بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

السبت، 29 يونيو 2013

المحالفات في زمن العولمة

                            المحالفات في عصر العولمة
حسن ملاط
المثقف، بدلاً من دراسة الواقع وكشف تناقضاته واتجاهاته، يكون مع المزمرين والمطبلين!
يتعامل عدد لا بأس به من الكتاب السياسيين مع الأوضاع الراهنة وكأننا لا زلنا نعيش في أيام الحرب الباردة التي انتهت مع انهيار الإتحاد السوفياتي. وقد انهارت مع انهياره جميع المنظومات الفكرية والسياسية التي كانت تؤرخ لذلك العهد. ويمكننا التمثيل على ذلك بما جاء في مقررات مؤتمر بوتسدام الذي عقد بعد مؤتمر يالطا الشهير، والذي نص على تعهد الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، بعدم التدخل في مناطق النفوذ السوفياتي. وهذا ما جعل الولايات المتحدة وحلفاؤها تمتنع عن التدخل في تشيكوسلوفاكيا، أيام ربيع براغ، وسمحوا للدبابات السوفياتية بالقضاء على الحركة التحررية التي قادها أمين عام الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي ألكسندر دوبتشيك. وحصل الأمر نفسه في دول أخرى من الكتلة الشرقية.
ولكن بعد انهيار الإتحاد السوفياتي تدخل الغرب بأوروبا الشرقية حتى المحاذية لروسيا من دون ردود فعل من روسيا، بسبب تغير الظروف. ودخلت أكثر دول الإتحاد السوفياتي السابق في حلف الأطلسي، بعد قضائهم على حلف وارسو.
ما الذي تغير؟
في عصر الحرب الباردة، كان هناك معسكران منفصلان فعلياً. فالتجارة السوفياتية، بمجملها كانت مع الكتلة السوفياتية أو بعض دول عدم الإنحياز. كما أن التبادل التجاري مع الكتلة الغربية كان يتم ضمن شروط خاصة جداً. لم يكن هناك تجارة حرة. أما بالنسبة للنقد المتداول فهو العملات المحلية. أما العملة الصعبة فكانت تلزم فقط للتعامل مع الدول الغربية. لذلك، لم يكن للدولار الهيمنة القائمة اليوم في جميع دول العالم. هذا الإنفصال سمح لبعض الإقتصادات الوطنية بالتطور. وهذا ما لا إمكانية له في عصر العولمة إلا بشروط خاصة غير متوفرة في أي من المجتمعات، إذا استثنينا ربما، كوريا الشمالية. ووضع هذه الدولة لا يشبه وضع إيران، رغم المقاطعة الإقتصادية لهما. ذلك أن إيران لا زالت تتعامل في العملة الصعبة التي تحصل عليها نتيجة بيع النفط والغاز. وهذه المنتجات لا تملكها كوريا الشمالية.
ما تغير هو أن العالم كان يحوي العديد من العملات وأصبح الآن يخضع لعملة واحدة تُقيم جميع العملات تبعاً لها. ففي أزمة 2008 التي عصفت في الولايات المتحدة، لم يبق اقتصاد واحد في العالم لم يتأثر بها. وقد كانت الخسائر من نصيب جميع الإقتصادات في العالم. أما الولايات المتحدة فقد طبعت مئات بلايين الدولارات، وتغطيتها كانت من جيوب تلك الدول التي تقدس الدولار.
العالم اليوم هو كقرية كونية، كما يحلو للكثير أن يسميه. في هذه القرية يوجد قائد واحد، ويوجد الكثير ممن يود التحرر من هيمنة هذا القائد. ولكن، حتى الآن لم يوفر أحد الشروط الموضوعية لإمكانية التحرر.
التحدث عن المحاور سهل على اللسان صعب على التحقق في الواقع ضمن الظروف القائمة. هناك في العالم دولتان وتكتل يمكنهم أن يحققوا شروط التحرر. ولكن هذا يستدعي العمل من هؤلاء بهذا الإتجاه، وهذا ما لم يحصل حتى الآن.
روسيا: تملك ترسانة عسكرية هامة تجعل رأيها مسموعاً نسبياً من الولايات المتحدة. ولكن هذه الترسانة لا تجعلها مؤهلة لأن تكون قطباً موازياً للولايات المتحدة. فرئيس الوزراء الروسي صرح بأن  روسيا لا يمكنها أن تستمر في ظل الإقتصاد الريعي. روسيا لا تملك سوى الصناعة العسكرية، لذلك فحجم اقتصادها متواضع. وهو يقوم على بيع الغاز والنفط والسلاح الذي بلغ حجمه حوالي 18 مليار دولار.
الصين: وهي تملك ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ولكن ترسانتها العسكرية لا تزال متواضعة. فهي لا تملك سوى حاملة طائرات واحدة. وقوة رأسالمال يلزمها قوة عسكرية موازية. كما أن هناك آفة عضوية في الإقتصاد الصيني وهو عيشه على التصدير وليس على الإستهلاك الداخلي. وقد قررت القيادة الصينية الإلتفات إلى الداخل الصيني من أجل تدعيم اقتصادها. كما علينا التأكيد على أنه لا يمكنها أن تكون قطباً منافساً للولايات المتحدة في الظروف الحالية، خاصة وأن حجم توظيفاتها في الولايات المتحدة يزيد على 1,6تريليون دولار. كما أن التوظيفات الأمريكية في الإقتصاد الصيني تعتبر الأهم على الصعيد العالمي.
ولا يغيب عن بالنا أن الصين وروسيا يعتبران الولايات المتحدة الأمريكية الشريك الأهم لهما.
الإتحاد الأوروبي: نسي الإتحاد الأسباب التي من أجلها قام الإتحاد. حيث أن السبب الإيديولوجي عند التأسيس كان التحدي الأمريكي. بعد أحداث البلقان تبين للأوروبيين أنهم متخلفين عسكرياً (حسب ما صدر عن اجتماع وزراء الدفاع بعد أحداث كوسوفو). لذلك تخلو كلياً عن فكرة منافسة امريكا.
نأتي إلى المحالفات الدولية، وأهمها على الإطلاق "البريكس". فهو يضم أكبر دولتين في العالم من ناحية عدد السكان، الصين والهند، والبرازيل أكبر دول أمريكا وجنوب أفريقيا، أهم دولة إفريقية، بالإضافة إلى روسيا. هذه الدول مجتمعة تضم حوالي نصف عدد سكان العالم. ولكن إذا علمنا أن حجم المبادلات البينية لا يبلغ إلا 2% من حجم المبادلات العالمية، نصبح مجبرين على تخفيف حجم التفاؤل بإيجاد تكتل يمكن أن ينافس الولايات المتحدة على قيادة العالم. أضف إلى ما تقدم أن الصين، حليفة روسيا، تستورد نفطها من إيران والسعودية وغيرهما، علماً أن هناك حدوداً مشتركة بين الصين وروسيا، وان النفط الروسي والغاز أيضاً يوجدان في القسم الأسيوي للإتحاد الروسي. والهند أيضاً تستورد نفطها من إيران. هذا إذا لم نشر إلى ما قاله أحد الإستراتيجيين الروس عندما أعلن أن الصين لا يمكنها أن تتمدد (استعمارياً) إلا في روسيا أو كازاكستان. نعني أن روحية المحالفة غير موجودة.
أما المحالفة الهامة الأخرى هي دول تفاهم شانغهاي والذي يضم الصين وطاجيكستان وكازاكستان وروسيا، وقد طلبت الهند الإنضمام إلى هذه المحالفة. وأهمية هذه المحالفة أن دولها متجاورة جغرافياً. ورغم ذلك لم تتطور هذه المحالفة بحيث تصبح منافساً فعلياً لأمريكا.
لن نتحدث عن "ميركوسير" و دول آسيان لأنهما يقلان أهمية عن التكتلات التي تحدثنا عنها.
أما الكلام عن محور روسيا، الصين، إيران، العراق وسوريا، فهو كلام سوريالي لايمت إلى الحقيقة بصلة. او من يتحدث عن بريكس وإيران والعراق وسوريا، كمحالفات مقابلة لمحالفة الولايات المتحدة مع بعض دول الخليج وتركيا.
ما تقدم من شروحات يُظهر بشكل جلي وواضح بأنه لا مكان للمحالفات قبل التحرر من هيمنة الدولار الأمريكي على العالم. لا يمكن التحدث عن محالفات اقتصادية وسياسية قبل إمكانية التحدث عن الروبل مقابل الدولار أو عن الروممبي أو الروبية...ألخ
العالم يقوده مجلس إدارة عالمي بقيادة الولايات المتحدة يضم شركاء متشاكسين متنافسين، كل منهم يريد القضاء على الآخر عندما تتوفر الظروف.
أما الحديث عن تحالفات الأنظمة مع أحزاب فقد اختُبر هذا الموضوع في تجربة الإتحاد السوفياتي مع الأحزاب الشيوعية في مختلف البلدان. كما أن طبيعة الدول هي غير طبيعة الأحزاب. لذلك فالأحزاب لا يمكن أن تكون حليفة للدول ولكن تابعة لها، تنفذ أجنداتها.
أما على صعيد التجربة السورية، فروسيا هي التي استدعت أمريكا إلى كرمها السوري. حيث أن الرئيس الأمريكي قد أعيا أتباعه بعدم الإلتفات إلى محاولاتهم جره إلى المستنقع السوري. وفعلة الروسي تدخل ضمن معرفة الأخير أن حل أي مسألة دولية يجب أن تحمل توقيع الأمريكي.
من هنا نرى بأن الأطراف التي يمكنها الإستثمار في الحدث السوري هي محدودة جداً. ولا يمكنها المشاركة إلا برضى الولايات المتحدة. وهذا ما جعلنا نقول أن الخاسر الأكبر هو الشعب السوري لأن كل التوافقات سوف تكون على مصالحه. نقول أن المكسب الوحيد لهذا الشعب هو اكتسابه تجربة غنية يمكنه استثمارها في نضالاته المستقبلية في مسيرة تحرره الطويلة.

29 حزيران 2013

الأحد، 2 يونيو 2013

في الممارسة

أبو نزهة                             في الممارسة
المرحلة التي تمر فيها منطقتنا تكاد تكون مصيرية على أكثر من صعيد. فالحدث السوري، أصبح، نتيجة أهمية سوريا، ونهج النظام السوري، والتدخلات الخارجية التي استدعاها هذا النظام، من دون أن نغفل إمكانية التدخل من دون استدعائها من النظام بسبب نهجه القاصر، المحدد لإتجاه سياسات أكثر من دولة ومنظمة ذات طابع شعبي.
لن نتحدث عن جميع من يتدخل في الحدث السوري، ولكننا سنتحدث فقط عن القوى الفاعلة في مجتمعنا، وذلك بسبب أهميتها على مستقبل الحركة الشعبية في بلدنا وأمتنا.
إن التجربة الإجتماعية لا تتم في المختبر كما باقي التجارب العلمية. ولكن عالم الإجتماع يدرس تجارب الشعوب حتى يصل إلى قوانينه الإجتماعية. كما أن تعميم هذه القوانين يتطلب شروطاً لسنا بصدد تحديدها ودراستها في هذه المقالة. إنما أردنا القول أن دراسة التجربة الراهنة على ضوء تجارب أخرى هي ممارسة مشروعة وتحمل طابعاً عملياً وعلمياً.
التكفيريون أو الجهاديون: أصبح التحدث عن التكفيريين أو الجهاديين ( وهو الإسم الذي كان معتمداً قبل أخذ القرار بشيطنتهم) في هذه الأيام وكأننا نتحدث عن مرض خطير يجب استئصاله، حتى من دون إمعان الفكر بأحقية ذلك. الجهاديون هم الذين أعلنوا الجهاد على الأمريكان أعداء الشعوب في أربع جهات الكرة الأرضية. صحيح أن ممارستهم تتسم بالعبثية والطفولية السياسية لأنهم يستبدلون أنفسهم بالمجتمع. فهم يعتقدون أنه بإمكانهم تغيير المجتمع ببعض العمليات الإرهابية، ناسين المبدأ الأساسي بالتغيير الإجتماعي: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. من أجل ذلك، لم يجرؤ أحد على تأييدهم لأنهم بممارساتهم عزلوا أنفسهم عن المجتمع.
في سوريا، يقال أن جبهة النصرة تمثل تنظيم القاعدة، لذلك أعلنت أمريكا أن هذه الجبهة إرهابية، ورفضت تسليح المعارضة خوفاً من وصول السلاح لهذه الجبهة. وأعلنت روسيا أنها هي المستهدفة من الجهاديين، بعد معركة سوريا. لذلك اتخذت القرار مع أميركا بضرورة محاربة النصرة في سوريا قبل أن تنتقل إلى الإرهاب العالمي، أو قبل سفر أعضائها إلى القوقاز الروسي الإسلامي. ولكن المثير للإستغراب هو معركة إيران وحزب الله على جبهة النصرة. فمن المعروف أن كوادر القاعدة قد لجأوا إلى إيران بعد انتهاء حرب أمريكا ضد طالبان في أفغانستان. ألم يكن بالإمكان التوصل إلى تفاهمات مع أعداء أمريكا من قبل الإيرانيين، الذين يجمعهم مع القاعدة العداء للشيطان الأكبر. كما أن حزب الله قد أعلن الحرب على النصرة قبل محاولة التفاهم معها، خاصة أن مساحة المشترك معها أكبر بكثير من الخلافات. وأهم المشترك هو العداء للشيطان الأكبر وإسرائيل. أما الخلاف فهو يختصر بتقييم كل طرف للنظام السوري. فمن المعروف أن النظام السوري الحالي قد تعامل مع القاعدة قبل أن يسلم رؤوسهم لأمريكا.
إن شيطنة جبهة النصرة، لأسباب تكتيكية تتعلق بمصلحة النظام السوري الحالي، لا تخدم المقاومة على المستوى الاستراتيجي. لذلك لا مبرر لحرب النصرة التي تتماهى مع مصلحة الأمريكان والروس والنظام السوري. ولا يغيب عن بال أحد التصريح الذي أدلى به الرئيس الأمريكي عند زيارته للأردن، حيث قال أن الرئيس الأسد لم يف بتعهداته. والتعهدات تتعلق بجبهة النصرة تحديداً. فما معنى هذه المعركة المشتركة مع أمريكا. نحن نعلم أن الحزب لا يمكن أن يقدم أوراق اعتماد لأمريكا. لذلك فالخطأ في مكان آخر؟
أما التذرع بحرب القاعدة في العراق، فإنه حديث يطول. ولكن ما يمكن تأكيده أن التكفيريين لا يقتصرون على المنتمين لأهل السنة والجماعة، فالتكفيريون موجودون عند السنة والشيعة. منذ أقل من أسبوعين أعلنت "عصائب أهل الحق" التعبئة العامة ضد السنة في العراق. ولم يعلن الحزب ضرورة محاربة "عصائب أهل الحق" الذين يأتمرون بأوامر إيران مباشرة. وبذلك يصبح الشعار ضرورة محاربة التكفيريين الذين يحاربون الإستكبار العالمي، سواء كان أمريكياً أو روسياً، من دون إغفال فكرهم الذي يفرق الأمة ولا يجمعها. وهذا يستوجب إقامة الدليل عليهم. أما أولئك الذين لم يطلقوا طلقة واحدة على الإحتلال الأمريكي، فلا بأس من حمايتهم، او على الأقل إغفال دورهم التخريبي داخل الأمة. أما إيران فقد طلبت من جميع الأحزاب الشيعية تأييد المالكي، الذي يلعب دوراً تخريبياً، بدل من الطلب منهم التفاهم مع المتظاهرين حول المطالب المحقة لهم. هذه المطالب التي أيدها المرجع السيستاني والمرجع النجفي.
هذا ما جعلنا نستذكر تجربة الحزب الشيوعي السوفياتي مع الأحزاب المنضوية في منظمة الكومنترن. حيث كان الحزب الشيوعي السوفياتي (ك. ج. ب.) هو الذي يقرر سياسات هذه الأحزاب تبعاً لمصلحة الدولة السوفياتية تبعاً لرؤية الحزب القائد. هذه السياسة التي أدت إلى خفوت دور الأحزاب الشيوعية التي كانت متجذرة في مجتمعاتها، نذكر الحزب الشيوعي السوداني والعراقي والسوري على سبيل المثال لا الحصر.
هل يمكن أن تكون إيران تلعب الدور نفسه مع حزب الله الذي كان يلعبه السوفيات مع أحزاب الكومنترن؟
من المعروف أن إيران تدعم النظام السوري بكل قوتها لأنها تعتقد أنه النظام المثالي لإمكانية تمدد نفوذها في شرق المتوسط. ولا بد من دعم هذا النظام حتى تتمكن من الإحتفاظ بحصتها من النفوذ في سوريا. وخلاف ذلك، فإنه يعني أن الغرب سيتمكن من إبعادها عن شرق المتوسط. لذلك لا بد من دعم هذا النظام، فبعثت ب 10000 مقاتل للذود عن المقامات(!) والدفاع عن النظام. وأوعزت إلى حزب الله للقيام بنفس المهمة التي يقوم بها الباسيج في سوريا. وهذا بغض النظر عن مدى مصلحة الحزب من وراء القيام بهذه المهمة.
هنا لا بد من العودة إلى الدور الذي كان يقوم به الكومسومول في الإتحاد السوفياتي، والدور الذي يقوم به الباسدران والباسيج في النظام الإيراني. فالكومسومول اخترعه السوفيات من أجل الدفاع عن الحكم السوفياتي وإقناع المجتمع بضرورة الخضوع لما تراه الإدارة السوفياتية. اي بلغة أخرى، من أجل فرض الهيمنة. والهيمنة هي القبول من داخل وليس الفرض من خارج أي التسلط. لم يتمكن الكومسومول من القيام بذلك، إنما تمكن من أن يكون سلطة على الشباب المنضوي في صفوفه، سيما أن من لا ينضم للكومسومول لم يكن ليتمكن من الحصول على أدنى حقوقه المشروعة. هذا هو الدور الذي يلعبه الباسيج في إيران. حيث أن الباسدران قد تجاوز هذا الدور. فهو يلعب دور الجيش الشعبي على الطريقة الصينية. وهذه طريقة أخرى لديمومة التسلط. لقد نجحت الدول الغربية من فرض الهيمنة من خلال منظمات المجتمع المدني، الغير موجودة في الدول التسلطية. علماً أن النتيجة تكاد تكون متطابقة من حيث النتيجة في المجتمعات الغربية والمجتمعات التسلطية.
بقي إشارة لا بد منها، وهي أن التدخل الإيراني بهذا الحجم في سوريا، يذكر المرء بتدخل الإتحاد السوفياتي في تشيكوسلوفاكيا، بعد انطلاق ربيع براغ بقيادة دوبتشيك. فقد رأى السوفيات أن هذا الشعب سوف يتمتع بالحرية المحرومة منها جميع الشعوب التي تدور في الفلك السوفياتي. لذلك كان لزاماً التخل العسكري للقضاء على ربيع براغ. وهكذا تأخر التغيير لسنوات، ولكن لم يُقض عليه، فالشعوب تظل أقوى من جلاديها.
نحن لا نشك بعداء إيران لإسرائيل، لكننا لا نشك بأن السياسات كما تُدار تؤدي إلى عكس ما تريده الشعوب العربية والشعب اللبناني. لا مصلحة لربط مستقبل حزب المقاومة بنظام آيل للسقوط نتيجة ظلمه لشعبه لعقود عديدة. إن المؤهل لتحديد السياسات المحلية هي الكوادر المحلية وليس الخارج، مع العلم أنه لابأس من التشاور مع الخارج.
لقد حدد أمين عام حزب الله أن الخلاف يقوم في لبنان على نقطتين هما الموقف من سوريا والموقف من قانون الإنتخاب. وبدلاً من التحاور حول النقطتين جاء قرار التدخل في سوريا. وهذا القرار خارجي بامتياز. لأن مصلحة المقاومة تستدعي أن يكون الداخل متآلفاً. والتأكيد أن حزب المقاومة يمثل شريحة طائفية معينة هو تحضير لمعركة فئوية لا يوافق عليها أكثر الشعب اللبناني. لذلك كانت شعارات المعركة مذهبية استحضرت خلافات مضى عليها مئات السنين. هل نحارب العدو بقسمة الساحة الداخلية وجرها إلى غرائزها؟ إنه القرار الخارجي والذي يخدم الخارج.
مصلحة المقاومة تفرض إعادة التفكير بالخيارات المتخذة، والتفكير بتوحيد الساحة الداخلية لما فيه مصلحة الشعب والأمة. الإنسحاب من الساحة السورية وتحضير الساحة الداخلية للتصدي لعدوان إسرائيلي محتمل. الجميع يعرف ماذا يقول الأمريكان والروس والصهاينة: اتركوا المتطرفين السنة والشيعة يقضون على بعضهم البعض. هذا أحد أهم أسباب عدم إعلان الحرب علينا من قبل الإسرائيلي.


الخميس، 23 مايو 2013

القصير: القطع مع الوعي؟



ابو نزهة                           "القصير": القطع مع الوعي؟
القصير، بلدة سورية كبيرة، منسية مثل جميع القرى التي تشبهها في سوريا. لم يسمع أحد بهذه البلدة إلا أخيراً، بعد أن أصبحت قبلة النظام وحلفائه. ومن عسر حظ هذه البلدة أنها كانت بلدة معظم أهلها من أهل السنة والجماعة. وهذا يعني، حسب تصنيف النظام و حلفائه، بلدة معادية. وحيث أنها تقع بين حمص ودمشق، فمن الضروري أن تكون بيد النظام. وحيث أن أهلها قد شعروا بكرامتهم بعد بدء الأحداث في سوريا فقد تمردت على هذا النظام مثل جميع البلدات والمدن التي يشعر أهلها بكرامتهم. من أجل ذلك، لا بد من غزوها. وعليه فقد حشد النظام وحلفاؤه أكثر قواتهم تدريباً حتى يقضوا على هذه البلدة الآمنة، إما بالمجازر، كما في بانياس، أو بالتهجير مثل معظم البلدات والمدن السورية. والسلاح موجود بفضل الروس والإيرانيين. والنظام السوري يستخدم فقط المدافع الثقيلة والصواريخ الباليستية من طراز سكود والطائرات المروحية أو الحربية من طراز سوخوي وميغ، كل هذا من أجل قصف السكان المدنيين.
لماذا القصير؟ في حال لم يتمكن النظام من ربط دمشق، العاصمة، بالمنطقة الساحلية، حيث القاعدة الآمنة للنظام، فمن المحتم أن النظام سيخسر العاصمة. وبذلك سيصبح النظام ضعيفاً على الصعيد الدولي ومن دون مصداقية، وبذلك يكون انتهى. لذلك فإن الإحتفاظ بالعاصمة هي مسألة مركزية. من هنا تأتي أهمية القول بأن النظام مستعد للتضحية بألف إيراني ومقاوم من أجل الإحتفاظ بالقصير.
القصير بالنسبة للنظام هي مسألة موت وحياة بكل ما للكلمة من معنى. أما بالنسبة للمعارضة فهي ليست أكثر من ربح موقع أو خسارته. هذه القصير، مثلها كمثل ريف دمشق، ليس للنظام من خيار إلا السيطرة على هذه المواقع. فالمعركة بحقيقتها هي معركة دمشق والقصير هي من تفاصيل هذه المعركة.
في التفاصيل: منذ فترة من الزمن، أعلن النظام أنه سيسترد القصير وأنذر أهل القصير والمسلحين الموجودين داخلها. السؤال هو لماذا لم يتم تسليح القصير بأسلحة نوعية تمكنها من التصدي للطائرات والصواريخ التي تساقطت عليها بمعدل خمسين قذيفة في الدقيقة الواحدة؟ والجواب ليس معقداً. المعركة التي تُخاض في القصير هي معركة للقضاء على المسلحين في هذه البلدة لأن الجميع قد حدد مسبقاً أن المسلحين هم من الإسلاميين. والأطراف الذين يهمهم القضاء على هذه الفئة هم فقط الأميركيون والأوروبيون والروس والإيرانون وحلفاؤهم والنظام، وحلفاء أميركا من الأعراب الذين امتنعوا عن تسليح المعارضة.
مما تقدم يتبين أن جميع الأطراف أجتمعت على تصفية أهل القصير وحلفائهم، ولكنهم لما يتمكنوا.
من هم الإسلاميون الذين تريد جميع هذه الأطراف تصفيتهم؟
يقولون لنا أن هؤلاء هم من القاعدة وأخواتها. والقاعدة وأخواتها، هم فقط من حارب أمريكا لأكثر من عقدين من الزمن. أما إيران، فقد حاربت أمريكا كلامياً وحالفتها عملياً.
هناك حربان كبيرتان خاضتهما أمريكا، هما في أفغانستان والعراق. أما الحرب الأولى فقد كان العسكر الإيراني في طليعة القوات الأمريكية التي جاءت تحارب حركة طالبان. فإيران هي حليفة أمريكا في هذه الحرب. أما جائزتها فكانت نائب الرئيس الأفغاني وهو فارسي شيعي.
أما الحرب الثانية التي حالفت فيها إيران الإدارة الأمريكية، فهي حرب العراق. فقوات المعارضة العراقية للرئيس صدام حسين، والتي جاءت من إيران، دخلت بغداد على الدبابات الأمريكية. وقد احتفظت إيران وأمريكا بالتحاف حتى الآن حيث يمثل المالكي تقاطعاً أمريكياً إيرانياً. وحتى بعد قيام التظاهرات ضد سياسته المذهبية والتي لازالت مستمرة منذ أكثر من شهرين، دافعت الولايات المتحدة عن حكمه واعتبرته ديموقراطياً. أما إيران فقد استدعت جميع الأحزاب الشيعية ووجهت لها الأوامر بضرورة دعم المالكي وتجديد تكليفه في رئاسة الوزراء. علماً أن هذا التوجيه يتناقض مع توجيه المرجع الأعلى في النجف، السيستاني، الذي اعتبر أن تصرفات المالكي فئوية ومذهبية ومن الممكن أن تؤدي إلى تقسيم العراق.
أما الحرب الثالثة الكبرى، فهي تلك التي تُخاض في الربوع السورية ضد أعداء أمريكا من التكفيريين. فإيران تعلن على الملأ أنها تحارب هؤلاء ولكنها لم تقل لصالح أمريكا. وإيران وحلفاؤها محقون، حيث أن هذه الحرب تخاض لصالح أمريكا وروسيا والنظام السوري وأؤلئك الذين لا يحبون أن يكونوا على خطوط تماس مع القاعدة.
هكذا تحارب إيران أمريكا. أما عن العقوبات الأمريكية على إيران فهي ليست جدية بما يؤدي إلى خنق إيران كما يدعي البعض. النفط الإيراني تشتريه الصين والهند واليونان وكوريا الجنوبية وتركيا. هذه الدول جميعها من دون استثناء هي من حلفاء الولايات المتحدة.
أمريكا لا يضيرها التحالف مع إيران، شريطة أن تكون بالشروط الأمريكية. لا ننسى أن إيران قبل ثورة الخميني التي كانت معادية لأمريكا، كانت شرطي الخليج لصالح الولايات المتحدة. فإذا كانت أمريكا مستعدة أن تعترف لإيران بولايتها على جميع الشيعة في العالم، عندها يعود التحالف كما كان أيام الشاه.
كيف القطع مع الوعي؟ عندما يخوض الإنسان حرباً غير عادلة، لصالح غيره، يصبح مضطراً للإلتجاء إلى القاموس الذي يربط عصبية الإنسان بغريزته. المقاومة تمثل وعي الأمة. والمقاوم تكون المقاومة وعيه. ولكن عندما على البعض استحضار كل عصبية التاريخ منذ 1400 سنة أو أكثر حتى يدفع المقاوم من أجل أن يصبح مقاتلاً غريزياً يكون قد قطع مع الوعي. ولكن أمتنا بحاجة إلى الوعي، ولا تحتاج للعصبية، التي وصفها الرسول عليه السلام بأنها منتنة!

الجمعة، 17 مايو 2013

لم يفت الأوان بعد!


                                 لم يفت الأوان بعد!
حسن ملاط
الصراع موجود في جميع المجتمعات. وهذا الصراع يأتي نتيجة التناقضات. والتناقضات، منها ما هو أساسي ومنها ما هو خلاف ذلك. أما التناقض الرئيس فهو ذلك الذي تجعل منه القوى الفاعلة في المجتمع كذلك. وليس شرط التناقض الرئيسي أن يكون أساسياً. إنما شرطه أن تتقدم به القوى الفاعلة على أنه التناقض الذي يقود التناقضات الأخرى ويُخضعها للوجهة التي يأخذها. وبذلك تصبح جميع التناقضات الأخرى ثانوية.
وهذا التوصيف لا ينطبق على مجتمع واحد، إنما يميز جميع المجتمعات بدون استثناء، ومنها المجتمع اللبناني. فمن التناقضات الأساسية في مجتمعنا، التناقض مع العدو الصهيوني، والتناقض مع السياسات التي تُخضع مختلف فئات وطبقات المجتمع اللبناني للرأسمال المعولم، وعلى رأسها المصارف. وهذه بدورها تخضع للرقابة الأميركية (البنك الكندي وشركتي الصرافة). فمجرد تهمة من الإدارة الأميركية للبنك الكندي أدت إلى تصفية هذا المصرف. فلبنان حر بالخضوع للإدارة الأميركية. الحرية هي حرية الخضوع.
ما ميز المرحلة السابقة على ال2005، هو تقدم الصراع مع العدو إلى أخذ الأولوية المطلقة. فالقوة الرئيسة كانت "المقاومة" وصراعها مع العدو كان يُخضع جميع التناقضات الأخرى لأولويته فيجعل منها ثانوية. وقد حاولت بعض القوى الداخلية حرف المقاومة عن قتال العدو وتحويلها للصراع الداخلي، ولكنها لم تتمكن، بسبب ميزان القوى الذي كان يميل لصالح المقاومة.
هذه المرحلة كانت ذهبية بالنسبة للمقاومة. فجميع الإتهامات التي كانت توجه لها لم تكن تلقى أي صدىً إيجابي عند الشرائح الكبرى في المجتمع اللبناني.
بعد اغتيال الرئيس الحريري، تغيرت الأجواء كثيراً، وانتقل الصراع من أن يكون مع العدو الصهيوني، إلى أن يصبح بين مختلف شرائح المجتمع اللبناني. فكانت الإجتماعات المتناقضة والحشود المتضادة في ساحة رياض الصلح وساحة الشهداء. ولم تتمكن حرب 2006 من تهدئة هذه الحرب الشرسة. ورئيسية الصراع مع العدو انتقلت إلى الساحة الداخلية، ولا تزال. ولكنها بدأت تأخذ مظاهر سيئة تهدد المقاومة بوجودها، كما أنها تهدد الإستقرار الداخلي والإقليمي. ولا بأس من التذكير بأن الحلف الرباعي لم يساهم إلا بتخفيف الإحتقان لمدة محدودة، لأسباب عديدة لا مجال لذكرها.
من المؤكد أن التحالفات الداخلية التي أعقبت الحلف الرباعي، والتي أرساها حزب الله قد لعبت دوراً سلبياً في هذا المجال. نعني الحلف مع العماد عون. فقد بدأ هذا الحلف باتجاه إيجابي، عندما أعلن العماد عون انتماءه للمسيحية المشرقية، والتي كانت واضحة في الرسالة التي بعثها إلى بابا الفاتيكان السابق. ولكنه لم يلبث أن بدأ يبث السموم المذهبية والأقلوية وأخذ يحرض على السنة في لبنان انطلاقاً من عقدة النقص التي يحملها إزاء أحد التيارات التي يدعي تمثيل سنة لبنان. حزب الله لم يلعب دوراً في تخفيف غلواء العماد عون، مما أوحى وكأن الحزب يوافق على ما يقوم به العماد. هذا ما ساهم برفع وتيرة الإحتقان، حتى بات البعض يعتقد وكأن هناك مصلحة بإظهار نغمة الأقليات والتي تحدث عنها عون وجعجع. حيث أن الأول تحدث عن ضرورة التحالف مع الأقليات كمبرر لتحالفه مع الحزب. أما جعجع، فقد تحدث عن التحالف مع الأكثرية (السنة) كضرورة لحماية  الأقليات المسيحية في الشرق.
التحالف مع عون بالإتجاه الذي أراده عون لم يكن موفقاً إذا أحببنا أن نتحدث عن مصلحة المقاومة، واستمرارها في بلادنا. فقد بدأ عون ب"يا شعب لبنان العظيم" إلى الذهاب إلى الكونغرس الأمريكي للترويج لل1559 ثم إلى حلف الأقليات وكان آخرها قانون اللقاء الأرثوذكسي الذي سيحول شعاره المحبوب إلى "يا شعوب لبنان العظيم". نحن نعلم، والجميع يعلم أن مصلحة المقاومة تستدعي تجميع الناس حولها، لا قسمة الناس حتى تصبح معزولة عن محيطها الأوسع. وهذا ما وصلت إليه المقاومة مؤخراً. وليس في هذا دعوة إلى عزل العماد عون، إنما هو دعوة إلى خدمة شعار ضرورة التوحد على شعار مقاومة العدو الصهيوني.
إن ما يدفعنا إلى هذا الكلام هو الوضع المأساوي التي وصلت إليه المقاومة والذي يستدعي الوقوف والتفكر. فمجتمعنا اللبناني والعربي بحاجة ماسة للمقاومة، لأنها لا إمكانية للتحرير من دون المقاومة. ولا أمل في تحرير فلسطين إلا عبر المقاومة. فقوة المقاومة واستمراريتها تعنينا جميعاً كما تعني المنتمين إلى صفوفها. من أجل ذلك، يصبح لزاماً على الجميع العمل الجدي على حمايتها.
وجود المقاومة في مجتمع ما يحول هذا المجتمع إلى مجتمع مقاوم، خاصة إذا كانت المقاومة فاعلة. التكتيكات الأخيرة أدت إلى عكس ذلك، مما يتطلب الإستدراك والتفكر. لقد حدد السيد نصرالله أن الخلاف في لبنان يقوم على موضوعين هما قانون الإنتخاب والتدخل في سوريا، ثم أكد أن الحزب يقبل في أن يكون لبنان دائرة واحدة على أساس النسبي، ولكن إذا حصل اقتراع على الأرثوذكسي، فالحزب سيصوت للأرثوذكسي. وأكد في المجال نفسه أنه سيظل يتدخل في سوريا. اي بصيغة أخرى فليبق الخلاف في لبنان... أين المقاومة؟
وفي خطاب آخر للسيد، أكد أن الحزب يمثل الشيعة مع حركة أمل، وأن الحزب سيدافع عن الشيعة في القصير وسوف يدافع عن مقام السيدة زينب، رضي الله عنها، وكأن المقام بني منذ عدة سنوات وليس منذ مئات السنين. هذا الكلام أدى إلى الشك في أن هناك أجندة تختلف عن أجندة تأكيد مكانة المقاومة في لبنان وفي الإقليم. وأكد أن هذه القرارات ترتبط بمصالح إقليمية أسماها السيد تحالف المقاومة والممانعة. وبلغة أخرى، يرتبط هذا التكتيك بمصلحة النظام السوري القائم لأن إيران ترى مصلحة في ذلك. والتبرير أن النظام السوري مقاوم ليس مقنعاً لأن هذا النظام لم يكن يوماً مقاوماً. إسرائيل لا تزال حتى الآن تصرح أنها لا تقبل عنه بديلاً لأنه أمن حدودها لأكثر من أربعين سنة. أما من حيث إيصال السلاح فهذه تجارة يمكن أن تتم عن مختلف الطرق. وهذا لا يستدعي تفتيت المجتمع من أجل مصالح هذا النظام الذي يقتل شعبه، ويهدم منشآته غير آبه إلا لمصلحته والشريحة التي تنهب خيرات هذا الشعب. نظام دمر الصناعة والزراعة من أجل مصالح حفنة من أصحاب الرأسمال المعولم. نظام لا يعرف كيف يتخلص من تحالفه مع إيران وحزب الله اللذان يريدان أن يضعاه بمواجهة الكيان الغاصب، هو الذي يريد أن ينهي مشاكله مع الكيان الغاصب بالمفاوضات، تارة عبر تركيا أو أمريكا أو أوروبا، حتى لا تلتصق به شبهة المقاومة أو غيرها من الأوصاف. والمزحة الكبرى أخيراً فتح باب المقاومة في الجولان، موضوع تورط فيه من عليه أن لا يتورط. المقاومة ليست قراراً يأخذه من أفنى نضاله بقتال المقاومين. أضف أن أول عملية للمقاومة كانت في تركيا. فقد قرر النظام المستعبد عند سايكس بيكو تحرير لواء الإسكندرون. لقد أفاقت أمتنا من سباتها بقيادة النظام السوري المقاوم.
إيران، جادة في عدائها للكيان الصهيوني، لأن إيران تريد أن تكون جزءاً من الإقليم وإيران تعرف أن باب الولوج إلى منطقتنا هو المقاومة ضد الكيان الصهيوني. ولكن لإيران حساباتها، حسابات لا تتطابق مع الحسابات الجزئية للكيانات الموجودة في بلدنا. ليس من مصلحة لبنان إخضاع استقرار لبنان وأمنه لما يخدم الدفاع عن أمن النظام السوري. فسياسة النأي بالنفس وإعلان بعبدا هما من السياسات التي وافق عليها الحزب لأنها تخدم أمن البلد. فإذا كان هناك من يتدخل في سوريا، وهذا التدخل يجعل الصراع في لبنان يأخذ طابعاً مضراً بالبلد وبأمنه واستقراره ويخلق انقساماً حاداً حول المقاومة لأنها غيرت اتجاه بندقيتها... هذا يعني ضرورة إعادة التفكير بهذه التكتيكات التي ستؤدي إلى القضاء على المقاومة باتجاه العدو الصهيوني.
بقي نقطة لا بد من الإشارة إليها. حزب الله يعتبر حزب "المستقبل" هو الممثل الوحيد للسنة في لبنان. علماً أن هذا التوصيف لا يوافق عليه الكثير من أهل السنة في لبنان. فالكثير منهم يساندون المقاومة مساندة فعلية، ولكن منطق التعاون الذي درج عليه الحزب في تعامله مع هذه الفئات لا يؤدي بهذه الفئات إلى الإستقلالية التي تمكن هؤلاء من التجذر في بيئتهم. فهناك الكثير من القرارات التي يأخذها الحزب من دون التشاور مع هؤلاء مما يجعلهم معزولين عن محيطهم بسبب تأييدهم للحزب ولا يجعلهم فاعلين في خيارات الحزب. فلو أن التشاور كان يتم معهم، لأضحى الوضع أفضل مما هو عليه. على كل حال، لم تقم القيامة بعد، واستمرار المقاومة وتجذرها وتطورها وتعميم مثالها وتحويل المجتمع إلى مجتمع مقاومة يستدعي مناقشة جميع هذه القضايا. فلم يفت الوقت بعد.
إن نقل الصراع الإقليمي إلى الداخل اللبناني، أو الإنتقال إلى الخارج للمشاركة في المعركة الإقليمية سوف يكون له تأثيرات على الداخل اللبناني. ولكن من المعروف أن التناقضات الداخلية هي التي تلعب الدور الرئيس في موضعة القوى في الداخل. أما الخارج لا يمكنه إلا أن يكون عنصراً مساعداً. هناك من اعترض على سعد الحريري عندما أعلن أن انتصار الثورة في سوريا سوف يمكنه من العودة إلى السلطة في لبنان، قد وقع للأسف في نفس "المطب".
لماذا التركيز على حزب الله؟
حزب الله هو حزب المقاومة في لبنان، والكثير الكثير من الشعوب العربية قد وضعت كل ثقتها في المقاومة، ونحن نريد أن تستمر المقاومة وتُعمم. هذا هو سبب تركيزنا على الحزب. لا تزال ثقتنا قوية بمن حقق انتصارين كبيرين على العدو، ولكن لابد من المراجعة والتصحيح وتعميم المشاركة في المقاومة على جميع من يريد أن يكون مقاوماً بصرف النظر عن دينه أو طائفته أو مذهبه. لم يفت الأوان بعد!
17 أيار 2013





السبت، 11 مايو 2013

هل الحرب قادمة


                                      هل الحرب قادمة؟
حسن ملاط                                                                11 أيار 2013
عندما جاء كيري إلى وزارة الخارجية الأمريكية، كانت أولى مساهماته حول ما يجري في سوريا أن صرح أن مؤتمر جنيف هو القاعدة التي ينطلق منها كل حل للقضية السورية. وأضاف أن الأسد هو جزء من الحل. وهذا الكلام يخالف ما كان يتحدث عنه أوباما في ولايته الأولى. وقد فهم المراقبون أن السياسة الأميركية سوف تتغير بأن تتقرب أكثر من الرؤية الروسية للحل. ولكن الكلام الأمريكي بدأ بالتغير على استحياء، وذلك للتقرب من المعارضات السورية، التي يرفض أكثرها التفاوض مع الرئيس السوري.
اتجه الأمريكيون إلى توحيد المعارضة، وكان مؤتمر الدوحة الذي نتج عنه الإئتلاف الوطني، والذي انتخب معاذ الخطيب رئيساً له. ولكن لم يتمكن الأخير من التفاهم مع رفاقه حول الأولويات، ما أدى إلى استقالته السريعة. أما الجيش الحر فقد آثر التغريد وحيداً، في الوقت الذي تخلى عنه المسؤول عن تسليحه وإمداده بالمعونات، ما أدى إلى تخلي المئات من المقاتلين عنه وانضمامهم إلى جبهة النصرة الحسنة التسليح والتدريب. جبهة النصرة التي توحد على معاداتها النظام والأمريكيون والأوروبيون والإيرانيون وحلفاؤهم اللبنانيون. وقد أعلن الأمريكيون أن هذه الجبهة إرهابية ويجب محاربتها، رغم الطلب الملح من المعارضة السورية تأجيل الصدام مع هذه الجبهة إلى ما بعد الإنتصار على النظام. في هذا المجال، صرح الرئيس أوباما في عمان أن الأسد أخل بتعهداته. نفهم أن هناك تعهدات أعطاها الرئيس السوري للأمريكيين ولم ينفذها. ولا نعتقد أنها تخرج عن ضرورة محاربة النصرة.
كل ما تقدم كان مترافقاً مع الرفض المطلق للأوروبيين والأمريكيين لتسليح المعارضة السورية، بحجة الخوف من وصول السلاح إلى المكان الخطأ. وهذا بدوره أدى إلى تقدم النظام وحلفاؤه في الكثير من الجبهات. هذا التقدم للنظام على الأرض، لم يُزعج الأمريكيين، بدلالة عدم السماح بتسليح المعارضة حتى الآن.
هل تقدم النظام يملك دلالات مفصلية؟
التقدم كان على جبهة حمص وريفها، وكذلك في بعض ريف دمشق. والمعروف أن المنطقة التي تُشكل الخزان البشري للنظام هي منطقة الساحل التي تضم اللاذقية وطرطوس وريفهما. وهذه المنطقة تفقد فعاليتها إذا لم يتمكن النظام من ضم حمص وريفها لها حتى يؤمن الإتصال مع دمشق العاصمة. فالنظام يفقد شرعيته في حال فقدانه العاصمة دمشق. نستنتج بان المناطق التي تقدم فيها لا يمكنه التخلي عنها، لأنه في حال التخلي عنها فذلك يعني هزيمته المعلنة. أما فقدانه المنطقة الساحلية فتعني القضاء عليه. من أجل ذلك لا نرى التقدم الذي يحرزه النظام في هذه المناطق يُعتبر تغييراً في ميزان القوى، إنما هو فرز للقوى وتموضعها.
ولكن لا بد من التأكيد أن الحشد الكبير الذي قام به النظام والإيرانيون وحلفاؤهم كان ضرورياً لشرعية استمرار النظام.
في هذا الوقت تدخلت إسرائيل في غارتيها على دمشق. فهل صحيح أن الهجوم الإسرائيلي كان يستهدف إضعاف النظام لصالح المعارضة؟ المؤكد أن هذا الكلام بعيد عن الحقيقة بشكل مطلق، حيث أن العدو الصهيوني لا يزال يرى أن بقاء الأسد على سدة الرئاسة في سوريا يؤمن للعدو مصالحه الأمنية والاستراتيجية، بالرغم من "ممانعة" النظام ومقاومته". إن ما يرفضه الصهيوني هو أن تكون له حدود مشتركة مع القاعدة (جبهة النصرة). فهو يعرف كيف يتصرف مع النظام ولكنه لا يعرف كيف يتعامل مع القاعدة. من هنا علينا فهم القرار الأمريكي بعدم تسليح المعارضة. فالأمريكي لا يفكر إلا بمصلحة العدو.
لم كان الهجوم الإسرائيلي إذن؟
نحن نعتقد أن الهجوم على دمشق التي تحميها إيران وحلفاؤها كان رسالة "عنيفة" لإيران. فالإسرائيلي الذي يهدد بالهجوم على طهران من أجل تدمير النووي الإيراني هو بحاجة لمعرفة كيفية تصرف الإيراني إزاء أي هجوم يقوم به العدو. والإيراني ليس بعيداً عن هذا التفسير. فرئيس الأركان الإيراني هو الذي رد على الهجوم الصهيوني عندما أعلن أن المقاومة سترد على الهجوم الإسرائيلي. ولكن عندما رأت القيادة الإيرانية أن هذا الكلام سيورط إيران بمواقف وممارسات غير مدروسة تراجعت عنه. والصهيوني من جانبه، أكد للقيادة السورية أن هجومه موجه للإيرانيين وحلفائهم وليس للقيادة السورية. لذلك أعلنت القيادة السورية أنها سترد على أي هجوم جديد. لا نعلم إن كان الإسرائيلي قد أخطرهم أنه لن يقوم بهجوم جديد.
إن ما يريح الإيراني والسوري هو أن يصرح حليفهما عنهما، بحيث أنه لا يتبوأ مركزاً رسمياً. فبإمكانه أن يصرح بما يريد. فتصريحه يمكن أن يعطي اتجاهاً من دون أن يلزم الإيراني أو السوري. كما أن تصريحه يحمل الكثير من المصداقية التي تعودها الناس منه. كما أنه بإمكانه أن يبرر تقاعس النظام السوري والإيراني عن الرد.
أين الحرب ضمن الصورة الحالية؟
إن ما يحدد انفجار الحرب الإقليمية من عدمه، هي التحضيرات التي تقوم بها الولايات المتحدة وروسيا من أجل المؤتمر الذي سيحل المعضلة السورية. فالأطراف الفاعلة في القضية السورية هم روسيا وإيران وحلفاؤها مع النظام بمجابهة السعودية وقطر وتركيا وحلفاؤهم الأمريكيون والأوروبيون. الطرف الذي لا يمكنه أن يخسر في سوريا هو إيران. لذلك فإن أي استبعاد لإيران عن المؤتمر سوف يؤدي على أغلب الظن إلى انفجار الأوضاع التي ستؤدي حتماً إلى خلط جميع الأوراق. هذا لا يعني تراجع الولايات المتحدة عن ضرورة استبعاد إيران. إنما يعني أن على إيران استخدام جميع إمكاناتها لإجبار أمريكا على التراجع.
هل بإمكان أمريكا التراجع؟ نحن نعتقد أن أمريكا التي تمكنت من الإتفاق مع إيران حول الملف الأفغاني وحول الملف العراقي لا يمكنها التنازل لإيران في شرق المتوسط. إن وضعاً كهذا سيجعل من إيران لاعباً رئيسياً في جميع المنطقة، بما فيه الخليج. وهذا سيؤدي حتماً إلى تغيير الإتجاه الذي أكدته أمريكا بأنها ستتوجه إلى المحيط الهادىء. هذا الوضع المستجد سيمنع أمريكا من التوجه إلى حيث تكون قريبة من منافستها الأولى، الصين، وغير بعيدة عن منافستها العسكرية، روسيا.
ليس أمام إيران إلا التهديد بما تهرب منه أمريكا: الحرب. 14% من الأمريكيين وافقوا على التدخل في سوريا في حال ثبت استخدام الكيماوي، مقابل 61% ضد التدخل في جميع الأحوال. إن إعادة انتخاب أوباما جاءت على خلفية إنسحاب أمريكا من العراق وأفغانستان وعدم زج الجيش الأمريكي في أية حرب جديدة. هذه هي الورقة الرابحة بيد الإيراني. فلن يتنازل عنها.
ما هو المتوقع؟
عندما تريد أمريكا من إيران أن تخرج من سوريا ومن شرق المتوسط، فعليها أن تعوضها في مكان آخر. هل يكون بديل شرق المتوسط شرق آسيا، المنطقة المرتبطة تاريخياً بإيران؟ هذا هو المرجح. لا نعلم إن كان التصريح الإيراني عن علاقات حسن الجوار مع باكو يأتي من ضمن هذا السياق. حيث أننا نعلم أن إيران كانت تؤيد أرمينيا في خلافها مع أذربيجان، بالرغم من أن أكثرية الأذريين هم من الشيعة. فهل هذا مؤشر إلى اتجاه نحو تحسين العلاقات وإعادة الحياة إلى العلاقات الحميمة مع آسيا الشرقية الإسلامية التي منها العديد ممن يشتركون مع الإيرانيين عرقياً.
يمكننا القول أن المنطقة دخلت بازار الحلول بعد إعلان كيري – لافروف. وهذا الوضع هو الذي يبشر بالتصعيد مع البيع والشراء. الشعوب هي دائماً من يدفع الثمن. كان الله بعون السوريين.

السبت، 20 أبريل 2013

المبادىء الكبرى لتعليم القراءة


                            المبادىء الكبرى لتعليم القراءة
حسن ملاط
بات الأمر معروفاً، فقد أصبح ما يسمى ب"علم القراءة" حقيقة علمية نتيجة الكشوفات العلمية الكبيرة في مجال معرفة الدماغ. الدوائر الدماغية الكبرى أصبحت محددة، وكيفية عملها في طريق المعرفة. كما ويوجد مخططات للهندسة العصبية التي تنتج مظاهر متعددة من السلوك المتعلق بالقراءة وتعلمها. يمكن القول أن هناك آلية دماغية تختفي وراء كل قارىء.
هل يمكن القول أن هناك طريقة واحدة لتعليم القراءة؟ كلا يجيب بعض المهتمين بتعليم القراءة. ولكن هناك فريقاً آخر يرى أن الطريقة المندوبة لتعليم القراءة والتي تستجيب لآلية عمل الدماغ، هي الطريقة التي تعتمد التعليم المباشر للحروف وأصواتها. الفريق الأول يؤكد أنها الطريقة الأفضل بدون أي تحفظ، ولكنه لا يستثني الطرق الأخرى.
ستانسلاس دوهايين، صاحب كتاب "تعليم القراءة" و "الخلايا العصبية للقراءة" يقول بأن الطريقة التركيبية والطريقة التحليلية مقبولتان في تعليم القراءة شرط تعليم العلاقة بين الروسم والصوتم. ولكن صاحبنا تجاوز عن جميع التجارب العملية والتي أثبتت، إحصائياً، أن الطريقة التركيبية هي التي تؤدي إلى النتائج الإيجابية في تعليم القراءة، سواء كان الوسط السكاني فقيراً أم ميسوراً.
ثم يقول بأن هدفه متواضع، ليس إدخال الطريقة لتعليم القراءة، إنما عرض قائمة من المبادىء التربوية التي إذا طُبقت بشكل منهجي، سوف تسهل تعليم القراءة. يضيف أن هذه المبادىء ليست ثورية، ولكن الكثير من المعلمين سيحكمون عليها بأنها طبيعية. كما وأن هذه القائمة ليست محصورة، أي يمكن إضافة مبادىء أخرى إذا أظهرت التجارب صحتها.
حديثنا هذا يختص بالروضات، وخاصة الكبرى والصف الأول بشكل رئيسي والصف الثاني جزئياً. ذلك أن الطريقة التي نتبعها تجعل الطفل في نهاية الصف الأول قارئاً، ومن دون أي تحفظ.
المبدأ الأول: تعليم الحروف الهجائية بشكل مباشر وظاهر explicite وليس بشكل ضمني implicite
الحروف في اللغة العربية والفرنسية تعبر عن أصوات. وهي تُكتب من اليمين في العربية ومن اليسار في الفرنسية. وهذه الحروف تُسمى رواسم وترتبط بصوتها الذي يُسمى صوتم. في الفرنسية الصوتم من الممكن أن يأتي من اندماج عدة حروف وهذا يُسمى الروسم المركب.
أ‌-       اتصال الروسم – الصوتم: في العربية هذا التعليم أسهل بسبب الحركات التي يُدرس الحرف مع حركته مباشرة. أما في الفرنسية فتعليم voyelles سهل لأنها تمثل أصواتاً. ولكن الصعب هو تعليم consonnes لأنها ساكنة. يمكن تجاوز هذه الصعوبة بتقنية الكلمات التي تنتهي بحرف ساكن مثال تلفظ l كما في الكلمة nul وهكذا. على كل حال ما يجعل هذا التعليم ممكناً هو تعلم الطفل بجدارة كيفية ربط الرواسم والصواتم، لأنها الطريقة الوحيدة التي تتيح للطفل قراءة كلمات جديدة.
ب‌-   دمج الأحرف أو الرواسم: على الطفل أن يعلم أن الحرف يُقرأ تبعاً للحركة، وأن الحركة تدخل على جميع الرواسم. أما في الفرنسية فعلى الطفل أن يعلم أن voyelles تدخل على جميع ال consonnes والعكس يصح أيضاً. كذلك مع الصواتم المركبة مثل on و ou و in و en ...
ت‌-   حركة الأحرف: على الطفل أن يدرك أن تغير مكان الروسم أو الصوتم يغير الكلمة والصوت أيضاً. مثال: pa و ap أو pi po pu ...إلخ. يمكن استخدام الحروف المتحركة من أجل سرعة فهم الطفل، أو الحروف الممغنطة...
ث‌-   معرفة الإتجاه: فالقراءة بالعربية تبدأ من اليمين. أما بالفرنسية، فهي تبدأ من اليسار. وهذه فكرة مهمة من أجل توجيه نظر الطفل. فالتعود على هذه الفكرة المكانية تؤدي إلى تسريع القراءة.
ج‌-    التمييز للحروف المتقابلة: q p و b d . الطفل الذي لا يجيد القراءة لا يعرف التمييز بين هذه الحروف، كما أن دماغ الطفل غير مهيأ لمعرفة التمييز بينها. وما يزيد الأمر صعوبة هو صعوبة التمييز بينها باللفظ. لذلك علينا اللجوء إلى الكتابة لتمييز هذه الحروف التي نسميها: lettres en miroir.
المبدأ الثاني: مبدأ التدرج المنطقي
وهذا يختص باللغة الأجنبية أكثر منه بالعربية. حيث أن الرواسم (المؤلفة من حرف واحد أو أكثر) تلفظ بطرق مختلفة مثال ذلك: ca و ce و ch . فإذا اتخذنا قراراً بتعليمه هذه الرواسم بشكل مبكر، فهذا يعني وكأننا أخذنا قراراً بتشويش ذهن الطفل. لذلك وجب أن يكون هناك تدرجاً منطقياً بتعليم الرواسم والصواتم.
أ‌-        انتظام العلاقة روسم – صوتم: علينا تعليم العلاقة روسم – صوتم بالنسبة لانتظامها إحصائياً. الأكثر انتظاماً نعلمها أولاً مثال v فهي تُلفظ دوماً بنفس الطريقة وليس الحرف g الذي يُلفظ بطريقتين مختلفتين.
إن الأطفال الذين يجيدون العلاقات المنتظمة بين الرواسم والصواتم يجيدون بسرعة أكثر العلاقات غير المنتظمة irregulier، شريطة أن يكون التعليم بشكل مباشر explicite.
ب‌-    تردد الرواسم والصواتم: المقصود هو ضرورة تعليم الرواسم التي تتردد في اللغة أكثر من غيرها، لضرورة تعلم الكلمات. وهذا في العربية والأجنبية.
ت‌-    سهولة لفظ consonne عندما تكون وحدها: علينا تعليم الحروف الصامتة التي يمكن لفظها مثل: f و ch وليس حرف l أو b مثلاً.
ث‌-    تعقيد البنية المقطعية: من الصعب قراءة مقطع فيه العديد من الأحرف الصامتة مثل strict لذلك يجب أن يكون التعليم: CV ثم VC ثم CVC ثم CCV ثم CCCV ...           C تعني consonne و V تعني voyelle .
ج‌-     عدم إمكانية الفصل في الرواسم المعقدة: علينا أن نعلم الطفل أن هذه الرواسم هي وحدة لا يمكن فصلها مثل: en an au eau ... لذلك علينا إظهارها بنفس اللون أو على أنها كتلة غير منفصلة في الأحرف المتحركة: lettres mobiles  .
ح‌-     الأحرف الصامتة muette: هذا تعقيد إضافي، لذلك فبعض الكتب حلت هذا الإشكال بكتابة الأحرف التي لا تُلفظ بخط هافي، وذلك حتى يعلم الطفل ضرورة عدم لفظها.
خ‌-     يقترح دو هايين ضرورة تعليم الطفل الكلمات التي تتردد كثيراً، حتى وإن كانت غير منتظمة. وهذا يعني حفظه لهذه الكلمات وليس قراءتها لأنها تتناقض مع مبدأ القراءة.
د‌-       دور أجزاء الكلمة: وهو مهم في تسهيل معاني الألفاظ في الفرنسية. فعندما نجزىء الكلمة إلى مكوناتها يسهل الوصول إلى المعنى: incomparable فالجذر الذي يحمل المعنى: compare أما in و able فهي morphemes حُملت معنىً معيناً. هكذا يمكن للطفل أن يدخل إلى المعنى سريعاً.
المبدأ الثالث: التعلم النشط الذي يربط القراءة والكتابة
إن تشكيل الكلمة وكتابتها يسهل القراءة على مستويات متعددة. ففي الفرنسية يوجد صعوبات في الإملاء ناتجة من حيث أن العلاقة بين الروسم والصوتم ليست دائماً بسيطة. فهناك الكثير من الكلمات كتابتها غير منتظمة. نقول يكفي أن ينتبه الطفل إلى الكلمات الكثيرة الإستعمال مثل : sept  dix  est … وبعض الرواسم المعقدة مثل eau  tion… حتى يتمكن من أن يتجاوز صعوبات الكتابة المعقدة نسبياً.
كما أن الدراسات أثبتت أنه عندما يستخدم الطفل الأحرف المتحركة ويكتب في الفضاء وهو مغمض العينين ثم يمرر  يديه على الأحرف النافرة، تصبح الإملاء سهلة، لأن العلاقة روسم – صوتم تكون قد سهلت.
على كل حال، علينا أن نبدأ بالكلمات التي لاتحوي عدم انتظام. حتى نصل إلى الكلمات المعقدة.
المبدأ الرابع: مبدأ الإنتقال من الواضح explicite إلى المضمر implicite
تسهيل آلية القراءة السريعة، أي الإنتقال من القراءة البطيئة الواعية، مع مجهود إلى قراءة سريعة وسلسة. عندما تصبح القراءة آلية ينتقل الطفل إلى التفكير في المعنى.
فتعليم القراءة يتضمن مرحلتين:
الأولى: التعليم الواضح explicite ، وتكون في السنة الأولى عندما يتعلم علاقة الروسم – الصوتم.
الثانية: التعلم المتضمن implicite والذي يمتد لعدة سنوات حيث يتقن المتعلم جميع القواعد. ينتهي مفعول هذه المرحلة بقدر ما يقرأ المتعلم. فكثرة القراءة هي التي تختصر هذه المرحلة. فعلى الأهل والمدرسة أن يتعاونا ليصبح ابنهم قارئاً. وذلك بتخصيص نصف ساعة من المطالعة اليومية، وهذا يتطلب تأسيس مكتبة للطفل في البيت. أما المدرسة فتطلب من الأطفال تمارين شفهية وكتابية يومية، تقرير عن مطالعة الطفل، إنشاء مكتبة في الصف بحيث يتعود الطفل على أخذ كتاب للمطالعة، أو الإطلاع على الكتب لاختيار أحدها...
المبدأ الخامس: الإختيار المنطقي للأمثال والتمارين
الأمثال والتمارين التي يطرحها المدرس على الطفل يجب أن تكون منتقاة بعناية، بحيث يكون المعيار المنطقي لهذا الإختيار يتناسب مع مستوى الطفل. فالطلب يجب أن يتضمن كلمات يفهمها الطفل، بحيث يستوعب المطلوب القيام به بسهولة تامة.
أ‌-       العلاقة مع ما يتعلمه الطفل: يجب أن تكون الكلمات مشكلة من الرواسم والصواتم التي تعلمها الطفل، وليس بالكلمات التي يحفظها كمرحلة أولى. لذا علينا الإبتعاد عن الكلمات غير المنتظمة.
ب‌-   إبعاد الأخطاء: يجب عدم كتابة كلمات مغلوطة لأن الطفل سيحفظها. يمكننا إختيار كلمات غير موجودة لتعليم الطفل الفروقات بين بعض الرواسم المتشابهة. مثال b و d فنكتب boule و doule فالثانية لا معنى لها.  أو مثل موجود balle و dalle .
ت‌-   التمييز بين صوت الحرف وإسم الحرف: هذا ما يقترحه دو هايين. أما أنا فلا أوافق على هذا الكلام، حيث علينا تعليم الحرف كما يمر معنا فقط. ولكن لا ماتع بعد أن يتقن الطفل القراءة أن نعلمه أسماء الحروف.
ث‌-   علينا باستمرار تغيير الأمثال والتمارين، وذلك حتى لا يتعود الطفل على أن يحل هذه التمارين بشكل آلي. فالعمل الآلي لا يساعد الطفل على تعلم القراءة ولا على إتقان اللغة.
المبدأ السادس: الإلتزام النشط بين الإنتباه والفرح
الأبحاث العصبية المتعلقة بالتعلم تمكنت من استخلاص قواعد بسيطة تعدل السرعة وقوة الحفظ. يوجد على الأقل ثلاثة عوامل تلعب دوراً أساسياً.
أ‌-       الإلتزام النشط للطفل: الطفل السلبي لا يتعلم إلا نادراً، أو لا يتعلم أبداً. المعارف الراهنة تقول بأن الطفل حتى يتعلم عليه أن يكون متحفزاً، مهتماً ونشطاً. لذلك علينا تحفيز الطفل بسؤال أو تمرين عليه هو أن يجد الإجابة. كما أنه يجب علينا التنبيه إلى أن السؤال يكون من مستوى التلميذ، أي لا تتعذر الإجابة عليه.
ب‌-   الإنتباه: علينا أن نفتح التلميذ على أفق واسع نوحي للطفل أنه سينفتح عليه في حال الإهتمام الجدي بتعلم القراءة.
ت‌-   الفرح: ما يسهل التعلم هو مكافأة الطفل على مجهوده الذي يقوم به. وعلينا التنبيه أن المكافأة المجانية غير مفيدة. إن شعور الطفل بأنه ينال الإعجاب والتقدير سوف يضاعف جهوده. علينا الإبتعاد عما يحبط الطفل. فالخطأ من الطفل لا يكون سبباً لإحباطه. ولكن نقوم بتصحيح الخطأ بروحية أن كلاً منا معرض أن يخطىء، ولكن علينا تصحيح الخطأ والإنتباه أكثر. فالوقوع بالخطأ طبيعي.
المبدأ السابع: التكيف مع مستوى الطفل
المعلم الجيد هو الذي يعرف مستوى أطفاله والذي يطرح لهم تحديات تتلاءم مع إمكاناتهم. ثم ينقلهم إلى مستوى أعلى. وهكذا يكون الطفل مسؤولاً عن تعلمه.
في حال تعلم الأطفال تشكيل الكلمات، لا مانع من نقلهم إلى مستوى أعلى، وإلا سيصابون بالضجر وبعدم الإهتمام بما يطرحه المعلم لأنه لا يثير اهتمامهم. فالمتعلم هو الذي يحدد مسيرة المعلم في الصف.
من هنا ضرورة التقييم المستمر، عندها يمكن للمعلم أن يلائم إيقاعه مع الكفايات التي اكتسبها التلاميذ. وبذلك يتمكن أيضاً من تشخيص الصعوبات التي تعترض تعلم الأطفال. ولا بأس من تعويد الأطفال على "التقييم الذاتي". هذه الممارسة لها انعكاسات إيجابية جداً على تعلم الأطفال، حيث أنها تؤكد استقلالية الطفل. وبذلك تنمي شخصيته. وقد ركزنا كثيراً على أن تنمية شخصية الطفل هي شرط للتعلم. هكذا أثبتت نتائج التحليل النفسي عند الأطفال، هذا العلم الحديث نسبياً.
إن ما تقدم يفرض أن يكون الصف مشكل من أطفال متشابهي المستوى والقدرات. ونعني بذلك أن يكونوا من أوساط متجانسة.
هل تعلمون أنه يمكننا وبكل حرية أن نطلب من الطفل أن يختار التمرين الذي يريد أن يحله؟ من أهم ما يتركه هذا العمل من انعكاسات هو خلق التفاعل واللحمة في صفنا. أليس هذا شرطاً للعمل الجماعي في صفوفنا؟ كما أنه مطلوب من أجل تأكيد استقلالية الطفل وتنمية شخصيته.