بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

السبت، 18 يناير 2020

عن البرنامج السياسي المرحلي للحزب الشيوعي اللبناني



يبدو أن من قاموا بصياغة البرنامج قد بذلوا جهداً مشكوراً للاضاءة على قضايا تهم المواطن اللبناني، إن من حيث السياسية منها أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
ولكن، ما استوقفني أيضاً، أن كاتبي البرنامج، اعتقدوا أنهم يكتبون مقالاً سياسياً وليس برنامجاً نضالياً لتحقيق أهداف تهم معظم شرائح المجتمع اللبناني.
لماذا؟
لن نقوم بتشريح البرنامج في جميع تفاصيله، ولكن ما سنقوم به هو الاضاءة على بعض النقاط التي توضح المقصود من هذا النقد.
أولاً
يقول كاتبو المقال (البرنامج): "إن المهمة المطروحة أمامنا اليوم هي مسألة تثوير الانتفاضة الشعبية نحو الثورة الوطنية الديمقراطية بمواجهة النظام الحاكم وأحزاب السلطة المسؤولة عن الانهيار الاقتصادي المأساوي الذي وصل إليه لبنان".
-      ال"نا" تعود لمن؟ للحزب أم للمنتفضين؟
هذه المهمة أكبر بكثير من امكانات الحزب ومن امكانات المنتفضين غير الموحدين على  تصور مشترك لمآلات نضالاتهم. من هنا، كان من المفترض على الحزب أن يطرح ضرورة العمل الدؤوب على تشكيل الكتلة الشعبية التي تتولى مهمة فرض التغيير على الطبقة السياسية، سواءً بقيادة الحزب أو بقيادة القوى الطليعية والجذرية التي تقود الانتفاضات.
-      هل يقوم الحزب بهذه المهمة النضالية التي تتقدم على ما عداها؟ الجواب: كلا.
ثانياً
يقول كاتبو المقال (البرنامج): "تطبيق المادة 22 من الدستور بانتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني ولا طائفي يستحدث مجلساً للشيوخ تتمثل فيه جميع الطوائف وتختصر صلاحياته في القضايا المصيرية".
 "استحداث قانون مدني موحد للأحوال الشخصية، يتم تطبيقه بشكل اختياري ومؤقت ليتحول بعد عشر سنوات إلى قانون إلزامي".
أين أهمية استحداث مجلس للشيوخ مهمته الحفاظ على امتيازات الطوائف بالنسبة لجماهير الشعب اللبناني؟
إن خوف الطبقة السياسية من توحد الشعب اللبناني عندما يمارس الانتخابات من غير قيد طائفي هو الذي دفع هذه الطبقة الى استحداث ما يسمى مجلساً للشيوخ. أما فئات الشعب اللبناني تريد التوحد وراء مصالحها ولا يمكن أن يكون أحد مطالبها استحداث مجلس شيوخ يذهب بايجابيات قانون الانتخاب من غير قيد طائفي.
أما عن استحداث قانون موحد للأحوال الشخصية يكون تطبيقه اختيارياً، فلا بأس في ذلك. أما فرضه بعد عشر سنوات على الناس، فهذا مرفوض، لأن الناس هم من يقرر ذلك.
خلاصة
قام البرنامج بتفنيد كيفية فرض الضرائب بدلاً من تفنيده كيفية البدء بتحويل وزارة الزراعة الى وزارة ناشطة تستثمر جميع الأراضي المُبوَّرة وتحولها إلى أراض منتجة. كما وأنه لم يحدد مهام وزارة الصناعة بالتعاون مع وزارة الزراعة لاقامة المصانع التي تنشط الزراعة المنتجة وتحول الصناعة الى مصدر أساسي لفرص العمل وللدخل القومي.
على كل حال، الأولويات التي حددها البرنامج لا يمكن تحقيقها أو تحقيق شيء منها إلا إذا كانت الخطوة الأولى هي العمل الجاد على خلق الكتلة الشعبية التي تكون الرافعة التي لا بد منها لكل عمل نضالي سواء كان سياسياً، اجتماعياً أو اقتصادياً.
أما عن المهمات النضالية اليومية، فلها حديث آخر!



الاثنين، 30 ديسمبر 2019

تفعيل الانتفاضة


                      
د. جوزيف عبدالله
الشيخ ابراهيم الصالح
حسن ملاط
التغيير، عملية لا تقوم بها نخبة حزبية مهما كانت متفانية، بل تقوم بها الجموع الشعبية المقتنعة بضرورة التغيير والمستعدة للسير بها بقيادة المحالفة الحزبية الموثوقة من قبلها. وما لم تحصل هذه القناعة وهذه الثقة لدى الجماهير فمن العبث الكلام عن ثورة لإسقاط النظام و «تغيير هذه الدولة الفاشلة".
وعليه، فإن الأزمة الاقتصادية- الاجتماعية- السياسية التي انفجرت في لبنان مؤخراً استولدت انتفاضة شعبية هي استكمال على نطاق أوسع للنضالات التي قامت بها الجماهير الشعبية اللبنانية مع بدايات الربيع العربي، منذ مطلع هذا العقد وعلى مدى سنواته.
هذه الأزمة تلازمت بوضع ثوري بكل معنى الكلمة في لبنان. في هذا الوضع الثوري وعلى قاعدة الأزمة العميقة في النظام قامت انتفاضة متعددة المشارب والاتجاهات والمرجعيات.  ولكن نواتها الصلبة طرحت مطلباً مركزياً: "إعادة تكوين السلطة". وذلك على اعتبار أن محالفة الطبقة السائدة عاجزة عن مواجهة الأزمة الشاملة والتقدم بحلول منطقية وفعالة. وعليه لا بد من إسقاط النظام السياسي، وهذا هو معنى إعادة تكوين السلطة.
ولكن هذه المهمة الشاقة تتطلب تكوين الكتلة الشعبية الفاعلة من أولئك الذين ينخرطون في عملية الانتاج الفعلي.
فالكتلة الشعبية ليست مجرد محالفة طبقية يسيرة التحقيق بل هي عملية معقّدة تبدأ بالعمل على تفكيك (كسر) كتل رأسمالية طائفية متموضعة في محالفة رأسمالية أعمّ (هي الطبقة السائدة المكونة من رأسماليي: المصارف، الاحتكارات التجارية والعقارية، الفساد والمافيا). كما أن تفكيك هذه الكتل الرأسمالية يبدأ بالضرورة من تفكيك الكتل الفكرية المرتبطة بها والمبررة لها، أي تفكيك الفكر الطائفي بجوهره الواحد وتنوعه المتعدّد (معركة الأفكار). ومن دون ذلك لا يمكن قيام محالفة طبقية بين الفئات الشعبية العمالية والفلاحية والفئات الوسطى وأفراد من ذوي المعرفة العلمية والمشاعر الإنسانية الطيبة.
ما تقدم هو الذي يمكن أن يُنتج إعادة تكوين السلطة والتي تبدأ بتشكيل حكومة من خارج الطبقة الحاكمة، حكومة بصلاحيات استثنائية (تشريعية) مؤقتة ومستقلة. هذه الحكومة تطرح قانوناً انتخابياً خارج القيد الطائفي ولبنان دائرة انتخابية واحدة، إصلاح القضاء، استعادة المال المهرب والمنهوب، برنامج اقتصادي إجتماعي...
حتى الآن، لم تتمكن الانتفاضة من تحقيق سوى مطلب واحد: استقالة حكومة السيد سعد الحريري.
ماذا يفعل المنتفضون؟
يجتمع المنتفضون في الساحات ويجرون النقاشات فيما بينهم، ويتظاهرون أمام المصارف وأمام بيوت بعض السياسيين. يشتبكون أحياناً مع بعض الغوغاء وأحياناً مع قوى السلطة.
صحيح أن الحياة لم تعد الى طبيعتها في البلد، ولكن الصحيح أيضاً انه أصبح لزاماً تفعيل الانتفاضة وذلك من خلال:
(1) تنظيم القوى الجذرية للانتفاضة وتنسيق نضالاتها، وتكييف أحزابها مع مستلزمات الانتفاض لتصبح هذه الأحزاب أكثر قدرة على استقطاب الجماهير وعلى الممارسات التعبوية.
(2) اشراك قوى اجتماعية جديدة في الانتفاضة لها مصلحة فعلية في إعادة تكوين السلطة. من هي القوى التي نقصدها؟ هي القوى المنتجة (في الزراعة والصناعة والسياحة) التي حول النظام المرتبط بالرأسمال المعولم وسائل إنتاجها إلى سلعة لا علاقة لها بما خُلقت من أجله. وعليه فالقوى الاجتماعية المطلوب العمل على استقطابها هي المزارعون، والصناعيون.
لبنان مهدد بالمجاعة لأن عملته تكاد تصبح ورقاً لا قيمة لها بسبب تهريب العملات الأجنبية الى خارج البلد من قِبل الطبقة السياسية وشركائها من كبار أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب المصارف.
من هنا، أصبح لزاماً على شعبنا أن يفكر كيف يحمي نفسه من مصاصي دمائه. لذا على اللبنانيين أن يبادروا بالعودة إلى أمنا الأرض.
ما العمل؟
على مالكي الأرض "المُبَوَّرة" بانتظار بيعها ووضع الأموال في البنوك للتمتع ب"فوائدها" أن يعلموا أن هذا أصبح من الماضي. لذا لا بد أن تعود الأرض إلى وظيفتها وهي انتاج الغذاء لسكان هذه البلاد.
إن نزول المزارعين إلى الساحات، ساحات الانتفاضة القائمة حالياً، أو استحداث ساحات جديدة أصبح ملحاً ليفرضوا على الحكومة العتيدة الأمور التالية:
1-   إختيار الزراعات الواجب إنتاجها في الحالة التي تمر بها البلاد. وهي تتركز على الزراعات ذات الطابع الاستراتيجي مثل القمح والذرة والعدس والحمص وغيرها من الحبوب التي يستهلكها المواطن اللبناني.
2-   تحديد الأسعار لهذه المنتجات بما يتناسب مع امكانية تأمين الحياة للمزارع. وهذا يتطلب إما شراء السلطات للمنتوج أو منع استيراد هذه السلع حتى يتم استهلاك الانتاج المحلي.
3-   تأمين البذار والسماد للمزارعين الذين سيستصلحون أراضيهم، على أن لا يكون هذا البذار معدلاً جينياً لأنه يُفسد الأرض ويجعلها عقيماً. وكذلك أن يكون السماد عضوياً.
4-   تشجيع تربية الأبقار في الريف من أجل تأمين استهلاك المواطن اللبناني بحيث لا يُضطر لاستيراد الحليب ومشتقاته.
إن تأمين الأمور سابقة الذكر تتطلب مشاركة المزارعين في الحراكات القائمة. كما وعلى المزارعين أن يبينوا للناس أن العودة إلى الأرض تؤمن الحياة الكريمة لجميع اللبنانيين. كما وأنها تحمي اقتصادهم الذي يقوم على الاستهلاك من دون الانتاج.
ولا بد من التواصل مع الصناعيين ورفع مطالبهم بوصفها مطالب جدية للانتفاضة لأن في استمرار هذه الصناعة تلبية لحاجات محلية وتوفيراً لفرص العمل...
في النهاية، يمكننا التأكيد أن إشراك قوى جديدة في الانتفاضة أو استحداث ساحات جديدة لفتح الطريق أمام ما يُسمى اقتصاد انتاجي وليس ريعياً لا يكون بالشعارات الاستهلاكية، إنما بوضع برنامج فعلي وعملي لهذا التحول.
إلى مزيد من التلاحم بين مختلف أبناء وبنات شعبنا من أجل تحقيق هذه المطالب التي تفتح الطريق إلى تحويلنا من مستهلكين إلى منتجين للخيرات المادية التي نحتاجها من أجل حياة كريمة لنا وللأجيال القادمة.
                                    30 كانون الأول 2019

الأربعاء، 4 ديسمبر 2019

تعليق



ما قام به الشعب العراقي ويقوم به حالياً هو أهم ما مر من أحداث في اقليمنا. فقد تمكن هذا الشعب من نقض الرواية التي يتاجر بها حكامنا في الاقليم من أجل تذرير الشعب وجعله قبائل وشيع للتقاتل فيما بينهم.
قام الامام الخميني بالثورة الاسلامية ودعا الى الوحدة الاسلامية. بعد وفاته أصبحت الوحدة الاسلامية دعوة الى التشيع تحت القيادة الايرانية التي تفترض أن التشيع هو الارتباط بالدولة الايرانية والقيام على مصالحها حسب نظرة الحكام. ورواية حكام ايران أنهم يدافعون عن الشيعة.
العراقيون في المناطق الجنوبية أكثريتهم الساحقة من الشيعة، وهم من يطالب باعطاء الحرية للشعب باختيار الحكام الذين يريدهم، ولم يضع شرطاً أن يكونوا من الشيعة، إنما الشرط هو أن لا يكونوا فاسدين. علماً أن الحكام الذين يدّعون الدفاع عن شيعة العراق منذ الغزو الأمريكي والاحتلال هم الأكثر فساداً في العالم وتدافع عنهم ايران الاسلامية علماً أن الله لا يحب الفساد ولا يحب الفاسدين.
حماية الانتفاضة العراقية هامة جداً لأنها ستعيد شعوبنا الى وطنيته وتحرره من الروايات التي تريد تأبيد كونه شيعاً وطوائف ومذاهب.
الانتفاضة العراقية هي انبعاث للوطنية.
الخطر الحقيقي عليها ليس من ايران وجماعتها لأنه قد تبين عجزهم عن القضاء عليها، إنما الخطر الحقيقي هو من الاحتلال الأمريكي الذي يملك عدة قواعد عسكرية في البلاد.

الخميس، 28 نوفمبر 2019

حتى تكون الخطوة فعالة!


                     
جاء في أسرار إحدى الصحف اللبنانية أن حزباً فعالاً، والمقصود حزب الله، طلب من البلديات المحسوبة عليه العمل على زراعة بعض المنتوجات ذات الطابع الاستراتيجي مثل القمح والعدس...إلخ
كما وجاء في صحيفة أخرى أن رئيس بلدية عيناتا الجنوبية طلب من الأهالي تقديم الأراضي من أجل زراعتها، وذلك بطلب من الحزب أيضاً، فما كان من الأهالي إلا أن لبوا الطلب وبحماسة!
إن طلباً مثل هذا يجب أن يتغنى به الحزب لأنه الخطوة الأولى والضرورية لتحويل المقاومة إلى ثورة تغييرية، تحرر شعبنا من تبعيته للرأسمال المعولم في غذائه أولاً.
ولكن خطوة مثل هذه، حتى تكون جدية وغير استعراضية، تتطلب شروطاً معينة لنجاحها. من هذه الشروط
1-  عدم استخدام البذور المعدلة جينياً والتي ثبت علمياً أنها تلوث الأرض وتقضي عليها، بمعنى تجعلها عاقراً.
2-  تعميم هذه التجربة على المناطق الزراعية وخاصة البقاع وعكار، إضافة إلى الجنوب.
3-  إجبار الحكومة على مساعدة المزارعين في البذور وفي شراء المحصول بالسعر الذي يناسب المزارع، بمعنى أنه يساعده على العيش ويمكنه من الاستمرار في الزراعة سنة بعد سنة، وبعدم هجرته للريف وهذا هو الأهم.
4-  إستيراد الأدوية الزراعية غير الضارة والتي لا تقضي على التربة.
5-  إشراف مهندسين زراعيين على الزراعات وتدريب المزارعين على كيفية التعامل مع المنتوج.
6-  تشجيع تربية الأبقار منزلياً وكذلك تربية النحل التي أصبح نادراً مع أهميته لتلقيح النباتات إضافة إلى إنتاج العسل.
7-  ضرورة استهلاك المحصول المحلي قبل السماح باستيراد نفس الأصناف.
8-  ضرورة تصنيف الأراضي: زراعية، صناعية وللبناء، والالتزام بالتصنيف، أي بمعنى لا أن يكون صورياً فقط.
9-  إنشاء مصانع في الريف لمعالجة المنتجات الزراعية: زيوت، مربيات، عصائر، ألبان وأجبان...إلخ
10-               الاشراف العلمي على الزراعات يمكن المزارعين من اختيار الزراعات ذات المردود العالي تبعاً للأراضي التي يستثمرونها.
إن الاهتمام بالانتاج الذي يحرر المقاوم من تبعيته لعدوه بغذائه هو الخطوة الأولى على طريق تحرير فلسطين وبناء المجتمع المستقل عن تبعيته للرأسمال المعولم الذي يهيمن على العالم أجمع.
خطوة تستوجب التحية من القلب.

الأربعاء، 27 نوفمبر 2019

في الوضع اللبناني

مر على انتفاضة الشعب اللبناني أكثر من أربعين يوماً. كما ومر على استقالة الحكومة حوالي الشهر. وكما هو معلوم لم تبدأ الاستشارات الملزمة لاختيار رئيس لمجلس الوزراء، والتي يُجريها رئيس البلاد. ما هي الأسباب الكامنة وراء التسيب القائم في الوضع اللبناني على مستويات متعددة؟ 1- كانت الانتفاضة الشعبية التي قام بها الناس تطرح مطالب عادلة بالنسبة لغالبية الشعب اللبناني، وخاصة الاقتصادية منها. أما المطالب السياسية فلم يكن هناك توافق عليها من جميع الساحات، وخاصة السياسية منها والتي لا بد منها كمدخل للاصلاح الحقيقي على البنية السياسية اللبنانية. 2- هذا الحدث السياسي، كما كل حدث، يمكن أن يفيد منه أطراف مختلفة سياسياً. وليس من الضروري المشاركة فيه حتى يحصل على هذه الاستفادة. فخلاف القوات اللبنانية مع التيار الوطني معروف. والمظاهرات ضد الحكومة، خاصة بعد استقالة وزراء القوات، يُعد إيجابية بالنسبة للقوات. وليس القوات بمفردها إنما أطراف أخرى ايضاً. 3- القوة الأهم في الساحة اللبنانية هو حزب الله. أين هو من هذا الحراك؟ أ‌- إعتبر الحزب على لسان أمينه العام أن المطالب التي يرفعها الحراك هي مطالب مُحقة. ولكن الحزب لم يشارك المنتفضين في حراكهم. إنما وقف مراقباً. ب‌- جاء الموقف الايراني من الحراك القائم في العراق وأضاف إليه الحراك اللبناني مشككاً بدوافعه واعتبر أن هذه الحراكات موجهة ضد الحزب وضد إيران. كما وأضاف بأنه موحى به من الادارة الأمريكية. وأعلن أن تحقيق المطالب المحقة للناس تمر عبر الآليات القانونية. ت‌- بما أن هذا الموقف صدر عن أعلى مرجعية بالنسبة للحزب، رأى الأخير أن عليه التزام هذا الموقف. ث‌- هنا بدأ التشكيك بالانتفاضة وبدوافعها وبدأت المحاولات لشيطنتها. ولكن حيث أنه لا فائدة من الهجوم النهائي عليها قبل وضوح الرؤية بالنسبة للوضع العراقي، بعد أن حُسم الوضع الايراني حسب المصادر الرسمية الايرانية، كانت هناك مناوشات ولا تزال. علماً أنه يُمكن وضع هذه المناوشات ضمن إطار التحضير لمحاولة ضرب الانتفاضة. هل ما حصل على الرنغ هو خارج السياق؟ الجواب هو النفي. فبعد صدور الموقف الايراني الواضح بالنسبة للانتفاضة، أصبح لزاماً على الحزب التحضير للتخلص منها. أما العوامل المستجدة والتي تحمل أهمية خاصة فهي التالية: 1- القوات والكتائب والمستقبل والاشتراكي المشاركون في الحراك لم يطرحوا أية مطالب مستفزة للحزب. فهم لم يتحدثوا أبداً عن سلاح الحزب منعاً لاستفزاز الحزب. 2- تبين من هذا الحراك أن تيار باسيل لا يملك القوة الشعبية التي تُغطي الحزب في البيئة المسيحية والتي يتحجج فيها الحزب في تحالفه مع التيار. 3- كما وتبين أن الساحة الدرزية موكلة عملياً إلى جنبلاط، وأن حلفاء الحزب لا يملكون القوة التي تمكنهم من مؤازرة الحزب في حال احتاج إلى ذلك. 4- أما على الساحة السنية، فالحزب يريد الحريري لأنه الوحيد الذي يمكنه تغطية الحزب وسلاحه سنياً، وهذا صحيح حالياً. 5- لذلك كان لا بد للحزب من الهجوم على الحراك، ليس بنية التخريب ولكن من أجل استدعاء الأطراف إلى طاولة المفاوضات من أجل إنتاج توافق جديد بدلاً من القديم الذي تبين عدم صلاحيته راهناً. ما معنى التمسك بالعهد وبتحالف الحزب مع التيار الوطني؟ الحزب لا تنقصه الدراية في متطلبات المفاوضات مع مختلف الأطراف. فهو لا يمكن أن يذهب لمفاوضة القوات أو استدعائها للمفاوضات إلا وتحالفه مع التيار الوطني في جعبته. كما وأنه يفاوض جنبلاط ومعه أرسلان ووهاب. أما الحريري فيبدو أن التفاهم بينهما لا تشوبه شوائب كبرى سوى تمسك الحريري بحليفيه المسيحي والدرزي. وبما أن الانتفاضة يضعها الحزب في جعبة هذه الأطراف، لذلك يرى أن عليه إخراجها من جعبة المتفاوضين. هل يُمكن للوضع أن يتوتر أكثر مما هو حاصل حالياً؟ نحن نرى أن الاجابة على هذا السؤال مرتبطة بوضع الانتفاضة العراقية ومآلها وبانعكاساتها على الوضع السوري والايراني. لذلك سنبقى في حال الانتظار متأملين بأن تسفر المفاوضات المرتقبة بين الأطراف اللبنانية إلى نتائج إيجابية تُعفي لبنان من التوترات المُحتملة. أين أمريكا من الحراك؟ أمريكا كمؤثرة على الأوضاع في جميع البلاد يُمكنها الاستفادة من الحراك بمحاولة فرض قيود على حركة الحزب، وخاصة الاقليمية. ولكنها ليست فاعلة في الحراك حالياً. كما وأن الحزب يمكنه أن يمنع الادارة الأمريكية من الافادة من الحراك بتأييد المطالب المحقة، المطلبية منها والسياسية وأخذ زمام المبادرة. لا يضير الحزب محاربة الفساد. كما ولا يضير الحزب الانتخابات من دون قيد طائفي. كما ولا يضير الحزب الانتخابات المبكرة... إلخ كما وأن الحزب كأهم قوة فاعلة في الساحة اللبنانية يمكنه حسن اختيار الحلفاء وتحييد غير الحلفاء، وذلك بربط سياسته بمطالب القوى الشعبية: الضمانات الاجتماعية، المباشرة فوراً بالتزريع والتصنيع الزراعي وتصنيف الأراضي حتى لا تتحول الأرض إلى سلعة بدلاً من أن تكون وسيلة إنتاج. إضافة إلى أن من يكون جاداً في قتال العدو، عليه أن لا يربط مأكله ومشربه بالعدو، إنما بالاعتماد على نفسه وعلى شعبه... إلخ 26 تشرين الثاني 2019

السبت، 9 نوفمبر 2019

محور الممانعة

                    
                   كيف ينتصر؟
مقدمة
إذا سلمنا جدلاً بأن المحور الذي تقوده إيران والذي يضم العراق وسورية وحزب الله اللبناني والحوثيين اليمنيين وغزة، قائم فعلاً، يصبح السؤال عن كيفية انتصاره جائزاً.
1-  منذ انتصار أمريكا على العراق الموحد الذي كان يرأسه الرئيس صدام حسين، تحول هذا البلد إلى بلد مفكك يتألف من تآلف طوائف تقوده رجالات جعلت منه البلد الأكثر فساداً. العراق من البلدان الغنية بموارده، ورغم ذلك يعيش شعبه حياة الكفاف. هذا ما أدى إلى الثورة القائمة اليوم بالرغم من عظم الشحن المذهبي. فقد اعتبر معظم شيعة العراق أن من يقود الدولة من الشيعة المرتبطين بإيران، هم المسؤولون عن الفساد القائم. وقد مارس النظام أسوأ أنواع القمع مع شعبه، ما أدى إلى سقوط أكثر من 250 قتيلاً بسبب استخدام القوى الأمنية الرصاص الحي. أما إيران فقد أيدت علناً هذا القمع. فقد استَعدت ايران جميع مكونات الشعب العراقي من غير الشيعة وهاهي الآن تستعدي معظم الشيعة العراقيين أيضاً.
2-  سورية لا يختلف وضعها عن جارها العراقي. غير أن عدة ملايين من شعبها أصبحوا خارج البلاد. وبما أنها تحت وصايات مختلفة ومتناقضة، لا يمكنها حالياً لعب أي دور ايجابي في المحالفة القائمة. فالمحالفة تقوم على محاربة الإيرانيين وحلفائهم دفاعاً عن النظام الطائفي القائم. أما عن اتهام النظام القائم بأنه مقاوم فهذا لا يحمل من الجدية قيد أنملة. فهو لم يطلق رصاصة واحدة على الكيان الصهيوني.
3-  حزب الله هو الوحيد من غير الفلسطينيين، في محالفة "المقاومة والممانعة" الذي حارب العدو فعلاً. ولكن هذا الحلف منع الحزب من قتال العدو وأصبح يقاتل دفاعاً عن الأنظمة القائمة بسبب محالفة إيران لها. وهذا الدفاع عن الأنظمة لا يحمل أي مدلول إيجابي بالنسبة لشعوب هذه البلدان ولا بالنسبة للتعجيل في القضاء على كيان العدو.
4-  حوثيو اليمن يحاربون السعوديين ولا وقت لديهم لقتال العدو. فالمقاومة والممانعة تبدو نظرية فقط، بالرغم من اتهام العدو لهم بأنهم يستعدون لقصفه بواسطة الصواريخ الإيرانية.
5-  غزة حماس تُعتبر من الحلف لأن إيران تمدها بالسلاح.
6-  إيران هي التي تُشرف على هذه المحالفة. وهي أيضاً لم تقاتل العدو مطلقاً بالرغم من قصف العدو لها في سورية عشرات المرات. يبدو أن همها في مكان آخر!
إعتماداً على هذه الصورة، هل يُمكن لمحور الممانعة الانتصار على العدو؟
إطلالة تاريخية
أ‌-     تشكل الاتحاد السوفياتي من عدة جمهوريات ذات حكم ذاتي. ولكن السياسة التي فُرضت على هذه الجمهوريات هي تلك التي كانت تخدم جمهورية روسيا، الجمهورية القائدة للإتحاد السوفياتي. وبما أن مصالح المجتمعات المختلفة لا يمكن أن تتماهى، فقد انتهى المطاف بانهيار الاتحاد السوفياتي مع أنه كان الأقوى عالمياً بعد الولايات المتحدة!
ب‌-                      شكل الاتحاد السوفياتي محالفة من عدد من الدول كانت تُسمى دول المعسكر الاشتراكي، وتُدعى أيضاً دول الكوميكون.
لم يكن تعامل روسيا مع دول الكوميكون يختلف عن تعامل هذه الجمهورية مع الجمهوريات المكونة للاتحاد السوفياتي. فقد كان المعيار في جميع العلاقات هو مصلحة قيادة روسيا وليس مصلحة كل دولة من الدول المشكلة لهذه المحالفة.
لذلك ما أن انهار الاتحاد السوفياتي، حتى انهار الكوميكون ولحق به حلف وارسو الذي كانت مهمته حماية المعسكر الاشتراكي.
بقي ملاحظة لا بد منها وهي أن روسيا كانت تضع جالية روسية مهمة في كل جمهورية من الجمهوريات التي تشكل الاتحاد السوفياتي.
حلف الممانعة
     تُعتبر إيران القلب النابض لهذا المحور. لذلك تقوم بتخطيط سياساته تبعاً لما يخدم مصالح نظامها القائم.
ففي العراق، كان النظام الايراني يؤيد الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق بعد أن أسقط الأمريكي البشع حكم الرئيس صدام حسين. وكانت الميزة المشتركة لهذه الحكومات الفساد ونهب خيرات الشعب العراقي وتدمير العراق شعباً واقتصاداً. ولا زالت إيران حتى اللحظة تدافع عن النظام الفاسد في العراق بسبب سيطرة "شيعتها" على الحكم. وعندما ثارت جماهير الشيعة على الحكومة القائمة، أصبح الثائرون متهمين بانتمائهم الشيعي حسب صحيفة كيهان، كما وأنهم متهمون بأنهم ينفذون أوامر أمريكا وكيان العدو الصهيوني وبتمويل من السعودية بحسب مختلف المواقع الاخبارية الإيرانية؟
أما في سورية، فقد ثار أهالي درعا على محافظها الذي اضطهد أبناءهم بكل وحشية، وشكوه إلى الرئيس الذي تجاوب معهم بعزله. ولكن بعض الأطراف التي لم تعد مجهولة "نصحت" الرئيس بعدم الاذعان للأهالي ووصلت سورية إلى ما هي عليه حالياً من مدن مدمرة وشعب مدمر. وأصبح السوريون شعوباً وقبائل للتقاتل. وكل ذلك "بفضل" التدخل الخليجي بضفتيه وبرعاية أمريكية وروسية!
أما في اليمن، فبدلاً من بذل الأموال لبنائه، فقد كان بذل الأموال لهدمه. وذلك من قبل السعودية والإمارات وإيران. من بإمكانه أن يُسعِّر الحرب، بإمكانه أن يطفئها أيضاً.
في غزة، الأفق مسدود أمام الشعب الفلسطيني لأن قياداته مشغولة بتسجيل النقاط على بعضها البعض. وذلك لغياب البرنامج السياسي الذي يقود نضال الشعب الفلسطيني نحو مستقبله. أسلحة وصواريخ ومتفجرات لا تكفي لقيام مقاومة. المقاومة هي برنامج سياسي باتجاه التحرير. النشاط العسكري هو جزء من الممارسة السياسية في اتجاه تحقيق الهدف المرحلي المعلن. النشاط العسكري من دون برنامج سياسي واضح تتبناه الجماهير يصبح مظاهرة صاخبة لتحية من أعطى هذا السلاح. وليس له علاقة بالتحرير.
أما في لبنان، فقد تطورت الممارسة السياسية للحزب، بعد تدخله في سورية بناءً للرغبات الإيرانية، باتجاه سلبي مطلق.
عند قتال العدو الصهيوني، كانت الساحة الشعبية اللبنانية موحدة وداعمة بمجملها للمقاومة. أما بعد التدخل في سورية والذي يراه معظم الشعب اللبناني غير عادل، فقد أصبح الحزب معزولاً عن الشعب باستثناء بيئته المذهبية.
أما حالياً، وبسبب موقفه من التحركات الشعبية، فقد أصبح الحزب محشوراً حتى ضمن بيئته.
ما السب في ذلك؟ هو بسبب اعتبار دوره الاقليمي الداعم للنظام الايراني مقدماً على الدور الداخلي الذي عليه لعبه لتقدم المجتمع اللبناني حتى يبقى مهيئاً، وباستمرار لمقاومة العدوان الصهيوني، ليس بالسلاح المتطور، إنما بالوعي السياسي لجماهير شعبنا إلى أي فئة مذهبية انتمى، بحسب رغبة البعض بنسبة اللبناني إلى مذهبه وليس إلى انتمائه الوطني...
إنطلاقاً من هذه الصورة السوداوية، نطرح السؤال: هل يمكن ل"محور الممانعة" أن ينتصر؟
الجواب على هذا السؤال هو نعم! إذا التزم المحور بالعداء الفعلي للعولمة النيوليبيرالية ولكيان العدو الصهيوني.
كيف ذلك؟
إذا اُريد لهذا المحور أن يعيش ويستمر، فعليه الالتزام بالمبادىء التالية:
1-  أن يكون مفتوحاً بحيث يُتيح الحرية لأي دولة من دول الإقليم الانضمام إليه إذا التزمت بالعداء للعولمة النيوليبيرالية والكيان الصهيوني.
2-  الدولة القائدة للمحور لا تفرض سياستها التي تُعبر عن مصالحها على دول المحور. لا يوجد في هذه الدنيا مصالح متماهية لكيانين مختلفين. إنما يوجد تقاطع مصالح فقط.
3-  التخطيط الاقتصادي المشترك لجميع هذه الدول بحيث يكون نموها متوازياً. ولا بأس في هذا المجال من التخصص، سواء زراعياً او صناعياً. فالمشاريع الزراعية والصناعية الكبيرة تمكن من إنتاج سلعة رخيصة توزع الغنى على أهل هذا المحور وليس المجاعة.
4-  السؤال المركزي عند الانسان البسيط سيكون حتماً: ما الفائدة من الانضمام إلى هذا المحور؟ ولكن عندما يرى مصالحه تتأمن من خلال هذا المحور سيعمل جهده على حمايته.
5-  ...
خلاصة
شعبنا في لبنان، كما شعوب الاقليم، لا يمكنها أن تتحرر من تبعيتها للعولمة النيوليبيرالية ولا يمكنها أن تحرر فلسطين من العدو الصهيوني الذي تحميه الدول الكبرى إلا ببناء تكامل اقتصادي يتحول عبر الممارسة الشعبية المشتركة إلى تآلف سياسي يحول الأهداف المشتركة إلى واقع عملي.
عندما نتحدث عن واقعنا المأساوي بهذه الصراحة الفجة، نتحدث لأن التغيير يفرض رسم الواقع على حقيقته من دون أية محسنات من ديكور أو غيره.
"إن نريد إلا الإصلاح ما استطعنا، وما توفيقنا إلا بالله".


الجمعة، 16 أغسطس 2019

تحليل سياسي


                         
د. جوزيف عبد الله
الشيخ ابراهيم الصالح
حسن ملاط
مقدمة
منذ الثلاثين من حزيران الفائت والوضع اللبناني متوتر إلى حد جعل الكثير يستذكر عشية الحرب الأهلية. والجهود المضنية لم تُفد بلجم التوتر، إلى أن حصل اجتماع بعبدا بين الرؤساء الثلاثة ووليد جنبلاط وطلال أرسلان.
في الوقائع
لم يتمكن الوزير باسيل من الافصاح عما يختلج في قلبه بحضور جنبلاط وشهيب وأبو فاعور في كنيسة سيدة التلة في دير القمر، لذا وجد أنه من الأفضل أن يقوم بزيارة إلى الجبل من دون حماية ملائكة وليد جنبلاط. قرر الدخول إلى الجبل هذه المرة بمواكبة من أنصار أرسلان، الزعيم الدرزي الذي يريده باسيل أن ينافس جنبلاط. ورافقه مستطلعاً الوزير الغريب.
كانت الكحالة هي المحطة الأولى. هنا كان الخطاب الأول لباسيل الذي أثار فيه جميع مآسي الحرب الأهلية. سمع هذا الخطاب أنصار جنبلاط ، الطرف الخصم في حرب الجبل التي استذكرها باسيل. فما كان منهم إلا أن قطعوا الطرقات رافضين زيارة باسيل إلى بعض القرى التي قدمت ضحايا في حرب الجبل.
في هذه الأثناء، اتصل الوزير شهيب بالوزير أبو صعب وأخبره بأنه مرحب بهم في الجبل وسأله عن سر الخطاب المتشنج. في نفس الوقت كان الوزير الغريب يستطلع الطريق التي سيسلكها باسيل. فوجد أن الطرقات مقطوعة من قبل الأهالي. إقتحم موكبه حاجز قبر شمون بعد أن أطلق مرافقوه النار باتجاهات مختلفة. وهذا ما عبر عنه النائب أرسلان بالقول: من الطبيعي أن يطلق النار مرافقو الوزير الغريب من أجل فتح الطريق.
المهم أن باسيل قرر عدم اتمام الزيارة. وهذا ما أبلغه الوزير أبو صعب للوزير شهيب.
نتج عن هذه المغامرة خسائر بشرية ومادية.
طالب أرسلان ومن يسانده بالمجلس العدلي بعد أن اتفقوا فيما بينهم أن هناك كميناً لاغتيال الوزير الغريب.
الحزب الاشتراكي طلب من القضاء القيام بالتحقيق بالأحداث وسلم عدداً من المطلوبين. في المقابل، لم يسلم الطرف الآخر أحداً من الذين شاركوا في اطلاق النار للقضاء.
القراءة
انقسمت القوى السياسية حول ما جرى تبعاً لمصالحها. أيد أرسلان في روايته حول الكمين المعد لصالح الغريب: حزب الله، التيار الوطني الحر ووئام وهاب.
أما القوى التي رفضت هذه الرواية، فهي إلى جانب جنبلاط، الرئيس بري والرئيس الحريري والقوات اللبنانية والكتائب.
قبل أن نتحدث عن أسباب هذا الاصطفاف، لا بد من الاشارة إلى أن الجهة الأمنية التي أشرفت على التحقيقات وهي فرع المعلومات أنكر نظرية الكمين جملة وتفصيلا.
جنبلاط يُشكل قوة ثابتة في الجبل تمتد لعشرات السنين. ونحن نعلم أنه بوجود كميل شمعون كقوة مارونية لها قوتها وتأثيرها وكرئيس للجمهورية، لم يتمكن من إزاحة كمال جنبلاط عن زعامة الجبل. أما السبب فيعود للعصبية الدرزية المتجذرة أكثر من العصبية المارونية. كان الموارنة يشكلون الطائفة الأكثر عدداً والمسيطرين على الدولة. وهذا ما خفف الرابطة العصبية لشعورهم بالقوة وبامساكهم بالسلطة. أما الدروز فقد ظلت الرابطة العصبية كأقلية مستهدفة، نتيجة الحروب الطائفية المتكررة ، قوية وحاسمة. وقد بدا هذا جلياً بعد أحداث أيار في لبنان وذلك بالتفاف الدروز حول جنبلاط بمجموعهم. وبما يحصل حالياً. فالدروز، على المستوى الشعبي، يصطفون إلى جانب جنبلاط. ولم يتمكن أرسلان ووهاب من استقطاب كتلة درزية إلى جانبهما.
الحزب وكذلك التيار الحر لا يناسبهما وجود تكتل لا يمكن اختراقه، لذلك كان وقوفهما بمواجهة جنبلاط.
أما بري والحريري وجعجع والجميل، فقد عرفوا جميعاً أن استهداف جنبلاط فهو اختراق للقلعة الأقوى عصبياً، وانهيارها سيعني انهيار تكتلاتهم جميعاً، مع قليل من الاستثناءات لأسباب غير داخلية.
بعد فشل رواية استهداف الغريب بالكمين الجنبلاطي المزعوم، تقدم الرئيس برواية تقول أن المستهدف بالكمين كان جبران باسيل.
إستهداف باسيل يعني فتنة مسيحية درزية لا يمكن لأحد أن يعرف نتائجها. ولكن الأكيد أن الأمن في لبنان سيكون مهدداً.
هنا، انكفأ حزب الله عن تأييد هذه الرواية، مدركاً خطورة نتائجها على الوضع اللبناني برمته. وكذلك فعلت السفارة الأمريكية عندما أعلنت أنها لا تقبل بأن يتحول لبنان إلى ساحة للتقاتل الطائفي لما يشكله هذا الوضع من خطر على الكيان الصهيوني.
جميع الوطنيين لم يرحبوا ببيان السفارة الأمريكية لأنه يعني تدخلاً في الشؤون الداخلية اللبنانية.
بعد هذا الموقف الحاسم من حزب الله الرافض للفتنة الطائفية، تجددت المساعي التوفيقية، وكان اجتماع بعبدا.
النتيجة
إن اعتماد الصيغ الطائفية والمذهبية هو طريق لعدم الوصول إلى حلول للأزمات اللبنانية المستمرة. فالصيغ الطائفية والمذهبية هي ولادة حروب بينية بسبب طبيعتها.
من هنا، فان الاتفاق الذي حصل هو محطة بانتظار تجميع القوى لهجوم من احدى الطوائف على طائفة أخرى من أجل تحسين ظروف زعمائها.
إشارة أخيرة إلى أن هذه الحروب بين الطوائف لا يمكن إضفاء صفة الوطنية عليها. وما يحصل في اقليمنا هو الدليل الواضح على ذلك. فجميع القوى من دون استثناء تتحالف مع الدول الاستعمارية ضد شعوبنا.
أما على الصعيد المحلي، فلننتظر معركة التعيينات!
                         13 آب 2019