بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الأحد، 30 ديسمبر 2012

الوضع في لبنان


حسن ملاط                                    الوضع في لبنان
يتخوف المراقبون من الحال التي وصل إليها الوضع في لبنان. وأهم ما يثير هذه المخاوف، هو نأي السياسيين بأنفسهم عن الوضع الراهن الذي وصلنا إليه بسبب ممارساتهم التي لا تتسم بحس المسؤولية الوطنية. فالسياسي عليه تحمل المسؤولية عن الوطن والمواطن، لأنه منتدب من المواطنين لهذه المهمة. ومن لا يجد في نفسه القدرة على تمثيل الناس بما يخدمهم ويخدم البلاد، فما عليه إلا أن يعلن أمام الملأ تخليه عن مسؤولية تمثيل الناس.
لقد رفعت الحكومة شعار النأي بالنفس عن الأحداث في سوريا. وقد أيد هذا الشعار إلى جانب شريحة كبيرة من المواطنين، جميع دول المجتمع الدولي. وهذا أحد أهم الأسباب الذي جعلت هذه الدول تنآى بنفسها عن حلفائها التقليديين، قوى 14 آذار، الذين رفعوا شعار إسقاط الحكومة. هذا الشعار الذي عارضته الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن إلى جانب ممثلة الإتحاد الأوروبي في زيارتهم الغير مسبوقة للقصر الجمهوري، والذين حذروا خلالها من الفراغ الحكومي، كما وأيدوا دعوة الرئيس سليمان للحوار الوطني والمحافظة على الإستقرار الحكومي. الإستقرار الذي يعني ضرورة إتفاق جميع القوى على برنامج الحكومة القادمة ومهمتها الرئيسة هي إدارة الإنتخابات النيابية. لذلك رأت معظم القوى التي لا ترفع شعارات عدمية وجوب الإتفاق عل قانون انتخاب جديد ثم استقالة الحكومة والإتيان بحكومة لا تضم مرشحين للإنتخابات النيابية المقبلة. قوى 14 آذار غير موافقة على هذا الطرح وتشترط استقالة الحكومة قبل البحث في قانون الإنتخابات. وهذا ما لا توافق عليه قوى الأكثرية ومن ورائهم الدول التي دعمت الحكومة الميقاتية والرئيس سليمان.
الأزمة التي تعيشها البلاد هي أكثر تعقيداً مما سبق ذكره. فالوضع السوري تضاعف ضغطه على الوضع المحلي من عدة جوانب. فبعض أطراف الأكثرية لا تلتزم بشعار الحكومة التي تبنته قوى الأكثرية بالنأي بالنفس عن الأحداث في سوريا. وقد خلق هذا الوضع شرخاً على الصعيد الوطني يتفاقم ويزداد يوماً بعد يوم. حتى أن بعض المراقبين يصورون الوضع وكأننا على شفير خضة وطنية كبيرة، لأننا لا نريد استخدام تعبير حرب أهلية. وما يزيد من تفاقم هذه الأوضاع بشكل مضاعف هو تدخل أطراف من 14 آذار بالوضع في سوريا كما يفعل بعض أطراف من 8 آذار الشيء نفسه. لقد بات الوضع وكأن هناك عدم إمكانية على التقاطع بين قوى 14 و8 آذار. وهذا يشكل خطراً كبيراً على الوضع الداخلي، كما على الإستقرار الوطني.
في ظل هذه الأزمة، هناك احتمالات تزداد يوماً بعد يوم من عدم الإمكانية على إجراء الإنتخابات النيابية، خاصة إذا ازدادت حركة النزوح من الداخل السوري. فمن الممكن أن يكون عمر هذه الحكومة مديداً. لذلك لا يجوز أن تحافظ المعارضة على هذا الكم الكبير من التحريض المذهبي الذي يساهم بتفكيك اللحمة الداخلية والوطنية. ونفس الكلام يوجه إلى أطراف 8 آذار من أجل بذل الجهود من أجل التقارب مع المعارضة حفاظاً على اللحمة الوطنية.
إزاء هذا الوضع لابد من جهود يقوم بها أطراف المجتمع الأهلي تساهم في تخفيف الإحتقان. كما وتقوم بجهود كبيرة من أجل الضغط على أطراف الأكثرية والأقلية لإجبارهم على النأي بأنفسهم عن أحداث سوريا. يكفي لبنان ما يقوم به من جهود جبارة في إغاثة الإخوة النازحين. لماذا لا تقتصر الجهود اللبنانية على الإغاثة بدلاً من مساعدة المقاتلين من الطرفين على تدمير ممتلكات الشعب السوري.

السبت، 15 ديسمبر 2012

ماذا يجري في الأردن؟


                                  ماذا يجري في الأردن؟
حسن ملاط
الحراك الشعبي الأردني يستمر منذ أكثر من سنة. ولكنها المرة الأولى التي يتدخل فيها الملك على الشكل الذي جرى فيه. فقد اجتمع الملك في يومين متتابعين مع القوى اليسارية والقومية والوطنية. وهي المرة الأولى التي يجتمع فيها مع هذه التشكيلات. وقد تسرب مضمون هذه الإجتماعات إلى الصحافة. ومن المؤكد أن هذا التسريب مقصود حتى يصل إلى من يعنيهم الأمر، أي الجماعات الإسلامية وفي مقدمهم الإخوان المسلمين.
لقد عبر الملك خلال هذه الإجتماعات عن دعمه للإصلاح، على أن لا يتطرق إلى صلاحيات الملك. كما أنه ضد الإعتقالات التي تمت من قبل الأجهزة الأمنية. كما وأنه أصدر أمراً بالإفراج عن جميع المعتقلين. ومن الجدير ذكره أنه لم يتم الإفراج عنهم، إنما عن بعضهم. كما أنه غمز من قناة جبهة العمل الإسلامي التي رفضت ولا تزال ترفض المشاركة في الإنتخابات بسبب القانون الذي ترفضه. وقد هاجم السعودية وقطر من دون أن يسميهما بسبب الضغط  الذي تمارس هاتي الدولتين على الأردن حتى تكون ممراً للتدخل في شؤون سوريا الداخلية. كما وأنه غمز من قناة تركيا لأنها تسير في نفس الخط مع السعودية وقطر. ولا نغفل في هذا الإطار أن الأردن يتعرض لضغوطات هائلة للإنخراط في الجبهة المضادة للنظام السوري، حتى أن السعودية وقطر قد تمنعتا عن مد يد العون للأردن في المحنة الإقتصادية التي يمر بها، والتي تسبب له بالإضرابات والمظاهرات التي لم تفتر منذ رفع الدعم عن المحروقات التي قامت به الحكومة الجديدة والذي برر لها الملك هذا الإجراء مدعياً بأنه لولا هذا الإجراء لانهار الدينار الأردني.
لماذا يقف الملك ضد التدخل في سوريا؟
الملك لا يثق بالأمريكان، ليس لأنه يساري أو ثوري، ولكنه لأنه رأى بأم العين كيف تخلت أمريكا عن حليفها زين العابدين بن علي لصالح حزب النهضة التونسي، وهو فرع الإخوان المسلمين التونسي. ورأى أيضاً تخلي الإدارة الأميركية عن حليفها الأوثق حسني مبارك لصالح الرئيس مرسي من الأخوان المسلمين. وإذا أضفنا إلى ما تقدم أن الشعار الذي رفعه الإخوان المسلمون في الأردن هو تحويل الملكية في الأردن إلى ملكية دستورية، او بصيغة أخرى نزع جميع الصلاحيات التي يتمتع بها الملك منه، نفهم سبب عدم دخول الملك في الحلف الأمريكي ضد بشار الأسد. الحلف الذي سوف يأتي بالإخوان المسلمين لحكم سوريا. وبذلك يتم الطوق على الملك الذي يصبح من غير حلفاء إن لم يخضع لمشيئة الإخوان المسلمين. أو بصيغة أخرى، التخلي عن صلاحياته لصالح الإخوان المسلمين.
المعروف أن الحزب الأقوى في الأردن هو جبهة العمل الإسلامي. ويهم الملك أن تكون هذه الجبهة حليفته، ولكن بشروطه وليس بشروطها. ماذا يفيده أن يتحالف مع الجبهة إذا كانت ستجبره على التخلي عن صلاحياته. من أجل ذلك لجأ الملك إلى القوى اليسارية والقومية والوطنية. وراح يدغدغ عواطفهم، أي راح يبيعهم الكلام ليس من أجل تحالف حقيقي، إنما من أجل أن يري جبهة العمل الإسلامي أن بإمكانه إيجاد حلفاء في حال رفضت الجبهة الإستجابة لشروطه. فتوجه الملك لهذه الحركات ليس توجهاً جدياً. وكذلك ما طرحه عليهم لا يعطيهم أي مبرر أمام جمهورهم، إن وجد، لأن شرطه الرئيس هو عدم المساس بصلاحيات الملك الدستورية. فإذا قبل هؤلاء هذا الشرط فهذا يعني أن الطروحات الإسلامية هي الأكثر ثورية وطروحات اليسار والقوميين هي الطروحات الرجعية. إذن يتقدم الملك من محاولة التحالف مع هذه القوى شريطة أن تخضع لإملاءات البلاط. وهذا ما يكشفها أمام جمهورها. فلماذا كل هذا الفرح من قبل اليسار بمبادرة الملك بالإجتماع بهم. فهو يقول لهم وبصراحة تامة أريدكم أن تكونوا وقوداً لخلافي مع الإخوان المسلمين. كما وأريدكم أن تكونوا درعاً للدفاع عن عرشي أمام المد الإسلامي الذي يجتاح المنطقة العربية، ومن المتوقع أن يجتاح العرش الأردني أيضاً.
هذا على الصعيد الداخلي، فماذا على الصعيد الخارجي؟
هل يتجه الملك للتحالف مع العراق وإيران؟ وكيف يمكنه أن يخرج من أزمته الإقتصادية الحادة؟ لا إجابات على هذه الأسئلة حتى الآن، علماً أن هذا الإتجاه ليس سهلاً أن يقوم به الملك الأردني. أما الخيار الآخر فهو الخضوع للشروط السعودية القطرية بعد تفاوض على حماية عرشه. من أجل ذلك فهو بحاجة إلى تدعيم قوته الداخلية. هكذا نفهم لجوءه إلى اليسار والقوى الأخرى.
15 كانون أول 2012

الثلاثاء، 11 ديسمبر 2012

القراءة واهمية التعليم


                      القراءة وأهمية التعليم
حسن ملاط
بمناسبة انعقاد مؤتمر القمة العالمي للابتكار في التعليم ( وايز)، خصصت "الحياة" حيزاً واسعاً يبين اهتمام الصحيفة ومسؤوليها بهذا الحدث الهام.
بعد أن اطلعنا على ما جاء في الأحاديث التي نُقلت عن المسؤولين، والمقالات التي كُتبت رأينا أن ندلي برؤيتنا للموضوع، حيث أننا من الإختصاصيين في الموضوع التربوي.
قالت السيدة إيرينا بوكوفا: " وعلينا بشكلٍ أساسي أن نُحدث تغييراً في طريقة التعليم وغايته". أعتقد أن هذا الكلام هو جوهر الموضوع. أما الأسباب التي جعلتني أميل إلى هذا التحديد هو موضوع مقالتي هذه للأهمية.
ولأهمية ما تذهب إليه السيدة بوكوفا، نقلت هذه الإحصائية الهامة عن الأونسكو: " ووفق حسابات اليونسكو، فإن كلّ دولار أميركي يُنفَق على تعليم طفل يعود على النمو الإقتصادي بمردود يتراوح بين 10 دولارات و15 دولاراً طوال فترة حياته المهنية".
أما رئيس المؤتمر الشيخ عبد الله آل ثاني فيقول: "واعتقد أن التعليم هو السبيل المثالي والاساس ليطرح من خلاله الشباب قدراتهم نحو بناء المستقبل".
أما اليمنية انطلاق المتوكل فتقول كلاماً خطيراً، وربما يرتدي الكثير من الصحة: "التعليم الضعيف أخطر من الجهل والأنظمة الاستبدادية تتغذى منه".
إنطلاقاً مما تقدم نقول أن شرط التعليم الأول هو: معرفة القراءة. وقد بينت الإحصاءات السنوية التي تُجريها الدول الأوروبية سنوياً، أن السبب الرئيسي للتأخر في المجال التربوي هو ضعف القراءة. وقد عزت معظم الدراسات التي أجريت من أجل إيجاد الحلول لهذه المعضلة، إلى الطريقة المتبعة في تعليم القراءة للمبتدئين. ومن المعروف أن الطريقة المتبعة في تعليم القراءة في معظم الدول الأوروبية، وفي بلادنا أيضاً، هي الطريقة المجملة (globale) والتي تنطلق من تحفيظ الطفل لبعض الكلمات ثم تحليلها للوصول إلى تعليم الحرف. ويمكن ممارسة التعليم تبعاً لهذه الطريقة بوسائل مختلفة، ولكنها لا تخرج عن كونها طريقة مجملة.
لماذا نتحدث في هذا الموضوع بالتفصيل؟
بعد التقدم في وسائل التصوير ( الرنين المغناطيسي و البوزيترون IRM  و PET)، تمكن علماء الأعصاب من تصوير الدماغ عند تعليم الأطفال للقراءة، وتمكنوا من تحديد المناطق الدماغية التي تنشط عند تعلم القراءة. وقد كان أول من قام بهذه الكشوف Sperry وهو حائز على جائزة نوبل. وقد تقدمت هذه الكشوف كثيراً بعده، وكان أن كتب Stanislas Dehaene الحائز على كثير من الجوائز العالمية، كتاباً أسماه "الخلايا العصبية للقراءة" وهذه جرأة علمية كبيرة. ولكن نجد في هذا الكتاب الكثير من الكشوف التي تفيد المهتمين بموضوع القراءة وتعليمها.
ماذا أعطانا علماء الأعصاب في مجال تعليم القراءة؟
لقد أثبت هؤلاء العلماء أن الطريقة المتبعة في تعليم القراءة (المجملة) هي طريقة لا تنسجم مع آلية عمل الدماغ، أو لنقل أنها تعمل بطريقة معاكسة لآلية عمل الدماغ. فالوقت المفترض لقراءة كلمة هو 20 ملليثانية أي عشرين من ألف من الثانية. أما في الطريقة المجملة فيحتاج القارىء إلى 300 ملليثانية أي ثلاث ماية جزء من ألف من الثانية. وبعملية حسابية بسيطة نجد بأن الطفل الذي يتعلم بالطريقة المجملة يخسر من وقته (أو من حياته) 1500% . وهذه الخسارة لا يمكن لأية أمة نامية أن تتحملها. ولكن للأسف هذه حالنا مع طريقة تعليم القراءة.
والمؤسف أن الإصرار على هذه الطريقة في التعليم ناتج عن افتراضات ليس فيها شيء من العلمية، فهي تعتمد على نظرية في علم النفس تسمى الجشتالت وهي لا ترتدي أي طابع علمي. أما ما نتحدث عنه فهو العلم الحقيقي الذي تراه في العين لأن جميع استجابات الدماغ لكيفية القراءة تنتقل من الدماغ أمام ناظرينا على الحاسوب.
ما هي الطريقة التي يجب اتباعها في تعليم القراءة؟
الطريقة التي يجب اتباعها هي الطريقة التركيبية التي تنطلق من تعليم الحروف إلى الكلمات، مع كثير من التفاصيل المرتبطة بالطريقة وكيفية تنفيذها.
وأخيراً نحن على استعداد لتفصيل الموضوع لمن يريد، ولكن لا نعتقد أن الجريدة يمكن أن تستقبل تفصيل هذا الموضوع. أما في حال القبول فسوف نقوم بذلك.


الثلاثاء، 4 ديسمبر 2012

لماذا طرابلس؟


                                                لماذا طرابلس؟
حسن ملاط
   الحياة في المدن تقوم على التجارة والصناعة والوظيفة. وجميع أسباب الإرتزاق التي ذكرنا تستدعي الأمن والإستقرار. طرابلس، العاصمة الثانية، عاصمة الشمال، لم يُسمح لها بأن تعيش الإستقرار منذ زمن لابأس به. فالحركة التجارية لا تزال مجمدة منذ عيد الفطر الماضي. لم يسمح للتجار ببيع بضائعهم في عيد الفطر ولا في عيد الفصح ولن يُسمح لهم بالإرتزاق في الأعياد القادمة، الميلاد ورأس السنة.
   ما هو الذنب الذي اقترفته هذه المدينة حتى يكون ممنوع على سكانها الحياة الطبيعية؟
   جميع المبعوثين الأجانب الذين زاروا لبنان، أكدوا جميعاً على ضرورة الإستقرار في هذا البلد. وهذا ما فعله سفراؤهم المقيمون في بلادنا، عندما زاروا رئيس الجمهورية ودعموا اتجاهه في الحوار وبضرورة الإتفاق على حكومة جديدة قبل استقالة الحكومة الحالية. كل ذلك حتى لا يهتز الإستقرار. وهذا ما أكدوه لرئيس مجلس الوزراء، سواء في زياراته الخارجية أو بلقائه مع المبعوثين.
   وهذا ما حصل فعلاً. فعندما وجدوا أن الأسير يمكن أن يهدد الإستقرار في صيدا، أخذوا قرارات حازمة من تحركه. وهذا ما حصل في طريق الجديدة في بيروت. وخرجت بيروت من هذه التجربة. وكذلك خرجت صيدا من التجربة. هل يمكننا الإستنتاج أن طرابلس لا تخضع للأجندة اللبنانية. أم أن وراء الأكمة ما وراءها.
   يمكننا التقدير بأن سياسيي بيروت وسياسيي صيدا قد قدموا دعمهم الفعلي للخطوات التي قام بها الجيش اللبناني والقوى الأمنية لحماية الأمن والإستقرار. أو ان القرار الذي يغطي الأراضي اللبنانية لا تدخل ضمنه طرابلس.
   جميع هذه الأسئلة مشروعة. لأنه لا يُعقل أن السلطات اللبنانية ليس بإمكانها تكريس الأمن لهذه المدينة المنكوبة، طرابلس، مدينة العلم والعلماء، التي كادت أن تصبح مدينة القنص والقناصة.
   لقد أكد بعض الأطراف السياسية أن إسقاط الحكومة يجب أن يتم في طرابلس، المدينة الذي ينتمي إليها رئيس الحكومة العتيدة. من أجل ذلك جميع التحركات التي قامت والتي كان يراد منها محاصرة الحكومة والعمل الحكومي قد قامت في طرابلس. ليس من المقبول أن لا تتمكن الحكومة التي تضم خمسة وزراء من طرابلس من تكريس الأمن في المدينة. أما إذا لم يكن ممكناً تأمين الحياة العادية للناس فلا بد من إفهامهم (سكان طرابلس) أن من غير الممكن فرض الأمن في المدينة ولماذا، ومن هي الأطراف المسؤولة عن ذلك. أما أن تخضع الحكومة لأجندات الغير بتكريس القلاقل في المدينة، فهذا غير مقبول قطعاً.
لا بد من خطوة حازمة يقوم بها رئيس الحكومة، إبن طرابلس. وذلك بأن يدعو جميع نواب المدينة ووزرائها وسياسييها والهيئات الإقتصادية والدينية وهيئات المجتمع المدني لمناقشة وضع المدينة ووضع الجميع أمام مسؤلياتهم بضرورة فرض الأمن في هذه المدينة وضرورة تنميتها. ألم تقر الحكومة 100 مليون دولار لهذه المدينة؟ ومن يتخلف عن واجبه إزاء مدينته يجب أن يُعرف من الجميع، أن هذا الطرف أو ذاك رفض خدمة مدينته. أما أن يستمر الوضع على ما هو عليه، فهذا يعني تعليم الناس على الفوضى أو في أحسن الأحوال تهرب من المسؤولية. العمل السياسي لا يكون على حساب الناس، أمنهم واستقرارهم ورزقهم. ولكن العمل السياسي يقوم أصلاً من أجل تأمين الأمن والرزق والإستقرار للناس. والمعارك السياسية تُخاض بالناس من أجلهم وليس من أجل مصالح خاصة. إن السياسي المخلص هو الذي يرفع السقف من أجل تأمين مصالح أبناء المدينة. لا يرفع السقف من أجل حرق المدينة.

الجمعة، 23 نوفمبر 2012

الإحتفاظ بالمصر في فلسطين


                   الإحتفاظ بالنصر في فلسطين!
حسن ملاط          
   الإنتصار، إما أن يكون لفلسطين وإلا، لا إنتصار. الكل يتحدث عن غزة. ولكن غزة قاتلت لأنها جزء من فلسطين. واهتمام العدو بها نابع من أنها جزء من فلسطين. فالحديث عن غزة تأتي أهميته أنه يؤرخ لفلسطين.
   يقول أحد القادة السياسيين أن الأهم من النصر هوالإحتفاظ بالنصر. لقد انتصرت المقاومة في غزة، ولكن الشيطان الذي يكمن في التفاصيل هو الذي يجعلنا نؤكد على أهمية الإحتفاظ بالنصر.
   منذ اليوم الأول للعدوان الصهيوني على غزة، لعب الحكم الجديد في مصر دوراً، يمكننا القول أن طابعه إيجابي. ولكن هذا لا يجعلنا نغفل أن من بنود الإتفاق، البند التي أدخلته هيلاري كلنتون، وزيرة الخارجية الأمريكية، والذي ينص على أنه عند وقوع الخلاف بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية في غزة، يعود المتخاصمان لمصر حتى تحل هذا الخلاف. فمصر حسب نص الإتفاقية هي طرف محايد، برضى الطرفين، الفلسطيني والصهيوني. أما نحن، فلا نستسيغ أن نظاما محسوباً على الإخوان المسلمين، أول من قاتل الصهاينة في فلسطين، يمكن أن تجعل منه كلنتون محايداً بين القاتل والمقتول. وكلنا يعلم أن نصرة المظلوم من أركان الدين. فحلف الفضول الذي قام في الجاهلية، قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا دعي به في الإسلام لأجاب. وهذا الحلف ينص على نصرة المظلوم والتأسي بالمعاش.
   هذه سلبية من سلبيات إتفاق وقف العدوان. لانريد الوقوف عندها، علماً أن الإعلام الصهيوني قد ركز على دور مصر في حماية حدود إسرائيل. كما وركز أيضاً على الإتفاق ما بين مصر والإدارة الأمريكية على وضع مجسات على حدود غزة لمنع تهريب السلاح إليها.
   ليس هذا فحسب، بل إن الصحافة الإسرائيلية قد ركزت أيضاً على دور مزعوم لحماس بحماية حدود إسرائيل من منظمات المقاومة الفلسطينية. أي أن من المهام المطروحة على حماس في الفترة المقبلة منع جميع المنظمات المقاومة من ضرب الصواريخ على الأرض المحتلة، لأن الإتفاق ينص على عدم إطلاق الصواريخ على الأرض المحتلة.
   نحن لا نعتقد بأن حماس وحدها هي من عقد الإتفاق على وقف العدوان على غزة. ولكن كان هناك دور بالموافقة على نص الإتفاق لجميع القوى المقاومة. والجميع يعلم أن أي اتفاق هو تعبير عن ميزان قوى مزامن لتوقيع الإتفاق. توافق عليه الأطراف تبعاً لتقييمها لقوتها وقوة الخصم وهنا لقوة العدو. فالبحث ببنود الإتفاق يمكن أن يفيد منه المفاوض من أجل المستقبل. ولكن ما على القوى المقاومة القيام به الآن هو البحث بكيفية تحسين شروط هذا الإتفاق. وهذا يستدعي الضرب في الأمكنة التي لا يغطيها الإتفاق. وهذا ما سوف نتحدث عنه لتوضيح وجهة نظرنا بكيفية الإحتفاظ بالنصر.
أولاً: هناك خلل لا بد من العمل على إصلاحه، وهو عدم وجود السلطة الفلسطينية في المفاوضات التي جرت من أجل الوصول للإتفاق. صحيح أن الدكتور شلح قد كسر حدة هذا الغياب عندما صرح بأن المفاوضين كانوا يضعون الرئيس محمود عباس بجميع تفاصيل المفاوضات. وكذلك الإتصال الذي أجراه هنية بعباس. ولكن ما سبق يدخل ضمن نطاق ما يسمى بالعلاقات البروتوكولية، وليس بعلاقات حقيقية مع رئيس سلطة، من المفترض أن يكون له رأي وازن في المفاوضات. إن تركيزنا على هذه النقطة لا ينبع من ثقتنا بوطنية محمود عباس، الذي أعلن بالفم الملآن تخليه عن فلسطين. ولكن، من حيث ضرورة عدم الفصل، من حيث المسؤولية السياسية، ما بين الضفة الغربية والقطاع. كل ذلك حتى لا نصبح أمام ثلاث فلسطينات: الضفة والقطاع وأراضي 48. وواضح أن إسرائيل تريد أن تجعل من غزة فلسطين المستقبل وتبدأ بترانسفير جديد لفلسطينيي 48، لأنها لم تعد تطيق تحمل وجودهم في أرضهم. ولا يغيب عنا الجهود الصهيونية للإستيلاء على كامل الضفة الغربية وحرمان السلطة الفلسطينية منها.
ثانياً: لا يمكن للمقاومة الفلسطينية أن تحتفظ بنصرها الذي حققته في غزة، إلا بأن يصبح هذا النصر فلسطينياً. إن شرط تحقيق هذا العامل هو أن تصبح الضفة الغربية بؤرة مقاومة، كما هو الحال في غزة. مخطىء من يعتقد أن غزة بإمكانها الإحتفاظ بالنصر من دون مساعدة الضفة. لآن عدم تحقيق هذا الشرط سيؤدي حتماً إلى خلل في التطور السياسي والإجتماعي ما بين الضفة والقطاع. وهذا ما سيؤدي حتماً إلى انفصال فعلي فيما بينهما. وهذا ما تقوم به سلطة عباس- فياض على قدم وساق. إن مجابهة هذا الفعل الشنيع سياسياً يتطلب انخراط الضفة بمقاومة الإحتلال الإسرائيلي، إما بعمليات استشهادية، أو بانتفاضة جديدة أو بأشكال يبتدعها المقاومون في الضفة الغربية. وهذا يتطلب حملة سياسية ضد القمع الذي تمارسه سلطة عباس-فياض على أهل الضفة الغربية حتى تمنع قيام أية ظاهرة مقاومة. ولكن، أظهر الشعب الفلسطيني في الضفة، خلال العدوان الصهيوني على غزة، أن جميع جهود الثنائي عباس- فياض بالقضاء على روح المقاومة قد باءت بالفشل.
ثالثاً: ما من منصف إلا ويعلم أن المفاوضات مع العدو الصهيوني تعني إعطاءه الوقت الكافي من أجل إتمام تهويد القدس والإستيلاء على أراضي الضفة الغربية. من هنا ضرورة إصلاح الكيان الذي توافق الشعب الفلسطيني على الإجتماع في ظله، منظمة التحرير الفلسطينية. لابد من المباشرة الآن، وفي ظل النهوض الوطني والثوري الفلسطيني القائم الآن، بإصلاح المنظمة. هناك ضرورة لدخول جميع المنظمات المقاومة إلى جسم المنظمة وإصلاح ميثاقها الوطني الذي شوهته المسيرة الخاطئة التي اعتمدت على المجتمع الدولي وأهملت الإعتماد على قوى الشعب الفلسطيني الذي لم يبخل يوماً بتقديم كل ما يطلب منه من أجل التحرير والعودة. وشرط الإصلاح يفرض الفصل بين قيادة السلطة وقيادة المنظمة. كما ويفرض أيضاً بأن لا يكون للسلطة أي دور سياسي. إن مهمة السلطة هي الحفاظ على المصالح الإقتصادية والإجتماعية للفلسطينيين تحت الإحتلال، وجميع فلسطين هي تحت الإحتلال، بشكل أو بآخر. ومهمة المنظمة هي الدفاع عن الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني والتي تتلخص بحق العودة والتحرير لكامل الأرض الفلسطينية. أما الكيفية فتعود لممثلي الشعب الفلسطيني تحديدها.
رابعاً: على قيادة منظمة التحرير أن تكون خارج الوطن المحتل، حتى لا يتمكن العدو من الضغط على قيادة المنظمة كما يفعل الآن.
خامساً: الإهتمام الفعلي بالمخيمات، وإعادة الحياة إلى منظمات المجتمع المدني التي تربط الفلسطيني بأرضه وتقضي على الأمراض الإجتماعية الموجودة في هذه المخيمات. كما وتنظيم الجماهير من أجل الدفاع عن حقوقهم الإجتماعية في أماكن تواجدهم. كما والدفاع عن حقوقهم السياسية، وأهمها حرية انخراطهم في صفوف المقاومة.
إن الإحتفاظ بالنصر يتطلب هذه الشروط وغيرها أيضاً. ولكن هناك ضرورة لعدم إعطاء العدو فرصة لقضم هذا النصر الذي حققته المقاومة. وهذا يتطلب الجرأة على الإقدام.
 في 24/11/2012

الأحد، 18 نوفمبر 2012

فلسطين، إلى أين؟


                                  فلسطين، إلى أين؟
حسن ملاط
   تمر فلسطين في هذه الأيام بمخاض خطير، ربما يقرر مستقبلها لسنين عديدة. وليس كل مخاض ينتج عنه مولود مكتمل. من هنا تأتي الخطورة مما يحصل اليوم. فالمشهد يكتنفه ضباب كثيف. واللاعبون ليسوا جميعاً من ذوي الأيدي النظيفة. من هنا أصبح من الواجب علينا الحذر مما يحصل الآن.
   المشهد تحوطه الدماء من كل جانب، فيما يخص غزة: "ارتفعت حصيلة شهداء العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة منذ أربعة أيام، إلى 40 شهيداً، وأكثر من 300 جريح، بينهم 174 من الذكور و96 من الإناث، فيما بلغ عدد الأطفال من المصابين 101، منهم 34 طفلاً تقل أعمارهم عن 5 سنوات، بينما بلغ عدد البالغين 169، بينهم 21 رجلاً أكبر من 50 سنة". ومن المعلوم أن الأحداث الراهنة بدأت بعد أن اغتالت يد الإجرام الصهيونية مسؤولاً هاماً في حركة حماس. وما أن بدأت آلة الإجرام الإسرائيلية بتدمير غزة، حتى بدأت إسرائيل بجهودها من أجل وقف إطلاق النار. وهذا ما قاله مسؤول في الجهاد الإسلامي: قال زياد نخالة:«إسرائيل تريد التهدئة ومصر تريد التهدئة، وحماس تريد التهدئة لأن مصر تسعى إلى تحقيقها بقوة حقناً للدماء الفلسطينية، ونحن من جانبنا نريد تهدئة". ولكن نخالة أعطى مواصفات للتهدئة التي يريدونها، فقال: "تهدئة تحفظ كرامتنا كفلسطينيين، وفقاً لمعايير وليس شروطاً، على رأسها رفع الحصار عن قطاع غزة وتشغيل معبر رفح بشكل طبيعي ومعاملة الفلسطينيين في المطارات معاملة آدمية وليس احتجازهم في مطار القاهرة بلا أي أسباب تستدعي ذلك... لن نقبل بعرض مذل أو مهين". وهذه المواصفات مطلوبة من مصر أكثر مما هي مطلوبة من العدو الصهيوني. أما موسى أبو مرزوق، نائب خالد مشعل فلم يحدد شروطاً، إنما ترك الأمر غائماً فقد قال في مقابلة تلفزيونية اجرتها معه من القاهرة «فضائية الاقصى» التابعة لـ «حماس»: «منذ ساعات طويلة وهو (الجانب الاسرائيلي) يطالب عدد كبير من الوسطاء التدخل لتهدئة الاوضاع في قطاع غزة، وكان جوابنا: انتم الذين بدأتم المعركة وعليكم ان تتوقفوا حتى تعود الامور الى ما كانت عليه».  طبيعي أن المسؤول الفلسطيني لا يريد استمرار الحصار الإسرائيلي والحصار المصري على غزة، ولكنه يريد أشياء أخرى لم يفصح عنها وتركها للمفاوض الفلسطيني.
   هذا على الجانب الفلسطيني، أما على الجانب الإسرائيلي فقد صرح أفيغدور ليبرمان، وزير ما يسمى الخارجية الإسرائيلية بما يلي: الأهدافَ التي حددتها إسرائيل من حربها الحالية، وهي «تحقيق الهدوء لجنوب إسرائيل، وإعادة تأهيل هيبة الردع، وتدمير مخزون الصواريخ بعيدة المدى التي في حوزة الجهات الإرهابية في القطاع».
   ما تقدم يظهر وكأن الجانبين المعنيين بالحرب القائمة في غزة لا يملكان أي تصور لما سيحدث غداً. ومن السذاجة أن نصدق ذلك. وهذا يعني أن الطرفين يملكان، كل منهما، أجندة خاصة لم يفصح عنها، وهي متروكة للمفاوضات التي بدأها الجانب المصري ودخل على خطها الجانب التركي والجانب القطري.
   في هذا الوقت اجتمع وزراء الخارجية العرب برئاسة لبنان وأصدروا قراراً: "نص مشروع القرار على المطالبة بالوقف الفوري للعدوان وتأكيد الدعم العربي الكامل للقطاع وضرورة التحرك الفوري لوقف القتال وتشكيل وفد عربي يضم الأمين العام للجامعة ومن يرغب من الوزراء لزيارة غزة فوراً. وشدد المشروع على أهمية تحقيق المصالحة الوطنية باعتبارها أمراً ملحاً وضرورياً في مواجهة العدوان مع توفير الدعم الكامل للقيادة الفلسطينية في توجهها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للحصول على وضع دولة غير عضو (مراقب) في المنظمة الدولية. وأكد المشروع الدعم العربي للجهود المصرية من التوصل إلى تحقيق هدنة طويلة المدى بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة بضمانات دولية تحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة.
   وطالبت الجامعة العربية بحماية دولية للشعب الفلسطيني وقيادته وأرضه ومقدراته. 
   كما طالبت بملاحقة المسؤولين الإسرائيليين من سياسيين وعسكريين عن هذا العدوان الوحشي وما سبقه قضائياً.
   لا يمكننا أن نعزل أي حدث عن سياقه الحقيقي. فهذه الحرب قامت بسبب الإرتباط القائم ما بين غزة والكيان الصهيوني، بعد انسحاب الأخير من غزة ومن مستعمراته فيها وتسليم غزة لما يسمى السلطة "الوطنية" الفلسطينية. وقد تمكنت حماس من السيطرة على القطاع وطرد السلطة منها. والحكومة القائمة في غزة هي غير تلك القائمة في الضفة الغربية. أي أن هناك حكومتين فلسطينيتين واحدة في غزة والأخرى في الضفة الغربية. من أجل ذلك دعا مشروع القرار العربي إلى المصالحة الفلسطينية.
   ما تتضرر منه حماس هو الحصار المضروب على غزة من قبل إسرائيل، ومن قبل مصر أيضاً. وما تريده حماس هو رفع هذا الحصار. ولكن رفع الحصار له معان خطيرة تؤثر سلباً على قضية الشعب الفلسطيني. فارتباط غزة بإسرائيل ناتج عن أنها (إسرائيل) هي السلطة المحتلة. وفك الإرتباط مع السلطة المحتلة يعني بالتالي فك الإرتباط ما بين غزة وباقي الوطن، أي فلسطين. من هنا تأتي حساسية الوضع القائم اليوم.
   إذا ربطنا ما تقدم بما يدور في فلسطين المحتلة ما بين المستعمرين، يتبين لنا خطورة ما يحصل اليوم عل القضية الفلسطينية برمتها. فكتاب الرأي يتهمون الحكومات المتعاقبة بالكذب عليهم (المستعمرن). فالحكام لا يريدون فك الإرتباط مع غزة. لذلك يطالب المستعمرون، من غير الحكام، بفك الإرتباط مع غزة والسماح لها بمرفأ ومطار وفتح المعبر مع مصر وفك أي ارتباط مع غزة. وذلك حتى تصبح الحدود ما بين الكيان الصهيوني وغزة آمنة ويصبح جنوب الوطن المحتل آمناً للمستعمرين. وهذا يستبطن عدم تعامل الغزاويين بالشيكل الإسرائيلي.
 هذا معنى فك الإرتباط مع غزة.
هل هذا ما يريدوه الفلسطينيون في غزة؟ إلى أي جبهة أو منظمة انتموا؟
إن اعتبار ما يريده الفلسطينيون اليوم وكأنها مطالب حيوية ليس لها صبغة سياسية تستبطن الخطر الأكبر على فلسطين ومستقبلها على المديين القريب والبعيد. من هنا تأتي أهمية عدم نسيان المغزى السياسي لكل مطلب ذي صبغة اجتماعية.
   نعم يطالب الفلسطينيون بفتح المعابر جميعها، ما بين مصر وغزة وما بين غزة وفلسطين المحتلة. ولا يقبلون بأي فك ارتباط مع السلطة المحتلة حتى يحتفظوا بالرابط القانوني ما بين غزة وكامل الوطن، فلسطين. وتبقى صفة المحتل على العدو الإسرائيلي.
   ما تقدم لا يعفي أحد من ضرورة المصالحة الفلسطينية، في هذه الظروف المصيرية، والعمل الجاد على إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية والفصل ما بينها وما بين رئاسة السلطة، ومنع السلطة من أي ممارسة سياسية لأنها خاضعة للإحتلال. وضرورة أن يكون مقر منظمة التحرير خارج الأرض المحتلة. فجميع الأراضي الفلسطينية هي تحت الإحتلال بشكل أو بآخر...

السبت، 27 أكتوبر 2012

الوضع الحكومي


                                 الوضع الحكومي
حسن ملاط
   حديثنا عن الوضع الحكومي لا يعني أن الحكومة الحالية تعاني من اهتزاز ما في وضعها الحالي. ولكنه يتعلق بتوقعاتنا للقادم من الأيام.
   الحكومة تتمتع بأكثرية في مجلس النواب، وهي غير مهددة من أي تحالف قوى في المجلس الحالي. كما وأنه بعد اغتيال اللواء وسام الحسن، أعطتها المعارضة بتصرفاتها العشوائية قوة إلى قوتها. أضف إلى ذلك هذا السيل من المطالب العدمية، حتى لا نقول الصبيانية التي رفعتها أطراف الرابع عشر من آذار. هي تريد استقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة محايدة، وهي لن تشارك بأي نشاط نيابي تشارك فيه الحكومة. لنفترض أنها لن تشارك، فهل هذا يعطيها أكثرية في المجلس النيابي؟ كل ما يمكن أن تقوم به هو الضغط لتعطيل المجلس النيابي، وهذا ما يناقض شعارها الأساسي "العبور إلى الدولة". إن من يريد العبور إلى الدولة عليه أن يقوم بتنشيط عمل المؤسسات لا أن يعطلها.
   ليس هذا فحسب، بل إن الرئيس الحريري، الذي يريد أن يسقط الحكومة، بدلاً من جمعه للأصدقاء، نراه قد قطع علاقته مع الأقرب إليه من الطرف الآخر عنيت وليد جنبلاط. فكيف يريد أن يسقط الحكومة؟
   لقد استعمل أولاً الأسلوب الغوغائي بأن ترك "الجماهير الآذارية" تهجم على السراي الحكومية، التي حماها الرئيس عمر كرامي والمرحوم فتحي يكن، عندما فكرت قوى 8آذار بمحاصرتها. وكان يومها المناضل فؤاد السنيورة رئيساً لمجلس الوزراء. هذه الهجمة فشلت فشلاً ذريعاً. فلجأت إلى أسلوب التهديد والوعيد، عندما قدم الرئيس السنيورة مطالبه للرئيس سليمان. وطالب بتنحي الرئيس ميقاتي، مع أنه يملك الأكثرية النيابية. وهذا ما جعل هذا المطلب غير واقعي. وكان آخر الدواء هو الطلب إلى الدول الكبرى تغيير موقفها من دعم الحكومة ودفعها إلى المطالبة بتغيير حكومي. وقد أعلنت الولايات المتحدة أن ما يهمها هو الإستقرار، ولا مانع لديها من التغيير الحكومي إذا كان يساهم في الإستقرار. وهذا يعني أنها لا تصر على التغيير الحكومي إذا كان لايساهم في الإستقرار. وتقديري أن مختلف الدول الأوروبية توافق على هذه الصيغة الأمريكية في توصيف الوضع الحكومي. وهذا يرضي أطراف الرابع عشر من آذار (حلفاء الغرب) بالرغم من عدم تلبيته مطالبهم، ولكن هذا أكثر ما يمكنهم الحصول عليه.
إلى أين يتجه الوضع الحكومي؟
   لقد أعلن الرئيس ميقاتي منذ البداية أنه مع حكومة وحدة وطنية، ولا يعنيه إن كان هو رئيسها أو أية شخصية أخرى. ولكن ما جعله يتراجع عن هذا العرض هو سوء تصرف المستقبل وحلفائه عندما حاولوا اقتحام السراي، وعندما رفعوا مطالب ليس لهم القدرة على تحقيقها. يُضاف إلى ذلك الدعم الدولي غير المحدود للحكومة التي يرأسها. ولكن رغم محدودية تيار المستقبل وحلفائه بالضغط باتجاه مطلبهم بحكومة حيادية، نرى بأن الرئيس ميقاتي وحلفاءه يوافقون على حكومة وحدة وطنية، وليس حكومة حيادية تشرف على الإنتخابات وتكون برئاسة ميقاتي. هذا القول يتناسب مع ميزان القوى القائم في المجلس النيابي وعلى المستوى الشعبي. إن الممارسات التي يقوم بها تيار المستقبل سوف تقضي على ما تبقى له من عطف جماهيري. لذلك عليه المسارعة إلى تغيير تكتيكاته قبل أن يقضي على أي أمل له في الإنتخابات القادمة.
   الحكومة الجديدة سيكون التنافس فيها محدوداً. المقاعد الشيعية محسومة لصالح أمل وحزب الله، والمقاعد الدرزية محسومة لوليد جنبلاط. أما المقاعد السنية فالتنافس فيها على أربعة مقاعد إن كانت الحكومة ثلاثينية. فالمقعدان اللذان لا تنافس عليهما هما رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي وحليفه الثابت فيصل كرامي. الأربعة مقاعد يتنافس عليها الرئيس ميقاتي وتيار المستقبل. أما المقاعد المسيحية، فدائرة التصارع مروحتها واسعة. المؤكد أن المتنافسين هم: رئيس الجمهورية، العماد عون، القوات، الكتائب، جنبلاط وميقاتي. فالحكومة التي ستنتج سوف تكون حتماً حكومة أقلية وأكثرية. وعلى جميع الأطراف أن ترضى بهذه التركيبة، وإلا فليبق القديم على قدمه. ولننتظر الإنتخابات القادمة في ظل حكومة ميثاقية ودستورية وتحوز على ثقة مجلس النواب.
                                                             27 تشرين الأول 2012