بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

السبت، 17 مارس 2012

مقاربة جديدة

هل اتخذ "حزب الله" قراراً بترميم علاقته مع جمهوره العريض؟

كان "حزب الله" النجم الساطع في مجمل الدول العربية والإسلامية. وكان السيد حسن نصر الله، الأمين العام للحزب هو الشخصية التي يصعب على المرء انتقادها، لأن الناس لم تكن لتتقبل هذا النقد. فالسيد هو سيد المقاومة، والمقاومة هي من المقدسات عند جميع المجتمعات الإسلامية. المقاومة كانت قدسيتها في مصر وتونس والجزائر والمغرب وتركيا وسوريا ولبنان و... لا ضرورة لكتابة أسماء جميع البلدان.

ففي مصر، رغم كل الوحشية للنظام المباركي في قمعه لكل ما يمت إلى المقاومة بصلة، فقد كان الشعب المصري يجاهر في دعمه للمقاومة. والتنظيم الإسلامي الأعرق كان يعلن جهاراً نهاراً تأييده لحزب الله وللمقاومة، عنيت الإخوان المسلمين. وهذا الوضع لا يختلف عنه وضع سائر الدول العربية ، ومنها سوريا ولبنان.

في سوريا لم يكن النظام معادياً للمقاومة، بل كان يقدم لها يد العون نتيجة ظروف عديدة. وكان الشعب السوري ممتناً لنظامه لتقديمه يد العون للمقاومة. ودلالة على التزام الشعب السوري بالمقاومة، وبمعزل عن نظامه، أنه في حرب تموز لم يقبل استقبال النازحين اللبنانيين إلا في بيوته، وليس في المؤسسات الرسمية من مدارس وغيرها.

والرئيس السوري، عندما أعلن أن الربيع العربي لن يصل إلى سوريا، قال أن ذلك بسبب تأييده للمقاومة وسياسته "الممانعة".

أما في لبنان، فما من أحد إلا ويعلم أن أهم شخصيتين لبنانيتين عند أهل السنة والجماعة كانتا رفيق الحريري وحسن نصر الله. أما الأول فلأسباب مذهبية وأما الثاني فلأسباب وطنية وعقائدية، فهو سيد المقاومة.

بعد جريمة اغتيال الرئيس الحريري، تبدل الوضع في لبنان تبدلاً نوعياً. فقد انقسم المجتمع اللبناني انقساماً عمودياً إلى ما سمي 14 آذار والثامن منه، وكأن ليس بين هاتين الفئتين أية قواسم مشتركة. هذا بالرغم من محاولة الجمع بينهما فيما سمي الحلف الرباعي في الإنتخابات، هذا الحلف الذي لم يدم طويلاً.

هذا الإنقسام لم يأت عن عبث، فهو مطلب للفئات التي كانت تستمع إلى نصائح الأمريكي فيلتمان. لذلك رأينا جماعة الرابع عشر من آذار تغذي الإنقسام الطائفي والمذهبي، حتى أن أي صاعق كان بإمكانه تفجير حرب ضروس لا تبقي ولا تذر. ولكن العامل الهام في عدم تفجر هذه الحرب هو عدم قبول حزب الله الدخول في المخطط الذي أراده فيلتمان وجماعته.

ما تقدم لايعني مطلقاً أن ممارسة الثامن من آذار وعلى رأسها حزب الله كانت كلها ممارسات مدروسة بشكل يحافظ على المقاومة. كلا! فالحفاظ على المقاومة يتطلب أول ما يتطلب عدم الإنقسام العمودي للمجتمع اللبناني. فهكذا إنقسام يفرز أفراد المجتمع بالرغم منهم، إلى فئات، ربما يرفض البعض مجرد التفكير بأن يكون جزءاً منها. وهذا ماحصل.

هل كان بالإمكان التصدي لهذه الظاهرة. نعم! لو تأمنت النيات للقيام بمثل هذا العمل. إن ماحصل هذه السنة، إبتداء من بدء الإنتفاضة السورية، هو نفس ما حصل بعد جريمة اغتيال الرئيس الحريري. لم يدرس حزب المقاومة النتائج التي يمكن أن تترتب عن أخذه موقف مؤيد للنظام السوري من غير تحفظ، كما فعل عندما رفع شعار "شكراً سوريا"، من دون أن يدرس أبعاد هذا الشعار على الطرف اللبناني الآخر. إن حزب المقاومة مسؤول عن استمرار المقاومة وتأييد المقاومة ليس عند جمهوره المذهبي فقط ولكن عند الجمهور العربي والإسلامي على امتداد العالم. هذه المسؤولية لا نحملها للأطراف الأخرى لأنها ليست معنية بحماية المقاومة كأهل المقاومة.

لقد كان موقف الحزب من الثورات العربية مشرفاً باستثناء الموقف من التحركات الجماهيرية السورية. إن المقاربة التي جعلت الحزب يأخذ جانب النظام ولم تجعله يأخذ جانب المعارضة، نعني المعارضة الداخلية التي رفعت شعار الإصلاحات قبل أن يجبرها النظام على رفع شعار تغيير النظام، كانت مقاربة خاطئة، حتى لا نقول ظالمة. فالشعب السوري أيد المقاومة بدون تحفظ. لذلك كان على المقاومة أن تؤيده.

هل كان ذلك ممكناً؟ نعم!

إن الموقف الذي أعلنه السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير، عندما قال: "في سوريا لا يوجد إلا حل سياسي يقوم على إلقاء متزامن للسلاح وفق آلية متفق عليها للدخول في الحل".

وأضاف: "هناك شعب في سوريا يريد الاصلاح ولا يريد التقسيم ولا الحرب الاهلية ولا الحرب الطائفية، ولا يريد ان يكون عرب خيانة ولا عرب اعتدال بل عرب مقاومة ونحن مع هذا الجزء من الشعب"! هذا الموقف ينم عن مقاربة صحيحة بلا شك، بمعنى الموازنة بين تأييد النظام وعدم التنكر للمعارضة الداخلية التي تعمل من أجل الإصلاح. ولكن كانت هذه المقاربة أصح لو صدرت منذ بدء الأحداث حيث لم يكن سلاح ولا قتل ولا قصف على الأحياء والمدن ولا تحضير لحرب أهلية.

نحن نرى بهذا الموقف للأمين العام لحزب الله موقفاً مسؤولاً يمكن الدفاع عنه، حتى لا تغوص سوريا بحرب أهلية تقضي على كل مكتسبات الشعب السوري عبر السنين. هذا من غيرأن نشير إلى انعكاساتها الممكنة على دول الجوار، وخاصة لبنان. ولكن من الملاحظ أن إعلام الحزب لم يتعامل مع الموقف الجديد لسماحة السيد، بالطريقة التي يجب. فإبراز هذا الموقف يمكن أن يخفف الإحتقان القائم حالياً، شريطة إبراز الموقف وإبراز أبعاده. إن الإنقسام العمودي القائم اليوم يتطلب الكثير من العمل لنقض بنيانه، والمعنيون هم أهل البيت، نعني الحزب، بجميع دوائره.

كما أن هذا الموقف المستجد يمكن أن يخفف من الحرب الضروس المعلنة عل المجموعات المؤيدة للمقاومة والحزب في المناطق ذات الأغلبية السنية. ولكن هذا كله مرهون بحسن إبراز هذا الموقف للمعنيين وللناس أجمعين.

هذا الموقف، وتطويره بحيث يبرز مدى حرص الحزب على مصالح الشعب السوري سوف يساهم حتماً بردم الهوة القائمة اليوم بين المقاومة وجمهورها العريض في مختلف الدول العربية والإسلامية.

17 آذار 2012 حسن ملاط

الأحد، 4 مارس 2012

الوضع الدولي

الوضع الدولي

سنركز في استعراضنا للوضع الدولي على سياسة الولايات المتحدة الأمريكية إزاء الصين وروسيا والشرق الأوسط، موضحين آراء الصين وروسيا من المواضيع المثارة. كم أن هناك إطلالة على الوضع الأوروبي من حيث أهميته على الصعيد العالمي.

أمريكا والصين: لاتزال النقطة المركزية في السياسة الأمريكية هي علاقاتها مع الصين. ذلك أن الصين هي الممول الرئيسي للخزينة الأمريكية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن التجارة البينية هي الأضخم على الإطلاق. فحجم التجارة الصينية مع أمريكا هي حوالي 35% بينما20% مع أوروبا، كما أن التوظيفات الأمريكية في الصين هي كبيرة أيضاً. من هنا فإن إمكانية تدهور العلاقات ما بين البلدين تبدو من الصعوبة بمكان. ولكن لكل منهما سياسته المستقلة عن الآخر.

إن الشراكة بين البلدين هي شراكة مضاربة، أي أن كلاً منهما يحق له مد اليد على جيبة الآخر. من هنا موقف الصين الذي لم يمد يد المساعدة لأمريكا للخروج من مآزقها في العراق أو أفغانستان أو سوريا أخيراً. إذ أن الصين يهمها أن تغرق أمريكا في مآزقها حتى لا تتفرغ للذهاب إلى حدائق الصين الخلفية في المحيط الهادىء وخاصة بحر الصين الجنوبي. فقد أعلنت أمريكا أن أولويتها أصبحت العودة إلى التمدد في المحيط الهادىء. وهذا يعني التصادم مع الصين المتعاهدة مع دوله بمعاهدة "آسيان" ومؤتمر "شنغهاي". ولكن المؤتمر الذي عقده أوباما في جزيرة هاواي مع دول المحيط الهادي قد أزعج الصين لأنه ساهم بتقويض سنوات عديدة من السياسة السلمية التي مارستها الصين مع هذه الدول. يُضاف إلى ذلك تجديد الولايات المتحدة لوجودها المسلح في أوستراليا.

لم تسكت الصين عن هذا التطور. فإلى جانب الرسائل السلمية إلى الولايات المتحدة، وخاصة زيارة نائب الرئيس الصيني لأمريكا، وتصريحات كبار المسؤلين في البلدين عن الشراكة التاريخية بين البلدين، اعتبرت الصين أن تقوية الجيش الصيني هو أساس في السياسة السلمية للصين. وكذلك فإن الصين ترى أنه "من المهم أن نلاحظ تركيز الولايات المتحدة كقوة عسكرية في العالم على تامين إستراتجيتها ضد الصين. وقد لا نفهم هذا الاحتياط الأمريكي الكبير من الصين، لكن سجلات الماضي تبين لنا المقارنة الطفيفة مع استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية.حيث تأكدها من عدم قدرتها على تحمل القتال مرة أخرى، جعلها تمارس الضغوطات العسكرية كوسيلة مفضلة والأكثر فعالية".

"إن اتجاه الصين التدريجي إلى الطليعة السياسية الدولية يحتم عليها تعجيل بناء قدرات دفاعية وطنية. كما أن التغيير السريع للوضع العالمي، وتضييق مساحة التعاون الاستراتيجي من اجل السلام بين دول مختلفة في العالم، أدى إلى اهتزاز مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية على المسرح العالمي. وعززت العولمة قيمة السلام، بل صنعت نقاط احتكاك أكثر من الماضي".

وترى الصين أن "تعزيز الجيش الصيني جزء لا يتجزأ من التنمية والاستقرار في الصين".

"إن البيئة الأمنية للصين بشكل عام مازالت في الحدود الطبيعية، لكن لا نستطيع تجاهل التحديات الكامنة في ملف قضية تايوان الذي لم ينطو بعد والنزاع حول الجزر المحيطة بالصين التي قد تتصاعد في أي وقت. كما ان تدخل البلدان الكبيرة في هذا الوضع قد يتطور إلى إستراتيجية التوتر في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وإن المبادرة الصينية للسيطرة على هذه المخاطر ليست كبيرة. كما لا تملك القدرة الكافية للتمسك بالحلول السياسية وتبقى بعيدة عن مخاطر الحرب".

"كما أنه من الضرورى الاشارة الى انه مامن دولة، بما فى ذلك الصين، تطالب بالسيادة على كل بحر الصين الجنوبى، حيث إن البعض أطلقوا تصريحات غير مسئولة فى هذا الصدد فى مناسبات كثيرة.
كما وإن الصين تأمل فى أن يتمكن كل الأطراف، بما فى ذلك الدول غير المعنية بشكل مباشر، من القيام بالمزيد لصالح السلام والاستقرار الإقليميين".
"وكذلك فإن الصين والدول المعنية تجرى مفاوضات سلسة ولديها قنوات اتصال".

ويرى ألان فراشون، معلق من لوموند الفرنسية أن نفوذ الصين هو مطلب أمريكي. يقول: "زيارة واشنطن (التي أشرنا إليها سابقاً) تبرز العلاقات المميزة بين الصين والولايات المتحدة جراء الترابط الاقتصادي والمالي المتعاظم بينهما، إثر طي مرحلة من التحدي والعداء بين القوة الراسخة وتلك التي قد تتربع محلها".

"ويسعى تشي (نائب الرئيس الصيني والرئيس القادم) أن يكسب ود الاميركيين، فهو يشبه الممثل الاميركي جون وين. وتشي يتحدر من طبقة الاريستوقراطية، المسماة في بكين «برينسلينغس»، أي ذرية القادة الماويين السابقين. وُلد بعد إنشاء جمهورية الصين الشعبية في 1949، وسافر الى الخارج، وزار أميركا أكثر من مرة. ابنته طالبة في هارفرد، وشقيقه يعيش في هونغ كونغ وشقيقته في كندا".

"ومنذ أعوام، تحفل الحملات الانتخابية الاميركية بشعارات معادية للصين. وتُتهم بكين بأنها سرقت ملايين الوظائف من الاميركيين، وأنها منافس غير عادل ونزيه. وينظر أكثر من نصف الأميركيين الى نمو الصين نظرة سلبية. وعلى خلاف ما جرت العادة، بدأت أوساط رجال الأعمال الأميركيين تطعن في سياسات بكين التي تقدم الشركات الصينية على الشركات الاخرى، وتحصن أسواقها الداخلية من المستثمرين الأجانب، وترفض احترام الحقوق الفكرية، ولا تحمي الاستثمارات الخارجية. وتقصر طموحاتها على بحر جنوب الصين".

بقي أن نعرج على العلاقات البينية الأمريكية الروسية. فهي تتسم بالتوتر في هذه الأيام. وهي لها علاقة بالإنتخابات سواء الروسية أو الأمريكية. كما أن هناك أسباباً موضوعية للتوتر. وقد تجلت في الموقف الروسي في مجلس الأمن في القضية السورية.

أمريكا حاصرت روسيا في الدرع الصاروخية. في تركيا نشرت القواعد وكذلك في بولونيا وتشيكيا. ولا ننسى علاقة التبعية للغرب في جورجيا. ولم تقبل أمريكا بمناقشة هذا الأمر مع روسيا. من هنا فإن هناك مصلحة روسية بإبقاء أمريكا في الشرق الأوسط المتوتر وليس الهادىء. علها تتمكن من فتح قناة تفاوض على الدرع الصاروخية. كما أن هناك أسباباً داخلية روسية تستدعي هذا التوتر. فمن المعلوم أن هناك تدفقاً لرؤوس الأموال الروسية إلى الخارج (82 مليار دولار). وهذه الرؤوس الأموال بدلاً من توظيفها في الداخل الروسي توظف في الخارج. من هنا تأتي أهمية الإنتخابات الروسية والتي قادها بوتين بشكل يركز فيه على قومية المعركة. لأنه من المهم جداً عودة هذه الرساميل وخاصة أن روسيا لم تشف بعد من أزمة 2008 الأمريكية.

نفهم مما تقدم أن المعركة بين روسيا وأمريكا حقيقية وتتركز على اعتراف الولايات المتحدة لروسيا بمصالحها العالمية. أي أن الآحادية القطبية قد ودعت إلى غير رجعة.

أما بالنسبة للموقف الأمريكي من قضايا الشرق الأوسط، فبالنسبة لسوريا، فإن معظم مراكز الدراسات ركزت على عجز السياسة الأمريكية. فهي لم تفعل شيئاً من أجل مساعدة المعارضة السورية.

وكان تركيز هذه المراكز على الإجتماع القادم ما بين أوباما ونتنياهو، لذلك تحدثت عن نية إسرائيل الإعتداء على إيران، سواء وحدها أو بمعونة الولايات المتحدة. وخلصت إلى إبراز ما يلي: "تصريحات قائد رئاسة القوات المشتركة الاميركية، مارتن ديمبسي، قبل ايام معدودة حثت على عدم تهور اسرائيل واللجوء للخيار العسكري، وجاء فيها ايضاً انه ليس "من الحكمة" قيام اسرائيل بشن هجوم عسكري خاصة لما "سيرافقه من عدم الاستقرار ولن يحقق اهدافهم في الامد البعيد."

و أضافت: "لم ترق هذه الرسائل عالية الوتيرة للاسرائيليين، بل اعربوا مراراً عن نيتهم القيام بهجمة "ضرورية بغض النظر عن تداعياتها،" وبما ان لها باع طويل في شن هجمات عسكرية بعيدة ضد اهداف تعتبرها تشكل مخاطر محتملة فأن تهديداتها الراهنة تأخذ بعض الصدقية. وامعاناً في الصلف المعتاد لاسرائيل، صرح وزير خارجيتها افيغدور ليبرمان ان مسألة شن هجوم ليست من شأن اي كان، كما ان اعتراض الحلفاء راهناً لن يترك اثراً على القرار الاسرائيلي".

ثم تحدثت عن السياسة الخارجية بالنسبة للعراق وأفغانستان. فبينت أن لاتأثير لأمريكا في العراق وهذا يبين هزيمة أمريكا في العراق. "حث معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS الادارة الاميركية تطبيق سياسات من شأنها صون الاستقرار في المنطقة، والاخذ بعين الاعتبار عدد من الابعاد والعوامل لصياغة سياسة اميركية نحو دول الخليج العربي. وقال "لن تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في التركيز على ايران لدرجة استثناء العراق .. اذ انها (اميركا) ليست اللاعب المؤثر في الشؤون العراقية بعد الآن."

أما بالنسبة لأفغانستان: نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS دراسة نقدية للاستراتيجية الاميركية في أفغانستان، وخلصت إلى القول "من الواضح ان الاستراتيجية السابقة المتبعة اصبحت في عداد الموتى، ونحن بحاجة ماسة لاختيار اما: استراتيجية "انتقالية" فاعلة للمستقبل وتخصيص الموارد المالية اللازمة لتطبيقها، او تحديد استراتيجية صادقة للخروج من شأنها تخفيف الضرر .. عن مصالحنا القومية."

بقي أن نضيف، أن ما نراه اليوم على المسرح الدولي هو محاولة كل من الأطراف الفاعلين على الصعيد الدولي التموضع من جديد بحيث يوازن بين مصالحه الخاصة وعلاقته مع الأطراف الأخرى.

الأزمة الأوروبية: كان الأبرز في الأزمة الأوروبية المستمرة هو اجتماع الدول السبعة وعشرين واتفاقهم على سياسة أوروبية مالية جديدة وافقت عليها جميع الدول باستثناء بريطانيا وتشيكيا. وتنص هذه المعاهدة على: «قواعد ذهبية» تفرض توازن الحسابات العامة، إضافة إلى عقوبات تُفرض تلقائياً على الدول التي تتساهل في تجاوز عجزها السنوي العام حدود الثلاثة في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

ولكن حتى قبل دخول هذه المعاهدة حيز التنفيذ، فان الظروف الاقتصادية التي تزداد تدهوراً والانكماش في منطقة اليورو، تثير الشكوك حول قوة الموازنة التي تعتزم المعاهدة فرضها، في حين وجدت دول نفسها مرغمة على مواجهة تجاوز مالياتها العامة حدود التوازن المطلوب. إسبانيا أعلنت بداية الأسبوع ارتفاع عجزها العام إلى 8.51 في المئة من إجمالي الناتج المحلي عام 2011، في حين تعهدت بخفض العجز إلى 4.4 في المئة هذه السنة، وثلاثة في المئة عام 2013، إلا أنها تحاول تخفيف الهدف الذي التزمت به. وتُظهر هولندا أن العجز سيتجاوز ثلاثة في المئة بالنسبة للعام الماضي، ليبلغ 4.5 في المئة هذه السنة، و3.3 العام المقبل و4.1 في المئة عام 2014. فسيؤدي ذلك نتائج غير محسوبة، ويمكن أن يثير غضب دول مثل بلجيكا، التي وجدت نفسها مرغمة على وضع موازنات تصحيحية في ظروف مؤلمة جداً، ما يؤدي إلى إضعاف المعاهدة.

أظهرت بيانات صدرت يوم الخميس ارتفاع البطالة في منطقة اليورو إلى أعلى مستوى منذ بدء استخدام العملة الموحدة، فيما استقر التضخم بشكل كبير في بداية 2012، وهو ما يعني أن على البنك المركزي الأوروبي أن يوائم بين احتياجات الاقتصاد المتباطيء وضغوط الأسعار.
وارتفعت نسبة العاطلين عن العمل في منطقة اليورو إلى 10.7 بالمئة في كانون الثاني من 10.6 بالمئة في كانون الأول/ديسمبر. ويزيد هذا كثيرا عن مستوى ثمانية بالمئة عند اطلاق العملة الموحدة في 2000.
أما بول كروغمان الخبير الإقتصادي المشهور والحائز على جائزة نوبل في الإقتصاد فيهزأ من الذين يحملون الطبقات الفقيرة مسؤولية النهوض في الإقتصاد الأوروبي. يقول: تقول القصة ان أوروبا تواجه المشكلات لأنها قامت بأكثر من اللازم لمساعدة الفقراء والتعساء، لذلك نشهد احتضار دولة الرعاية. هذه القصة هي المفضلة عند التيار اليميني: في 1991، قيل أن الازمة السويدية تثبت فشل نموذج دولة الرعاية. هل ذكرت أن السويد التي ما زالت دولة الرعاية فيها كريمة جداً، تعتبر اليوم نجمة في الأداء الاقتصادي؟

انظروا الى الدول الاوروبية الخمس عشرة التي تستخدم اليورو (مع استثناء مالطا وقبرص) ورتّبوها وفق نسبة الناتج المحلي الاجمالي التي تنفقها على البرامج الاجتماعية قبل الأزمة. هل يظهر ان اليونان وإرلندا والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا تتميز بإنفاقها الكبير كدول رعاية؟ لا. وحدها إيطاليا ضمن اكبر خمسة منفقين (على البرامج الاجتماعية) وعلى رغم ذلك تبدو دولة الرعاية الايطالية أصغر من المانيا. إذاً، دولة الرعاية المفرطة في الاتساع لا تسبب المشكلات.

تتحدث الصحف الأوروبية عن كيف التخلص من مقترحات تقوم على التضحية بالشعوب من أجل حماية البنوك؟

ثم تظهر هذه الصحف كيف يتم تحميل الفقراء مسؤولية الخروج من الأزمة: "الموت المعلن للنمط الأوروبي(الرعاية الإجتماعية) يرثى له، ويضع في دائرة الخطر النظام المالي والسياسي الأوروبي، كتبت Die Wochenzeitung. عند ترك الأسواق المالية تعمل حسب مصالحها والفوائد تتحدد تبعاً لمشيئة الوكالات(مثل ستاندرد اند بورز)، المعونة لليونان، حسب الجريدة السويسرية اليسارية، سوف تفشل، والتفاقم المقبل للأزمة هو مسألة وقت.

يدعو كاتب المقال إلى حل وحيد يكمن في الرفض التام لطلبات ثلاثي الاتحاد الأوروبي UE- البنك المركزي الأوروبي BCE- صندوق النقد الدولي FMI، وعودة السيادة اليونانية على موازنتها:

يجب أن تتركز الأهداف في تحقيق التوازن بين البلدان في مستويات الإنتاجية وفي مستويات الأجور. ولعله من الضروري اعتماد سياسة صناعية أوروبية تحافظ على البيئة في أوروبا وتجعلها تضامنية. ولعل الأمر لا يتطلب تسوية توزيع المستلزمات المالية والأجور بين الطبقات فحسب، بل بين بلدان منطقة اليورو أيضاً، وذلك من خلال فرض ضرائب أكبر على الأجور المرتفعة والثروات الكبيرة. وقد تكون محصلة ذلك مساواة أكبر في الضريبة في أوروبا بدل الاعتماد فقط على فعالية الأمر في اليونان.

ماذا حصل قبل اجتماع بروكسيل؟ منح البنك المركزي الاوروبي 800 مصرف في منطقة الأورو 529,53 مليار أورو، في عمليته الثانية الاستثنائية من القروض على مدى ثلاثة اعوام، وهو رقم قياسي جديد للاجراء الهادف الى استقرار النظام المالي الاوروبي وتنشيط التسليف. (وهذا لاتفيد منه الطبقات الفقيرة التي تطرد من وظائفها).

إليكم هذا التوصيف الأمريكي لأسباب الأزمة: قال بول فولكر، المستشار الاقتصادي السابق للرئيس الأمريكي باراك أوباما، والرئيس السابق لمجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي) الأمريكي، إن الأزمة المالية تعتبر نتاجاً لانحراف البنوك عن دورها الرئيسي واستخدام أصول العملاء في 'استثمارات المضاربة'.
أما رياض سلامة، محافظ البنك المركزي في لبنان فيقول: أن «التحرك غير التقليدي للمصارف المركزية الأساسية عالمياً منذ عام 2008 وضخ السيولة المجانية لتعويم القطاع المصرفي، منعا الانهيار لكن الأزمة لم تُحَلّ». واعتبر أن «مَن يديرون العالم اليوم هم المتحكّمون في الأسواق المالية ومؤسسات التصنيف».

في نفس النطاق يتحدث وزيرمالية جنوب أفريقيا مستنكراً تصرفات مؤسسات التصنيف:

خفضت موديز(وكالة تصنيف) البنوك الخمسة في جنوب افريقيا وشركة تطوير البنية الأساسية مستشهدة بمخاوف من أن الحكومة قد تواجه مشاكل في إنقاذ النشاطات المهمة إذا تعرضت لأزمة.

أوضح جوردان، وزير مالية جنوب افريقيا، أن 'وكالات التصنيف تلك التي أظهرت عدم ملاءمتها لقيادة الأزمة المالية العالمية تتخذ الآن من مشاكل الدين الأوروبية كمعيار تحكم به على الكل برغم إدارتنا المالية الممتازة.
وقال إن الوكالات كانت تطالب في بادئ الأمر بإجراءات تقشف لخفض الدين، لكنها تريد بعد ذلك رؤية معدلات نمو مرتفعة. وأضاف قائلاً لا يمكن أن تحقق الاثنين مشيراً الى أن التوازن مطلوب.

وهذا ما ينطبق على اليونان والدول الأوروبية الأخرى.

أما عن تأثير الأزمة الأوروبية على الإقتصاد الأمريكي فيتحدث برنانكي محافظ البنك المركزي الأمريكي:

حذر رئيس الاحتياطي الفدرالي الأميركي بن برنانكي يوم الأربعاء من أن الانتعاش الاقتصادي سيبقى بطيئاً في السنوات المقبلة، وقال أن البطالة ستبقى مرتفعة.
وأشار برنانكي إلى عدة عوامل يرجح أن تجثم فوق الاقتصاد، بينها بشكل خاص الأزمة في أوروبا وسوق الإسكان، موضحاً انه رغم تراجع الأسعار إلاّ انه 'للأسف، ان العديد من المشترين المحتملين لا يملكون دفعات مسبقة والسجل الائتماني اللازم للحصول على قروض.
وقال إن المقترضين لا يزالون يواجهون متاعب للحصول على قروض، ولا تزال الحكومة الفدرالية والحكومات المحلية تسرح العمال.

ولا بد من لفت النظر إلى الدور الكبير الذي تلعبه الشركات والمصالح المالية الأمريكية في الإنتخابات القادمة:

تلعب الشركات والمصالح المالية دوراً اكثر اهمية بكثير مما مضى في تمويل حملة الانتخابات الرئاسية الاميركية بسبب الثقل الكبير للجان التمويل السياسي 'المستقلة' التي دخلت اللعبة في 2010.

إن الرئيس المنتهية ولايته باراك اوباما اثار غضب الكثير من الناس في القطاع المالي وقطاع الصحة مع اصلاحاته 'ولن يقدموا له ما سبق وقدموه في 2008 عندما كان الجميع مولعين به.
وتميل شركات وول ستريت خصوصاً الى دعم ميت رومني مالياً لانه يتحدر من صفوفها حيث امضى قسماً كبيراً من مسيرته العملية في صندوق باين كابيتال.

وعلينا أن نشير إلى عامل سوف يكون له تأثيرات مستقبلية وهو اهتمام الصين بتدويل عملتها: كانت الصين وسعت العام الماضي نطاق التعاملات باليوان ليشمل انحاء البلاد بعدما اقتصر في البداية على 20 إقليماً فقط وذلك بهدف تعزيز مكانة اليوان على الصعيد الدولي وتسهيل حركة التجارة الخارجية الصينية.

وأخيراً من خارج السياق نشير إلى ما يلي: قال البنك الدولي إن الدول النامية حققت فيما يبدو هدف الأمم المتحدة بخفض الفقر المدقع في أفقر دول العالم بحلول عام 2015 الى النصف.
غير أن تقسيماً على أساس المناطق يظهر فقط أن مناطق شرق اوروبا والشرق الأوسط وشرق اسيا والمحيط الهادي التي تشمل الهند والصين حققت هدف خفض الفقر، بينما قال البنك الدولي إن افريقيا وامريكا اللاتينية لم تحققا الهدف بعد.

هذا أهم ما رأيناه في الوضع الدولي وهو خاضع للمناقشة حتماً.

4 آذار 2012 حسن ملاط

الأحد، 26 فبراير 2012

مؤتمر تونس ومؤشرات الوضع السوري

لقد كانت الحماسة كبيرة من عدد من الدول العربية لانعقاد مؤتمر أصدقاء سوريا في تونس. ولكن لم نعلم لم هذه الحماسة، لاسيما وأن جميع المجتمعين لا يملكون حرية القرار في أي أمر سواء كان يخص سوريا، ونكاد نقول دولهم. ألقوا خطاباتهم قبل أن يعرفوا مضمون التعليمات الأمريكية الجديدة. لذلك جاءت خطاباتهم غير متطابقة مع المزمع القيام به من قبل الأمريكان. وكان اللافت محاولة انسحاب وزير الخارجية السعودي لأنه يريد قرارات عملية. فكان انسحابه هزلياً أكثر من كونه جاداً. فهو مجبر على الإلتزام بتعليمات المايسترو (كلينتون). من هنا كانت المقررات التي صدرت عن هذا المؤتمر لا تختلف عن تلك التي خرجت عن مؤتمر الأمم المتحدة.

"وعقد وزير الخارجية التونسي بعد ذلك مؤتمرا صحفيا إستعرض فيه نتائج هذا المؤتمر ، حيث أكد أن هذا المؤتمر وجه رسالة قوية للتضامن مع الشعب السوري الذي يطالب بالحرية والعدالة والديمقراطية".

"وشدد على ضرورة معالجة الأوضاع الإنسانية في سوريا التي وصفها بالخطيرة،ولكنه أكد في المقابل رفضه لإعادة تجارب فاشلة إرتكزت على التدخل العسكري".

وقال " إننا نريد ضمان إنتقال ديمقراطي سلس في سوريا،وحماية السيادة السورية،ووحدة آراضيها،ولا ندعو إلى التدخل العسكري".

ولكن الفرق بين المؤتمرين أن مؤتمر الأمم المتحدة كان بأكثرية 137 دولة، بينما مؤتمر تونس كان ممثلاً ب70 دولة. إذن يمكننا الإستنتاج أن مؤتمر تونس هو لزوم ما لا يلزم. فمسيرة التأييد بدلاً من أخذها منحىً تصاعدياً أخذت منحىً تنازلياً. أضف إلى ذلك أن الإعتراف ب"المجلس الوطني السوري" لم يكن قيمة مضافة، حيث أن هذا المجلس ليس الأكثر تمثيلاً للمعارضة السورية، خاصة تلك الفاعلة على أرض الواقع، اي في الداخل السوري. من أجل ذلك استنتج البعض أن هذا الإعتراف كان بسبب من تشكيل هذا المجلس، حيث أن تشكيله كان بموافقات غربية عربية، وكذلك المؤتمر.

أما ما هو أهم من المؤتمر هو تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية بعد نهايته. "ذكرت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، في تصريحات أدلت بها في مؤتمر صحفي عقب مؤتمر أصدقاء الشعب السوري الذي عقد في تونس مساء الجمعة، ذكرت أن الرئيس السوري بشار الأسد "ما زال قادراً على الاختيار بين إنقاذ بلده وشعبه وبين الانزلاق نحو الدمار". و"استبعدت أي عمل عسكري ضد النظام السوري، وقالت إن المؤتمر اتفق على تعزيز الضغط على الحكومة السورية، وفرض مزيد من العقوبات على دمشق لوضع نهاية لسفك الدماء".

"وأعربت وزيرة الخارجية الأمريكية عن ثقتها في "انهيار النظام السوري من الداخل نتيجة لانقلاب عسكري"، مشيرة إلى أن العام الماضي "شهد تدخل قادة عسكريين لإزاحة زعماء غير مرغوب فيهم بالمنطقة كما حدث في تونس ومصر".

ما الذي تعنيه هذه التصريحات؟ وما الذي يعنيه توقيتها؟

أما من حيث التوقيت، أي في نهاية المؤتمر التصعيدي، من حيث التحضير لانعقاده، فهذا يعني أن التصعيد أو عدمه مرهون بالموقف الأمريكي وحده.

أما التصريحات فهي تعني أن هناك مفاوضات تجري تحت الطاولة بمعزل عن جميع المؤتمرين، حيث أن المؤتمر في مكان والقرارات في مكان آخر. واعتقادنا أن هذه المفاوضات تتم بين الولايات المتحدة وروسيا، كما أن النظام السوري طرفاً فيها، وربما إيران. كما وأن تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية يعني أن هذه المفاوضات تتقدم. من أجل ذلك نرى بأن الحل في سوريا بات قريباً.

أما عن الربح والخسارة، فمن الحتمي أن القوى التي أفاضت في تأييد أحد الطرفين سوف تكون الخاسر الأكبر. أما استمرار النظام السوري فلن يكون بالشكل الذي هو عليه الآن.

26 شباط 2012 حسن ملاط

الثلاثاء، 14 فبراير 2012

أما الغرب؟

أما الغرب؟

عندما تحدثنا عن روسيا والصين، كان ذلك بسبب حملهما شبهة الصداقة للشعوب، خاصة عندما كانت روسيا قائدة للمعسكر السوفياتي، وعندما كانت الصين تلتزم بالشعارات الشيوعية التقليدية، ومنها الصداقة بين الشعوب. ولكن عندما أصبحت الصين تحت حكم المالوقراط وأصبحت روسيا تحت حكم الرأسماليين والمالوقراط، وأصبحت هاتان الدولتان تلتزمان بقواعد العولمة النيوليبيرالية، أصبح من الضروري إعادة تقييم العلاقة التي تربطهما بالشعوب، ومنها العلاقة مع الشعوب العربية.

أما الغرب فهو لا يحمل شبهة العلاقة الطيبة مع الشعوب. فهو منذ تبوئه قيادة الرأسمالية العالمية، لم يكن يوماً إلا العدو الأول للشعوب.

الولايات المتحدة الأميركية، لم تقبل ببناء دولتها إلا على جماجم عشرات الملايين من الهنود الحمر، أهالي أمريكا الأصليين. كما وأن الشعب الفيتنامي قد ذاق طعم الديموقراطية الأمريكية على مدار عدة عشرات من السنين. أما اليابان، فلا يزال شعبها يعاني حتى الآمن من جريمة ضرب القنبلتين النوويتين على المدن اليابانية. أما إذا عرجنا على العراق وأفغانستان فلا تزال جرائم أمريكا ماثلة للعيان. ومن المستحيل أن ترى بلداً لم يألم من علاقة الأمريكي به. هذا لأن أمريكا هي قائدة العولمة النيوليبيرالية.

أما فرنسا، فقد بدأت، أول ما بدأت باضطهاد شعبها عندما بنى أول حكم عمالي في التاريخ، نعني كومونة باريس. فقد تآمرت السلطة الفرنسية مع أعدائها الألمان من أجل تقتيل العمال في باريس. فقد تناسوا أحقادهم من أجل القضاء على الكومونة. لأن عداوة الشعوب متأصلة عند الرأسماليين. وقد قتل أحفاد هؤلاء الفرنسيين خمسون ألف جزائري في يوم واحد.

كما أن من مآثر فرنسا بالإشتراك مع بريطانيا اتفاق سايكس بيكو الذي فتت الدول العربية إلى دويلات متخاصمة، مما مكن الغرب من خلق الكيان الصهيوني الغاصب وتشريد الفلسطينيين من أرضهم.

أما مآثر بريطانيا فهي لاتحصى ولا تعد سواء في الهند أو في أفريقيا أو في بلاد العرب. وكل ما عمله الغرب هو حتى يسهل عليه حكم بلادنا والسيطرة على ثرواتها.

أما ما يريده الغرب في الوقت الحالي فهو إجهاض الربيع العربي، سواء في تونس أو مصر أو اليمن. أما في سوريا، فهو يريد الوصول إلى تسوية مع الحكم القائم على أن يتخلى النظام الحالي عن علاقته مع إيران وعن علاقته مع المقاومة اللبنانية والفلسطينية. ولايهمه حرية الشعب السوري أو مطالبه المعيشية أو الديموقراطية. إن ما يهم الغرب، وعلى رأسه أمريكا، استمرار تدفق النفط، والحفاظ على الإقتصاد الريعي في بلادنا، والحفاظ على المصالح الإسرائيلية، وكل ما عدا ذلك تفاصيل.

14 شباط 2012 حسن ملاط

الأحد، 12 فبراير 2012

رأسمالية القرن الواحد والعشرين (معدلة)

رأسمالية القرن الواحد والعشرين

لم تمر فترة من التاريخ لم يدفع فيها الإنسان ضريبة تطوره من تشكيلة أدنى إلى تشكيلة إجتماعية أعلى بالمفهوم التاريخي. فالضريبة التي دفعها الأوروبيون نتيجة انتقالهم من الإقطاع إلى المجتمع البورجوازي كانت تخريب الأراضي الزراعية وانتقال مئات الآلاف من الفلاحين إلى المدن حيث تعرضوا للإذلال والعوز. أما في بريطانيا فقد تعرض جزء غير بسيط منهم للتصفية الجسدية.

أما استقرار النظام الجديد فقد دفعت ضريبته الطبقة العاملة بالدرجة الأولى، حيث كان يوم العمل حوالي ست عشرة ساعة في اليوم. ثم كانت النضالات العمالية والتضحيات التي أجبرت الطبقة الرأسمالية الأوروبية على التنازل عن جزء من حقوق الطبقة العاملة. أما ما جعل الرأسمالي يتنازل للعامل الأوروبي هو الكمية الكبيرة التي كان ينهبها من العالم الثالث، بحيث يصبح تأثير التقديمات على أرباحه غير ذي بال.

هذه أوضاع الرأسمالية في القرن العشرين. فهي تجعل الإنسان يعتقد وكأنه يعيش مجتمع الرفاه، وخاصة في الدول الأوروبية ما قبل الأزمة الحالية. أما الذين تعرضوا للظلم أكثر من غيرهم فهم الأطفال والنساء، حيث كان يوم عملهم يتجاوز يوم العمل بالنسبة للرجال وبأجر أقل.

ولكن نضالات الطبقة العاملة في القرن التاسع عشر وردحاً من القرن العشرين أدى إلى إجبار الطبقة الرأسمالية إلى التنازل أمام إصرار العمال وتضامنهم وتضحياتهم، حيث أدى ذلك إلى حصول العمال على الكثير من المكاسب: تحديد يوم العمل بثماني ساعات أو أقل، ضمانات صحية وإجتماعية، بطالة...إلخ. ومن الجدير ذكره أن العامل الأمريكي لا يحصل على نفس التقديمات التي يتمتع بها العامل الأوروبي.

فهل استمر الإستقرار على ما هو عليه؟

إن القيم الرأسمالية تقوم على مضاعفة الربح وضرورة النهب، نعني مد اليد على جيبة الغير. هذه أخلاقية المجتمع الإستهلاكي الذي نعيش في كنفه نتيجة تطور الرأسمالية إلى ما يسمى العولمة النيوليبيرالية في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحالي.

فما هي أهم ملامح هذا التطور؟ نؤكد على النهب من غير أي قيم أخلاقية، القيم المتعارف عليها. وهذا ما أدى إلى أزمة 2008. ومن الجدير ذكره أنه لم ينكر أحد أن النهب والسرقة هي أسباب الأزمة.

ومن ملامح هذا التطور هو كيفية حل الأزمات. فالأزمة أدت إلى إفقار الناس. أما كيفية حل الأزمة هو بتقديم يد المعونة إلى النهابين وليس إلى الذين تعرضوا للجوع والطرد من منازلهم. فقد قدمت أمريكا وأوروبا مئات المليارات من الدولارات إلى أصحاب البنوك التي نهبت الناس. أما ما فعلته بالعمال والمستخدمين فكان أن بدأت بنزع التقديمات الإجتماعية التي حصلوا عليها بتضحيات ملايين العمال بأنفسهم. وأصبح الوضع على الشكل التالي:

جاء في جريدة "الباييس" الإسبانية، بتاريخ الأول من شباط ،2012 بقلم الكاتبة "ماريا أنتونيا سانشيز فالييو": إن ارتفاع معدل البطالة يهدد بدفع نحو ربع الأوروبيين من أولئك الذين يعسشون بمستوى لابأس به، بالإستبعاد الإجتماعي. وهذا ما يوجب النضال ضد الفقر في الإتحاد الأوروبي.

أضافت:"إليكم ضحايا الأزمة: شرائح المجتمع اللائي كن منذ وقت قليل يشكلون جزءاً من الطبقة المتوسطة، أصبحن الآن من الفقراء الجدد".

"في 2007 كان 85 مليون من الأوروبيين (17%من الشعوب الأوريبية) يعيشون تحت خط الفقرالنسبي. من بين الدول المعنية، نجد اليونان واسبانيا وإيرلندا؛ ولكن أيضاً فرنسا وألمانيا والنمسا يقول مندوب كاريتاس أوروبا".

"الفقراء يفتقرون والمطاعم الشعبية المجانية تستقطب أناس لم يفكروا يوماً الوصول إلى هذا المستوى. إن أرقام الفقر ازدادت بشكل لافت عند الأطفال (طفل من أربعة أطفال إسبان يواجه الفقر) ونفس النسبة عند المهاجرين والشباب. هذا ما قاله "بول ماري كلوز"، عالم اجتماع في المجلس الأعلى للبحوث العلمية".

"في اسبانيا كما في اليونان والبرتغال وإيطاليا، تفاقم الفقر، بل يمكن القول أنه تعمم ويستهدف مجموعات خاصة".

"في إيسلندا تزايد الفقر بشكل لافت وخاصة عند الشباب" أضاف العالم نفسه.

"الأولاد والمسنون، النساء والمهاجرون هم تقليدياً المجموعات المهددون بالفقر. كما وأن العمر والجنس وكذلك الإتنية هي من العوامل الهامة بالفقر".

جاء في جريدة "غازيتا ويبورشا":"إن عدد الأوروبيين من غير وظيفة قد ازداد بحوالي مليون خلال السنة الأخيرة حتى وصل إلى 24 مليون إنسان. في منطقة الأورو، وصلت البطالة إلى حدود 10,4%".

"الوضع هو أكثر صعوبة في جنوب أوروبا، خاصة في اسبانيا واليونان حيث يوجد شاب من اثنين من دون وظيفة، وحيث شروط السوق كارثية". "الهوة بين الشمال الذي يعيش برخاء والجنوب المأزوم لاتفتأ تزداد. أما إذا نظرت إلى سوق العمل فأنت في عالمين مختلفين".

جاء في جريدة "ليبيراسيون" الفرنسية بتاريخ 1 شباط 2012، وبقلم "ماريا مالاغارديس" :" بينما تتتابع مباحثات شطب الديون اليونانية، تقوم مختارية أثينا بتقديم وجبتبن مجانيتين يومياً للعمال المعتبرين "ضحايا مخطط التقشف" ومهددين بالمجاعة. الوضع الذي لا يتردد بعض اليونانيين من تشبيهه بأيام الإحتلال النازي". "كم عددهم؟ مئة؟ أكثر بكثير؟" "في المساء يتضاعف العدد مرتين أو ثلاث مرات". "كما وترى جماعات من المواطنين لم يتعودوا حتى الآن على إستعطاء الغذاء". "الأكثرية منهم يرفضون التحدث للصحافة. إنهم يستحيون، يقول أحدهم الذي وجد نفسه من دون عمل بعد عشرين سنة من العمل في شركة تأمين. ففي اليونان يقبض العاطل عن العمل مدة سنة فقط".

"إن مخطط التقشف يصيب حسب الأولوية الأجراء والمتقاعدين، الذين يروا دخولهم تتناقص، أو بالأحرى تختفي، عندما تتضاعف الضرائب بشكل غير اعتيادي. والنتيجة أن من لايملكون منزلاً ثابتاً تضاعف خلال سنتين حتى وصل إلى 25%، والجوع أصبح الشغل اليومي لبعضهم".

يقول أحد الأطباء المجانيين: "لقد اضطربت عندما عاينت عشرات من الأطفال الذين لم يتذوقوا طعاماً في الصباح". ويضيف: أنه كان يعاين أناس من الطبقة الوسطى الذين خسروا تقديماتهم الإجتماعية، كما وأنه كان يوزع الطعام عليهم كما في العالم الثالث".

" إن عودة الجوع هي بسب إملاءات بروكسيل (مركز الإتحاد الأوروبي) أو بالأحرى برلين. كل ثلاثة أشهر يهددونا بانهيار مفاجىء، ويأمروننا بخنق الفقراء أكثر وأكثر. أما الأموال الموعودة فهي تذهب إلى أصحاب رؤوس الأموال". "نحن نعيش تحت ديكتاتورية اقتصادية. واليونان هي المختبر الذي يقيس قدرة الشعب على التحمل. وبعد اليونان يأتي دور الدول الأوروبية الأخرى. لا طبقة وسطى بعد الآن".

وجاء في صحف 7 شباط 2012 أن اليونا نيين أضربوا وتظاهروا. " وتحت لافتات تقول "لا لصرف موظفي القطاع العام" و"لا لخفض الحد الادنى للاجور" و"لا لتقليص رواتب التقاعد الاضافية" واصل المتظاهرون احتجاجهم على الاصلاحات التي طلبها الدائنون الثلاثة وهم منطقة اليورو والبنك المركزي الاوروبي وصندوق النقد الدولي".

"فمقابل تعهد اليونان بتطبيق تلك الاجراءات اكد هؤلاء استعدادهم لتقديم قرض ثان بقيمة 130 مليار يورو على الاقل بعد 110 مليارات منحت في ايار/مايو 2010."

جاء في جريدة "الحياة" اللندنية، بتاريخ 3 شباط 2012 : "بلغ معدل البطالة في إسبانيا أعلى مستوى له منذ 16 سنة، إذ خسر 4.6 مليون شخص وظائفهم. وأفاد موقع «تيبيكلي سبانيش» الأسباني، بأن «عدد العاطلين من العمل ارتفع بنسبة 4 في المئة في كانون الثاني (يناير) الماضي مقارنة بالشهر السابق».

وقدّر عدد الذين خسروا وظائفهم بـ177 ألفاً و470، وسُجلت الزيادة الأكبر في أوساط من هم في سن 25 من العمر وما فوق والعاملين في قطاع الخدمات في كل المناطق الأسبانية.

وأظهرت الأرقام التي وزّعتها وزارة العمل والضمان الاجتماعي، أن في أسبانيا «4 ملايين و599 ألف و829 عاطلاً من العمل».

يقول إد ميليباند، نائب بريطاني عمالي: وحري بنا ألا نغفل أسباب أزمة تعثر النمو وأزمة الدين العام في السعي الى ارساء الاقتصاد على أسس أمتن. والولايات المتحدة وبريطانيا تعثرتا جراء المغالاة في ربط الاقتصاد بالقطاع المالي وأرباحه الزائفة. وتدهورت ظروف عيش شطر راجح من الناس واحتكر 1 في المئة (من الشعب) الارباح. فالنموذج الرأسمالي حضّ على اتخاذ قرارات قصيرة الأمد تتجه الى جني أرباح فصلية عوض الاستقرار البعيد الأمد، وغلّب كفة امتيازات المصارف العملاقة وأقطاب الميديا على المصلحة العامة".(الحياة 1 شباط 2012)

ويضيف ميليباند: "وأوباما محق في قوله أن دفع البليونير نسبة من الضرائب توازي النسبة التي تدفعها السكرتيرة العاملة لديه لا يجافي المنطق. وتغيير قواعد الرأسمالية يفترض تغيير ما ينتظره المواطنون من السياسة. وليست القضية مناسبة رأسمالية القرن العشرين مجتمع القرن الواحد والعشرين أم لا. فالتحدي الفعلي هو إمكان تصدي السياسات لعيوب النموذج الاقتصادي ومشكلاته".

من الطبيعي أننا لانوافق أوباما على الحل ولكن إيرادنا لهذا المثل هو فقط لإظهار مدى الشعور بالمسؤولية عند الحكام الرأسماليين حيث يرون الناس تموت جوعاً وهذا لا يهمها بشيء لأن قيم الرأسمالية تقوم على تأمين الأرباح وتكديسها.

وهناك ميزة لرأسمالية القرن الواحد والعشرين، وهي تراجع الديموقراطية التي يرفع شعارها الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية. فنتيجة الأزمة التي سببتها هذه الرأسمالية لليونان، أجبرت الدول الدائنة اليونان على تغيير حكومي. واللافت أن رئيس الحكومة الحالي لوكاس باباديموس لا ينتمي لا للبرلمان ولا للأكثرية البرلمانية. كما أنه لم يأت تبعاً لاستفتاء شعبي، إنما أنزل بالباراشوت اللاديموقراطي ليكون رئيساً للوزراء، رضي من رضي وأبى من أبى.

وهذه الظاهرة ليست فريدة، إنما تكررت في إيطاليا، ثالث إقتصاد أوروبي، حيث نزل ماريو مونتي بالباراشوت أيضاً كرئيس لوزراء إيطاليا من غير أن يكون منتم للأكثرية البرلمانية أو حتى للبرلمان.

الجميع، أو على الأصح، جميع الديموقراطيين يقبلون بديكتاتورية رأسالمال. وربما لجهلنا لا نعرف أن ديكتاتورية رأسالمال هي الوجه الآخر للديموقراطية الغربية.

أما في عالمنا فما هو تأثير رأسمالية القرن الواحد والعشرين، نعني العولمة النيو ليبيرالية؟ فهي تعمل على محافظة بلادنا على الإقتصاد الريعي حتى تؤمن النهب بطرق مختلفة. فالفائض يوظف في الخزينة الأمريكية أو الخزائن الأوروبية، عوضاً من ادخاره للأجيال القادمة التي لن تعيش في ظل إنتاج النفط. والفائض الآخر يوظف في شراء الأسلحة من أجل قتل شعوبها أو رميها في القمامة. أما الإقتصاد الحقيقي فلا مكان له في أذهان حكام منطقتنا.

إن البناء للمستقبل يتطلب الإنفتاح على المحيط الأكثر تطوراً، نعني تركيا وإيران. ففي تركيا هناك إقتصاد زراعي وصناعي وفي إيران صناعة أسلحة متقدمة وتقنية متقدمة لا تعتمد على الخارج، وهذا ما يؤمن الإستقلالية. إن التخطيط الإقتصادي الذي يغطي سوقاً تعد عدة مئات من الملايين هو الذي يعطي مردودية إقتصادية... ومن الجدير ذكره أن ما نصبو إليه يتطلب نضالات جماهيرية لاتفتر...

3 شباط 2012 حسن ملاط