بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الجمعة، 12 فبراير 2016

ماذا عن سوريا "المفيدة"؟

                        ماذا عن سوريا "المفيدة"؟
حسن ملاط
بعد أن قضى على المعارضة الشعبية غير المسلحة، والتي لم يعد بإمكانها التحرك السلمي بعد انتشار السلاح والإفراج عن المجرمين المسجونين، واستخدام السلاح ضدها، لجأ النظام إلى تكتيكات أخرى. أفرج عن المتطرفين الإسلاميين على أن لا يقوموا بعمليات ضد قوات النظام، وراح يدعم قاعدته المذهبية والتي تضم أقليات متحالفة معه من ضمن سياسة حلف الأقليات، على أن تصبح المنطقة الساحلية هي المنطقة الآمنة، ثم تمددها على أن تشمل حمص ودمشق مع منطقة القلمون.
وبالرغم من تخلي النظام عن الجزء الأكبر من سورية، لم يتمكن من تأمين الحماية للجزء الذي اختاره من البلاد، حتى مع المساعدة غير المسبوقة من النظام الإيراني والذي أمده بالمال والرجال والعتاد، من دون أن نغفل عن إغداق الروس للنظام بالسلاح أيضاً.
في خطاب للرئيس الأسد بعد أن تمكنت "الدولة الإسلامية" من الإستيلاء على تدمر، قال بأن لا مانع لديه من التخلي عن بعض الأراضي من أجل حماية المناطق المفيدة. فتعبير سوريا "المفيدة" هو من اختراع الرئيس.
على كل حال، اضطُر الأسد والنظام الإيراني إلى اللجوء إلى الروس من أجل حماية النظام من الإنهيار.
كان التدخل الروسي من ضمن خطة عسكرية وسياسية واضحة ومدروسة. ذلك أن الروسي لا يمكنه المغامرة المسلحة لوقت طويل بسبب الأزمة الإقتصادية الخانقة التي يعانيها، يُضاف إليها التدهور الكبير لأسعار النفط والإنهيار بسعر الروبل الروسي والذي كان قبل المقاطعة الغربية 34 روبل للدولار والذي أصبح الآن 85 روبل للدولار الواحد. وقد حذر رئيس الوزراء الروسي مرات عدة من الوضع الإقتصادي المتدهور، حتى أنه استخدم عبارة "عدم الإمكانية على الصمود".
الخطة العسكرية التي استخدمها الروسي هي البدء بتأمين سورية المفيدة وهي اللاذقية وطرطوس وحمص ثم دمشق. وبعدها انتقل إلى التوسع باتجاه ريف حماه فحلب وريفها. كما واتجه إلى الجنوب في درعا.
هذا التوسع يجعل الروسي على تماس مع التركي شمالاً، ومع لبنان غرباً ومع الكيان الصهيوني والأردن جنوباً. وحدوده مفتوحة مع البحر من دون أي عائق.
ما هو المضمون السياسي لهذه الخريطة العسكرية التي تحدثنا عنها؟
إنطلاقاً مما صرح به الرئيس الروسي بأنه جاء إلى سوريا للدفاع عن روسيا من سوريا، وأنه جاء للدفاع عن الأقليات الدينية وخاصة المسيحيين، من أجل ذلك كان دعم الكنيسة الروسية له والتي أسمت هذه الحرب بال"مقدسة". نرى أن سوريا "المفيدة" تحمل المضامين التالية:
1-   هذه السوريا تضم الأقليات المسيحية والعلوية والإسماعيلية والشيعية والدرزية والكردية والتركمانية وغيرها من الإتنيات. وتضم أيضاً "الأقلية السنية المفيدة". الأقلية السنية التي تعاونت تاريخياً مع الرئيس حافظ الأسد كما وتعاونت مع خليفته بشار. في سوريا "المفيدة" يوجد عدد كبير من السنة المتعاونين تاريخياً مع النظام والذين يمثلون البورجوازيات المدينية، وخاصة حلب ودمشق.
2-   المنطقة الشرقية المحاذية للعراق والتي تضم الأكثرية السنية والتي لا يمكنها أن تكون فاعلة سياسياً، فلا بأس من تفاعلها مع غربي العراق لأنها لا يمكنها التأثير سياسياً في الإتجاه الغالب للسياسة السورية والذي سيقوم على حكم أقلوي بامتياز.
3-   إن حكماً كهذا لا يمكنه أن ينتج مواطنين، بل كائن مذهبي طوائفي، كل ما يتمناه من "وطنه" (هذا الكائن) هو ما يمكنه أن يحصل عليه من منافع خاصة.
4-   وبما أن هذا النمط من التكافل الطائفي المذهبي الإتني لا يخلق تضامناً وطنياً، فهو بحاحة إلى جهاز أمني لحمايته. من أجل ذلك نرى بأن الولايات المتحدة تحرص على المحافظة على كيان الجيش السوري حتى يلعب دوراً أمنياً في حماية التوازن الداخلي بين مختلف مكونات المجتمع السوري.
5-   وهذا النمط هو للتعميم في إقليمنا. ففي لبنان يوجد مجتمع طوائفي مذهبي، وفي العراق أيضاً. كذلك في اليمن والأردن وفلسطين. ودول الخليج لا تختلف عن أخواتها العربيات. أما السؤال فهو: هل تظل إيران وتركيا بعيدتان عن هذه الكأس السامة لأمد طويل.
6-   الإتفاق الأميركي الروسي يقوم على القضاء على الإرهاب الإسلامي وتفكيك المجتمعات وحماية الكيان الصهيوني. ما هو الحاصل الآن"؟
"حذر رئيس الوزراء الروسي دميتري ميدفيديف من "حرب عالمية جديدة" في حال حصول تدخل بري عربي في سوريا". التحذير هو من التدخل العربي! وماذا يعني التهديد بالتدخل البري؟
هذا التهديد الأمريكي لا يحمل إلا معنىً واحداً وهو: ضرورة احترام حدود الإتفاق. لا ننسى أن الإنبهار بنصر ما يُغري بتمدد ذي طابع ميكانيكي، إن لم يجر ضبطه، يساهم في تغيير موازين يؤدي بدوره إلى تعديل في التوافق. من هنا ضرورة ضبطه. لذلك كان التهديد بالتدخل البري والذي لن يحصل كما يبدو. فكما قلنا في البداية، الروسي لا يمكنه أن يخوض حرباً طويلة.
خلاصة
استراتيجية سوريا "المفيدة" هي الوصفة التي تجعل من الكيان الصهيوني دولة طبيعية في منطقتنا تحمل نفس مواصفات مختلف المجتمعات المحيطة. كما أن هذه الاستراتيجية تقضي على أي إمكانية مستقبلية لإنتاج مجتمع مواطنين في إقليمنا. هذه المواصفات هي التي تؤمن الظروف المثالية لاستنزاف خيرات بلادنا من الرأسمال المعولم. والإتجاه المستقبلي للعولمة النيوليبيرالية هو القضاء على جهاز الدولة القطرية، فكونفيديرالية الطوائف هي وصفة مثالية لعدم التمكن من إنتاج دولة.
                                                                 12 شباط 2016

hassanmallat.blogspot.com

الثلاثاء، 9 فبراير 2016

تأملات في الوضع الراهن

                                 تأملات في الوضع الراهن
حسن ملاط
هذا ليس تحليلاً سياسياً للأوضاع الراهنة، إنما تأملات.
1 – تسلمت أمريكا العراق دولة موحدة وحولته خلال سنوات قليلة إلى مصنع للتطرف الديني، الطائفي والمذهبي، ومصنع للتطرف العرقي: عرب، أكراد، تركمان، أشوريون، أيزيديون ووو...إلخ. ومصنعاً لحروب لا تنتهي. حروب أهلية، تدمر ولا تبني. أما آخر التقليعات هي بناء سور عازل يمنع تسلل عناصر من مذاهب مختلفة إلى بغداد. يدمرون مدن الأنبار، تحت الرعاية الأمريكية، ويمنعون الأهالي السنة من الدخول إلى بغداد، هرباً من الجحيم.
في ديالى، يحصل نفس الشيء، الإيرانيون يطردون الأكثرية السنية من هذه المحافظة العراقية لأنها محاذية لإيران. بيوت دُمرت وبيوت تغير ساكنوها، فأصبحوا إيرانيين بدلاً من أن يكونوا عرباً عراقيين. هذا ما دفع رئيس البرلمان العراقي إلى الذهاب إلى واشنطن لطلب المساعدة الأمريكية لطرد الإيرانيين وإعادة العراقيين المطرودين إلى ديارهم...
ما تفعله إيران والميليشيات الموالية لها في ديالى وبغداد وصلاح الدين، وما يفعله الجيش العراقي برعاية أمريكية مباشرة في محافظة الأنبار ليس مساعدة للشيعة أو دعماً لهم، إنما هو تدمير العراق وتفتيته، بحيث يصبح من المستحيل إعادة توحيده. وهذا ما يمكن الإدارة الأمريكية من الإستيلاء على ثرواته، مع توزيع بعض الفتات على المتعاونين معها.
من الذي سمح للآليات العسكرية بالدخول إلى الموصل واحتلالها، وتأسيس الدولة الإسلامية؟
2 – سوريا، وضعها لا يختلف عن جارتها العراق. طالب الناس بحقوقهم، فتحولت إلى حرب طائفية ومذهبية. هذا يدافع عن المزارات، وذلك يدافع عن أبناء الطائفة الموجودين في البلد المجاور. ومنهم من جاء يدافع عن الدين. المهم أن كلاً من المدافعين يتبع إلى جهة معينة تمده بالتمويل من أجل تدمير ممتلكات الشعب السوري، وتحويله إلى شعب لاجئين.
إيران رفعت شعار الدفاع عن الأقليات، ولكنها لم تتمكن من الإنتصار على الأكثرية، لذلك استنجدت بقوة غاشمة خارجية هي روسيا التي أعلنت حربها المقدسة (بتأييد من الكنيسة) دفاعاً عن المسيحيين والعلويين والنظام. ثم تطور الشعار فأصبح الدفاع عن الأقليات. وبذلك تكون قد انتزعت الشعار من إيران، لأنها هي الأقوى ويمكنها التدمير من دون أن تتوقع العقاب من أهل سوريا لأنها بعيدة.
3 – الملاحظ أن الحروب في سوريا والعراق تحصل في الأماكن حيث تتواجد الأكثرية السنية. وبما أن السنة هم الأكثرية في الإقليم، وبما أن هذا الإقليم يجب أن يكون إقليم الأقليات، لذلك وجب أن تتحول جميع مكونات هذا الإقليم إلى أقليات بحيث يصبح من المستحيل التعايش دون حمايات أو إشراف أجنبي.
4 – في لبنان يوجد أكثر من مليون ونصف مهجر سوري وحوالي نصف مليون فلسطيني سوري ولبناني. بدأت الأونروا بتقنين المساعدات للفلسطينيين، وهذا مؤشر خطر، بحيث تصبح مسؤولية هؤلاء على البلد المضيف. وبالنسبة للبنان، من المستحيل أن يتمكن من تأمين عمل لهؤلاء، خاصة إذا علمنا أن عدد المهاجرين السنوي من اللبنانيين هو حوالي 83 ألف لبناني لا يجدون عملاً في بلدهم.
تصوروا أن تبادر الدول التي تساعد المهجرين السوريين إلى توقيف المساعدات أو تقنينها. ما الذي سيحصل في لبنان؟
عندها ستبدأ بوادر التحلل المجتمعي بحيث لن تقدر أية قوة أن تحافظ على السلم الأهلي.
من بدأ بالفلسطينيين، ما الذي يمنعه من أن يكمل مهمته بالسوريين. إن المؤشرات توحي بأن الحلول المطروحة للمنطقة تقوم على تقطيع أوصال اللحمة القائمة بين مختلف مكونات أهالي المنطقة. المكونات هي خليط من المذاهب والطوائف والإتنيات... ففي الأردن، مثلاً، الحساسيات الأردنية الفلسطينية والتي سيضاف إليها السورية، إلى جانب النشاط الذي يقوم به بعض من من يسمى بالمسيحيين المشرقيين (بقايا اليسار الأردني والفلسطيني) من أجل القضاء على اللحمة المجتمعية خدمة لحلف الأقليات.
في لبنان 17 طائفة بالإضافة إلى الفلسطينيين والسوريين والعراقيين.
في سوريا، لا يختلف الوضع عنه في لبنان وفي العراق أيضاً. من يعيد اللحمة بين هذه المكونات، خاصة أنه لا يوجد أي تنظيم أو حزب يطرح شعارات العمل من أجل الوحدة المجتمعية.
في إيران، خليط من الإتنيات والمذاهب والأديان، وكذلك في تركيا.
هل يُعمم النموذج "الإسرائيلي" على جميع دول الإقليم، حيث أن الحصانة المجتمعية قد سقطت بعد أن تحولت بوصلة الحروب من العدو الصهيوني إلى "الأعداء" الداخليين. هذا النوع من الحروب الذي أنهك الأمة على امتداد تاريخها.
إن الآلية التي تتعامل بها القوى الفاعلة مع الأحداث التي تجري في إقليمنا لا تخدم إلا أعداء شعوب هذا الإقليم، سواء كانت هذه القوى دولاً أو أحزاباً أو منظمات.
تصوروا أن تتحول بلادنا إلى كانتونات: أربعة أو خمسة في تركيا، سبعة أو ثمانية في إيران، وكذلك في سوريا والعراق، إثنان في كل إمارة من إمارات الخليج. هل هذه هي الأمة الواحدة؟
نحن بحاجة إلى التفكر!
                                                                                    9 شباط 2016
hassanmallat.blogspot.com


السبت، 6 فبراير 2016

في الوضع السوري والجوار

                          في الوضع السوري والجوار
حسن ملاط
قبل التحدث عن اتجاهات الوضع السوري وتفاعلاته مع الجوار، علينا أن نحدد من يوجد في سوريا.
بدأت الأحداث في سوريا في آذار 2011 عندما كتب بعض الطلاب بعض العبارات التي تطالب بالحرية. فما كان من النظام القمعي إلا أن تعامل معهم بالعنف الوحشي. تظاهر الناس استنكاراً، فأطلق النظام عليهم النار. هذا الوضع أدى إلى احتجاجات سلمية في العديد من المدن السورية، كان النظام يجابهها بالعنف والقتل.
استغل أعداء الشعب السوري الوضع المتفجر في البلاد واستغل أعداء النظام الوضع المتفجر وأمدوا بعض المعارضات بالسلاح. أخاف هذا الوضع المستجد النظام فكانت المجابهة العنيفة منذ البداية. وأخرج النظام المساجين من جميع الفئات الإجرامية من السجون وسلحهم وتركهم يعيثون في المجتمع فساداً.
رغم هذه الأساليب اللاأخلاقية، لم يتمكن النظام من قمع الناس، فلجأ إلى المساعدة الإيرانية، ولجأت بعض المعارضات إلى المساعدات السعودية والقطرية والتركية.
لم يتمكن الإيرانيون وميليشياتهم من العديد من الجنسيات من الإنتصار على المعارضات المتعددة الجنسيات أيضاً، فما كان من النظام السوري ومن الإيرانيين إلا أن طلبوا المعونة الروسية للقضاء على المعارضة، والتي اصطُلح على تسميتها "التكفيريون".
لا بد من التذكير هنا بأن التحالف الغربي كان يشن الغارات الجوية على "التكفيريين" قبل التدخل الروسي. وجميع الإنتصارات التي حققتها الميليشيات المذهبية العراقية المؤتلفة تحت اسم "الحشد الشعبي"، وبقيادة الحرس الثوري الإيراني، كانت بمعونة التغطية الجوية الأمريكية وبتحضير الأرض من قبل الأميركيين لدخول هذه الميليشيات.
هذا لا يعني أن أمريكا تساعد الحكومة العراقية، ولكن يعني أن هذه الحكومة هي عميلة للإدارة الأميركية، فهي تستعين بالقوى الخارجية لقتال شعبها.
بالعودة إلى سوريا، القوات الغازية الروسية جاءت إلى الأراضي السورية لتدمير المدن والقرى السورية على رؤوس أهلها بطلب من الحكومة العميلة، والتي لا تمثل الشعب السوري لأنها استدعت قوات أجنبية لقتل شعبها. هذا يذكر بما فعلته حكومة سايغون في ما كان يُدعى فيتنام الجنوبية، عندما استدعت القوات الأمريكية الغازية للدفاع عنها وقتل الشعب الفيتنامي.
المقاومة الفيتنامية التي كانت الصين الشعبية والإتحاد السوفياتي يمدانها بالسلاح، لم تطلب منهما الدخول إلى أراضي فيتنام الشمالية للدفاع عنها أمام جبروت آلة القتل الأمريكية لأن حكومة فيتنام الشمالية لم تكن حكومة عميلة لا للصين ولا للإتحاد السوفياتي. حتى أنها لم تسمح لهاتين الدولتين الحليفتين بالتدخل في المفاوضات بينها وبين الحكومة الأمريكية.
أما في سوريا فالإنتصار، إن حصل، لن تحققه الحكومة السورية ولا الحكومة الإيرانية ولا ميليشياتهما، إنما ستحققه روسيا وجيشها الغازي.
على جبهة المعارضة، الوضع لا يختلف كثيراً. هذه المعارضات تستمد سلاحها من السعودية وقطر وتركيا، وهي مرتبطة بهذه الدول. وهذه مرتبطة بدورها بأمريكا، لذلك فإمدادات الأسلحة للمعارضة السورية المسلحة مرتبطة بقبول الولايات المتحدة بذلك.
دعونا نضع القضية في إطارها الصحيح، ابتداءً من الإطار الدولي فالإقليمي وصولاً إلى المحلي.
دولياً
لم تقبل الإدارة الأمريكية إعطاء روسيا صفة الدولة العظمى، وفرضت عليها حصاراً صاروخياً. ولكنها قبلت أن تعطيها صفة الدولة الإقليمية الكبرى. لذلك نرى الإدارة الأمريكية تتعامل مع الروس تبعاً للملفات بشكل منفصل، وليس تبعاً لتخطيط استراتيجي كما كانت تفعل مع الإتحاد السوفياتي السابق. فالملف الأوكراني منفصل عن الملف السوري على سبيل المثال. ودليلنا على ذلك هو التعاون مع روسيا وتأييدها لاحتلالها سوريا، في نفس الوقت التي تحاصر فيه روسيا أوروبياً. فقد قررت الإدارة الأميركية تخصيص حوالي ال4 مليار دولار كمعونة عسكرية لدول البلطيق (المعادية) لروسيا وبعض دول أوروبا الشرقية المحيطة بروسيا تحت قيادة حلف شمال الأطلسي. ولم تقبل بإزالة الدرع الصاروخي الذي يحاصر روسيا، مع أنها اتفقت مع إيران حول ملفها النووي (أمريكا كانت تدعي ىأن الدرع الصاروخي هو لحماية أوروبا من الإعتداآت الإيرانية المحتملة). كما أنها لا تزال تزيد من عقوباتها الاقتصادية على روسيا مما اضطُر هذه الأخيرة إلى رفع سعر الفائدة البنكية، حتى لا تنهار الروبل أكثر مما هي عليه من الإنهيار. وهناك اتجاه لبيع أصول الدولة الروسية شريطة أن لا يستدين الشاري من البنوك الروسية.
أما في سوريا، فالتعاون على أشده بين الإدارة الأمريكية وموسكو، وسنوضح هذه النقطة عندما نتحدث عن الوضع المحلي.
إقليمياً
الدول الإقليمية الناشطة والتي يمكن لها أن تلعب دوراً فعالاً هي إيران، تركيا، الكيان الصهيوني والسعودية تتدرج في هذا المضمار.
إيران وتركيا تتقاطع مصالحهما في ملفين اثنين على الأقل: الملف الكردي والملف الإقتصادي. علينا أن نتذكر بأن أول كيان كردي كانت عاصمته مهاباد في إيران، وأن المناطق المحاذية لتركيا والعراق هي مناطق كردية. لذلك فكل نمو للحركة الكردية باتجاه انفصالي سيؤثر على إيران (عدد أكرادها حوالي 10 مليون) كما تأثيره على تركيا والعراق وسوريا.
أما بالنسبة للملف الإقتصادي، فإن أسهل طريق لتصدير النفط والغاز الإيراني هي عبر تركيا. كما أن كل غاز أو نفط يُصدر إلى أوروبا يعد انتقاصاً من حصة روسيا في هذه المنطقة. لذلك الكلام عن بيع النفط الإيراني للشركات الروسية لا مستقبل له بسبب عدم إمكانيتهما على تأسيس احتكار منافس في السوق النفطية لأن توافر هذه المادة هو أكثر من حاجة السوق لها.
الإختلاف بينهما يتمثل في الملف السوري والملف العراقي. فكل منهما يمتلك رؤية مختلفة عن جاره. وهذا ما أدى إلى الموافقة الأمريكية على تسليم القضية السورية لروسيا. وتتولى الإدارة الأمريكية بنفسها الملف العراقي.
أما بالنسبة للكيان الصهيوني، فالظاهر أن جميع الأطراف ملتزمة بعدم التصارع مع الكيان الصهيوني ما دامت الملفات الأخرى لم تُحل بعد. وبدا ذلك جلياً بالتعمية على العدوان الصهيوني الذي أدى إلى استشهاد سمير القنطار الذي قامت به القوات الصهيونية بتغطية روسية وبصمت من جميع الأطراف.
الإدارة الأميركية تمكنت من إلزام جميع الأطراف بضرورة التقاتل فيما بينها. وهذا ما يحصل في سوريا والعراق واليمن والبحرين...
أما بالنسبة للسعودية، فقد أعلنت أخيراً أنها على استعداد لبعث قوات برية إلى سوريا لقتال داعش. وهذا الإعلان يدل على أن ولي ولي العهد قد وصل إلى يقين بعدم إمكانيته على تحقيق نصر في اليمن. وحتى لا يعلن انكفاءه، أعلن عن استعداده للحرب في سوريا.
الوضع المحلي
من يتطلع إلى كيفية قيادة الحرب من قبل روسيا في سوريا، يصل إلى يقين إلى أن هناك توافقاً بينها وبين الإدارة الأمريكية على استبعاد أية أدوار رئيسية لتركيا وإيران. القوات الروسية تركز على المناطق المحاذية لتركيا لتمنع التواصل معها. وهذا يعني تحجيماً لدورها. أما بالنسب لإيران وميليشياتها، فهي تعمل تحت الإدارة الروسية وضمن استراتيجيتها. وهذا يعني أن أي دور مستقبلي لإيران في سوريا تحدده الدولة الأكثر فعالية وهي روسيا. صحيح أن روسيا لا يمكنها أن تنفي أي دور لتركيا في سوريا لأن هناك 950 كلم من الحدود المشتركة، ولكن يمكنها تحجيم دورها. وبذلك تلعب روسيا الدور الأهم في سوريا وبرضى من الولايات المتحدة.
قامت الإدارة الأمريكية بتدريب عناصر سورية في الأردن وتركيا. والعمليات الروسية تتم على حدود هذين البلدين. أليس لافتاً أن الإدارة الأميركية لا تزود هذه المعارضات بأسلحة فعالة وتمنع حلفءها من السعوديين والقطريين والأتراك من تزويد هذه المعارضة بالأسلحة الفعالة. أمريكا تعلم أن ما هزم الإتحاد السوفياتي في أفغانستان هي الصواريخ المضادة للطائرات، هذه الصواريخ الممنوعة عن المعارضة السورية.
أمريكا لا تريد هزيمة روسيا في سوريا، لأن هناك تفاهماً على ملف الشرق الأوسط. والذي يتلخص بحماية أمن الكيان الصهيوني، تصفية الإرهاب السني، منع الدول الإقليمية من لعب دور رئيسي في الإقليم وأخيراً تنظيم شؤون استخراج الطاقة، بحيث لا يؤثر بشكل سلبي على الإقتصاد الروسي ولا على استخراج النفط الصخري الأمريكي المكلف.
سوريا باتجاه الحلول، ولكن بعد إنهاك جميع القوى المشاركة في الحرب بما فيها روسيا نفسها.
                                                  6 شباط 2016




الأحد، 31 يناير 2016

تداعيات ترشيح جعجع لعون

                   تداعيات ترشيح جعجع لعون
حسن ملاط
مقدمة: الدول والأحزاب والمنظمات تحدد عدوها تبعاً لتأثيره السلبي على الأهداف التي حددتها لنفسها. فتحديد العدو إذن، هو مسألة موضوعية وليست ذاتية أو استنسابية تبعاً لمشيئة القائد أو المسؤول. فعندما حدد النبي عليه السلام عدو المسلمين بقريش، كان هذا التحديد منطلقاً من عوامل موضوعية. منها أن مكة، حيث قريش، هي التي تسيطر على التجارة في الجزيرة العربية حيث يوجد المحيط الذي يؤثر على الدعوة الإسلامية بشكل فعال. كما أن قريشاً كانت تسيطر على بيت الله حيث تأتي جميع القبائل العربية لتعظيم هذا البيت. كما وأن في مكة كانت تقام المواسم التي تجمع القبائل مثال سوق عكاظ وسوق مجنة وغيرها... ومن هذه العوامل أيضاً أن لقريش تاثيراً على الكثير من القبائل مما يمكنها من تكتيل الأعداء ضد الدعوة الإسلامية الناشئة. ولا ننسى أيضاً إعلان قريش عداءها للدعوة الإسلامية ولحامليها وعلى رأسهم النبي عليه الصلاة والسلام، قريش التي تملك جيشاً محترفاً، بالنسبة لمقاييس تلك الأيام، هم الأحابيش.
كانت السياسة التي اتبعها النبي صلى الله عليه وسلم، تخضع للتحديد سابق الذكر. من أجل ذلك، عندما كتب الكتاب الذي ينظم الحياة في المدينة بين المهاجرين والأنصار وبين المسلمين وباقي أهل المدينة، كان مما اشترط على أهل هذه المعاهدة عدم التعامل مع قريش وعدم نصرتها. ولم يذكر أحداً من المشركين غيرها.
وإذا جاز لنا استخدام اللغة العصرية في هذا المجال، نقول بأن التناقض الرئيسي تخضع له جميع التناقضات الأخرى، والتي تُعتبر ثانوية، حتى يتم حل التناقض الرئيسي. كما وأن الدول والأحزاب والمنظمات تدرس التناقضات القائمة في المجتمع حتى تحدد استراتيجياتها تبعاً لتحديد التناقض الرئيسي، وكيفية التعامل معه. فحل هذا التناقض يمكن أن يكون بالعنف حيناً وبأساليب أخرى أحياناً.
إنطلاقاً مما تقدم، نُطل على الوضع اللبناني.
ما الذي استُجد حتى تغير الوضع في لبنان إلى ما نراه الآن؟
دولياً: لم تنفع جميع المحالفات الدولية بزحزحة الولايات المتحدة عن قيادة العولمة النيوليبيرالية. فمحالفة البريكس والتي خطت خطوة إلى الأمام بإنشاء البنك المشترك، لم تتمكن من تغيير الموازين التي كانت قائمة قبل الإعلان عن البدء بعمل هذا البنك.
كذلك بالنسبة لمحالفة شنغهاي، علماً أن هذه المحالفة تملك خاصية إيجابية لا تملكها مثيلتها في البريكس وهي أن جميع دول هذه المحالفة متجاورة جغرافياً، كما وأنها التجمع الأكبر من حيث عدد السكان. فهي تضم الصين والهند وروسيا إلى جانب دول أخرى. وهذه الدول الثلاث تضم أكثر من مليارين و700 مليون إنسان. أضف إلى ذلك القوة العسكرية والمواد الخام والطاقة من النفط والغاز وكذلك النووية.
لا تزال أمريكا حاجة لحل جميع المشاكل في العالم. ففي أوروبا، عندما احتلت روسيا جزءاً من أوكرانيا فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات التزمت بها أوروبا. الإتحاد الأوروبي يمارس التبعية للسياسة الأمريكية. وهذا ما فعله الإتحاد الأوروبي بالنسبة للملف النووي الإيراني بالإضافة إلى الصين وروسيا.
يمكننا القول أن العالم يتحكم به مجلس إدارة ترأسه أمريكا ويضم في عضويته أكثر دول العالم تأثيراً.
إقليمياً: إن أهم العوامل في إقليمنا الذي يضم إلى جانب الدول العربية، تركيا وإيران، هما وجود الكيان الصهيوني والوصول إلى حل الملف النووي الإيراني ورفع العقوبات عن الجمهورية الإسلامية.
فالكيان الصهيوني، كما نعلم جميعاً، قام على طرد الفلسطينيين من ديارهم وإقامة كيان استعماري استيطاني يمنع أي إمكانية تطور للمحيط العربي بالوسائل الغير مشروعة، إن لم يتمكن من القيام بذلك بوسائل أخرى. وهذا الكيان هو العدو المعلن لجميع الشعوب العربية في منطقتنا. كما وأن جميع الأنظمة العربية نالت شرعيتها على خلفية محاربة هذا الكيان.
العداء لهذا الكيان كان من حيث الدور التخريبي الذي يلعبه هذا الكيان بالنسبة لشعوبنا. واختياره كعدو هو للأسباب الآنفة الذكر وليس لأسباب ذاتية. كما وأن هذا الكيان كان يلعب دور الحارس المتقدم للمصالح الإستعمارية والإمبريالية في المنطقة قبل أن يصبح الوجود الأمريكي بارزاً في منطقتنا.
هذا ما جعل جميع الحركات المعادية للإستعمار تعتبر أن الكيان الصهيوني هو العدو الرئيسي في المنطقة كما وضرورة محاربته بجميع الوسائل المتاحة حتى العنيف منها، كما وضرورة إخضاع جميع التناقضات الأخرى للتناقض مع العدو.
صحيح أن العوامل التي ذكرناها في المقدمة ليست متوفرة جميعها في الكيان الغاصب، ولكن ما يجعلنا نتجاوز عن هذا التفصيل أن الكيان الصهيوني يعيش تحت رعاية الإدارة الأميركية، العدو الأول لجميع شعوب العالم.
الإتفاق النووي الإيراني وعودة إيران إلى المجتمع الدولي، جعلت إيران تنسجم في شعاراتها مع الوضع المستجد. الوضع الذي يحتم عليها أن تسير بمسار المجتمع الدولي والذي أعلن أن عدوه الإرهاب الإسلامي، وهذا ما أعلنته إيران خلال التحضير للإتفاق النووي ونشطت في هذا التوافق مع الجيش الأمريكي الغازي في العراق وفي سوريا.
وهكذا اصبح التناقض الرئيسي مع الإرهاب السني الإسلامي بدلاً من أن يكون مع الإرهاب الصهيوني. وتراجع العداء العملي مع الكيان الصهيوني. هذه انتفاضة الشعب الفلسطيني دخلت شهرها الرابع وما من أحد يهتم. غزة لازالت مدمرة منذ أكثر من سنة والناس تعيش من دون سقوف تحميها في هذا البرد الشديد، ولا أحد يهتم. لا مساعدات للمنظمات المقاومة إلا إذا كانت مرهونة بشروط سياسية تغير مسار العداء مع الكيان الصهيوني إلى العداء ما بين أهل البلاد.
إذن، ما يميز الوضع الإقليمي هو تحول التناقض الرئيسي من الكيان الصهيوني إلى مكونات مجتمعاتنا وأهمها العداء بين السنة والشيعة والتي تقوم بتغذيته إيران والسعودية وبعض دول الخليج.
هذا الوضع الإقليمي انعكس على الساحة اللبنانية بالشكل الذي نراه الآن، والذي سنحاول تفصيله.
لبنان: إن تغيير (وليس تغير) وجهة الصراع من العدو الصهيوني إلى التصارع الداخلي، حتى وإن لم يأخذ شكله العنيف في الداخل اللبناني (لأنه يُترجم عنفاً في المجتمعات المجاورة)، قد غير الأولويات في العلاقات البينية بالنسبة لمكونات المجتمع اللبناني. وتغيرت معها أيضاً معايير التقييم.
في السابق كان المعيار الأساسي هو العلاقة مع عدو الأمة، الكيان الصهيوني. هذا المعيار تراجع كثيراً، أو يمكن القول أنه ليس المعيار الذي يُقاس به حالياً. إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان في 1982 كان الحليف الرئيسي الحالي لحزب الله في صفوف الأعداء، كما كان وضع القوات اللبنانية، المطلوب منها أن تنظف يديها بالصابون من أجل الدخول في حلف الأقليات. نتحدث عن الأقليات لأن أعلى سلطة في إيران أعلنت أنها هي المعنية الأولى في حماية الأقليات في منطقتنا.
الإصطفافات الجديدة في الساحة اللبنانية سوف تكون على صورة شبيهتها في المحيط، ولكن من دون عنف. فالعنف لا يخدم الطرف الرئيسي في الساحة اللبنانية وليس للحفاظ على لبنان. أما إعادة إنتاج السلطة فمسألة مؤجلة كثيراً، لأنها مرتبطة بترتيب الأوضاع الإقليمية. فنجاح المخطط الذي ترسمه الولايات المتحدة مع حليفتها روسيا والذي يقوم على نزع النفوذ الإيراني والتركي من الملف السوري، سيحتم على إيران أن تحاول ترتيب الأوضاع اللبنانية بشكل يحافظ على نفوذ لها في سوريا، خاصة أنها قدمت الكثير من الخسائر من أجل هذا الموضوع.
الإنتخابات الرئاسية في لبنان اعتبرها سماحة السيد معلقة على انتخاب المستقبل للعماد عون، مرشح حزب الله. كما وأنه أعطاه الحق لزعيم المستقبل بعدم المشاركة في الإنتخاب بحيث تصبح الإنتخابات غير ميثاقية. وهذا يعني أن التناقض في الساحة اللبنانية يجب أن يستمر كما شبيهه في الإقليم بين السنة والشيعة من دون أن يأخذ شكله العنيف في لبنان لأن حزب الله لا يريد الحرب في لبنان.
هذه هي خلفية الصورة التي دخل فيها جعجع على عون. جعجع يعرف جيداً أن عون زعيم لجمهور جعجعي التفكير والأماني. لذلك فهو سيكسب. سيصبح الوريث الشرعي لجمهور العماد عون. أما التقارب من حليف عون، فهذا تفرضه تفاصيل حلف الأقليات، إن كانت لا تزال إيران تحرص على رعايته.
بما أن العامل الصهيوني لم يعد هو المحدد للخيارات، أصبح تفضيل عون على فرنجية ممكناً. فرنجية المرشح الوحيد الذي لم تتلطخ يداه بمصافحة الصهيوني من الأربعة الكبار المعلنين. لذلك وُصف فرنجية بجميع الأوصاف الطيبة المحببة ولم يضف إلى وصفه أنه كان ضد الصهاينة.
خلاصة
1- واهم من يعتقد أن المسيحيين أو المسلمين، سنة وشيعة، يمكن أن يكونوا أصدقاء للكيان الصهيوني. وواهم أكثر من يعتقد أن الكيان الصهيوني يقبل بصداقة هؤلاء. والدليل الأكبر على ما نقول هو ما يحصل في الأرض المحتلة.
2- واهم أيضاً من يعتقد أن حروب الكيان الصهيوني على لبنان قد انتهت. فالعدو يحضر لحرب على لبنان وعلى حزب الله فور إنهاء تدخل الحزب في سوريا. هذا ما يقوله المسؤولون الصهاينة.
3- واهم أيضاً من يعتقد أن بإمكانه بمفرده التحرر من الهيمنة النيوليبيرالية. الجنرال ديغول في أواسط القرن الماضي عمل على الوحدة الأوروبية للتخلص من النفوذ الأمريكي. لم يتمكن من ذلك لأن التحرر من هذا النفوذ يتطلب إلى جانب الإقتصاد القوي والمتحرر من الدولار الأميركي قوة عسكرية تضاهي القوة الأمريكية. وهذا حال الإتحاد الأوروبي كتابع للسياسة الأمريكية.
4- إيران، عندما تتحدث عن أمريكا، تتحدث بنفس النغمة التي كان يتحدث بها الإتحاد السوفياتي السابق: شعارات من دون أي مضمون. وهذا ما يفعله بوتين حالياً، علماً أنه أكثر واقعية من آبائه السوفيات. فهو يسعى لمماهاة السياسة الأمريكية عندما تقبل أمريكا منه ذلك من دون تبعية مطلقة.
5- وأخيراً، التفكير بالتحرر من الإدارة الأمريكية يتطلب إدارة واعية لإقليمنا المؤلف من تركيا، إيران والدول العربية، حتى يصبح كتلة كبيرة تتمتع بالإستقلالية ويمكنها مجابهة التحدي الأميركي وذراعه المزروعة في قلب بلادنا، الكيان الصهيوني. كما ويتطلب سياسة تقوم على نبذ التقاتل الداخلي وتوجيه جميع البنادق لمجابهة العدو الصهيوني.
                                  31 كانون الثاني 2016






السبت، 23 يناير 2016

الحوار

                             الحوار
حسن ملاط
سيظل الناس مختلفين ما زالوا على وجه الأرض. وهذه الخلافات، لا بد من حلها. والحلول إما أن تكون عبر الحوار وإما بالعنف. ولكن البدء بالعنف غالباً ما يكون خاطئاً، ويؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. من أجل ذلك، كان الحوار أو الجدال أولوية دائماً لمن أراد أن يحافظ على لحمة المجتمع. والحوار أو الجدال يكون إما بين اثنين، وإما بين دول أو أحزاب، أو بين الإنسان ونفسه. وحتى أن هناك حواراً بين رب العزة والشيطان. فما بال بعض الناس أو الأحزاب تُعلن على الملأ، إما أن تحاور نفسها أو لا تحاور من يختلف معها!
حوار رب العزة مع الشيطان
جاء في كتاب الله عز وجل، الحوار التالي: "قَالَ (الله تبارك وتعالى) مَا مَنَعَكَ (إبليس) أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ. قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ. قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ".
وفي هذا دلالة على أن الحوار مع شياطين الإنس يكون أحياناً ضرورياً. وتحديد الضرورة يعود إلى الظروف الواقعية التي تمر فيها حركة الإنسان الذي يريد التغيير لما فيه صالح الناس.
موضوع الحوار
أما موضوع الحوار، فلا يكون إلا بما يمكن الوصول عبره إلى نتيجة ما. فهناك مواضيع لا يمكن النقاش فيها، أي لا تكون موضوعاً للنقاش، مثال تخلي الإنسان عن عقيدته إكراماً لإنسان آخر. وفي حال قبول أي طرف بهكذا حوار يكون عملياً قد غير انتماءه وتموضعه ولا ضرورة عندها للحوار. فهذا يدخل عندها في نطاق الدعوة وليس الحوار بين مختلفين.
في المثال التالي، نرى بأن موضوع الحوار عندما لا يكون واقعياً ينتفي الحوار أصلاً. جاء في كتاب الله عز وجل: "وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ". (جاء في اللسان: وروى ابن شميل عن الخليل بن أحمد أنه قال: المحال الكلام لغير شيء، والمستقيم كلام لشيء). هنا موضوع الجدال هو الله تبارك وتعالى، وهذا ليس من نطاق معرفة الإنسان. لذا لا يمكن النقاش فيه. لذلك قال عز وجل: وهو شديد المحال.
من أجل ذلك، من الضرورة تحديد موضوع النقاش، والقوى التي يمكنها المشاركة، حتى يكون الحوار منتجاً.
كيفية الجدال
جاء في كتاب الله: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ".
وجاء أيضاً: "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ".
القاعدة العامة للحوار هي بالتي هي أحسن، سواء كان الطرف الآخر مشركاً أو من أهل الكتاب. أما بالنسبة لأهل الكتاب على التخصيص فلا يكون إلا بالتي هي أحسن.
في الحديبية، قبل أن يحاور النبي صلى الله عليه وسلم مشركي قريش، العدو المعلن للمسلمين، بايع المسلمون النبي على القتال. جاء في كتاب الله: "إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ"... ثم يضيف: "لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا". وراح بعد ذلك إلى الحوار. جاء في السيرة المطهرة: "ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم : هات اكتب بيننا وبينك كتاباً ، فدعا الكاتب -وهوعلي بن أبي طالب - فقال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل : أما الرحمن، فما أدري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال صلى الله عليه وسلم: اكتب : باسمك اللهم، ثم قال: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن  البيت، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال: إني رسول الله، وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله، ثم تمت كتابة الصحيفة".
هذه التنازلات التي قدمها النبي صلى الله عليه وسلم للأعداء، لم تكن أساسية، لذلك لم يقف عندها. فهو تمكن من الوصول إلى ما يصبو إليه وهو اعتراف المشركين بكيان المسلمين المستقل عن العصبية القبلية وبحقهم بالحج إلى بيت الله الحرام حتى وإن كان بعد سنة.
هذا مع الأعداء، أما مع نصارى نجران، فلم يجهز للقتال معهم، إنما حواره معهم كان في المسجد النبوي. وعندما لم يتم الإتفاق دعاهم للمباهلة، لأنهم ليسوا أعداء. جاء في كتاب الله تبارك وتعالى: "فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ". والمباهلة عملياً هي دعوة الله عز وجل لإظهار الحق من الباطل.
ولكن من دون شك، هناك مرحلة سابقة على المباهلة وهي الدعوة. جاء في كتاب الله: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ".
دعوة الآخر
هذا بالنسبة للحوار على صعيد الجماعات، جماعة المؤمنين مع جماعة الكافرين. أما بالنسبة للحوار مع الآخر الفرد، فيكون بإظهار الحجة الدامغة. ذلك أن الحوار بين شخصين ليس بحاجة إلى دراسة ميزان القوى بين الطرفين، إنما يحتاج إلى مقارعة الحجة بالحجة. جاء في الكتاب العزيز:" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ". خسر الكافر الحوار لأن حجة إبراهيم عليه السلام كانت دامغة بلجوئه إلى الآيات الكونية الثابتة منذ زمن بعيد.
الحوار مع النفس
توصل إبراهيم بحواره مع نفسه وبتوفيق من الله إلى ضرورة التوجه بالعبادة إليه عز وجل. جاء في كتاب الله: " وكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ".
بعد اليقين الذي توصل إليه، أصبح مرتاحاً لحوار قومه. جاء في الكتاب الكريم: "وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ. وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ".
وهكذا نرى بأن لا حجة لأحد بعدم حوار الآخر، خاصة أن استخدام السلاح في الساحة الداخلية لا يفيد إلا العدو.
                                            23 كانون الثاني 2016
hassanmallat.blogspot.com