بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الجمعة، 12 ديسمبر 2014

فلسطين أيضاً!



                                                فلسطين أيضاً!
حسن ملاط
لم يخطر ببال الكثير أن النصر الذي حققته المقاومة في غزة، سيسفر عن مسيرة، بخطىً متسارعة نحو هزيمة سياسية، يختارها المقاومون بأنفسهم. صمود أسطوري خلال واحد وخمسين يوماً أمام قوة من أعتى المجرمين الذين يملكون أحدث آلات التدمير والقتل. ورغم هذا، لم يصمد العدو الصهيوني ليوم واحد في غزة بعد إيقاف الأعمال العدوانية.
هذا الصمود لم يُستثمر سياسياً. لقد أعطى المقاومون سلطة عباس حق المفاوضة على صمودهم، وهم رأوا بأم أعينهم كيف كان عباس وجماعته يبخسون المقاومين حقوقهم، حتى أنهم اتهموهم أو كادوا بالعدوان على إسرائيل! فكيف يستقيم أن يفاوض هؤلاء مع العدو على حقوق أهل غزة؟
لقد بينت إسرائيل أنها لا تريد أن تنفذ أي اتفاقية مع الفلسطينيين تعطيهم شيئاً من حقوقهم، حتى أن اتفاقية أوسلو التي أبرمت في 13 سبتمبر (ايلول) 1993 لم تقبل إسرائيل بتنفيذها بالرغم من كل التنازلات التي قدمها المفاوض الفلسطيني. وهي لا تزال حتى الآن تسوف وتستمر بالإستيطان والإستيلاء على الأراضي في الضفة، حتى أن جريدة هآرتس قالت بأن 99% من أراضي (الدولة) في الضفة خُصصت لمصلحة المستوطنين.
أما التطور الأخطر، فهو بروز اتجاه عند الصهاينة، في الأرض المحتلة، على اعتبار فلسطينيي 48 من خارج المكونات الشعبية للكيان الصهيوني وضرورة ضمهم للفلسطينيين وطردهم من الأرض المحتلة. وبذلك يصبح لزاماً على قيادة الشعب الفلسطيني العمل على الدفاع عن هؤلاء إلى جانب العمل على تنفيذ القرار 194 المسمى بحق العودة إلى الأرض والتعويض.
ليس هذا فحسب، بل إن جميع الدلائل تشير إلى أن الصهاينة لا يمكن أن ينفذوا إقامة دولة فلسطينية يكون من ضمن مكوناتها الضفة الغربية والقدس. من هنا نرى بأن التنافس القائم بين الأطراف السياسية من اليمين الصهيوني، هو على من بإمكانه أن يسلب الفلسطينيين جميع حقوقهم.
ما هي الممارسة الأساسية للسلطة الفلسطينية؟ تقوم السلطة إزاء هذا الوضع بمصادرة أي إمكانية لمقاومة الإحتلال. إن سلطة لا تملك القرار السياسي ولا القرار الأمني ولا القرار الإقتصادي، أين المكسب من وجودها بالنسبة للشعب الفلسطيني؟
ما هو المطلوب إذن؟
هناك خيارات عديدة. ولكن هذه الخيارات من الضروري أن تنطلق من الثوابت التي سنتحدث عنها.
1 – الفصل بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ورئاسة السلطة "الوطنية".
2 – ضرورة أن لا يكون للسلطة الفلسطينية أي دور سياسي، بل دورها يكون خدماتياً فقط للمواطنين الفلسطينيين الموجودين في الضفة والقطاع والقدس.
3 – الشرطة الفلسطينية لها دور أمني ولا تلعب أي دور سياسي. أي ليس لها أن تلاحق المقاومين لصالح سلطات الإحتلال، بل تفصل في الخلافات التي تحدث بين المواطنين.
4 – إصلاح منظمة التحرير وتجديد مشروعها النضالي الذي يقوم على حق العودة وإقامة السلطة على كافة أراضي 67 بما فيها القدس الشريف، أو التفكير الجدي بطرح الكيان الواحد لقوميتين.
5 – ضرورة إدخال الدفاع عن حقوق فلسطينيي ال48 ضمن ميثاق المنظمة، بعد أن أصبحوا مهددين بالإبعاد من أرضهم.
6 – ضرورة أن تكون قيادة منظمة التحرير هي القيادة السياسية للشعب الفلسطيني و ليس السلطة الفلسطينية وهي التي تفاوض العدو وليس السلطة.
7 – ضرورة وجود قيادة المنظمة خارج الأرض الفلسطينية حتى لا تكون خاضعة للعدو بأي شكل من الأشكال...
أما المشاركة في أجهزة السلطة في الوضع الحالي، فهو يعادل التخلي المجاني عن حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه. ذلك أن المشاركة تأتي من ضمن معادلة أوسلو وتوابعها، بما فيها الموافقة على جميع التنازلات المجانية التي قدمها عباس للعدو الصهيوني.
                                                                              12 كانون الأول 2014

الجمعة، 5 ديسمبر 2014

فلسطين إلى أين؟



                                             فلسطين، إلى أين؟
حسن ملاط
تمر قضية الشعب الفلسطيني في مرحلة خطيرة ودقيقة. والسبب الأهم يعود إلى أن القيادة التاريخية قد غابت عن الوجود، والقيادة الحالية ليست على المستوى الذي يؤهلها للقيام بمتطلبات المرحلة. فرئيس ما يسمى السلطة الفلسطينية يعتقد أن الشعب الفلسطيني ملك يمينه، لذلك تراه يقامر بمستقبله من دون أن يرف له جفن. فبديل المفاوضات عنده، لن تكون إلا المفاوضات، ومعروف أن إسرائيل تفاوض من أجل المفاوضات فقط. فالرئيس يعطي إسرائيل ما تريد من غير جهد منها. فكيف تستقيم عملية تفاوضية معروفة النتائج سلفاً؟
الوضع الدولي
بعد انتهاء الإنقسام الدولي بين معسكرين ينتهج كل منهما نهجاً اقتصادياً مختلفاً عن الآخر، أحدهما الرأسمالية والآخر رأسمالية الدولة، وبعد فوز أحدهما في الصراع، وبعد تجذر نسبي للنهج الجديد (العولمة النيوليبيرالية)، أصبح العالم محكوماً بما يشبه مجلس إدارة يضم الدول المالكة لرؤوس الأموال الضخمة وعلى رأسها الأمريكي المحكوم بهذه الشراكة. هذا ما يجعل إمكانية المراهنة على الإنقسامات الدولية، كما كان يحصل أيام الحرب الباردة، من غير مردود. فالإنقسام القائم اليوم بين الغرب وروسيا كبير جداً، نتيجة شعور روسيا أن الغرب يريد تحطيمها، ورغم ذلك نرى خطاب الرئيس الروسي يتحدث عن "شركائنا الأمريكيين". وما ذلك إلا لأن الأمريكيين شركاؤه فعلاً. فاستخراج النفط والغاز يتم بشراكة بين الشركات الغربية المتخصصة والشركات الروسية المالكة.
والمراهنة على اتجاه الروس نحو الصين على أنه منحىً استقلالي، فهذا غير دقيق أيضاً لأن شروط الإستثمار تجري تبعاً لشروط السوق المعولم. كما وينطبق هذا الكلام على البريكس وتحالف شنغهاي، والإتفاق الأخير بين الرئيس الروسي والرئيس التركي. هذا الإتفاق الذي يأخذ بعين الإعتبار شراكة تركيا في الحلف الأطلسي التي تقوده أمريكا.
ما تقدم يعني أن كل تحالف دولي أو إقليمي في ظل العولمة النيوليبيرالية سيكون خاضعاً للإدارة العامة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.
هل هذا يعني أن أفق التغيير مسدود؟ كلا! ولكن هذا يعني أن الإتجاه نحو التحرر يتطلب الإنعتاق من أشكال التبعية للأمريكي. فعندما يقرر الروسي والتركي أن يتم التعامل بينهما بالعملة المحلية (الروبل والليرة)، سيكون هذا التعامل مجدياً عندما لا يتم التقييم بالدولار لا للعملات ولا للسلع. وهذا ليس مطروحاً. وهذا ما حصل بين الصين وروسيا، فأسعار الغاز في الإتفاق والذي يبلغه حجمه 400 مليار دولار كما ترون يتم تقييمه بالدولار وليس بالروبل أو باليوان.
التحرر من التبعية يتم باتباع تقييم من نوع جديد (قديم تاريخياً، ما قبل البورجوازية)، هو المقايضة على أساس أهمية المنتج بالنسبة لطرفي المقايضة، لأن هذا النوع من التبادل يستغني عن الدولار ويحطم هيمنته.
سياسياً، هذا يعني أن الصراع الذي تقوده الشعوب المستضعفة لا يمكن أن يستند على الخلافات بين مختلف الدول التي تتبع نفس النهج الإقتصادي السياسي، ولكن جل ما يمكنها فعله هو الإستفادة من التباينات، التي لا تلبث أن تزول. فإذا وعت الشعوب هذه الأمور لن تصاب بالإحباط من تخلي "حلفائها" عنها عند كل منعطف.
الوضع الإقليمي
يتميز بهيمنة الصراعات البينية والمحلية في مختلف الدول تقريباً. فالخلافات قائمة ما بين تركيا والسعودية، وما بين إيران وتركيا، وإيران والسعودية ومصر وتركيا ومصر وإيران... والصراعات المحلية قائمة في سوريا واليمن ولبنان والعراق والسعودية ومصر وليبيا... وإذا أردنا الدقة أكثر، يمكننا التحدث عن خلافات في الرؤى بين إيران وسوريا، بين السعودية وقطر، بين اليمن والسعودية... والتحالفات الآنية توظف بتجميع الحلفاء ضد الخصوم، أي أنها لا تقوم على أسس إيديولوجية، كما كان يحصل أيام الحرب الباردة.
فالسعودية على سبيل المثال تريد الحصول على آحادية تمثيل السنة في الإقليم، وهذا ما تريده تركيا على سبيل المثال. لذلك يقوم كل منهما بتجميع الحلفاء. تحالف الأتراك مع الإخوان المسلمين، فاعتبرتهم السعودية حركة إرهابية... إيران تريد آحادية تمثيل الشيعة، لذلك، أقامت جيشاً موحداً يمتد من باكستان حتى لبنان بقيادة قاسم سليماني. وساعدت المنظمات الفلسطينية حتى يكون لها دور في المسألة الإقليمية ولا يتمتع أي طرف بآحادية القرار فيها. لذلك تحدث مرشد إيران في اجتماعه مع الأمناء العامين للمنظمات الفلسطينية عن حل مرض للصراع مع إسرائيل!
سياسياً، هذا يعني أن جميع الأطراف الإقليمية تتعامل مع القضية الفلسطينية انطلاقاً من تأثير هذه القضية على أوضاعها المحلية ومصالحها في صراعاتها الإقليمية، وليس لأسباب إيديولوجية مطلقاً.
فلسطينياً
الفلسطينيون يعيشون تداعيات اتفاقية أوسلو عن رضىً أو عن رفض. ففي الضفة الغربية، هناك الفلسطيني في المنطقة (أ) و(ب) و(ج). وهناك أهل المدن والقرى وأهل االمخيمات(اللاجئين). هناك أهل غزة واللاجئين. وهناك فلسطينيو ال48 وفلسطينيو الشتات. هؤلاء هم الفلسطينيون اليوم. وكما هم مقسومون على الأرض فهم مختلفون في التوجهات. الخلاف الأساسي اليوم هو بين فتح وحماس. وقد اتفقا على حكومة واحدة، ولكن هذه الحكومة سوف تظل نظرية غير عملية لأن رئيس السلطة لن يعترف بموظفي غزة ولا بالقوى الأمنية التي تسيطر عليها حماس. الحكومة الموحدة هي الحكومة التي يجب أن تقضي على نفوذ حماس في غزة وفي كامل الأرض الفلسطينية. من جهة أخرى، حماس تريد حصتها في أجهزة السلطة لأنها تعتبر نفسها شريكاً أساسياً، فهي التي نجحت في آخر انتخابات تشريعية....
اما إسرائيل فقد غيرت تعاطيها مع الفلسطينيين. فهي تستمر باستعمارها للضفة الغربية، كما وتستمر بتهويد القدس وبالإعتداءات اليومية على المسجد الأقصى. إسرائيل تريد القضاء على ذاكرة الشعب الفلسطيني. إنها تريد من الفلسطيني نسيان فلسطين. من أجل ذلك، لا تمانع من نفي فلسطينيي 48 مع أنهم مواطنون إسرائيليون، حتى تصبح فلسطين دولة لليهود فقط.
إزاء هذا الوضع، ما تقوم به السلطة الفلسطينية هو في حقيقة الأمر مساعدة إسرائيل على استعمارها لكامل فلسطين. فأجهزتها الأمنية تحت القيادة الأمريكية والتنسيق مع إسرائيل تقوم بخنق أي تحرك معاد للهيمنة الإسرائيلية. فالفلسطيني لا يتمتع بأي حقوق سياسية في ظل السلطة. هذا التقييم الواقعي لدور السلطة يجب أن يطرح السؤال التالي: لماذا السماح للإسرائيلي بتغليف دوره القمعي والإستعماري من خلال السلطة الفلسطينية؟
إن مجابهة المخططات الصهيونية تتطلب طرح برنامج سياسي نضالي يوحد الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني. وهذا يتطلب العمل على إعادة بناء الوعي الفلسطيني من خلال ارتباطه بأرض فلسطين وتاريخها وتضحيات أهلها على مساحة سنوات مجابهة المخططات الصهيونية حتى الآن. كما ويتطلب إعادة تقييم دور السلطة في حركة مجابهة مخططات العدو، وليس إعادة ترميمها. فسلطة تقوم على أموال مؤيدة لاستمرار وجود إسرائيل على أرض فلسطين لن تعيد حقوق الشعب الفلسطيني.
ما يمكن أن يعيد للفلسطيني حقه هو عودته إلى أرضه المسلوبة، حتى وإن كان تبعاً لقرارات الأمم المتحدة. أما إذا كان هناك مصلحة للفلسطينيين بدولة واحدة، فهذا ما يقرره الفلسطينيون وليس ما يسمى بالسلطة الفلسطينية. من هنا ضرورة تصدي المثقفين والأكاديميين والمفكرين الفلسطينيين لطرح الحلول الضرورية للحفاظ على فلسطين وإعادة تركيب الوعي المرتبط بالأرض والتاريخ لبناء المستقبل.
                                                                                             5 كانون الأول 2014

الأحد، 30 نوفمبر 2014

الحوار ومآلاته



                            الحوار ومآلاته
يعيش المواطن اللبناني حالة من عدم اليقين. فانعدام الإستقرار السياسي ينعكس سلباً على الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية لجميع اللبنانيين.. كما وأن وجود أكثر من مليوني نازح، بسبب عدم الإستقرار على الصعيد الإقليمي، يزيد الإنعكاسات السلبية، خاصة عند صغار الكسبة من عمال وفلاحين وغيرهم من الأجراء والمياومين.
أما ما صرح به حاكم مصرف لبنان عن جودة الأوضاع الإقتصادية، فهو يتحدث عما تنعم به المصارف من متابعتها استغلال قوت اللبنانيين من الطبقة المسحوقة والمتوسطة. فهنا لبنانان، لبنان الطبقة الكادحة والمتوسطة، ولبنان المصرفيين وكبار الرأسماليين.
رغم هذه الحالة المتردية، استبشر أكثر اللبنانيين خيراً بالمبادرة التي أطلقها الرئيس الحريري منذ حوالي الشهرين باستعداده للحوار مع حزب الله. تلك المبادرة التي قبلها أمين عام الحزب السيد حسن نصرالله، والذي عاد وأكد عليها الرئيس الحريري مجدداً.
كان من المفترض أن يكون الحوار من دون شروط مسبقة، ولكن رغم وضع شرطين من قبل الحزب وهما عدم الخوض بسلاح الحزب وبوجود الحزب في سوريا، فإن النقاش الحواري سينطلق بين ممثل للحريري وممثل للسيد نصرالله. وسيكون هذا الحوار برعاية من الرئيس بري والسيد جنبلاط، على ما قيل.
لماذا هذا الحوار؟
هناك من يعزو هذا الحوار إلى تفاقم الأوضاع الداخلية، خاصة وأن مستوى التحريض المذهبي والطائفي قد تجاوز كل حد، حتى أن المنوط بهم ضبط الأوضاع أصبحوا عاجزين عن القيام بهذه المهمة. من هنا لامناص من ضبط الأوضاع وإلا خرجت من أيدي الذي يستخدمها عند الحاجة. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، وهي الأهم، فإن الحوار القائم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وهما رعاة الأوضاع الإقليمية بما فيها الوضع اللبناني، من الضروري أن ينعكس إيجاباً على وضعنا الداخلي، وإلا يصبح من دون فائدة. فبرودة الأوضاع الداخلية بين الأطراف التابعة للأطراف الرئيسية تعكس تحسن الأداء بين هذه الأطراف. ومن المعروف أن أكثر المراقبين قد بشروا بقرب الإتفاق بين أمريكا وإيران على أمور عديدة. أما الترجمة الفورية لهذه الإتفاقات فهي المعركة المشتركة التي يخوضها الطرفان مع امتداداتهما مع الدولة الإسلامية (داعش) في العراق وسوريا.
مستقبل الحوار
إلى المستبشرين بهذا الحوار، نقول بأنه سيؤدي إلى اتفاق على الحفاظ على الحكومة القائمة حتى لا تزيد الأوضاع تفاقماً وسوءاً أكثر مما هي عليه الآن. لن يتم الإتفاق على انتخاب رئيس، ولن يتم الإتفاق على قانون جديد للإنتخاب. الإتفاق بين المستقبل والحزب مرهون بالإتفاق الإقليمي بين إيران وأمريكا على ترتيب أمور المنطقة.
حفاظ على الستاتيكو القائم ومنع الأوضاع الأمنية من التفاقم، هذه هي النتائج المتوقعة.

الخميس، 6 نوفمبر 2014

كيفية التعامل مع الصراعات



                                    كيفية التعامل مع الصراعات
حسن ملاط
يوجد في المجتمعات الكثير من التناقضات، ولا وجود لمجتمع من دون تناقضات. ولكن طبيعة هذه التناقضات تختلف عن بعضها البعض، سواء في نفس المجتمع أو في المجتمعات المختلفة. فالإختلاف بالرأي هو نوع من أنواع التناقض، كذلك الإختلاف بين الغني والفقير، أو ذلك الذي بين العامل ورب العمل.
وهناك تناقضات بين المجتمعات المختلفة، وهي بدورها تختلف من حيث طبيعتها. فالخلاف بين لبنان وسوريا ليس كالخلاف بين لبنان وإسرائيل. والخلاف بين سوريا وتركيا ليس كالخلاف بين أمريكا ودول إقليمنا.
الإختلافات بين طبيعة التناقضات القائمة ترتدي أهمية كبيرة. لذلك هناك ضرورة ماسة لتحديدها. فتحديد طبيعة هذه التناقضات هو الذي يؤشر إلى كيفية حلها. والفشل في تحديد طبيعة هذه التناقضات يؤدي بالتالي إلى فشل السياسة التي تنفذها الدولة أو التنظيم أو الحزب الذي عليه القيام بحل هذه التناقضات.
تصنيف التناقضات
لمعرفة كيفية التعامل مع التناقضات المختلفة، لابد من تصنيفها. فهناك التناقضات الأساسية والتناقضات الثانوية. وهناك التناقض الرئيسي. كما وأن هناك أيضاً التناقض العدائي والتناقض الغير عدائي. وكل من هذه التناقضات يتم التعامل معها بشكل مختلف عن الآخر.
فالتناقضات الأساسية هي تلك التي لابد من حلها، لأن عدم حلها يخلق عدم توازن في المجتمع. ولكن حلها يتم على مراحل يحددها التناقض الذي يلعب الدور الرئيسي، أي التوازن الذي لا بد من حله لإعادة التوازن إلى المجتمع. مثال ذلك، المشكلة الأمنية في طرابلس. هذه المشكلة خلقت عدم توازن في طرابلس والجوار، مما أثر على حياة الناس, فطرابلس هي إهراء الشمال. فتأمين الغذاء مرهون بتأمين الأمن في طرابلس. التواصل مع عكار يتم عن طريق طرابلس. تأمين الخضار لمعظم أهل الشمال هو من طرابلس. استمرار الحياة كما كانت عليه لا يتم إلا بأمن طرابلس أو بخلق مركز للشمال غير طرابلس وهذا مستحيل على المدى المنظور. من أجل ذلك أسمينا هذا التناقض الرئيسي لأن إعادة التوازن في المنطقة لا يتم إلا بحل هذا التناقض.
فتحديد التناقض وتصنيفه هو مسألة علمية وموضوعية وليس مسألة اختيارية تتم من قبل هذا أو ذاك.
هل يمكن للتناقض الثانوي أن يصبح رئيسياً؟ هذا يحصل، ولكن يجب التعامل معه على أنه ثانوي وليس رئيسياً.
أما التناقض العدائي فهو ذاك التناقض الذي لا يحل إلا بإزالة أحد طرفي التناقض. فالتناقض مع إسرائيل هو تناقض أساسي وعدائي. أي أن حل هذا التناقض يتم بالقضاء على إسرائيل ككيان غاصب. أما التناقض بين السنة والشيعة فهو تناقض غير عدائي كما أنه ليس أساسياً. وحل هذا التناقض لا يتم إلا بإيجاد صيغة للتفاهم بينهما، لأنه لا يستدعي إزالة أو القضاء على أحد طرفي التناقض، إنما يستدعي إزالة الصفة العدائية المستجدة نتيجة أخطاء بشرية مقترفة. ليس هناك تناقضاً تكوينياً بين السنة والشيعة. من أجل ذلك، هذا تناقض غير أساسي وغير عدائي.
كيف تعامل النبي محمد مع التناقضات؟
لقد حدد النبي محمد أن التناقض الأساسي هو التناقض مع قريش. ذلك أن قريشاً تهيمن على الفكر والدين والإيديولوجيا والإقتصاد، وهي الوحيدة التي تملك جيشاً محترفاً. كما وأنه اعتبر قريشاً العدو الرئيسي الذي يجب محاربته لأنها لعبت دور الحائل دون إتمام المسلمين الدعوة إلى الله، إنطلاقاً من مبدأ حرية الإختيار، وليس فرض الدين الذي ترتضيه القبيلة المهيمنة لنفسها وللناس. وجهز النبي نفسه لمحاربة قريش منذ انتقاله إلى المدينة وتأمينه قاعدة للإنطلاق. لذلك بدأت السرايا ضد قريش من قبل المهاجرين، حتى لا يحمل الأنصار تبعة القتال، تبعاً للأعراف التي كانت سائدة في الجزيرة العربية.
أما من حيث تعامله مع التناقضات الثانوية، فقد كان كالتالي: كان هناك عهد بين المسلمين والمشركين واليهود بكيفية التعامل فيما بينهم. وقد أمضوا هذه العهود فيما بينهم. عندما خان يهود بني قينقاع العهد حاربهم النبي من دون شن حملة على اليهود توحي وكأن التناقض الرئيسي أصبح مع اليهود ولم يعد مع قريش. والدليل على ذلك، أنه ما أن انتهى الإجراء المحدد بحق بني قينقاع حتى عادت الحرب على قريش إلى سيرتها الأولى. كما وأن انتصار النبي على بني قينقاع لم يخلق تبديلاً للحقائق على أرض الصراع، إنما ما ساهم به هذا الإنتصار هو منع تغير الحقائق بالنسبة للصراع مع قريش. أي أن الإنتصار على بني قينقاع لم يعط مشركي قريش أي ميزة على المسلمين في الصراع القائم. وهذا ما حصل عند حرب المسلمين على بني النضير.
أما في حربه مع العدو الرئيسي فالنتائج كانت دائماً مختلفة: عندما ترك مشركو قريش أرض المعركة في غزوة الخندق قال النبي قولته الشهيرة "نغزوهم ولا يغزوننا". هذه نتيجة كبيرة في الصراع مع الشيطان الأكبر، فقد أصبحت المبادرة بيد المسلمين. وهذا ما حصل فعلاً. لقد غزا المسلمون مكة وانتصروا على المشركين وكان بعد فتح مكة عام الوفود الذي كرس الإنتصار النهائي على الشرك في جزيرة العرب. وبذلك انتقل الصراع إلى أماكن أخرى، لأن التناقض الأساسي والرئيسي قد تم حله بالقضاء على شرك قريش.
لقد كان النبي واضحاً في تعامله مع التناقضات الثانوية بشكل يساعد على خدمة الصراع ضد العدو الرئيسي والأساسي. حارب بني النضير لأنهم تآمروا مع قريش. وحارب بني قريظة لأنهم تآمروا مع قريش، وكذلك فعل مع المجموعات التي حالفت قريش... أي بكلمة كان يوظف كل حركته لخدمة الإنتصار على عدوه الأساسي والرئيسي قريش.
كومونة باريس، كانت أول ثورة اشتراكية قادها العمال وصغار الكسبة وكان للنساء دور مهم فيها. انتصر العمال على الحكومة التي هادنت الألمان الذين كانوا يحاربون الفرنسيين وانتصروا عليهم. بعد قيام الكومونة، تحالفت الحكومة الألمانية والحكومة الفرنسية ضد الكومونة وحاربوها حتى سقطت. التناقض بين الألمان والفرنسيين كان تناقضاً ثانويا، مع أنه أدى للحرب. ولكن الكومونة كانت تريد أن تقضي على حكم البورجوازية. لذلك تحالف الألمان والفرنسيون للقضاء على حكم الطبقة العاملة وحلفائها، بسبب من عدائية التناقض بين الكومونة والحكم البورجوازي سواء كان في فرنسا أو ألمانيا.
في الصين، كانت الحرب قائمة بين الحزب الشيوعي الصيني والكومنتانغ على حكم الصين. في تلك الأثناء، غزت اليابان الأراضي الصينية. فما كان من ماو تسي تونغ إلا أن راسل شان كاي شاك من أجل إيقاف الحرب بينهما والتحالف من أجل قتال الغازي الأجنبي. لم يقبل شان العرض، عندها أبلغه ماو بأنه لن يحاربه ما دام اليابانيون في الأراضي الصينية. بعد انسحاب اليابانيين، عادت الحرب إلى سيرتها الأولى.
عندما يغزو الأجنبي البلاد، تكون الأولوية لمحاربة الأجنبي وليس للقتال الداخلي. التناقض الأساسي والرئيسي يكون دائماً ضد الغازي الأجنبي وهو عدائي أيضاً.
في بلادنا، التناقض الأساسي والرئيسي هو مع إسرائيل. ولا شيء يبرر نقل الحرب مع الصهاينة إلى حرب داخلية، يستفيد منها عدو الأمة. داعش هي سليلة القاعدة، ومع عدم موافقتنا على قراءتها وممارساتها، ولكن لا يمكن اعتبارها عدواً أساسياً للأمة. حاربت الإستكبار منذ نشأتها وحتى الساعة. ومن حدد داعش والقاعدة عدواً للناس هي الولايات المتحدة الأميركية. ومن جمع التحالف الدولي ضد داعش هي الولايات المتحدة. فإذا هاجم البعض الولايات المتحدة، فهذا لا يعني أنه لا ينفذ أجندتها في الصراع في بلادنا.
ليست القاعدة وحدها من يملك قراءة خاطئة للدين. هناك الكثير ممن يروجون لتدين يقسم الأمة لصالح أعدائها هل علينا العمل في الحرب الداخلية وكأن التناقض الرئيسي هو بين مختلف فئات الأمة. على مدى مئات السنين، تحارب أصحاب التدين "الرافضي" وأصحاب التدين "الناصبي"، من انتصر على الآخر. لا يمكن لأحد أن ينفي الآخر. من أجل ذلك، إيجاد الحلول لهكذا خلافات طريقها مختلف. تكرار التجارب بشكل غرائزي يوصل إلى الخراب أو خدمة العدو. والنتيجة واحدة. أما إذا كان لابد من التعامل العنيف مع بعض الفئات الداخلية، فلا يُجند لها الإعلام وكأن التناقض لم يعد مع إسرائيل. وهناك العديد من الأساليب التي لا تحول وجهة الصراع الأساسي.
التناقض بين أصحاب التدين هو تناقض ثانوي داخل الأمة، لا يُحل إلا بالحوار. وتنفيذ أجندات لصالح هذا الطرف أو ذاك على حساب مجموع الأمة تجارة خاسرة. أما تجارة الوحدة على الله فهي تجارة لن تبور. الطريق الوحيد الذي ينصرنا على إسرائيل ويطرد الأمريكان من بلادنا.
                                                                                                     6 تشرين الثاني 2014