏‏‏.‏‏ ثم ليتفل الرجل عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ‏‏)‏‏‏‏.‏‏
ثم ادعوا أن عزيرا ابن الله: قال ابن إسحاق:‏‏ وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاّم بن مشكم، ونعمان بن أبي أوفى أبو أنس، ومحمود بن دحية، وشأس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا له‏‏:‏‏ كيف نتبعك وقد تركت قِبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله؟‏‏ فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم:‏‏ ‏‏(‏‏ وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى يؤفكون‏‏)‏‏ إلى آخر القصة‏‏.‏‏
ثم كان إنكارهم نبوة عيسى عليه السلام: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر منهم‏‏:‏‏ أبو ياسر بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وعازر بن أبي عازر، وخالد، وزيد، وإزار بن أبي إزار، وأشيع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ ‏‏(‏‏ نؤمن بالله وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أُوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون ‏‏)‏‏‏‏.‏‏ فلما ذكر عيسى بن مريم جحدوا نبوته، وقالوا‏‏:‏‏ لا نؤمن بعيسى بن مريم ولا بمن آمن به.‏‏ فأنزل الله تعالى فيهم‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل، وأن أكثركم فاسقون ‏‏)‏‏‏‏.‏‏
‏‏‏‏ ولكم هذه الجرأة من أحد أحبار يهود: وقال عبدالله بن صوريا الأعور الفطيوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد؛ وقالت النصارى مثل ذلك‏‏.‏‏ فأنزل الله تعالى في ذلك من قول عبدالله بن صوريا وما قالت النصارى:‏‏ ‏‏(‏‏ وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا، قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ ثم القصة إلى قول الله تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تُسئلون عما كانوا يعملون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
وكانت مشاركة من ابي بكر رضي الله عنه في جدال اليهود، إذ دخل مدراسهم: ودخل أبو بكر الصديق بيت المدراس على يهود، فوجد منهم ناساً كثيراً قد اجتمعوا إلى رجل منهم، يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر من أحبارهم، يقال له‏‏:‏‏ أشيع؛ فقال أبو بكر لفنحاص‏‏:‏‏ ويحك يا فنحاص!‏‏ اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمداً لرسول الله، وقد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوباً عندكم في التوارة والإنجيل؛ فقال فنحاص لأبي بكر‏‏:‏‏ والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، وما هو عنا بغنيّ، ولو كان عنا غنياً ما استقرضنا أموالنا، كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويُعطيناه، ولو كان عنا غنياً ما أعطانا الربا.‏‏
قال:‏‏ فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً، وقال‏‏:‏‏ والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينكم، لضربت رأسك، أي عدو الله.‏‏
قال‏‏:‏‏ فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:‏‏ يا محمد، انظر ما صنع بي صاحبك؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر:‏‏ ما حملك على ما صنعت؟‏‏ فقال أبو بكر:‏‏ يا رسول الله، إن عدو الله قال قولاً عظيماً، إنه زعم أن الله فقير وأنهم أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، وضربت وجهه.‏‏ فجحد ذلك فنحاص، وقال:‏‏ ما قلت ذلك.‏‏
فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص رداً عليه، وتصديقاً لأبي بكر:‏‏ ‏‏(‏‏ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء، سنكتب ما قالوا، وقتلهم الأنبياء بغير حق، ونقول ذوقوا عذاب الحريق ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ ونزل في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وما بلغه في ذلك من الغضب:‏‏ ‏‏(‏‏ ولتسمعنَّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً.‏‏ وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
ثم قال فيما قال فنحاص والأحبار معه من يهود‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لَتُبينُّنه للناس ولا تكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون.‏‏ لا تحسبن الذين يفرحون بما أَتَوْا، ويحبون أن يحُمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب، ولهم عذاب أليم ‏‏)‏‏ يعني فنحاص، وأشيع وأشباههما من الأحبار، الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زينوا للناس من الضلالة، ويحبون أن يحُمدوا بما لم يفعلوا؛ أن يقول الناس:‏‏ علماء، وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى ولا حق، ويحُبون أن يقول الناس:‏‏ قد فعلوا.‏‏
ورغم استكبار يهود، نراهم يجادلون النصارى بحضرةالنبي المصطفى عيه السلام: قال ابن إسحاق:‏‏ ولما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رافع بن حريملة:‏‏ ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى وبالإنجيل؛ فقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود‏‏:‏‏ ما أنتم على شيء، وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة؛ فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم:‏‏ ‏‏(‏‏ وقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء، وهم يتلون الكتاب، كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ‏‏)‏‏، أي كل يتلو في كتابه تصديق ما كفر به، أي يكفر اليهود بعيسى، وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى عليه السلام بالتصديق بعيسى عليه السلام، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى عليه السلام، من تصديق موسى عليه السلام، وما جاء به من التوراة من عند الله، وكل يكفر بما في يد صاحبه.‏‏‏
‏‏
وقال أحبار يهود ونصارى نجران، حين اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا، فقالت الأحبار‏‏:‏‏ ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى من أهل نجران‏‏:‏‏ ما كان إبراهيم إلا نصرانياً‏‏.‏‏ فأنزل الله عز وجل فيهم‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون، ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم،‏ فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون‏‏.‏‏ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين‏‏.‏‏ إن أولى الناس بإبراهيم لَلَّذين اتبعوه، وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ‏‏)‏‏‏‏.‏‏
وقال أبو رافع القرظي، حين اجتمعت الأحبار من يهود، والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام‏‏:‏‏ أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم‏‏؟‏‏ وقال رجل من أهل نجران نصراني، يقال له ‏‏:‏‏ الرّبيِّس، - ويروى ‏‏:‏‏ الريس، والرئيس - ‏‏:‏‏ أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا‏‏؟‏‏ أو كما قال.‏‏
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره، فما بذلك بعثني الله، ولا أمرني؛ أو كما قال‏‏.‏‏
فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة، ثم يقولَ للناس كونوا عباداً لي من دون الله، ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب، وبما كنتم تدرسون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ ‏‏.‏‏‏‏.‏‏ إلى قوله تعالى:‏‏ ‏‏(‏‏ بعد إذ أنتم مسلمون ‏‏)‏‏‏‏.‏‏
وبعد أن أصبح الإسلام قوياً تابع النبي عليه السلام علاقته مع يهود. ولكن بعد أن نقضوا عهدهم مع المسلمين، تعامل معهم بما يقتضيه نقض العهد، ليس كما يتعامل محمود عباس، رئيس ما يسمى السلطة الوطنية الفلسطينية. فاليهود يهودون حالياً القدس والضفة الغربية، ويصر عباس هذا على مفاوضتهم. أما النبي عليه الصلاة والسلام فقد جمع بني قينقاع عندما نقضوا عهدهم معه: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة‏‏:‏‏ أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربوا فيما بين بدر وأحد‏‏.‏‏
قال ابن هشام: ولما أصاب الله عز وجل قريشاً يوم بدر جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود في سوق بني قينقاع، حين قدم المدينة، فقال:‏‏ يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريشاً، فقالوا له:‏‏ يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش، كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنَّا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم:‏‏ ‏‏(‏‏ قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد‏‏.‏‏ قد كان لكم آية في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة، يرونهم مثليهم رأي العين، والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ‏‏).
قال ابن هشام وذكر عبدالله بن جعفر بن المسور بن مخرمة، عن أبي عون، قال:‏‏ كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يُريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحتْ.‏‏ فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهودياً، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال:‏‏ فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبدالله بن أبي بن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال‏‏:‏‏ يامحمد، أحسن في موالي، وكانوا حلفاء الخزرج، قال:‏‏ فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال:‏‏ يا محمد، أحسن في موالي، قال‏‏:‏‏ فأعرض عنه‏‏.‏‏ فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏‏
قال ابن هشام:‏‏ وكان يقال لها ذات الفضول.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ أرسلني، وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظُللاً، ثم قال:‏‏ ويحك أرسلني؛ قال لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر؛ قال:‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ هم لك.‏‏
فعرب هذه الأيام أشبه ما يكونون بعبدالله بن أبي الذي يدافع عن اليهود. فقد اغتصب اليهود كامل فلسطين وجزء من الأردن ولبنان وسوريا، ولا يزال العرب يؤمنون بالسلام. يا ترى ما يفتش عنه العرب هو السلام أم الإستسلام؟
وبعد بني قينقاع، جاء دور بني النضير بنقض العهد: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير، يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر، اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري، للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما، كما حدثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف‏‏.‏‏ فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين، قالوا:‏‏ نعم، يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه‏‏.‏‏ ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا‏‏:‏‏ إنكم ‏لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه‏‏؟‏‏ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم، فقال‏‏:‏‏ أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلي، رضوان الله عليهم.‏‏
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء؛ بما أراد القوم، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة، فلما استلبث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، قاموا في طلبه فلقوا رجلاً مقبلاً من المدينة، فسألوه عنه، فقال:‏‏ رأيته داخلاً المدينة‏‏.‏‏ فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى انتهوا إليه صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم، والسير إليهم‏‏.‏‏
يا سبحان الله، قرارات عرب هذه الأيام حاسمة كما قرارات نبينا الأكرم صلوات ربي عليه!
قال ابن هشام‏‏:‏‏ واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
قال ابن إسحاق:‏‏ ثم سار بالناس حتى نزل بهم‏‏.‏‏
قال ابن هشام:‏‏ وذلك في شهر ربيع الأول فحاصرهم ست ليال ونزل تحريم الخمر‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل والتحريق فيها، فنادوه:‏‏ أن يا محمد، قد كنت تنهي عن الفساد، وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها‏‏؟‏‏ ‏
وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج، منهم عدو الله عبدالله بن أبي سلول ووديعة ومالك بن أبي قوقل، وسويد وداعس، قد بعثوا إلى بني النضير‏‏:‏‏ أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أَّن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة‏‏.‏‏ ففعل.‏‏ فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه،فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام.‏‏
أما ما نزل من قرآن ببني النضير: قال ابن هشام: ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم الله به من نقمته، وما سلط عليهم به رسوله صلى الله عليه وسلم، وما عمل به فيهم، فقال تعالى ‏‏"‏‏ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ‏‏"‏‏ ، وذلك لهدمهم بيوتهم عن نجف أبوابهم إذا احتملوها‏‏.‏‏ ‏‏"‏‏ فاعتبروا يا أولي الأبصار، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء ‏‏"‏‏ وكان لهم من الله نقمة، ‏‏"‏‏ لعذبهم في الدنيا ‏‏"‏‏ ‏‏:‏‏ أي بالسيف، ‏‏"‏‏ولهم في الآخرة عذاب النار‏‏"‏‏ مع ذلك.‏‏ ‏‏"‏‏ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ‏‏"‏‏‏‏.‏‏ واللينة ‏‏:‏‏ ما خالف العجوة من النخل ‏‏"‏‏ فبإذن الله ‏‏"‏‏ ‏‏:‏‏ أي فبأمر الله قطعت، لم يكن فساداً، ولكن كان نقمة من الله ‏‏"‏‏ وليخزي الفاسقين ‏‏"‏‏ ‏‏.‏‏
ما علينا أن نفعل، حتى نكون عادلين مع يهود هذه الأيام؟
وبعد بني النضير وبني قينقاع يأتي دور بني قريظة بنقض العهد في أسوأ توقيت بالنسبة للمسلمين. وذلك عندما جاءت قريش وحلفاءها يحاصرون المدينة لغزوها. وقد كان ليهود دور مهم في الغزو، علماً أنهم حلفاء للمسلمين!
قال ابن هشام: فحدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير بن عروة بن الزبير،ومن لا أتهم، عن عبدالله بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب القرظي، والزُّهري، وعاصم بن عمر بن قَتادة، وعبدالله بن أبي بكر، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق، وبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض، قالوا:‏ إنه كان من حديث الخندق أن نفراً من اليهود، منهم‏:‏ سلاّم ابن أبي الحقيق النَّضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن أبي الحُقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النَّضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا‏:‏ إنا سنكون معكم عليه، حتى نستأصله؛ فقالت لهم قريش:‏ يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟‏ قالوا‏:‏ بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه.‏ فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم:‏ ‏"‏ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً أولئك الذين لعنهم الله، ومن يلعن الله فإن تجد له نصيراً‏"‏ إلى قوله تعالى ‏"‏ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ‏"‏ ‏:‏ أي النبوة، ‏"‏ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً‏.‏ فمنهم من آمن به، ومنهم من صُدَّ عنه، وكفى بجهنم سعيراً‏".‏
ثم راح اليهود يحرضون غطفان على المسلمين ونبيهم: قال ‏:‏ فلما قالوا ذلك لقريش، سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه، من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من يهود، حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه‏.‏
كما أن حيي بن أخطب راح يحرض كعب بن أسد على نقض العهد: قال ‏ابن هشام:‏ وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري، حتى أتى كعب بن أسد القرظي، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، وعاقده على ذلك وعاهده؛ فلما سمع كعب يحيى بن أخطب أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حيي‏:‏ ويحك يا كعب!‏ افتح لي؛ قال‏:‏ ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمداً، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاءً وصدقاً؛ قال‏:‏ ويحك افتح لي أكلمك؛ قال:‏ ما أنا بفاعل؛ قال‏:‏ والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك (الحب المطبوخ) أن آكل معك منها؛ فأحفظ الرجل، ففتح له؛ فقال:‏ ويحك يا كعب؛ جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة؛ وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمداً ومن معه‏.‏ قال:‏ فقال له كعب:‏ جئتني والله بِذُلِّ الدهر، وبجهام ‏(‏ السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه ‏)‏ قد هراق ماءه، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء، ويحك يا حيي!‏ فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاءً‏.‏ فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب، حتى سمح له، على أن أعطاه عهداً من الله وميثاقاً:‏ لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمداً أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك.‏ فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان، وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة بن دليم، أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبدالله بن رواحة، أخو بني الحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير، أخو بني عمرو بن عوف؛ فقال‏:‏ انطلقوا حتى تنظروا، أحَقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟‏ فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً أعرفه، ولا تَفُتُّوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس‏.‏ قال:‏ فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، فيما نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا:‏ من رسول الله؟‏ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد‏.‏ فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكان رجلاً فيه حده؛ فقال له سعد بن عبادة:‏ دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة.‏ ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلموا عليه، ثم قالوا:‏ عضل والقارة؛ أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع، خبيب وأصحابه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين.‏
فلما كانت الظهر، أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثني الزهري، معتجراً بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من ديباج، فقال:‏ أوَ قد وضعت السلاح يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ نعم؛فقال جبريل:‏ فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله عز وجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم.‏
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذناً، فأذن في الناس:‏ من كان سامعاً مطيعاً، فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة‏.‏ جبريل يأتي بحرب بني قريظة‏.‏
قال ابن إسحاق‏:‏ وقَدَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة، وابتدرها الناس، فسار على بن أبي طالب، حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق، فقال:‏ يا رسول الله، لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث؛ قال:‏ لم؟‏ أظنك سمعت منهم لي أذى‏؟‏ قال‏:‏ نعم يا رسول الله؛ قال‏:‏ لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً‏.‏ فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم‏.‏ قال‏:‏ يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته‏؟‏ قالوا:‏ يا أبا القاسم، ما كنت جهولاً.‏
ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة، نزل على بئر من آبارها من ناحية أموالهم، يقال لها بئر أنا‏.‏
قال ابن هشام‏:‏ بئر أنى‏.‏
قال ابن إسحاق:‏ وتلاحق به الناس، فأتى رجال منهم من بعد العشاء الآخرة، ولم يصلوا العصر، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا يصلين أحد العصر إلا ببني قريظة، فشغلهم ما لم يكن منه بد في حربهم، وأبوا أن يصلوا، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ حتى تأتوا بني قريظة.‏
فصلوا العصر بها، بعد العشاء الآخرة، فما عابهم الله بذلك في كتابه، ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
حدثني بهذا الحديث أبي إسحاق بن يسار، عن معبد بن كعب بن مالك الأنصاري‏.‏
قال‏:‏ وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب.‏
وقد كان حيي بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم، حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه.‏
قال‏:‏ فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتواثبت الأوس، فقالوا:‏ يا رسول الله، إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت - وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة قد حاصر بني قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبدالله بن أبي بن سلول، فوهبهم له - فلما كلمته الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم‏؟‏ قالوا:‏ بلى؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ فذاك إلى سعد بن معاذ‏.‏
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها‏:‏ رُفيدة، في مسجده، كانت تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق:‏ اجعلوه في خيمة رُفيدة حتى أعوده من قريب.‏
فلما حكَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة، أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطَّئوا له بوسادة من أدم، وكان رجلاً جسيماً جميلاً، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يقولون:‏ يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم؛ فلما أكثروا عليه قال:‏ لقد أَنى لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم‏.‏
فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبدالأشهل، فنَعَى لهم رجال بني قريظة، قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التي سمع منه.‏
فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ قوموا إلى سيدكم - فأما المهاجرون من قريش، فيقولون:‏ إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار؛ وأما الأنصار، فيقولون:‏ قد عمّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقاموا إليه، فقالوا:‏ يا أبا عمرو، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم؛ فقال سعد بن معاذ:‏ عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، أنّ الحكم فيهم لمَا حكمت؟‏ قالوا‏:‏ نعم:‏ وعلى من هاهنا؟‏ في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالاً له؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ نعم؛ قال سعد:‏ فإني أحكم فيهم أن تُقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتُسبى الذراري والنساء.‏ ويُروى أن النبي عليه السلام أثنى على حكم ابن معاذ.
أما الجولة الأخيرة فقد كانت مع يهود خثبر، حيث اجتمع كافة الأعداء. فبعد انهيار مقاومة اليهود، صالحهم النبي عليه السلام: وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة، سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم، ففعل.‏
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الأموال كلها‏:‏ الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم، إلا ما كان من ذينك الحصنين.‏
فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم، وأن يحقن دماءهم، ويخلوا له الأموال، ففعل‏.‏
وكان فيمن مشى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود، أخو بني حارثة، فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم في الأموال على النصف، وقالوا:‏ نحن أعلم بها منكم، وأعمر لها‏.‏
فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم؛ فصالحه أهل فدك على مثل ذلك، فكانت خيبر فيئاً بين المسلمين، وكانت فدك خالصةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب‏.‏
وكتب النبي صلى الله عليه وسلم ليهود خيبر، علهم يؤمنون: قال ابن إسحاق:‏‏ وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر، فيما حدثني مولى لآل زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس‏‏:‏‏
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، صاحب موسى وأخيه، والمصدق لما جاء به موسى:‏‏ ألا إن الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة، وإنكم لتجدون ذلك في كتابكم:‏‏ ‏‏(‏‏ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ذلك مثلهم في التوارة، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، يعجب الزُرَّاع ليغيظ بهم الكفار، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
وإني أنشدكم بالله، وأنشدكم بما أنزل عليكم، وأنشدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسباطكم المن والسلوى، وأنشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاهم من فرعون وعمله، إلا أخبرتموني:‏‏ هل تجدون فيما أنزل الله عليكم أن تؤمنوا بمحمد؟‏‏ فإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كُرْه عليكم‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ قد تبين الرشد من الغي ‏‏)‏‏ فأدعوكم إلى الله وإلى نبيه.‏‏
إن تعامل العرب مع إسرائيل بالتردد والخوف جعل إسرائيل منتصرة دوماً. أما عندما تعاملت المقاومة الإسلامية بالشدة التي تستأهلها إسرائيل، فقد تمكنت هذه المقاومة، رغم قلة الإمكانات، من الإنتصار المؤزر على الكيان العدواني.
نأتي الآن إلى كيفية تعامل النبي عليه السلام مع النصارى، وهم أهل كتاب أيضاً. وكان أول من جاءه من النصارى، نصارى نجران: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران، ستون راكباً، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وفي الأربعة عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم‏‏:‏‏ العاقب، أمير القوم وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذي لا يُصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبدالمسيح؛ والسيد، لهم ثمالهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الأيهم؛ وأبو حارثة بن علقمة، أحد بني بكر بن وائل، أسقفهم وحبرهم وإمامهم، وصاحب مدراسهم‏‏.‏‏
وكان أبو حارثة قد شرف فيهم، ودرس كتبهم، حتى حسن علمه في دينهم، فكانت ملوك الروم من النصرانية قد شرّفوه وموّلوه وأخدموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم.‏‏‏
فلما رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له موجِّهاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى جنبه أخ له، يقال له:‏‏ كوز بن علقمة - قال ابن هشام:‏‏ ويقال:‏‏ كرز - فعثرت بغلة أبي حارثة، فقال كوز:‏‏ تعس الأبعد:‏‏ يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ فقال له أبو حارثة:‏‏ بل أنت تعست!‏‏ فقال‏‏:‏‏ ولم يا أخي‏‏؟‏‏ قال:‏‏ والله إنه للنبي الذي كنا ننتظر؛ فقال له كوز:‏‏ ما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟‏‏ قال:‏‏ ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرفونا وموّلونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى‏‏.‏‏ فأضمر عليها منه أخوه كوز بن علقمة، حتى أسلم بعد ذلك.‏‏ فهو كان يحدث عنه هذا الحديث فيما بلغني.‏‏
قال ابن هشام:‏‏ وبلغني أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتاباً عندهم.‏‏ فكلما مات رئيس منهم فأفضت الرياسة إلى غيره، ختم على تلك الكتب خاتماً مع الخواتم التي كانت قبله ولم يكسرها، فخرج الرئيس الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يمشي فعثر، فقال له ابنه:‏‏ تعس الأبعد‏‏!‏‏ يريد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال له أبوه:‏‏ لا تفعل، فإنه نبي، واسمه في الوضائع، يعني الكتب.‏‏
فلما مات لم تكن لابنه همة إلا أن شد فكسر الخواتم، فوجد فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم فحسن إسلامه وحج.
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال:‏‏ لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات، جبب وأردية، في جمال رجال بني الحارث بن كعب.‏‏ قال:‏‏ يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ:‏‏ ما رأينا وفداً مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ دعوهم؛ فصلوا إلى المشرق.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فكانت تسمية الأربعة عشر، الذين يئول إليهم أمرهم‏‏:‏‏ العاقب، وهو عبدالمسيح؛ والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة ابن علقمة أخو بني بكر بن وائل، وأوس، والحارث، وزيد، وقيس، ويزيد، ونبيه، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبدالله، ويحنَّس، في ستين راكباً.‏‏
فكلم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم منهم:‏‏ أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبدالمسيح، والأيهم السيد - وهم من النصرانية على دين الملك، مع اختلاف من أمرهم، يقولون:‏‏ هو الله، ويقولون‏‏:‏‏ هو ولد الله، ويقولون‏‏:‏‏ هو ثالث ثلاثة، وكذلك قول النصرانية‏‏.‏‏
فهم يحتجون في قولهم:‏‏ ‏‏(‏‏ هو الله ‏‏)‏‏ بأنه كان يحيي الموتى، ويبرىء الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائراً، وذلك كله بأمر الله تبارك وتعالى:‏‏ ‏‏(‏‏ ولنجعله آية للناس)‏‏.
ويحتجون في قولهم:‏‏ ‏‏(‏‏ إنه ولد الله ‏‏)‏‏ بأنهم يقولون:‏‏ لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد، وهذا لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله.‏‏
ويحتجون في قولهم‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ إنه ثالث ثلاثة ‏‏)‏‏ بقول الله:‏‏ فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، فيقولون‏‏:‏‏ لو كان واحداً ما قال إلا فعلت، وقضيت، وأمرت، وخلقت؛ ولكنه هو وعيسى ومريم.‏‏ ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن - فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ أسلما؛ قالا‏‏:‏‏ قد أسلمنا؛ قال:‏‏ إنكما لم تسلما فأسلما؛ قالا:‏‏ بلى، قد أسلمنا قبلك، قال:‏‏ كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير؛ قالا:‏‏ فمن أبوه يا محمد؟‏‏ فصمت عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهما‏‏.‏‏
وكان ما نزل فيهم من القرآن: قال ابن هشام: فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم، واختلاف أمرهم كله، صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، فقال جل وعز:‏‏ ‏‏(‏‏ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ فافتتح السورة بتنزيه نفسه عما قالوا، وتوحيده إياه بالخلق والأمر، لا شريك له فيه، رداً عليهم ما ابتدعوا من الكفر، وجعلوا معه من الأنداد، واحتجاجاً بقولهم عليهم في صاحبهم، ليعرفهم بذلك ضلالتهم؛ فقال: ‏‏(‏‏ الم الله لا إله إلا هو ‏‏)‏‏ ليس معه غيره شريك في أمره ‏‏(‏‏ الحي القيوم ‏‏)‏‏ الحي الذي لا يموت، وقد مات عيسى وصُلب في قولهم‏‏.‏‏ والقيوم:‏‏ القائم على مكانه من سلطانه في خلقه لا يزول، وقد زال عيسى في قولهم عن مكانه الذي كان به، وذهب عنه إلى غيره.‏‏
‏‏ (‏‏ نزَّل عليك الكتاب بالحق ‏‏)‏‏، أي بالصدق فيما اختلفوا فيه ‏‏(‏‏ وأنزل التوراة و الإنجيل ‏‏)‏‏:‏‏ التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، كما أنزل الكتب على من كان قبله ‏‏(‏‏ وأنزل الفرقان ‏‏)‏‏، أي الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره.‏‏
‏‏ (‏‏ إن الذين كفرو بآيات الله، لهم عذاب شديد، والله عزيز ذو انتقام ‏‏)‏‏، أي أن الله منتقم ممن كفر بآياته، بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها.‏‏
‏‏ (‏‏ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ‏‏)‏‏، أي قد علم ما يريدون وما يكيدون وما يضاهون بقولهم في عيسى، إذ جعلوه إلهاً ورباً، وعندهم من علمه غير ذلك، غِرَّة بالله، وكفراً به.‏‏
‏‏ (‏‏ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ‏‏)‏‏، أي قد كان عيسى ممن صُوّر في الأرحام، لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صُوِّر غيره من ولد آدم، فكيف يكون إلهاً وقد كان بذلك المنزل.‏‏
ثم قال تعالى إنزاهاً لنفسه، وتوحيداً لها مما جعلوا معه:‏‏ ‏‏(‏‏ لا إله إلا هو العزيز الحكيم ‏‏)‏‏، العزيز في انتصاره ممن كفر به إذا شاء الحكيم في حجته وعذره إلى عباده.‏‏ ‏
‏‏ (‏‏ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ‏‏)‏‏ فيهن حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وُضعن عليه ‏‏(‏‏ وأخر متشابهات ‏‏)‏‏ لهن تصريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام، ألاّ يُصرفن إلى الباطل، ولا يحُرَّفن عن الحق.
يقول عز وجل ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ فأما الذين في قلوبهم زيغ ‏‏)‏‏، أي ميل عن الهدى ‏‏(‏‏ فيتَّبعون ما تشابه منه ‏‏)‏‏، أي ما تصرف منه، ليصدقوا به ‏ما ابتدعوا وأحدثوا، لتكون لهم حجة، ولهم على ما قالوا شبهة ‏‏(‏‏ ابتغاء الفتنة ‏‏)‏‏، أي اللبس ‏‏(‏‏ وابتغاء تأويله ‏‏)‏‏.‏‏ ذلك على ما ركبوا من الضلالة في قولهم:‏‏ خلقنا وقضينا‏‏.‏‏ يقول‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وما يعلم تأويله ‏‏)‏‏، أي الذي به أرادوا ما أرادوا ‏‏(‏‏ إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ‏‏)‏‏ فكيف يختلف وهو قول واحد، من رب واحد.‏‏ ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، واتسق بقولهم الكتاب، وصدق بعضه بعضاً، فنفذت به الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودمغ به الكفر‏‏.‏‏
يقول الله تعالى في مثل هذا:‏‏ ‏‏(‏‏ وما يذكَّر ‏‏)‏‏ في مثل هذا ‏‏(‏‏ إلا أولوا الألباب‏‏.‏‏ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا)‏‏‏‏:‏‏ أي لا تمل قلوبنا، وإن مِلْنا بأحداثنا‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ‏‏)‏‏‏‏.‏‏
ثم قال:‏‏ ‏‏(‏‏ شهد الله أنه لا إله إلا هو الملائكة وأولوا العلم ‏‏)‏‏ بخلاف ما قالوا ‏‏(‏‏ قائماً بالقسط ‏‏)‏‏، أي بالعدل فيما يريد ‏‏(‏‏ لا إله إلا هو العزيز الحكيم.‏‏ إن الدين عند الله الإسلام ‏‏)‏‏، أي ما أنت عليه يا محمد:‏‏ التوحيد للرب، والتصديق للرسل‏‏.‏‏ ‏‏(‏‏ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلامن بعد ما جاءهم العلم ‏‏)‏‏، أي الذي جاءك، أي أن الله الواحد الذي ليس له شريك ‏‏(‏‏ بغياً بينهم، ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب‏‏.‏‏ فإن حاجوك ‏‏)‏‏، أي بما يأتون به من‏ الباطل من قولهم:‏‏ خلقنا وفعلنا وأمرنا، فإنما هي شبهة باطل قد عرفوا ما فيها من الحق ‏‏(‏‏ فقل أسلمت وجهي لله ‏‏)‏‏، أي وحده ‏‏(‏‏ ومن اتبعنِ، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ‏‏)‏‏ الذين لا كتاب لهم ‏‏(‏‏ أأسلمتم، فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والله بصير بالعباد ‏‏)‏‏.‏‏
وكانت الملاعنة آخر الدواء: (الملاعنة هي المباهلة، عند ابن منظور): فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله عنه، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأُمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك؛ فقالوا له:‏‏ يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه.‏‏ فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا:‏‏ يا عبدالمسيح، ماذا ترى؟‏‏ فقال‏‏:‏‏ والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم.‏‏ فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا‏‏:‏‏ يا أبا القاسم، قد رأينا ألا نلاعنك، وأن نتركك علىدينك ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضاً‏‏.‏‏
قال محمد بن جعفر‏‏:‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ ائتوني العشية أبعثْ معكم القوي الأمين‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فكان عمر بن الخطاب يقول‏‏:‏‏ ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مُهجِّراً، فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سلم، ثم نظر عن يمينه وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه فقال:‏‏ اخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه‏‏.‏‏ قال عمر‏‏:‏‏ فذهب بها أبو عبيدة.‏‏
سنروي قصة إسلام أحد قادة النصارى لرمزيتها: قال (عدي بن حاتم، وكان نصرانياً) فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخلت عليه وهو في مسجده، فسلمت عليه، فقال:‏ من الرجل‏؟‏ فقلت:‏ عدي بن حاتم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامد بي إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلاً تكلمه في حاجتها.‏
قال:‏ قلت في نفسي:‏ والله ما هذا بملك!‏
قال:‏ ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا دخل في بيته، تناول وسادة في أدم محشوة ليفاً، فقذفها إلي، فقال:‏ اجلس على هذه، قال:‏ قلت:‏ بل أنت فاجلس عليها، فقال:‏ بل أنت، فجلست عليها، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض.‏
قال:‏ قلت في نفسي‏:‏ والله ما هذا بأمر ملك‏.‏
ثم قال‏:‏ إيه يا عدي بن حاتم، ألم تك ركوسياً‏؟‏ قال‏:‏ قلت:‏ بلى، قال:‏ أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع؟‏ (والمرباع ما يأْخذه الرئيس وهو ربع الغنيمة) قال‏:‏ قلت:‏ بلى، قال‏:‏ فإن ذلك يكن يحل لك في دينك، قال‏:‏ قلت‏:‏ أجل والله‏.‏
وقال‏:‏ وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل.‏
ثم قال:‏ لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم، وقلة
عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت، لا تخاف.‏ ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وأيم الله، ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم، قال:‏ فأسلمت.‏
وكان عدي يقول:‏ قد مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن، قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها، لا تخاف حتى تحج هذا البيت، وأيم الله لتكون الثالثة، ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه‏.‏
وقد كان تعامل النبي عليه السلام مع النصارى يتميز بعدم الشدة لأن النصارى أنفسهم لم يخونوا عهداً مع النبي عليه السلام، وهم الذين اختاروا طريقة التعامل مع النبي عليه الصلاة والسلام. جاء في السيرة المطهرة: ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة، صاحب أيلة، فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح، فأعطوه الجزية، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم كتاباً فهو عندهم.‏
فكتب النبي عليه السلام ليحنة بن رؤبة:
بسم الله الرحمن الرحيم:‏ هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله، ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر‏:‏ لهم ذمة الله، وذمة محمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثاً، فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقاً يريدونه، من بر أو بحر‏.‏
وهذا أكيدر، وقد كان نصرانياً صالحه رسول الله عليه السلام: قال ابن إسحاق‏:‏ ثم إن خالداً قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته.
ثم أن الرسول عليه السلام قد أوصى معذاً عندما بعثه إلى أهل الكتاب في اليمن: قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني عبدالله بن أبي بكر أنه حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين بعث معاذاً أوصاه ، وعهد إليه ، ثم قال له ‏:‏
يسر ولا تعسر ، وبشر ولا تنفر ، وإنك ستقدم على قوم من أهل الكتاب ، يسألونك ما مفتاح الجنة ‏؟‏ فقل ‏:‏ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له...
ننهي فنقول أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تعامل مع أهل الكتاب معاملة عادلة (بالتي هي أحسن). أما ما كان من قتل اليهود أحياناً وتهجيرهم أحياناً أخرى فكان ذلك بسبب من نقضهم عهدهم مع رسول الله عليه الصلاة والسلام وتآمرهم عليه وجمع الجموع لقتاله وتأليب القبائل عليه. وهذا ما لم نجده مطلقاً مع النصارى.
إن عدم معرفة مسلمي أيامنا الحاضرة التعامل مع اليهود بما يقتضيه التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل اليهود ينتصرون علينا ويستعمرون فلسطين وبعضاً من أراضي الدول العربية. والقلة المؤمنة التي تعاملت مع هؤلاء اليهود بما يقتضيه التأسي بالنبي عليه السلام جعلهم يحققون انتصارين عزيزين على الأعداء، عنيت المقاومة الإسلامية.
ولا يخرج عن ذلك التعامل مع الغرب المستعمر وخاصة مع أمريكا الظالمة التي تتمتع بخيرات الدول الإسلامية لأن المتحكمين بهذه الدول باتوا على غربة مع رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه.
19 كانون الأول 2010 حسن ملاط