بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

السبت، 20 أبريل 2013

المبادىء الكبرى لتعليم القراءة


                            المبادىء الكبرى لتعليم القراءة
حسن ملاط
بات الأمر معروفاً، فقد أصبح ما يسمى ب"علم القراءة" حقيقة علمية نتيجة الكشوفات العلمية الكبيرة في مجال معرفة الدماغ. الدوائر الدماغية الكبرى أصبحت محددة، وكيفية عملها في طريق المعرفة. كما ويوجد مخططات للهندسة العصبية التي تنتج مظاهر متعددة من السلوك المتعلق بالقراءة وتعلمها. يمكن القول أن هناك آلية دماغية تختفي وراء كل قارىء.
هل يمكن القول أن هناك طريقة واحدة لتعليم القراءة؟ كلا يجيب بعض المهتمين بتعليم القراءة. ولكن هناك فريقاً آخر يرى أن الطريقة المندوبة لتعليم القراءة والتي تستجيب لآلية عمل الدماغ، هي الطريقة التي تعتمد التعليم المباشر للحروف وأصواتها. الفريق الأول يؤكد أنها الطريقة الأفضل بدون أي تحفظ، ولكنه لا يستثني الطرق الأخرى.
ستانسلاس دوهايين، صاحب كتاب "تعليم القراءة" و "الخلايا العصبية للقراءة" يقول بأن الطريقة التركيبية والطريقة التحليلية مقبولتان في تعليم القراءة شرط تعليم العلاقة بين الروسم والصوتم. ولكن صاحبنا تجاوز عن جميع التجارب العملية والتي أثبتت، إحصائياً، أن الطريقة التركيبية هي التي تؤدي إلى النتائج الإيجابية في تعليم القراءة، سواء كان الوسط السكاني فقيراً أم ميسوراً.
ثم يقول بأن هدفه متواضع، ليس إدخال الطريقة لتعليم القراءة، إنما عرض قائمة من المبادىء التربوية التي إذا طُبقت بشكل منهجي، سوف تسهل تعليم القراءة. يضيف أن هذه المبادىء ليست ثورية، ولكن الكثير من المعلمين سيحكمون عليها بأنها طبيعية. كما وأن هذه القائمة ليست محصورة، أي يمكن إضافة مبادىء أخرى إذا أظهرت التجارب صحتها.
حديثنا هذا يختص بالروضات، وخاصة الكبرى والصف الأول بشكل رئيسي والصف الثاني جزئياً. ذلك أن الطريقة التي نتبعها تجعل الطفل في نهاية الصف الأول قارئاً، ومن دون أي تحفظ.
المبدأ الأول: تعليم الحروف الهجائية بشكل مباشر وظاهر explicite وليس بشكل ضمني implicite
الحروف في اللغة العربية والفرنسية تعبر عن أصوات. وهي تُكتب من اليمين في العربية ومن اليسار في الفرنسية. وهذه الحروف تُسمى رواسم وترتبط بصوتها الذي يُسمى صوتم. في الفرنسية الصوتم من الممكن أن يأتي من اندماج عدة حروف وهذا يُسمى الروسم المركب.
أ‌-       اتصال الروسم – الصوتم: في العربية هذا التعليم أسهل بسبب الحركات التي يُدرس الحرف مع حركته مباشرة. أما في الفرنسية فتعليم voyelles سهل لأنها تمثل أصواتاً. ولكن الصعب هو تعليم consonnes لأنها ساكنة. يمكن تجاوز هذه الصعوبة بتقنية الكلمات التي تنتهي بحرف ساكن مثال تلفظ l كما في الكلمة nul وهكذا. على كل حال ما يجعل هذا التعليم ممكناً هو تعلم الطفل بجدارة كيفية ربط الرواسم والصواتم، لأنها الطريقة الوحيدة التي تتيح للطفل قراءة كلمات جديدة.
ب‌-   دمج الأحرف أو الرواسم: على الطفل أن يعلم أن الحرف يُقرأ تبعاً للحركة، وأن الحركة تدخل على جميع الرواسم. أما في الفرنسية فعلى الطفل أن يعلم أن voyelles تدخل على جميع ال consonnes والعكس يصح أيضاً. كذلك مع الصواتم المركبة مثل on و ou و in و en ...
ت‌-   حركة الأحرف: على الطفل أن يدرك أن تغير مكان الروسم أو الصوتم يغير الكلمة والصوت أيضاً. مثال: pa و ap أو pi po pu ...إلخ. يمكن استخدام الحروف المتحركة من أجل سرعة فهم الطفل، أو الحروف الممغنطة...
ث‌-   معرفة الإتجاه: فالقراءة بالعربية تبدأ من اليمين. أما بالفرنسية، فهي تبدأ من اليسار. وهذه فكرة مهمة من أجل توجيه نظر الطفل. فالتعود على هذه الفكرة المكانية تؤدي إلى تسريع القراءة.
ج‌-    التمييز للحروف المتقابلة: q p و b d . الطفل الذي لا يجيد القراءة لا يعرف التمييز بين هذه الحروف، كما أن دماغ الطفل غير مهيأ لمعرفة التمييز بينها. وما يزيد الأمر صعوبة هو صعوبة التمييز بينها باللفظ. لذلك علينا اللجوء إلى الكتابة لتمييز هذه الحروف التي نسميها: lettres en miroir.
المبدأ الثاني: مبدأ التدرج المنطقي
وهذا يختص باللغة الأجنبية أكثر منه بالعربية. حيث أن الرواسم (المؤلفة من حرف واحد أو أكثر) تلفظ بطرق مختلفة مثال ذلك: ca و ce و ch . فإذا اتخذنا قراراً بتعليمه هذه الرواسم بشكل مبكر، فهذا يعني وكأننا أخذنا قراراً بتشويش ذهن الطفل. لذلك وجب أن يكون هناك تدرجاً منطقياً بتعليم الرواسم والصواتم.
أ‌-        انتظام العلاقة روسم – صوتم: علينا تعليم العلاقة روسم – صوتم بالنسبة لانتظامها إحصائياً. الأكثر انتظاماً نعلمها أولاً مثال v فهي تُلفظ دوماً بنفس الطريقة وليس الحرف g الذي يُلفظ بطريقتين مختلفتين.
إن الأطفال الذين يجيدون العلاقات المنتظمة بين الرواسم والصواتم يجيدون بسرعة أكثر العلاقات غير المنتظمة irregulier، شريطة أن يكون التعليم بشكل مباشر explicite.
ب‌-    تردد الرواسم والصواتم: المقصود هو ضرورة تعليم الرواسم التي تتردد في اللغة أكثر من غيرها، لضرورة تعلم الكلمات. وهذا في العربية والأجنبية.
ت‌-    سهولة لفظ consonne عندما تكون وحدها: علينا تعليم الحروف الصامتة التي يمكن لفظها مثل: f و ch وليس حرف l أو b مثلاً.
ث‌-    تعقيد البنية المقطعية: من الصعب قراءة مقطع فيه العديد من الأحرف الصامتة مثل strict لذلك يجب أن يكون التعليم: CV ثم VC ثم CVC ثم CCV ثم CCCV ...           C تعني consonne و V تعني voyelle .
ج‌-     عدم إمكانية الفصل في الرواسم المعقدة: علينا أن نعلم الطفل أن هذه الرواسم هي وحدة لا يمكن فصلها مثل: en an au eau ... لذلك علينا إظهارها بنفس اللون أو على أنها كتلة غير منفصلة في الأحرف المتحركة: lettres mobiles  .
ح‌-     الأحرف الصامتة muette: هذا تعقيد إضافي، لذلك فبعض الكتب حلت هذا الإشكال بكتابة الأحرف التي لا تُلفظ بخط هافي، وذلك حتى يعلم الطفل ضرورة عدم لفظها.
خ‌-     يقترح دو هايين ضرورة تعليم الطفل الكلمات التي تتردد كثيراً، حتى وإن كانت غير منتظمة. وهذا يعني حفظه لهذه الكلمات وليس قراءتها لأنها تتناقض مع مبدأ القراءة.
د‌-       دور أجزاء الكلمة: وهو مهم في تسهيل معاني الألفاظ في الفرنسية. فعندما نجزىء الكلمة إلى مكوناتها يسهل الوصول إلى المعنى: incomparable فالجذر الذي يحمل المعنى: compare أما in و able فهي morphemes حُملت معنىً معيناً. هكذا يمكن للطفل أن يدخل إلى المعنى سريعاً.
المبدأ الثالث: التعلم النشط الذي يربط القراءة والكتابة
إن تشكيل الكلمة وكتابتها يسهل القراءة على مستويات متعددة. ففي الفرنسية يوجد صعوبات في الإملاء ناتجة من حيث أن العلاقة بين الروسم والصوتم ليست دائماً بسيطة. فهناك الكثير من الكلمات كتابتها غير منتظمة. نقول يكفي أن ينتبه الطفل إلى الكلمات الكثيرة الإستعمال مثل : sept  dix  est … وبعض الرواسم المعقدة مثل eau  tion… حتى يتمكن من أن يتجاوز صعوبات الكتابة المعقدة نسبياً.
كما أن الدراسات أثبتت أنه عندما يستخدم الطفل الأحرف المتحركة ويكتب في الفضاء وهو مغمض العينين ثم يمرر  يديه على الأحرف النافرة، تصبح الإملاء سهلة، لأن العلاقة روسم – صوتم تكون قد سهلت.
على كل حال، علينا أن نبدأ بالكلمات التي لاتحوي عدم انتظام. حتى نصل إلى الكلمات المعقدة.
المبدأ الرابع: مبدأ الإنتقال من الواضح explicite إلى المضمر implicite
تسهيل آلية القراءة السريعة، أي الإنتقال من القراءة البطيئة الواعية، مع مجهود إلى قراءة سريعة وسلسة. عندما تصبح القراءة آلية ينتقل الطفل إلى التفكير في المعنى.
فتعليم القراءة يتضمن مرحلتين:
الأولى: التعليم الواضح explicite ، وتكون في السنة الأولى عندما يتعلم علاقة الروسم – الصوتم.
الثانية: التعلم المتضمن implicite والذي يمتد لعدة سنوات حيث يتقن المتعلم جميع القواعد. ينتهي مفعول هذه المرحلة بقدر ما يقرأ المتعلم. فكثرة القراءة هي التي تختصر هذه المرحلة. فعلى الأهل والمدرسة أن يتعاونا ليصبح ابنهم قارئاً. وذلك بتخصيص نصف ساعة من المطالعة اليومية، وهذا يتطلب تأسيس مكتبة للطفل في البيت. أما المدرسة فتطلب من الأطفال تمارين شفهية وكتابية يومية، تقرير عن مطالعة الطفل، إنشاء مكتبة في الصف بحيث يتعود الطفل على أخذ كتاب للمطالعة، أو الإطلاع على الكتب لاختيار أحدها...
المبدأ الخامس: الإختيار المنطقي للأمثال والتمارين
الأمثال والتمارين التي يطرحها المدرس على الطفل يجب أن تكون منتقاة بعناية، بحيث يكون المعيار المنطقي لهذا الإختيار يتناسب مع مستوى الطفل. فالطلب يجب أن يتضمن كلمات يفهمها الطفل، بحيث يستوعب المطلوب القيام به بسهولة تامة.
أ‌-       العلاقة مع ما يتعلمه الطفل: يجب أن تكون الكلمات مشكلة من الرواسم والصواتم التي تعلمها الطفل، وليس بالكلمات التي يحفظها كمرحلة أولى. لذا علينا الإبتعاد عن الكلمات غير المنتظمة.
ب‌-   إبعاد الأخطاء: يجب عدم كتابة كلمات مغلوطة لأن الطفل سيحفظها. يمكننا إختيار كلمات غير موجودة لتعليم الطفل الفروقات بين بعض الرواسم المتشابهة. مثال b و d فنكتب boule و doule فالثانية لا معنى لها.  أو مثل موجود balle و dalle .
ت‌-   التمييز بين صوت الحرف وإسم الحرف: هذا ما يقترحه دو هايين. أما أنا فلا أوافق على هذا الكلام، حيث علينا تعليم الحرف كما يمر معنا فقط. ولكن لا ماتع بعد أن يتقن الطفل القراءة أن نعلمه أسماء الحروف.
ث‌-   علينا باستمرار تغيير الأمثال والتمارين، وذلك حتى لا يتعود الطفل على أن يحل هذه التمارين بشكل آلي. فالعمل الآلي لا يساعد الطفل على تعلم القراءة ولا على إتقان اللغة.
المبدأ السادس: الإلتزام النشط بين الإنتباه والفرح
الأبحاث العصبية المتعلقة بالتعلم تمكنت من استخلاص قواعد بسيطة تعدل السرعة وقوة الحفظ. يوجد على الأقل ثلاثة عوامل تلعب دوراً أساسياً.
أ‌-       الإلتزام النشط للطفل: الطفل السلبي لا يتعلم إلا نادراً، أو لا يتعلم أبداً. المعارف الراهنة تقول بأن الطفل حتى يتعلم عليه أن يكون متحفزاً، مهتماً ونشطاً. لذلك علينا تحفيز الطفل بسؤال أو تمرين عليه هو أن يجد الإجابة. كما أنه يجب علينا التنبيه إلى أن السؤال يكون من مستوى التلميذ، أي لا تتعذر الإجابة عليه.
ب‌-   الإنتباه: علينا أن نفتح التلميذ على أفق واسع نوحي للطفل أنه سينفتح عليه في حال الإهتمام الجدي بتعلم القراءة.
ت‌-   الفرح: ما يسهل التعلم هو مكافأة الطفل على مجهوده الذي يقوم به. وعلينا التنبيه أن المكافأة المجانية غير مفيدة. إن شعور الطفل بأنه ينال الإعجاب والتقدير سوف يضاعف جهوده. علينا الإبتعاد عما يحبط الطفل. فالخطأ من الطفل لا يكون سبباً لإحباطه. ولكن نقوم بتصحيح الخطأ بروحية أن كلاً منا معرض أن يخطىء، ولكن علينا تصحيح الخطأ والإنتباه أكثر. فالوقوع بالخطأ طبيعي.
المبدأ السابع: التكيف مع مستوى الطفل
المعلم الجيد هو الذي يعرف مستوى أطفاله والذي يطرح لهم تحديات تتلاءم مع إمكاناتهم. ثم ينقلهم إلى مستوى أعلى. وهكذا يكون الطفل مسؤولاً عن تعلمه.
في حال تعلم الأطفال تشكيل الكلمات، لا مانع من نقلهم إلى مستوى أعلى، وإلا سيصابون بالضجر وبعدم الإهتمام بما يطرحه المعلم لأنه لا يثير اهتمامهم. فالمتعلم هو الذي يحدد مسيرة المعلم في الصف.
من هنا ضرورة التقييم المستمر، عندها يمكن للمعلم أن يلائم إيقاعه مع الكفايات التي اكتسبها التلاميذ. وبذلك يتمكن أيضاً من تشخيص الصعوبات التي تعترض تعلم الأطفال. ولا بأس من تعويد الأطفال على "التقييم الذاتي". هذه الممارسة لها انعكاسات إيجابية جداً على تعلم الأطفال، حيث أنها تؤكد استقلالية الطفل. وبذلك تنمي شخصيته. وقد ركزنا كثيراً على أن تنمية شخصية الطفل هي شرط للتعلم. هكذا أثبتت نتائج التحليل النفسي عند الأطفال، هذا العلم الحديث نسبياً.
إن ما تقدم يفرض أن يكون الصف مشكل من أطفال متشابهي المستوى والقدرات. ونعني بذلك أن يكونوا من أوساط متجانسة.
هل تعلمون أنه يمكننا وبكل حرية أن نطلب من الطفل أن يختار التمرين الذي يريد أن يحله؟ من أهم ما يتركه هذا العمل من انعكاسات هو خلق التفاعل واللحمة في صفنا. أليس هذا شرطاً للعمل الجماعي في صفوفنا؟ كما أنه مطلوب من أجل تأكيد استقلالية الطفل وتنمية شخصيته.




الأحد، 14 أبريل 2013

حول القراءة


                                          حول القراءة
حسن ملاط
يقول الفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه، في مقالة له بعنوان " التربية المستنيرة على التعلم لم تزل في طور الطفولة" نشرها في جريدة لوموند الفرنسية: " ما أنا علي يقين منه هو أن التربية (في المدارس الفرنسية) تعتاش على صور وأفكار خاطئة. فنحن مررنا بانعطاف حاد في السبعينات قضى بالتخلي عن تربية تقوم على نقل المدرس علماً يمتلكه إلى متعلم أو تلمـــيذ يتلقى هذا العلم، وحل محل هذه التربية نــهج نشط يولي التلميذ دوراً فاعلاً في بناء معارفه وصوغـــها. وهـــذا الانقــلاب لا عودة عنه، ولا رجعة فيه. ولكننا استعجلنا الأمور من غير روية. وحسبنا أن الانقلاب وهبنا مفاتيح سيرورات التعلم والوقائع. والحقيقة أننا لا نعلم شيئاً تقريباً من طبيعة التعلم وعملياته. وما نعلمه جنيني وغامض. والصندوق الأسود (الدماغ) لا يزال مغلقاً، ولم تكشف أسراره بعد". ثم يتساءل: " ما العمل لكي تصبح الدراسة جذابة ويقبل عليها التلامذة؟".  ويضيف: " فعلى سبيل المثال، نعرف أن مجموعة الكلمات التي يعرفها الطفل عامل راجح في تعلمه القراءة وتيسيرها، وأن مرونة القراءة والكتابة والحساب تكتسب من طريق عمليات آلية أو تلقائية، أي من طريق التدريب والتمرين"... " وما لا نعرفه إلا على سبيل التخمين هو تجربة الطفل الحقيقية وما يفهمه منها. فما ينشده الطفل، ولا يدركه على نحو واضح، هو رغبته في أن يصبح أو يصير راشداً مستقلاً بنفسه. وقد لا يؤدي إلى هذه الحال ما نحسبه ســـعادة الولد المباشرة والراهنة. وقد تكون نظرة الأهل إلى طفلهم من أعصى الأمور التي على المؤسسة المدرسية معالجتها. فالأهل يثقل عليهم قبول اكتساب المهارة بواسطة الجهد". وينهي مقالته قائلاً: " والاضطلاع بالتعليم والإقبال على مهنة التدريس، أمر محير. فهي مهنة تقتضي من صاحبها القيام بأدوار قلما تجتمع في شخص واحد: عليه أن يكون رائد فريق، وممثلاً، وبصيراً بنفوس أفراد صفه. وإلى هذا، عليه أن يلم إلماماً دقيقاً بمواد تدريسه. وهي مهنة تعنى بإنسانية الإنسان، وترعى جهد الولد في سبيل بلوغه رشده".
والمهارة في القراءة هي العامل الحاسم في تعلم الطفل مختلف مواد المنهاج المدرسي.
ماذا نفعل حتى نقرأ؟ في العشرين سنة الأخيرة، تقدمت الدراسات العلمية حول الدماغ والقراءة، بخطاً سريعة. علم النفس الإختباري والتصوير الدماغي أوضحا كيفية تعرف الدماغ على الكتابة وكيف تغير (الدماغ) خلال هذا التعلم. أصبح الآن ممكناً التحدث عن علم حقيقي للقراءة. والمؤسف حقاً هو عدم معرفة هذه العلوم من الجمهور المعني مباشرة بهذه العلوم، عنينا الأهل والمعلمين.
هذه المحاضرة هي حتى نضع في متناول المعلمين والأهل المعارف العلمية التي تتعلق بعلم الأعصاب المعرفي المتعلق بكيفية تعلم القراءة. وهذا ما صرف العلماء عقوداً من البحوث حتى تمكنوا من اكتشافه، والذي يحاول المعلمون بواسطة التجربة والخطأ الوصول إليه. المعلمون، الخبراء الأوائل بمعرفة غرفة الصف، يعرفون قوانين التفكير والنمو وأسس الإنتباه والذاكرة. ونحن نطمع أن يعرف الأهل كيف يعمل دماغ أبنائهم حتى يساعدوا المدرسة على الإنتاج والإبداع.
هناك فكرة مستجدة يتحدث عنها مؤلف كتاب "الخلايا العصبية للقراءة" ستانيسلاس دوهايين، وهي أن معرفة آلية عمل الدماغ لا تفرض طريقة معينة لتعليم القراءة أو تمارين محدودة للمساعدة في تعليم القراءة، ولكنه يتحدث عن ترك الحرية للطفل والمعلم بابتداع الطريقة التي يريد. ولكنه في مكان آخر من كتابه الجديد" تعليم القراءة" "Apprendre à lire”"  يقول في الصفحة 104: "لم نكن لنكتب هذا الكتاب لو لم يكن هناك عشرات من الدراسات قد أوصلت إلى استنتاجات صلبة والتي تؤكد أن تعليم الصوتمية phonologie وعلاقة الصوتم الروسم هي الطريقة الأكثر فعالية في تعلم القراءة. إنها تقود إلى تقدم أسرع من الطرق التربوية الأخرى في تعليم القراءة أو تعلمها، والتي لا تثير انتباه الأولاد إلى الحروف والأصوات. إن طريقة التعليم الهجائية (التركيبية) هي التي تدوم أكثر من الطريقة التحليلية. كما أن الإختبار قد أعطى نتيجة ضرورة تعلم كتابة الحروف...".
كيف يتعلم الدماغ القراءة؟
ما هي الكتابة؟ الكتابة تشبه الشيفرة السرية التي تحجز الأصوات. وكما كل الشيفرات علينا تعلمها. القارىء المُجيد هو من يعرف تفكيك هذه الشيفرة. في اللغة العربية، كل حرف مع حركنه يدل على صوت معين، ولكن التعقيد يأتي من حيث أن الحرف له أشكال مختلفة. أما في الفرنسية فكل صوت له حرف مقابل أو أكثر من حرف. كما أن هناك نفس الحرف يُلفظ بشكل مختلف: مثال abri و absent مثال آخر agenda و enfant.
كيف يعمل الدماغ قبل القراءة؟
القراءة ليست نشاطاً طبيعياً للطفل. الكتابة هي اختراع حديث نسبياً في تاريخ الإنسانية حتى يتمكن (هذا الإختراع) من التأثير على تطور دماغنا. فبكثير من الجهد تمكن الإنسان من إعادة تأهيل مناطق من دماغه حتى أصبح قارئاً خبيراً. دارون كان قد لاحظ أن القراءة هي نشاط صعب ومستحدث وأنه ليس كالكلام.
أثبتت التجارب العلمية أن الجزء الأيسر من الدماغ هو المسؤول عن تعلم القراءة. وأن هذا الجزء هو المسؤول عن تمييز أصوات اللغة الأم خلال عدة أشهر. فابتداءً من الشهر السادس يصبح الطفل حساساً للغته الأم بحيث يمكنه التمييز بين أصواتها. كما وأن الطفل بعمر السنتين يمكنه أن يميز إن كانت الكلمة تنتمي إلى لغته الأم أو لا. وخلال السنة الثالثة يمكنه التمييز بين الإسم والفعل. ويمكنه أيضاً معرفة أهمية ترتيب الجملة: فعل، فاعل... هذه المعرفة ليست واعية، فهو لا يعرف أنه يعرف.
حتى يتعلم القراءة على الطفل أن يعرف أنه يعرف. عليه أن يكون واعياً لبنية اللغة المحكية: الكلمة، الصوتم...
يوجد منطقة في الدماغ تختص بالكلمات المكتوبة:
قراءة الكلمة لا تتشابه مع تسمية شيء ما. قبل تعلم القراءة، جميع الكلمات تتشابه، خربشة على صفحة بيضاء. معرفة الكلمة المكتوبة يتطلب معالجة مختصة. حتى يتعلم الطفل تفكيك رموز الكلمات المكتوبة، هناك منطقة من الدماغ يجب أن تتخصص بهذا النشاط، لأن هذه الأشياء المرئية هي من نموذج جديد. التغير الرئيس الذي تفرضه القراءة يوجد في المنطقة اليسرى من الدماغ، في مكان محدد يدعى "مساحة الشكل المرئي للكلمات". بقدر ما تتطور القراءة تتطور هذه المنطقة من الدماغ. القراءة تعيد تهيئة الدماغ لتقبل التغيرات الضرورية للقراءة في القشرة الدماغية والخلايا الدماغية. وفي حال تلفت هذه المنطقة من الدماغ تصبح القراءة مستحيلة.
ما هي الفروقات الأخرى بين المتعلم والأمي؟
تبين في المختبر أن منطقة الرؤية في الدماغ تكون متطورة عند القارىء ولا تكون كذلك عند الأمي.
في النتيجة، القراءة تعني تنمية تواصل فعال بين رؤية الحروف وتحويلها إلى أصوات. هذا التواصل يجلب إفراط في الدقة لنظام الرؤية.
تركيز الإنتباه إلى الأصوات:
تركيز الإنتباه إلى أن اللغة المحكية مؤلفة من أصوات أصلية وبسيطة (صواتم) يدعى الوعي الصوتمي. هذا الوعي يعتبر المهارة الأساسية التي تؤدي لتعلم الطفل القراءة.
في البداية، يتنبه الطفل الذي لم يتعلم القراءة، إلى الكلمة بمجملها. ولكن، مع تعلمه القراءة يتنبه الطفل إلى أن الكلمة تتألف من مقاطع، ثم إلى أن المقاطع تتألف من صواتم بسيطة.
إن تعلم القراءة يجب أن يبدأ بتنمية الوعي الصوتمي، وهذا يبدأ في الروضة. هذه المرحلة تعتبر المفتاح لتعلم القراءة. لقد بينت الأبحاث أن التركيز على تنمية الوعي الصوتمي ضروري جداً لتعلم القراءة. لذلك على المعلمة أن تقوم بكثير من التمارين التي تنمي هذا الوعي. فالتمييز بين الأصوات يوجه المساحات الدماغية المختصة بالقراءة إلى التطور بحيث يتمكن الطفل من القراءة.
رؤية الحروف والرواسم:
في الرؤية، كما في السمع، يتنبه الطفل، قبل القراءة، إلى الكلمة بمجملها. فهو لا يتنبه إلى المقاطع، ثم إلى الرواسم، سواء كانت بسيطة أو مركبة. من هنا ضرورة تعليم الطفل وتنبيهه إلى أن الكلمة تتألف من حروف بسيطة ومركبة وبأن جميع الكلمات تتألف من هذه الحروف، وأن الكتابة تبدأ من اليمين أو من اليسار تبعاً للغة التي ندرسها. وهذا ما ينتج " علبة الحروف" في الدماغ. ألم نقل أن تعلم القراءة يستدعي إعادة تأهيل الدماغ recyclage. وعلينا التنبيه أن تعلم الحروف لا يكفي، فهناك ضرورة لتعلم الطفل العلاقة بين الرواسم والصواتم.
لقد أظهرت الإختبارات التربوية أن تعليم الطفل، بشكل واضح ومباشر، للعلاقة بين الروسم والصوتم هي الطريقة التي تؤدي إلى تعلم الطفل القراءة بشكل سريع. كذلك الإنتقال إلى القراءة الواعية السريعة تستدعي هذه الطريقة في التعليم.
كما أن التصوير الدماغي، اظهر أن هذه الطريقة تؤدي بشكل سريع إلى تنشيط المساحة الدماغية المسؤولة عن القراءة. كما أظهرت أن تعليم الطفل للكلمات بشكلها المجمل، لم يغير المساحات الدماغية المسؤولة عن القراءة. فهي تنشط قليلاُ في القسم الأيمن، علماً أن القسم الأيسر من الدماغ هو المسؤول عن القراءة.
إن ترك تعليم القراءة بالطريقة المجملة، وتركيز الإنتباه إلى مكونات الكلمة، هي مرحلة ضرورية في التعلم.
نلخص فنقول: حتى يتعلم القراءة، على الطفل أن يتنبه إلى أن الحروف تمثل أصواتاً في جميع الكلمات التي يتعلمها. كما وأن التعليم المنهجي للعلاقة روسم- صوتم هي التي تسرع التعلم.
الأحرف المتقابلة
هذه مشكلة لا بد من حلها، لأن الطفل الذي لم يتمرس على القراءة يخلط بين هذه الأحرف، وهذا يعود إلى عدم تأهيل الدماغ على التفريق بين هذه الحروف. إذ أن هذا يتطلب تدريباً للمساحة المسؤولة عن رؤية الأشياء في الدماغ. من هنا يخلط الطفل بين ن وب وت عندما تكون الأحرف متصلة أو بين p و q كما وبين b و d.
الطريقة لحل هذا الإشكال تقوم على الكتابة سواء في الفضاء أو على الدفتر أو اللوح. فحركات الكتابة تبين للطفل الفروقات بين هذه الحروف، وليس هناك حل آخر.
الطفل كقارىء جيد
القراءة تتطلب من الطفل جهوداً جبارة، فعليه تحليل الكلمة إلى مقاطع وحروف، ثم إعادة تركيبها حتى يحول الرواسم إلى صواتم أي أصوات. ولكن هذا لا يمنع الطفل من أن يصبح قارئاً جيداً، خاصة بعد إعادة تأهيل المناطق الدماغية الخاصة بالإبصار ومن ثم بالقراءة.
باختصار شديد، القراءة تتطلب جهداً هائلاً ينشط جميع الروافد العقلية عند الطفل.  كما أن آلية القراءة ضرورية لتحرير الذاكرة والإنتباه من العمل. والوقت الذي يستغرقه الطفل للقراءة هو الذي يمكننا من قياس الكفايات عنده. وعندما تصبح القراءة آلية، تستقل عن عدد الأحرف في الكلمة.
صعوبات تعلم القراءة "ديسلاكسي" dyslexie
الديسلاكسي هي تشوه عصبي بيولوجي مبكر، ذو أصول وراثية على الأغلب. والأطفال المصابون لا تتنشط عندهم المنطقة الدماغية الصدغية اليسرى المسؤولة عن القراءة. وتعليم الأطفال المصابين الهادىء والمركز بواسطة الطريقة صوتم – روسم يؤدي إلى تصحيح لهذه التشوهات. علينا استبعاد عامل السمع والرؤية قبل التحدث عن الديسلاكسي.
القراءة في وسط غير محظي أو فقير
مع أن تعلم القراءة هو رهان أساسي بالنسبة لمجتمعنا، إلا أن هناك عدداً كبيراً من التلامذة، حتى في الصفوف المتوسطة، لا يتقنون القراءة. والسبب يعود إلى طريقة تعليم القراءة في الصفوف الأولى. كما وأن أكثرية هؤلاء تنتمي إلى الطبقة المتوسطة أو الفقيرة.
هناك عوامل عديدة، أرجو التنبه لها.
1 – العائلات الفقيرة، أو غير الميسورة، تملك لغة غير غنية بالمفردات والتركيبات المختلفة.
2- كفايات هذه العائلات محدودة على صعيد الصوتمة. وهذا عامل أساسي في تعلم القراءة.
3 – لا وجود للألعاب التي تختص بالكلمات والغنى اللغوي.
إن تراكم هذه العوامل، مضافاً غليها العوامل الوراثية تؤدي إلى الصعوبات في تعلم القراءة الغير مرضية.
يضاف إلى ما تقدم عاملان أساسيان، هما عدم ثقافة الأم التربوية، وعدم وجود كتب في البيت. هذان العاملان يعكسان عدم تأقلم العائلة مع اللغة المكتوبة.
الحل يقوم على نوع من التربية المختصة، تقوم على تكثيف التمارين الصوتمية، على الألعاب اللغوية وخاصة التركيز على التعبيرالشفهي (أي إعطاء الطفل وقتاً للتعبير عن نفسه بحرية، وتشجيعه على ذلك). يضاف إلى ما تقدم، إغناء ملكتهم اللغوية من الكلمات والتعابير.
أخيراً، يبقى أن نتحدث في لقاء آخر، عن المبادىء الكبرى لتعليم القراءة.
شكراً لحسن استماعكم. والآن إلى الأسئلة والملاحظات.