بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

السبت، 3 ديسمبر 2011

السكوت من ذهب!

صرح السيد برهان غليون، رئيس ما يسمى "المجلس الوطني السوري" في مقابلة مع صحيفة "وول ستريت جورنال" الاميركية بان حكومة سورية جديدة بقيادة المعارضة في البلاد، ستقطع العلاقات العسكرية لسوريا مع إيران وتنهي إمدادات الأسلحة للمجموعات المسلحة في الشرق الأوسط مثل "حزب الله" وحركة المقاومة الاسلامية "حماس"... وأكد أن سوريا ستواصل التزامها استعادة هضبة الجولان المحتلة من إسرائيل، لكنها ستركز على مصالحها من طريق المفاوضات عوض اللجوء الى النزاعات المسلحة.
كان تشكيل "المجلس الوطني السوري" خطوة بإيقاع مختلف عن تطور حركة المعارضة السورية الداخلية. فقد تدخلت دول عديدة حتى جمعت مختلف مكونات هذا المجلس. أو بعبارة أخرى، فتشكيل هذا المجلس هو نتاج تآلف قوى عربية ودولية معادية للنظام السوري القائم حالياً. وليس لها علاقة (هذه القوى) لامن قريب ولا من بعيد بأي مطالب يرفعها الشعب السوري الذي يتعرض للإرهاب على أيدي أجهزة قمع النظام. كما وأن ردود فعل المعارضة الداخلية بأكثريتها لم تكن مؤيدة لهذا المجلس للأسباب التي سبق ذكرها إضافة إلى سبب جوهري هو معارضة أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية السورية. فما أن تشكل هذا المجلس حتى بادر إلى طلب التدخل الخارجي، وكأني به قد شُكل من أجل تشريع التدخل الخارجي. ولم توافق المعارضة الوطنية الداخلية على هذا المطلب. من أجل ذلك، فليس من المستغرب أبداً أن يسارع غليون إلى إعلان عدائه لإيران التي تساند المقاومة الفلطسينية والتي تساند حزب الله. وكيف يقدم غليون أوراق اعتماده للغرب إن لم يكن بإعلانه العداء للمقاومات التي أعادت الأمل إلى شعوبنا باستعادة حقوقها من مغتصبيها. أما عن الجولان فهو يريد استعادته كما استعاد عباس الضفة الغربية!؟ ولم يكن غليون بحاجة لهذه الإعلانات لأن طريقة تشكيل المجلس الوطني الذي يرأسه لن تفرز إلا هكذا مواقف. فليت أنه سكت، لأن السكوت من ذهب.

لقد اعتبرنا أن تشكيل المجلس السوري يستدعي خطوة من النظام اتجاه المعارضة الداخلية. فتذكَر التجربة الليبية يستدعي الحذر من تشكيل المجلس السوري، خاصة وأن المجلس الإنتقالي الليبي كان الممر للتدخل الخارجي والذي أدى إلى المجازر المعروفة بحق الشعب الليبي والتي أودت بحياة عشرات الآلاف على أيدي قوات الناتو السيئة الذكر. أما التفرج على ما يحصل من دون القيام بأي عمل سوى القمع، لن يساهم في حل الأزمة السورية حتى مع الدعم الروسي المرهون بسعر مؤات لتغيير مواقفه.

المطلوب الآن، ومن دون إبطاء، المسارعة إلى الإفراج، من قبل النظام، عن جميع المعتقلين على خلفية الإنتفاضة السورية، والمسارعة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة أحد رموز المعارضة، والمباشرة بمباحثات جادة ما بين النظام والمعارضة الوطنية السورية على الخطوات التي ينبغي القيام بها من أجل تأمين السلم الأهلي، ومحاكمة جميع المجرمين الذين قتلوا الشعب السوري. كما وأن من واجبات هذه الحكومة المسارعة إلى إصلاح الإقتصاد السوري بحيث يؤمن مصلحة الناس وليس مصلحة حفنة من المتاجرين بعرق الشعب. إضافة إلى قانون عصري للأحزاب وقانون عصري للإنتخابات يؤمن الإصلاح الذي يطالب به المواطنون السوريون...

إن خطوات كهذه سوف تساهم بإعادة الأمن والإستقرار إلى القطر السوري. أما الإعتقاد أن الوصول إلى تفاهم من دون تنازل من مختلف الأطراف، فهذا يعني الإستمرار باللعبة الجهنمية التي لن تنتهي إلا بتهشيم جميع الأطراف بدون أدنى شك. والخاسر الوحيد سوف تكون سوريا.

3 كانون الأول 2011 حسن ملاط

الأحد، 6 نوفمبر 2011

ديون اليونان، أم شعب اليونان؟

القرقعة تملأ الدنيا ولا تترك لأحد فرصة الراحة من الضجيج، ديون اليونان. وما قصة اليونان وديونها. الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تُسمى العولمة القائمة اليوم في العالم باسمها، هي السبب الرئيس. ذلك أن الدولار هو النقد العالمي الوحيد، ونضيف "تقريباً" من دون قناعة، إنما إرضاءً لمن يرون اليورو يحمل هذه الصفة.

عندما وقعت أزمة الديون الأمريكية في العام 2008، تأثر العالم بمجموعه بالأزمة. وقليلة هي البلدان التي لم تتأثر بتلك الأزمة بصورة سلبية، وذلك لارتباط الجميع بالدولار. والسؤال هل لازالت الأمور على ماهي عليه حتى الآن، أم أن هناك بعض التغيرات.

لقد صرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن على أوروبا أن تجد الحلول لمشكلة المديونية في منطقة اليورو لأن هذا الوضع يؤثر سلباً على النمو في أمريكا. وقد سارع الإتحاد الأوروبي لدراسة أوضاع الدول المتعثرة وعلى رأسها اليونان واسبانيا والبرتغال وإيطاليا وارلندا. وقد قدم الإتحاد المساعدات لبعضها، عله يساعد في إمكانية حل مشاكل المديونية. وطلب الإتحاد الأوروبي المساعدة من دول البريكس ( البرازيل، الهند، الصين، جنوب أفريقيا وروسيا) وعلى رأسها الصين. وقد وضعت الصين شروطاً قاسية من أجل المساهمة في المساعدة، علماً أن 20% من حجم تجارتها هي مع الإتحاد الأوروبي. أما روسيا فقد أبدت استعدادها للمساعدة بعشرة مليارات دولاراً، ولكن عبر صندوق النقد الدولي، أو بشكل ثنائي. بينما اشترطت الصين شراء بعض الأصول الأوروبية والحصول على التقنية العسكرية المتطورة والممنوعة عليها حالياً. كما اشترطت الإعتراف بأن نظامها رأسمالي للتخفيف من بعض الشروط التجارية التي تراها مجحفة. وقد أبدت الصين استعدادها المساعدة بمبلغ يتراوح ما بين 50 و100 مليار دولاراً.

ثم اجتمع العشرون الكبار لدراسة مشاكل منطقة اليورو وقد ألقوا الخطب وتوصلوا لعدد من المقررات لا يتسم أي منها بأي صفة عملية. وقديماً قيل "أن جهنم مرصوفة بالنيات الحسنة".

قمنا بهذا الإستعراض السريع حتى نصل إلى الموضوع الذي يشغل الدنيا في هذه الأيام وهو ديون اليونان وأين موقع الشعب اليوناني من هذه الضجة؟ لقد أقرالإتحاد الأوروبي مساعدة اليونان ب160 مليار أورو وبشطب 100 مليار يورو من ديونها، وأن هذه المبالغ تُدفع على دفعات على أن لا تخل اليونان بالشروط المفروضة عليها. وأهم هذه الشروط هي التي تنقل الشعب اليوناني من الحياة الطبيعية إلى الحياة البائسة.

كيف يعيش الشعب اليوناني في هذه الأيام التي قدمت أوروبا له المساعدة ب160 مليار يورو؟

جاء في جريدة (ايليفتوروتيبيا) اليونانية متحدثة عن المظاهرات الإحتجاجية على الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الحكومة بحق الشعب اليوناني حتى يُموَل أصحاب الملايين المبعثرة على نزواتهم كما أصحاب البنوك والشركات الأمريكية والتي يعتصم ضدهم الشعب الأمريكي في حركة "احتلوا وول استريت" ما يلي:" (يقول المتظاهرون) نحن لن نرحل من هنا، هذا هو يومنا، مهما كان عدد القنابل المسيلة للدموع، سنظل هنا. (وقد كانوا في ساحة كيرياكوبوللوس) هذه ساحة الثورة الشعبية، ساحة الديموقراطية، الساحة التي فيها ينمو الأمل. وقد عمت المظاهرات جميع المدن والجزر اليونانية. وقد خرج المزارعون مع جراراتهم وصغار التجار والطلاب والتلاميذ والمتقاعدون". ومن الجدير ذكره أن هذه المظاهرات قد تعرضت لكثير من العنف.

ولكن لماذا يحتل المتظاهرون الشوارع رغم هذا العنف السلطوي؟

جاء في جريدة (تو فيما) اليونانية: "لم تعد سلة التبضع تمتلىء، كما كانت الحال قبل الأزمة. فقط 12% يدفعون أكثر من مئة يورو عندما يذهبون للتبضع. كما أنهم يفتشون عن الصنف الأرخص من دون الإهتمام بالنوعية أو الماركة. ما من أحد يخرج إلى المطاعم أو الحانات. قال أحد أصحاب المطاعم أنه تمر بعض الأيام لا نجد زبوناً واحداً، علماً أن مصروفنا اليومي يبلغ 1500 يورو. لقد أقفل 6000 مطعم. ومن الآن حتى آخر السنة سيقفل 25000 مطعم. حتى المواد الغذائية لاتجد من يشتريها بالرغم من انخفاض أسعارها 35%".

"في مجال الصحة، يؤجل الناس الذهاب إلى الطبيب لأن الدواء غال وكذلك الإستشارة الطبية. لايذهب الناس إلى المختبر أو إلى التصويرالشعاعي، لايشترون الفيتامينات أو المضادات الحيوية لأنها مكلفة. لا يدفعون فاتورة الكهرباء لأنها غالية. لقد أعلنت شركة الكهرباء أن عدم التحصيل قد وصل إلى 200 مليون أورو. كما أن اليونانيين قد أقلعوا عن استخدام سياراتهم الخاصة. التعليم الخاص انخفض 40%. المتقاعدون لا يذهبون إلى المقاهي بل يلتقون في الشوارع أو السوبر ماركت".

وفي عدد آخر لنفس الجريدة تقول "بأن اليونانيين يفتشون عن الأرخص لشرائه من أجل التغذية. ولكن منهم من يفتش في القمامة عن شيء يعينه على الإستمرار في الحياة، خاصة بعد أن خفضت الحكومة مخصصاتهم. هناك جوع حقيقي في اليونان، هناك من لايتمكن من شراء اللحوم ولو مرة واحدة في الشهر. ومع هذا يتلف كبار التجار الأوروبيين ما يقارب من 89 مليون طن من المواد الغذائية بسبب انتهاء الصلاحية، أي ما يعادل 180 كيلو لكل أوروبي".

يكفي هذا القدر من المآسي، ولكن السؤال هو ما الإفادة التي يجنيها اليوناني من استدانة حكومته من الإتحاد الأوربي؟ هو تكديس الدين عليه من دون الإستفادة من أي من هذه الملايين التي تذهب إلى كبار المرابين وأصحاب البنوك والشركات الكبرى. أليس من أجل ذلك يتظاهرون في المدن الأمريكية. 99% يعملون ويدفعون من أجل أن يتمتع 1% من الشعب الأمريكي. لمن دفعت الحكومة الأمريكية في أزمة 2008؟ أليس لأصحاب البنوك؟

ما هي الأسباب الكامنة وراء هذه المآسي؟

إنها العولمة النيوليبيرالية. لقد ابتدع الأمريكي البشع قيماً للمجتمع الجديد المعولم تقوم على الإستهلاك والمزيد من الإستهلاك، من دون النظر عن أصل المال إن كان شريفاً أو ملوثاً. المهم الإستهلاك وتكديس الثروات من أصحاب الشركات الكبرى والبنوك. ألم تفتعل الإدارة الأمريكية الحروب من أجل أصحاب مصانع السلاح ومن أجل الشركات النفطية. ألم يبتدع أصحاب البنوك ما يسمى بالمشتقات المالية من أجل سرقة أصول أصحاب الحسابات المتواضعة. ألم تسرق البنوك عقارات أصحاب الدخل المحدود ورمتهم في الشوارع عندما أغرتهم على الإستدانة. ألم تطبع الإدارة الأمريكية المليارات من الدولارات من دون أي تغطية من ذهب أو من إنتاج. أليس هذا بالسرقة الموصوفة.

ليس هذا فحسب، بل إن الإدارة الأمريكية المهيمنة على العولمة قد أجبرت الجميع على السير في ركابها. ذلك أن نمط الإنتاج الرأسمالي يجعل الجميع على نمطه، فهو يحطم جميع الأنماط السابقة على وجوده. من هنا تداعت جميع الدول على دعم الدولار، عصب الإقتصاد الأمريكي، ودفعت مليارات الدولارات من الخسائر حفاظاً على هيبة الأمريكي البشع.

هل من إمكانية للخلاص من هذا الواقع البائس؟

الصين، أكبر الدول المنتجة في العالم والتي تملك اقتصاداً حقيقياً وتملك احتياطاً، جله من الدولار، يساوي 3.2 تريليون دولار، يمكنها التصرف ب500 مليار دولار فقط تريد أن تتجه نفس الإتجاه التي تريده الولايات المتحدة الأمريكية. فالأخيرة تريد من الصين أن توسع سوقها الداخلية، وهذا يجبرها أن تسعر اليوان بسعره الحقيقي مما يوجد نوعاً من التوازن في السعر بين المنتجات الصينية والأمريكية. كما وأن الصين تريد أن تجعل من اليوان نقداً عالمياً مثل الدولار واليورو. أليس اقتصادها هو ثاني اقتصاد في العالم؟ وهذا ما اشترطته على الإتحاد الأوروبي من أجل مساعدته، أي احتساب الدين باليوان.

إن اتجاهاً كهذا سوف يؤخر الحل التي تصبو إليه الشعوب لأنه يؤخر انهيار النمط الأمريكي في استغلال الشعوب ويساعد الصين على أن تكون الشريك الأول لأمريكا في الاستغلال أو من الممكن أن يجعلها الأولى في استغلالهم!

ما يساعد على تحرر الشعوب من أزمتها هو التخلي عن سرقة الشعوب بأساليب متعددة، كالمشتقات المالية مثلاً. وأن يعود الإقتصاد حقيقياً يقوم على انتاج الخيرات المادية، وليس على تأمين الأرباح لأصحاب الملايين. وبهذا الشكل تعود القيمة للسلعة وليس للربح من دون تأمين السلعة. أما الوصول إلى هذا النمط الرأسمالي يتطلب الصراع مع النيوليبيراليين إلى أي جنسية انتموا. كما ويتطلب عودة الثقة إلى الشعوب بقدراتها الكبيرة. ولعل الربيع العربي ونسخته الأمريكية الناشئة "احتلوا وول استريت، هي من المبشرات بالغد المشرق لشعوب المعمورة.

6 تشرين الثاني، نوفمبر 2011 حسن ملاط

الأحد، 2 أكتوبر 2011

"الأقليات" بضاعة أوروبية بامتياز

لم يتعامل الغرب الأوروبي مع الشرق العربي على أنه يوجد فيه شعب، إنما توجد فيه أكثرية وأقليات. وحيث يمكنه أن يقسم الأكثرية إلى أقليات، فلا مانع لديه. لذلك تحدث عن الموارنة والأرثوذكس، ومن ثم تحدث عن الكاثوليك والبروتستانت، وتحدث عن السريان والكلدان والأشوريين. وعندما تحدث عن السنة كأكثرية قسمهم إلى أقليات إتنية، أكراد وأتراك وعرب...

وحيث أن الأقليات صناعة غربية سوف نستشهد بمقطع طويل نسبياً من محاضرة ألقاها الفرنسي جاك وُلرس Jacques Weulersse نُشرت سنة 1936 وهي من تعريب الدكتور جوزيف عبد الله (أستاذ في معهد العلوم الإجتماعية في الجامعة اللبنانية) وهي تلقي الضوء على تشكيل الأقليات في شرقنا العربي. يقول جاك ورلس: "بيد أن المطلوب فهمه، وهنا الأمر الأساسي، هو أنه لا الدين ولا اللغة ولا الاثنين (الدين واللغة معاً) ما يمكنه أن يخلق ما أسميه "المركب الأقلوي" complexe minoritaire. فهذا المركب هو الذي يجعل مجموعة اجتماعية تبني تماسكاً خاصاً بها، ويرسخها لتنتصب بوجه الآخرين".

ثم يضيف: "فمن أين ينبع في الشرق هذا "المركب الأقلوي"؟ إن الدين واللغة، كما قلنا، لا يكفيان لخلقه. بالنسبة للدين، يكفي أن أذكركم بتقاليد التسامح الديني وهي سمة كل الشرق. فالشرق موطن الأديان التي نشأت وتعايشت معاً، وبفعل احتكاكها تعلمت كيف تمارس عيشاً مشتركاً".

ثم يقول: "وإلى جانب تعددية الأديان، هناك أيضاً عملية التوليف syncrétisme (بين العبادات) التي ما تزال حية في سورية. لقد تشابكت الأديان مع بعضها البعض حتى اليوم، في الكثير من المواضع، لدرجة أن نفس الموضع يكون مقصد حج المسيحيين والمسلمين.

لنتذكر أيضاً تسامح الإسلام، خصوصاً في ما يتعلق بأتباع أهل الكتاب: اليهودية والمسيحية. كما أنكم تعرفون أيضاً الدور الذي قدمه اليهود والمسيحيون في الحضارة الإسلامية من بغداد إلى قرطبة".

"وأخيراً، يجب الاستناد إلى قدرة الشرق التسامحية التي سبق وتجلت بكل وضوح في زمن الحروب الصليبية. وإنه لمن المثير في الحقيقة ملاحظة فرق الذهنية بين قدامى الصليبيين والصليبيين الجدد؛ فقدامى الصليبيين المعتادون على بلاد الشرق بحكم معايشة طقوس مختلفة عن طقوسهم لم ينتهوا بعدم شعورهم بالصدمة من الكثير من معتقدات الشرق فحسب، بل تقبلوها. وذلك بعكس الصليبيين الجدد الذين لدى وصولهم شعروا بالتناقض المباشر وطالبوا بملاحقة الكفار"!

"وأخيراً، لنتذكر أن أي دين في الشرق الأدنى، لا المسيحية ولا اليهودية ولا الإسلام، لا يمارس الآن بشكل شائع وسوي التبشير لاجتذاب الآخرين prosélytisme. فمن الغرب أتى "المركب الأقلوي"، هذا إذا شئنا النظر بهذه العين إلى النزعة التبشيرية الساعية إلى اكتساب مواقع على حساب الديانات الأخرى".

"وبالنسبة للغات فالمسألة هي نفسها، لأنه هنا أيضاً لا يكفي عنصر اللغة ليحفر فاصلاً مطلقاً بين مختلف الجماعات الاجتماعية. ونظراً لتعددية اللغات فإن الشرقي بالضرورة متعدد اللسان. وهذا أمر يصعب علينا، نحن الغربيين، تفهمه، وخصوصاً في فرنسا حيث الناس أبناء لغة واحدة؛ بينما من الشائع أن نلاحظ في الشرق، الكلام بلغتين أو ثلاث أو أربع".

"لنضِف إلى ذلك أن تغيرات اللغات كانت متواترة عبر التاريخ؛ ولهذا قبل مسيحيو الشرق بسهولة العربية كلغة شائعة، وكذلك اليهود. وهكذا فالشرق، وعلى الأقل الشرق الأدنى، لم تكن فيه بغير شكل كامن أو افتراضي العناصر الملائمة لتكوين "المركب الأقلوي"؛ ولقد استلزم تحولها إلى عناصر فعلية وتطورها، إن جاز القول، جرثومة ("فيروس" virus). وكانت هذه الجراثيم ("الفيروسات") على نوعين: الجرثومة الاقتصادية والجرثومة القومية".

"تظهر الجرثومة الاقتصادية ما أن تحتل مجموعة، هي أقلية على العموم، موقعاً في الدولة بحيث تزعج الآخرين من خلاله. هذا ما حصل في الشرق مع اليهود ومع الأرمن".

"عندما نقول أقلية غالباً ما نقصد نخبة. وفي الحقيقة، من الطبيعي لمن يشعرون بأنهم في عزلة اللجوء إلى التضامن والمدافعة بالاستناد إلى تفوق مكتسب مرجعه الثقافة. وسرعان ما يتحول هذا التفوق، وهذا التضامن الذي يمارسه الأقلويون، إلى تهديد لجمهور الجماعة".

"ثم جاء، علاوة على نظام الامتيازات الأجنبية الذي كان محدود الأهمية بفعل أن الأجانب وحدهم هم المستفيدون منه، نظام المحميين من جانب قناصل الغرب؛ وبذلك تجمع إلى جانب الغرباء عدد من أبناء البلاد الذين طالبوا بنفس الحقوق. وأصبح هذا الأمر بالغ الخطورة عندما اتخذ نظام الحماية صبغة سياسية: فرنسا ومحميوها من الأقليات الكاثوليكية، روسيا ومحميوها من الأقليات الأرثوذكسية. وكانت النتائج الحتمية لهذه الحماية انتشار مشاعر الغيرة والحقد لدى غالبية السكان بوجه هذه الأقليات. وهكذا تلاحظون في هذا الصراع بين الغالبية والأقلية أن الأقلية هي التي شرعت بشن الهجوم".

"وهكذا نرى أن تأثير الغرب هو الذي أدى تدريجياً بصراع الأقليات إلى أن يتخذ هذا المنحى المأساوي الذي يجعل من الأقليات واحدة من المسائل الأساسية في الشرق الأدنى".

إنطلاقاً من هذه المقدمات سوف نقرأ مقاربة البطرك الراعي من الإنتفاضات العربية ومن سلاح حزب الله، وكذلك الموقف من إسرائيل.

قال البطرك الراعي متحدثاً عن الثورات الديموقراطية القائمة في بعض البلدان العربية: "نحن لا نحترم فقط كرامة الشخص البشري بل نقدسها، وبالتالي لا يمكننا أن نعارض مطالب الشعوب المحقة المطالبة بالديموقراطية وحماية حقوق الأفراد فيها، إلا اننا لا يمكن ان نرضى، تحت هذه الذرائع، أن نشجع على الحروب الاهلية والفتن التي تنتهي ببطش الاكثريات بحقوق الاقليات وثقافتها وتراثها وحقها بالمساواة". وهذه المقاربة بالنسبة لبطش الأكثريات بحقوق الأقليات استوردها غبطة البطرك من العراق، حيث تبطش الأكثرية الشيعية بحقوق المسيحيين. هذا مع العلم أنه لادخل للشيعة بهذه المقاربة. فالحكام في العراق هم صنيعة الإدارة الأمريكية التي قضت على الوجود المسيحي في العراق أو تكاد. فما على غبطته إلا أن يطالب الإدارة الأمريكية باحترام حقوق جميع شرائح الشعب العراقي. فهذا الوضع بالنسبة لمسيحيي العراق تتحمل مسؤوليته الإدارة الأميركية بمفردها، أو مع حلفائها البريطانيين.

وعليه، فإن مقاربة غبطة البطرك بالنسبة للوضع السوري خاطئة أيضاً. يقول غبطته: "وإذا وصل السّنّة إلى الحكم (في سوريا) فسيتحالفون مع سنّة لبنان وسيتأزم الوضع مع الشيعة". هل من منافسة على الحكم ما بين سنة لبنان وشيعته على الحكم في سوريا؟ إن الخطأ في المقاربة لدى البطرك يتأتى من حيث أنه لا يؤمن بوجود مواطن لبناني أو سوري إنما يوجد أقليات وأكثريات كما ينظر الغرب إلى شعبنا في هذه المنطقة. لذلك جاءت مقاربة الفاتيكان متطابقة مع مقاربة البطرك، ليس لأن الفاتيكان أصبح شرقي الهوى إنما لأن البطرك فكر في الشرق على الطريقة الأوروبية. قال وديع الخازن في تصريحٍ له اليوم:

" لأول مرة في تاريخها، تطلق حاضرة الفاتيكان صفارة الخطر، فأكّد وزير خارجيتها المونسنيور دومينيك مومبتي في كلمته إلى مجلس الأمن على هواجس ومخاوف سبقه إليها غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي.
ففي التوقيت، يمثّل هذا الإشعار من أعلى سلطة روحية في العالم بضرورة إتّخاذ التدابير لحماية الأقليات "حيث هم مهدّدون" وتحمّل مسؤولية الحماية التي تتلازم مع قواعد الأمم المتحدة".
اضاف:" في الرسالة، إشارات ذات مغزى إستعجالي، إذ أوجب رئيس الدبلوماسية الفاتيكانية "أن يكون ما سوف يتوقّع إتّخاذه مجلس الأمن حلاًّ لمدة محدودة من الزمن وإجراء طارئًا لسبب ملحّ يرافقه ويليه إلتزام ملموس بالسلام.
وكأني بالكرسي الرسولي قد تراجع عن مقررات السينودس من أجل مسيحيي الشرق وأصبح بحاجة إلى تجنيد الغرب الأوروبي لحماية مسيحيي الشرق، ولكن لا نعلم ممن سوف يحميهم. مسيحيو العراق يجب حمايتهم من الأمريكان. ومسيحيو فلسطين يجب حمايتهم من الصهاينة. ولكن لم يتخذ الفاتيكان صفة الإلحاح بمطالبته أمريكا بحماية مسيحيي العراق، ولم يطالب الكيان الصهيوني بحماية مسيحيي فلسطين. فهذه الإستيقاظة المتأخرة تقول بأن وراء الأكمة ما وراءها؟ من هو بطرس الناسك؟

ثم تابع غبطة البطرك متحدثاً عن سلاح حزب الله: "واشار الى ان سلاح «حزب الله» مرتبط بشؤون عديدة، لافتاً الى ان الحزب يحمل السلاح لان الاسرة الدولية لم تضغط على اسرائيل لتخرج من لبنان. وطلب من المجتمع الدولي المساعدة في تحرير الارض وعودة الفلسطينيين الى بلادهم وحينها نقول لحزب الله سلم سلاحك، فلم يعد هناك من حاجة اليه، لان سلاح حزب الله مرتبط بعدة شؤون". نحن نؤيد هذه المقاربة مع فرق واحد هو أننا لن نطالب حزب الله بتسليم سلاحه حتى يعم العدل على هذه الأرض.
كما أننا نؤيد مقاربة البطرك من الدول الكبرى. فهو يقول: "الدول الكبرى لا يهمها إلا مصالح اسرائيل، وما يحصل من تفتيت للدول العربية هو لصالح اسرائيل". أليس الحديث عن أن الشعب أقليات وأكثريات هو تفتيت أيضاً؟

هذا التأييد لا ينزع عن منطق الأقليات، والذي استخدمه غبطة البطرك، خطورته. وأكثر ما ظهرت هذه الخطورة في لبنان. فمنطق الأقليات هو الذي برر للقوات اللبنانية والكتائب وغيرها من المجموعات المسيحية التحالف مع إسرائيل، وبرضىً من الكنيسة المارونية. كما أن منطق الأقليات هو الذي سمح لأحد أهم حلفاء حزب الله اليوم أن يذهب إلى الكونغرس الأمريكي من أجل القرار 1559. ومنطق الأقليات نفسه هو الذي يجعل هذا الحليف حيث هو اليوم. هذا كلام مزعج ولكنه يعبر عن الحقيقة. نحن نريد تأييد المقاومة لأنها تعبر عن مصالح شعبنا، لا أن نؤيد المقاومة إنطلاقاً من منطق تحالف الأقليات.

والتبعية العمياء هي التي جعلت بعض القوى تسبح بحمد ما قاله غبطة البطرك بالرغم من خطورته على المدى البعيد. لذلك كان البيان الختامي للقمة الروحية خالياً من أي تصحيح لما قاله البطرك. فهم أعلنوا تأييدهم بدل من تصحيح المفاهيم ومن ثم التأييد. وهذا ما جعل المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى ينسف ما جاءت به القمة الروحية.

إن مصلحة لبنان في أن تتحالف جميع القوى لما فيه مصلحة البلد بالحفاظ على سلاح المقاومة حتى نتمكن من تحرير كامل التراب اللبناني واستغلال جميع ثرواتنا. وهذا غير ممكن من دون سلاح المقاومة. كما ولأن حق العودة للشعب الفلسطيني اللاجىء في بلادنا هو بحاجة لسلاح المقاومة أيضاً. إنطلاقاً من هذه المقاربات نحن نؤيد سلاح المقاومة. ليس انطلاقاً من مقاربات تقسم الشعب اللبناني إلى اقليات متناحرة لايستفيد منها إلا العدو الإسرائيلي.

2 تشرين الأول 2011 حسن ملاط

السبت، 6 أغسطس 2011

حرب، ولكن بشكل مختلف!

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتحدث عن المستقبل الواعد والمزهر للدين الحنيف في أوقات الملمات. وهذا يشير إلى عمق الإيمان، أو لنقل اليقين بنصر الله تبارك وتعالى. عندما كانت قريشتحاصر النبي وعدهم بسيادة الفرس والروم إذا هم التزموا بدعوة التوحيد. وفي غزوة الخندق، حيث اجتمعت قريش واليهود وغطفان وغيرهم من القبائل، حيث حشدوا حوالي العشرة آلاف مقاتل، في هذا الوقت الذي لم يجرؤ أحدهم الإبتعاد عن المجموعة، بشرهم بسيادة العالم.

قال ابن إسحاق:‏ وحُدثت عن سلمان الفارسي، أنه قال‏:‏ ضربت في ناحية من الخندق، فغَلُظت علي صخرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني؛ فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي، نزل فأخذ المعول من يدي، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة؛ قال‏:‏ ثم ضرب به ضربة أخرى، فلمعت تحته برقة أخرى؛ قال‏:‏ ثم ضرب به الثالثة، فلمعت تحته برقة أخرى.‏ قال:‏ قلت‏:‏ بأبي أنت وأمي يا رسول الله‏!‏ ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب؟‏ قال ‏:‏ أو قد رأيت ذلك يا سلمان‏؟‏ قال:‏ قلت:‏ نعم؛ قال‏:‏ أما الأولى فإن الله فتح علي بها اليمن؛ وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب؛ وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق‏.‏

أما الوضع الذي كان سائداً فهو الذي يصفه أحد الصحابة الكرام. قال:‏ وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير، أخو بني عمرو بن عوف:‏ كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.‏

هذا النوع من التحريض ورفع المعنويات هو من امستجدات الحربية للنبي صلى الله عليه وسلم. ولعل الدروس القرآنية هي مبشرات للمستقبل الزاهر. يقول تعالى: "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله".

وهذا أسلوب جديد لجأ إليه النبي عليه السلام بالتخذيل على الأعداء. قال:‏ ثم إن نعيم بن مسعود بن غطفان، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يا رسول الله‏:‏ إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة.‏

فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديماً في الجاهلية، فقال‏:‏ يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا:‏ صدقت، لست عندنا بمتهم؛ فقال لهم:‏ إن قريشاً وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحَولوا منه إلى غيره، وإن قريشاً وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأمواله ونسائهم بغيره، فليسوا كأنتم فإن رأوا نهَزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رُهُناً من أشرافهم، يكونوا بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمداً حتى تناجزوه؛ فقالوا له:‏ لقد أشرت بالرأي‏.‏

ثم خرج حتى أتى قريشاً، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش‏:‏ قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمداً، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت عليَّ حقاً أن أبلغكموه، نصحاً لكم، فاكتموا عني؛ فقالوا:‏ نفعل؛ قال:‏ تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه إنَّا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؟‏ فأرسل إليهم:‏ أن نعم.‏ فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً.‏

ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال‏:‏ يا معشر غطفان، إنكم أصلي وعشيرتي، وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني؛ قالوا‏:‏ صدقت، ما أنت عندنا بمتهم؛ قال:‏ فاكتموا عني؛ قالوا:‏ نفعل، فما أمرك؟‏ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.‏

فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل، في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم‏:‏ إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمداً، ونفرغ مما بيننا وبينه؛ فأرسلوا إليهم:‏ إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئاً، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثاً، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمداً حتى تعطونا رهناً من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمداً، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه‏.‏ فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان‏:‏ والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة:‏ إنا والله لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا؛ فقالت بنو قريظة:‏ حين انتهت الرسل إليهم بهذا‏:‏ إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم.‏ وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان‏:‏ إنا والله لا نقاتل معكم محمداً حتى تعطونا رهناً؛ فأبوا عليهم، وخذَّل الله بينهم.

وهكذا كان الأسلوب الذي اعتمده نعيم رضي الله عنه أسلوباً ناجحاً أقره عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا من الأساليب الجديدة في تلك الأيام.

والأسلوب الجديد أيضاً هو ما يسمى الدعاية المسلحة. فقد كان يلقي الرعب في نفوس من يريد أن يغزوهم. للذلك رأينا أن كثيراً من الغزوات كانت تمضي من غير قتال وتحقق أهدافها.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي من الأنبياء: جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، ولم يكن نبي من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه، وأعطيت الرعب مسيرة شهر يكون بيني وبين المشركين فيقذف الله الرعب في قلوبهم، وكان النبي يبعث إلى خاصة قومه وبعثت أنا إلى الجن والإنس، وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجئ النار فتأكله وأمرت أنا أن أقسمها في فقراء أمتي، ولم يبق نبي إلا أعطي سؤله وأخرت شفاعتي لأمتي" .

الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: الذهبي - المصدر: المهذب - الصفحة أو الرقم: 2/860
خلاصة حكم المحدث: فيه سالم مجهول , قاله أبو حاتم.

وجاء التأكيد في القرآن الكريم:" إني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان".

لاحظ أحد العسكريين الأمريكيين أساليب للنبي الكريم عليه السلام في الحرب، كانت جديدة بالنسبة للعرب. ومنها ما هو مهم الإضاءة عليه. لذلك وددت أن أنقلها بحرفيتها مع بعض الحذف، علماً أنني لست موافقاً عليها جميعاً. ولكني تركت للقارىء التقييم.

كتب محمد المنشاوي في تقرير واشنطن:

عرضت الدورية التاريخية "فصلية التاريخ العسكري" Military History Quarterly "
دراسة رئيسية حملت عنوان "محمد. العقلية العسكرية الفذة للمتمرد الأول Muhammad. the Ingenious Military Mind of the First Insurgent"، والمقصود هنا رسول المسلمين صلى الله علية وسلم.

والدورية متخصصة في الدراسات العسكرية التاريخية، ويقوم بقراءتها كبار رجال القوات المسلحة في الولايات المتحدة ممن لهم اهتمامات بالشئون التاريخية وانعكاساتها على الشئون العسكرية المعاصرة. وتوزع الدورية 22,200 نسخة، وهي من أقدم الدوريات المتخصصة في الشئون العسكرية ويكتب بها نخبة المؤرخين العسكريين الأمريكيين.

أما كاتب الدراسة فهو المؤرخ العسكري "ريتشارد جابريل Richard Gabriel " الذي عمل سابقا في جهات حكومية مختلفة في الولايات المتحدة وخدم في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA ، وله 41 كتابا، ويقوم الكاتب بالتدريس التاريخ والسياسة في الكلية الملكية العسكرية بكندا the Royal Military College of Canada.

تذكر الدراسة في مقدمتها أنه بدون عبقرية ورؤية الرسول محمد العسكرية الفذة ما كان ليبقى الإسلام ويصمد وينتشر بعد وفاة الرسول. وتدعي أيضا أنه وبرغم توافر الكثير من الدراسات العلمية عن حياة وإنجازات الرسول، إلا أنه لا توجد دراسة تنظر للرسول كأول جنرال عسكري في الإسلام وكمتمرد ناجح First Insurgent على حد التعبير الحرفي للدراسة.

وتقول الدراسة إن النظر للرسول محمد كقائد عسكري هو شيء جديد للكثيرين، حيث أنه كان عسكريا من الطراز الأول قام في عقد واحد من الزمن بقيادة 8 معارك عسكرية، وشن 18 غارة، والتخطيط لـ38 عملية عسكرية محدودة.

وتذكر الدراسة أن الرسول أصيب مرتين أثناء مشاركته في المعارك. ولم يكن الرسول محمد قائدا عسكريا محنكا وحسب، بل ترى الدراسة أنه كان "منظرا عسكريا" و"مفكرا إستراتيجيا" و"مقاتلا ثوريا". وتصف الدراسة الرسول محمد بأول من أوجد "عمليات التمرد Insurgency Warfare وحروب العصابات Guerrilla Warfare ، وكذلك بأول من مارس وطبق هذه الإستراتيجيات".

استخدم الرسول طبقا للدراسة كل ما كان متاحا من وسائل من أجل تحقيق أهدافه السياسية، واستخدم في هذا الإطار وسائل عسكرية وغير عسكرية (مثل بناء تحالفات، والاغتيالات السياسية، وتقديم الرشوة، والعفو، والإغراء الديني، إضافة إلى ما وصفته بالمجازر butchery)، وضحى الرسول أحيانا بأهداف قصيرة المدى من أجل تحقيق أهداف طويلة المدى.

وتشيد الدراسة بـ "أجهزة المخابرات" التي أنشأها وأدارها الرسول، والتي تفوقت على نظيراتها عند الفرس والروم أقوى إمبراطوريتين آنذاك. وترى الدراسة أن استراتيجيات الرسول يمكن وصفها بأنها جمع بين نظريات "كارل فون كلاوزفيتس Carl von Clausewitz ونيقولا ميكيافيلليNiccolò Machiavelli "وهما من أهم المنظرين العسكريين في التاريخ، حيث استخدم الرسول دائما القوة من أجل تحقيق مكاسب سياسية.

وتعزي الدراسة نجاح الرسول في إحداث تغيير ثوري في العقيدة العسكرية لما كان معروفا وسائدا في جزيرة العرب، لإيمانه بأنه مرسل من عند الله، وتشير إلى أنه وبفضل ذلك نجح في إيجاد أول جيش نظامي عربي قائم على الإيمان بنظام متكامل للعقيدة الإيديولوجية "الدين الإسلامي".

وتري الدراسة أن الرسول شكل القوات العربية المسلحة المتحدة التي بدأت غزواتها بعد عامين من وفاته، وكانت تلك القوات العربية المسلحة تجربة جديدة للجزيرة العربية ليس للعرب سابق عهد بها. وقدم الرسول طبقا للدراسة ثمانية مناهج إصلاحية عسكرية على الأقل كان لها أثر كبير في تغيير نوعي وشكلي في منظومة القوات المسلحة العربية.

وتدعي الدراسة أن الرسول كان أول ثوري في التاريخ، وقائد عظيم لحروب العصابات، قاد بنجاح أول تمرد عسكري حقيقي.

أوجد الرسول كما ترى الدراسة مفهوم الأمة، "الأمة المؤمنة God’s Community of Believers “ لتحل محل الولاءات القبلية والعائلية الصغيرة. ووفر مفهوم الأمة غطاء اجتماعيا للمجتمع العربي الجديد. وترى الدراسة أن هذا هو أهم إنجازات الرسول.
ترى الدراسة أن من متطلبات النجاح الأساسية وجود "النظام discipline" بين الأتباع. وتكون أتباع الرسول من مجموعات صغيرة من المؤمنين، وكان أفراد هذه المجموعات من ذوي المهارات الخاصة مثل خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح، كنماذج لقادة عسكريين ماهرين. وقدم هؤلاء المقربون للرسول النصح الإستراتيجي.

ترى الدراسة أن الرسول محمد أدرك أن حركة التمرد تتطلب لنجاحها قوات مسلحة قوية، وشعبا يدعم جيشه. وكان الرسول هو أول قائد في التاريخ يتبنى عقيدة سياسة خلاصتها "حرب الشعب. جيش الشعب People’s War, People’s Army " وذلك قبل تبني نفس العقيدة من قبل الجنرال الفيتنامي "فونجوان جياب" خلال حرب فيتنام.

كذلك تدعي الدراسة أن الرسول أوجد للمرة الأولى في التاريخ مفهوم "الحرب النفسية"، وان الرسول استخدم الإرهاب والمذابح من اجل إضعاف إرادة أعدائه عند الحاجة على حد تعبير الدراسة.

تدعي الدراسة أن الرسول نجح في خلق منظومة عسكرية متطورة هو شخصيا محورها الأساسي، إضافة إلى خلق هوية جديدة لا تفرق بين المواطن والمقاتل في إطار مفهوم "الأمة" الذي كان مفهوما ثوريا جديدا على القبائل العربية.

وترى الدراسة أن الرسول نجح في جعل الدين أهم مصدر للوحدة بين القوات العربية، وفاقت أهمية الدين أهمية عامل الدم والروابط القبلية المعرف أهميتها عند العرب. وفاقت أهمية الإيمان بالدين الجديد أهمية الروابط الأسرية للمرة الأولى في تاريخ العرب، مشيرة إلى أنه من المعروف تاريخيا أن رابطة الدم هي أهم ما كان يوحد بين بعض قبائل العرب.

تنهي الدراسة عرضها للأساليب العسكرية للرسول بالإشارة إلى مفهوم الجهاد. وترى الدراسة أن الجهاد في الإسلام جوهره الكفاح والتغلب على المصاعب، إلا أن المفهوم يساء تصنيفه في الغرب في زمننا المعاصر، ويتمحور حول مفهوم "الحرب المقدسة" فقط.

6 آب 2011 حسن ملاط

السبت، 30 يوليو 2011

الصيام

ونحن على أبواب رمضان، الشهر الذي تُصفد فيه الشياطين، إيذاناً بإمكانيتنا على فعل الخيرات من دون عوائق، سوف نتذكر سوية فوائد الصوم. فرمضان هو شهر الصوم.

نبينا صلى الله عليه وسلم صام صيامين، واحد قبل الفريضة وآخر بعد الفريضة. أما الصيام الذي مارسه قبل الفريضة، اختياراً، هو وصحابته ومن والاه من ربعه كأبي طالب وآل عبد المطلب، فكان قبولهم جميعاً بأن يعيشوا حياة الحصار في شعب أبي طالب. هذا الحصار الذي فرضه المشركون على المسلمين ومن والاهم، حتى يعودوا عن الدين القويم إلى الشرك الذي كانت عليه قريش. هذا الصيام لم يكن له قواعد الفريضة، إنما مقاومة عنيدة لا تلين لكل أشكال الإضطهاد التي ابتدعها المشركون ضد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن والاهم.

لقد انتصر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الصيام على أعدائه، وعاد إلى مكة منتصراً هو والأصحاب والأقارب.

صيام الفريضة لن أتكلم عنه في هذه المقالة.

هل من أحد صام صياماً ملفتاً متأثراً بصيام النبي عليه السلام؟

غاندي، زعيم الهند المشهور صام متأثراً بصيام المسلمين شركائه في الوطن. قال لمؤيديه:"سأقدم لكم سلاحاً فريداً لا تقدر الشرطة ولا الجيش على الوقوف ضده. انه سلاح النبي لكن لا علم لكم به. هذا السلاح هو الصبر والاستقامة ولا توجد قوة على وجه الأرض تستطيع الوقوف ضده".

اتخذ قراراً بخلعه ملابسه الانكليزية احتجاجاً على وجود الانكليز في الهند. فالمعروف ان مصانع النسيج الانكليزية كانت تعتمد بشكل رئيس على صادراتها للهند. وبنفس الوقت كانت هذه المنتوجات تشكل في الثلث الأول من القرن الماضي مصدراً رئيساً من مصادر الدخل الوطني البريطاني. وعندما اتبع الشعب الهندي زعيمه في خلع المنسوجات الانكليزية واعتماد الصناعات اليدوية الهندية لحياكة وصناعة الملابس أغلقت مصانع لانكستر أبوابها وتعرض الاقتصاد الانكليزي إلى هزة عنيفة فاضطر الانكليز إلى مفاوضة الوطنيين الهنود الذين حصلوا على امتيازات تراكمت شيئاً فشيئاً حتى أمكن لهم الخلاص من الاحتلال الانكليزي والاستفادة من خبراته في الوقت نفسه.

بعد أن صام عن استخدام المنتوجات البريطانية التي يمكن للهنود انتاجها، استخدم الصوم في النضال ضد الفرقة الطائفية التي أوجدها الإنكليز ما بين المسلمين والهندوس. كان غاندي يعلن على الملأ أنه سيصوم حتى الموت ما لم تتوقف الحوادث الطائفية المشينة ما بين مكونات الشعب الواحد. وقد انتصر في أحايين كثيرة.

وحيث أن الشيء بالشيء يُذكر، لم نتمكن حتى الآن من الإلتزام في الصوم عن المنتجات التي بثمنها تشتري إسرائيل الأسلحة لقتلنا، مثل منتجات نستلة أو سلسلة مطاعم ماغدونالد أو غيرها الكثير.

سوف نتحدث أيضاً عن صيام الميرزا محمد حسن النائيني أحد مجتهدي النجف الأشرف الذي اتخذ قراراً بالامتناع عن تدخين السجائر. سمي هذا الأمر واشتهر بـ"فتوى التنباك". وكان أغلب مقلدي الميرزا النائيني في إيران عندما كانت تحكم من قبل القاجاريين "والد الشاه". كانت شركة التنباك البريطانية على علاقة مع السلطة الحاكمة وبهذه الفتوى أسقط من يدها أحد الأسلحة التي كانت تستقوي بها على المجتمع الإيراني. وذلك بسبب إلتزام الناس بفتواه وبتقليده بامتناعهم عن التدخين.

ولا يخلو تاريخ أمتنا من الأمثلة التي يترك فيها الصيام أثراً محموداً في مقاومة شعبنا لأعدائه.

الإمام الخميني، بعد انتصار الثورة المباركة واتخاذ الإدارة الأمريكية وأتباعها من المجتمع الدولي بمحاصرة إيران الإسلامية، الدولة الفتية، اتخذ قراراُ بالصيام. لقد أعلن الإمام الخميني أنه سيصوم ثلاثة أيام ويفطر أربعة أيام. فما كان من الشعب المؤمن بثورته، وبقيادة الخميني إلا أن أعلن أنه سيصوم مثل صيام قائده. وسقط الحصار الأمريكي لأنه أفرغ من محتواه. أفرغه الشعب الإيراني وقائده الخميني من مضمونه، وجرت أمريكا أذيال الفشل.

الصيام له أهمية كبيرة إذا فكرنا بالإمكانات الكبيرة التي يتضمنها. وهل أهم من الصيام الذي يُعتبر لله تبارك وتعالى " أما الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".

تحية لرمضان ولكل من يريد أن يصل إلى المغفرة عبره.

30 تموز 2011 حسن ملاط

الثلاثاء، 26 يوليو 2011

كي تعود طرابلس إلى ذاتها!

كانت الظاهرة الحريرية عابرة في تاريخ بلدنا. ولم تكن لتعمر هذا العمر المديد، أكثر من عشر سنوات، لو لم يُقدر للرئيس رفيق الحريري أن يُقتل على الشكل الوحشي الذي جرى عليه الإغتيال. فهذا الإغتيال لعب دوراً كبيراً في إطالة عمر هذه الظاهرة على يد ابنه الرئيس سعد الحريري ومن حوله من جوقة المسبحين بحمده.

أسميتها عابرة، لأنها بجميع مكوناتها لم تكن مولوداً طبيعياً في بلدنا، إنما نزلت علينا من خارج. كما وأن الدور الذي أعطيه الرئيس رفيق الحريري كان أكبر بكثير من الدور الذي يمكن أن يلعبه أي رئيس لبناني. لماذا أعطي هذا الدور؟ أضف إلى ذلك أن الرئيس رفيق الحريري، حتى عندما كان خارج السلطة كان يُعامل من جميع الدول الأجنبية منها والعربية معاملة الرؤساء. ولا نعتقد أن دور لبنان على الصعيد العالمي هو الذي فرض هذا التعامل مع الرئيس رفيق الحريري.

إن أهمية الدور اللبناني تكمن بحكم جيرته للعدو الإسرائيلي الذي أفردت له (أي للعدو) الإدارة الأمريكية دوراً كبيراً بالقضاء على كل محاولة تحررية يقوم بها أي قطر عربي. وما أعطى أهمية قصوى للبنان هو وجود المقاومة الإسلامية التي تمكنت من الإنتصار على العدو الإسرائيلي في أيار 2000 وفي آب 2006 الإنتصار الذي حان وقت الإحتفال به هذا العام.

إن مناسبة هذا الحديث هو البدء بانطلاقة الحكومة الجديدة التي تحوي تمثيلاً استثنائيا لطرابلس. فالرئيس هو من أهل المدينة وإلى جانبه أربعة وزراء. وهذا التمثيل الغير مسبوق يمكن أن يعول عليه بإعادة طرابلس إلى ذاتها. فهذه المدينة الأصيلة لم تكن يوماً بحاجة إلى من يربط مسيرتها ببعدها القومي. ولكن ما حصل مع هذه المدينة أنها عاشت منذ ال2005 بسياق مناقض لجميع ما تعودته في تاريخها المديد. طرابلس كانت تتحرك تأييداً للقضية الفلسطينية والقضية الجزائرية وعدوان ال56 على السويس وحتى ضد العدوان على كوبا (خليج الخنازير)، ولن نتحدث عن الإحتفالات التي كانت تعمها عندما كانت المقاومة الإسلامية بعملية ناجحة ضد العدو الإسرائيلي.

بعد ال2005، جاء من يقطع طرابلس عن تاريخها. لم تقاوم لأنها عاشت هول جريمة الإغتيال لمن سايرها في مسيرتها ضد العدوان الإسرائيلي المستمر على أمتنا، نعني الرئيس رفيق الحريري ووقوفه مع المقاومة الإسلامية وتغطيته لها دولياً في محطات عديدة. ولكن ورثته، ليس بإرادته، قطعوا مع تاريخه النضالي، ولم تتنبه طرابلس لذلك. ولكن تماديهم ودوسهم على تاريخ المدينة الناصع جعلهم يتمادون، حتى أنهم لم يستحيوا من التحالف مع من أدين باغتيال أهم رجالاتها نعني الرئيس رشيد كرامي.

لم يعد بإمكان المدينة أن تستمر بما يريدون لها. لذلك لا بد للحكومة الجديدة أن تساعد هذه المدينة أن تعود لسابق عهدها الناصع بالإرتباط بأمتها وبجميع قضاياها. من أجل ذلك هناك بعض الأمور لا مناص من القيام بها، وهي على سبيل المثال لاالحصر:

1- إن القضية الأهم التي تؤرق أهل طرابلس والشمال هي موضوعة التبانة- البعل. هذه القضية لابد من حلها. والحل لا يكون بتدبيج الخطابات الجميلة، إنما تكون ب:

أ – إعمار ما تهدم على مر الجولات البائدة.

ب – إعمار شارع سوريا بحيث يعود إلى سابق عهده من الحركة الدائمة والإنتاج.

ج – إعادة تشغيل جميع الحرفيين الذين تركوا التبانة هرباً من قلة العمل أو تعطله نهائياً.

د – إقامة مشاريع تؤمن فرص عمل للعاطلين عن العمل في محيط التبانة البعل.

بالإضافة إلى إقامة أماكن تمكن الأهل أن يجدوا متنفساً لهم، مثل الحدائق العامة والملاعب للشباب والأطفال...

2 – إعادة الحركة إلى أسواق طرابلس المشلولة، خاصة ونحن على أبواب رمضان، شهر الخير والبركات.

3 – إيجاد مشاريع تمكن أهل هذه المدينة من التمتع بفرص عمل. فطرابلس حسب الأمم المتحدة هي الأفقر في لبنان. كما وأن نسبة الأمية هي الأكثر أيضاً.

4 – لا أريد أن أعدد الكثير من الإقتراحات، ولكن ما أريد التأكيد عليه هو أنه من دون خطوات عملية تقوم بها هذه الحكومة، يمكننا أن نؤكد أن طرابلس لن تتمكن من أن تعود إلى ذاتها.

التحدي هو أن يتمكن الطاقم الحكومي الطرابلسي من أن يساعد طرابلس في التعبير عن ذاتها.

26 تموز 2011 حسن ملاط