بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الخميس، 25 نوفمبر 2010

التغيير الحكومي في لبنان (مجدداً)
عندما نقول أن الظروف الراهنة مؤاتية لفرض تغيير حكومي من قبل الأغلبية الجديدة (المعارضة سابقاً) في مجلس النواب اللبناني، فهذا لا يعني مطلقاً أن الظروف تبقى مؤاتية إلى ما لا نهاية. فالظروف هي مجموعة عوامل تتفاعل ما بين بعضها البعض لينتج عـنها عامل جديد. أما إذا كان من ضرورة لمساعدة هذا العامل على الوجود، ولم تحصل هذه المساعدة، فهذا العامل الجديد لا يظهر إلى الوجود.
لقد قلنا في مقالة سابقة أن الظروف أصبحت مؤاتية لتغيير حكومي، وحيث أن القوى المنوط بها القيام بهذا التغيير لم تقم بذلك، أصبح لزاماً علينا إعادة درس الظروف التي تساعد على هذا التغيير أو تمنعه. ففي المقالة السابقة قلنا أن العامل الأهم المساعد على التغيير هو أن الساحة السنية لم تعد موحدة وراء الرئيس سعد الحريري. ولكن هذا العامل لا يمكن تثبيته إلى ما شاء الله. فمثل هذه العوامل تكون زئبقية نتيجة حساسية الظروف اللبنانية، لا سيما أن هناك عملاً مستمراً على التوتير المذهبي تقوم به الإدارة الأمريكية وأعوانها من أطراف الرابع عشر من آذار. وحيث أن الأطراف الأخرى ليست منزهة عن الإنجرار إلى هذا النوع من التجييش، فيصبح بإمكاننا أن نتصور مدى حساسية الوضع وعدم الإطمئنان إلى استمرار التغير (في الساحة السنية) وخاصة إذا كان يتعلق بالشعور الغريزي المذهبي أو الطائفي.
ماو تسي تونغ في إحدى مقالاته يقول أن على الحزب الثوري أن تكون له الجرأة على استلام السلطة وأن تكون له الجرأة على الإحتفاظ بها. وأعتقد أنه محق بهذا الكلام. المعارضة في لبنان التي أصبحت أكثرية الآن ليس لها الجرأة على استلام السلطة. في نفس الآن يتصرف الطرف الآخر كما يحلو له بالموضوع المفصلي الذي يقوم عليه الوضع الراهن اللبناني، أعني به مسألة القرار الظني الذي سيصدر عن المحكمة الدولية المسيسة، والتي لا يمكنها أن تكون إلا مسيسة. والتسييس لا يأتي نتيجة التسريبات المخابراتية الإسرائيلية، التي تصب الزيت على نار التوتير بين الأطراف الطائفية اللبنانية، ولكن التسييس يأتي من حيث طبيعة هذه المحكمة، التي يسيطر عليها أطراف المجتمع الدولي المعادون لمقاومة الشعب اللبناني، وأصدقاء لأعداء لبنان والعرب والمسلمين، نعني إسرائيل. المعارضة لا تريد رئيساً لحكومة لبنان إلا سعد الحريري، وهذا الأخير أعلن أنه لن يتخلى عن المحكمة الدولية إلا بعد صدور القرار الظني. وهو يستخدم جميع مكامن قوته في هذا المجال، فهو يعتمد على تأييد أمريكي وأوروبي مشروط بعدم تفاهم الحريري مع حزب الله وهذا ما يتم في الواقع. أما المعارضة التي عليها أن تمنع التعامل مع القرار الظني من قبل الحكومة اللبنانية لا تقدم على هذه الخطوة الضرورية. هذا مع العلم أن هذه الخطوة دستورية ولا تشوبها شائبة.
نحن كنا في السابق نتهم الرئيس الحريري بالمماطلة لأن المماطلة لصالحه. ولكن المماطلة تتم الآن من قبل أطراف المعارضة وهي ليست لصالحها، خاصة أن مسألة استصدار القرار الظني ترتبط بمدى إمكانيته على تأمين أكبر قدر من الأذى للمقاومة وحزب الله. فهل الإنتظار يكون لصالح القوى الحية في المجتمع اللبناني؟
إن الظرف التاريخي هو مسألة على قدر كبير من الأهمية في علوم المجتمع. فاقتناص هذه الفرصة يكون النقطة الجوهرية بإمكانية استحداث تغيير ناجح. كما أن عدم اقتناص الفرصة يمكن أن يؤدي إلى حروب أهلية لا يعرف نتيجتها إلا الله. وحيث أن لبنان لا يتحمل مثل هذه الحروب، لأنها ليست ضرورية، فلماذا لا يتم التغيير بالطريقة الدستورية، التي لا يمكن لأحد الإعتراض عليها. إن خارطة مجلس النواب اللبناني تظهر أن الأكثرية أصبحت تميل لصالح المعارضة. لماذا لا يجري هذا التغيير الحكومي الذي يرفض المحكمة الدولية ومفاعيلها التي ستفرض على المجتمع اللبناني من قبل أطراف المجتمع الدولي. وبعد ذلك نترك الأمور تسير في لبنان على وتيرة الخلافات اللاعنفية بين مختلف القوى.
تبقى نقطة لا بد من الإشارة إليها، وهي التحجج بالمبادرة السورية السعودية. نحن كنا ولا نزال من مؤيدي هذه المبادرة. ولكن حيث أن كل المؤشرات تُظهر أن هذه المبادرة مجمدة نتيجة ظروف معروفة (مرض العاهل السعودي) وأخرى مجهولة (ميزان القوى الداخلي في السعودية نتيجة صراع الأطراف المختلفة)، فإن الإنتظار سوف يكون كارثياً بالنسبة لأطراف المعارضة اللبنانية. قلنا ولا نزال نقول أن الظروف في لبنان لا يمكن لأحد أن يحكم تغيرها وتطورها، كما لا يمكن لأحد أن يحكم تطورها، من هنا ضرورة اقتناص الفرصة المؤاتية، وهي مؤاتية الآن. ولكن لا يمكننا التأكيد أنها ستكون مؤاتية بعد أسبوع من الآن. مع التأكيد أننا نتحدث عن تغيير سلمي في السلطة.
25 تشرين الثاني 2010 حسن ملاط

الثلاثاء، 23 نوفمبر 2010

من سيرة المصطفى – 15 –
واصبر على ما أصابك: خط المقاومة
قال تبارك وتعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: " واصبر وما صبرك إلا بالله".( النحل 127 )
يقول تبارك وتعالى: "فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل عليهم" (الأحقاف 35 )
ويقول أيضاً: "واصبر إن الله مع الصابرين" (الأنفال 46 )
ويقول تعالى: "واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً" (المزمل 10)
و يقول أيضاً: "واصبر صبراً جميلاً، إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً" (المعارج 5 )
ويقول تعالى: "وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" (العصر 3 )
ويقول أيضاً: "وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة" ( البلد 17 )
ويقول تبارك وتعالى: "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله" (آل عمران 200 ).
وقال تعالى أيضاً: "فاصبر، إن وعد الله حق" (غافر 77 ).
ما هو وعد الله؟
يقول عز وجل: " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم" (المائدة 9 )
ويقول أيضاً: " وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار" (التوبة 68)
ويقول أيضاً: " جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب" (مريم 61)
ويقول أيضاً: " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجراً عظيماً" (الفتح 10)
ويقول أيضاً: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون". (النور 55 )
فالصبر إذن الذي أمر الله نبيه به والمؤمنين، نتيجته مضمونة: الإستخلاف والجنات. أما الصبر في الدنيا فمن الممكن أن يكلف المؤمن حياته كما حصل مع سمية أم عمار بن ياسر.
كيف صبر النبي والذين آمنوا معه؟
غداة بعثته، صلى الله عليه وسلم، تحدث مع ورقة بن نوفل. وورقة هذا هو من الأحناف، ثم من الذين تنصروا ونالوا الدرجات العلى في صفوف النصارى، وهو من الذين قرأوالكتب. فقد عرف ورقة أن ما بُشر به نبينا عليه السلام هو حمل عظيم، يستدعي الكثير من الصبر والمصابرة. جاء في السيرة المطهرة لابن هشام: "فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف، صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال:‏‏ يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال له ورقة:‏‏ والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، وقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصراً يعلمه، ثم أدنى رأسه منه، فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منـزله"‏‏.‏‏
وهكذا فقد بشره ورقة بن نوفل ومنذ البداية أنه سيُكُذَب أولاً ثم سيُؤذى ثانياً. ليس هذا فحسب بل سيُطرد من بلده وسيُحارب أيضاً. إذن الحمل ثقيل ويتطلب الرجال الرجال. ولكن نبينا عليه الصلاة والسلام والذين آمنوا معه، هم أهل لهذه المهمة التي ارتضوها لأنفسهم.
جاء في سيرة المصطفى لابن هشام: " قال ابن إسحاق:‏‏ ثم إن قريش اشتد أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ سفهاءهم، فكذبوه وآذوه، ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مظهر لأمر الله لا يستخفي به، مباد لهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم كفرهم".‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، قال‏‏:‏‏ قلت له‏‏:‏‏ ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يُظهرون من عداوته؟‏‏ قال‏‏:‏‏ حضرتهم، وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا:‏‏ ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا‏‏:‏‏ فبينا هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏.‏‏
قال:‏‏ ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ ثم مر الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف، ثم قال:‏‏ أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح.‏‏ قال‏‏:‏‏ فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفَؤُه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول:‏‏ انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولاً‏‏.‏‏
قال‏‏:‏‏ فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم؛ فقال بعضهم لبعض:‏‏ ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه‏‏.‏‏ فبينما هم في ذلك طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به، يقولون:‏‏ أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم؛ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ نعم، أنا الذي أقول ذلك‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه‏‏.‏‏
قال‏‏:‏‏ فقام أبو بكر رضي الله عنه دونه، وهو يبكي ويقول‏:‏‏ أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟‏‏ ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً نالوا منه قط‏‏.‏‏
ولم يترك القرشيون النبي عليه الصلاة والسلام. قال ابن هشام:‏‏ حدثني بعض أهل العلم ‏:‏‏ أشد ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش أنه خرج يوماً فلم يلقه أحد من الناس إلا كذبه وآذاه، لا حر ولا عبد، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منـزله، فتدثر من شدة ما أصابه، فأنزل الله تعالى عليه‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ يا أيها المدثر، قم فأنذر ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ حدثني رجل من أسلم، كان واعية:‏‏ أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا، فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره؛ فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومولاة لعبدالله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن ‏سعد بن تيم بن مرة في مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فعمد إلى ناد من قريش عند الكعبة، فجلس معهم.‏‏
وكان السفهاء من قريش يلاحقون النبي بقصد إيذائه. وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسبنديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً فذكَّر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال‏‏:‏‏ أنا والله يا معشر قريش، أحسن حديثاً منه، فهلم إلي، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار، ثم يقول:‏‏ بماذا محمد أحسن حديثا مني؟‏‏
وجاء في رواية أخرى: والنضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي، كان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً، فدعا فيه إلى الله تعالى وتلا فيه القرآن، وحذر فيه قريشاً ما أصاب الأمم الخالية، خلفه في مجلسه إذا قام، فحدثهم عن رستم السنديد، وعن أسفنديار، وملوك فارس، ثم يقول‏‏:‏‏ والله ما محمد بأحسن حديثاً مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين، اكتتبها كما اكتتبتها‏‏.‏‏
وأمية بن خلف من عتاة قريش كان يؤذي النبي عليه السلام أيضاً: وأمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، كان إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم همزه ولمزه قال ابن هشام:‏‏ الهمزة‏‏:‏‏ الذي يشتم الرجل علانية، ويكسر عينيه عليه، ويغمز به‏‏.‏‏
وجاء عند ابن هشام عن أذية النبي صلى الله عليه وسلم: ولقي أبو جهل بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - فقال له:‏‏ والله يا محمد، لتتركن سب آلهتنا، أو لنسبن إلهك الذي تعبد‏‏.‏‏
وأبي بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، وعقبة بن أبي معيط، وكانا متصافيين، حَسَناً ما بينهما‏‏.‏‏ فكان عقبة قد جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه، فبلغ ذلك أبياً، فأتى عقبة فقال له:‏‏ ألم يبلغني أنك جالست محمداً وسمعت منه، قال:‏‏ وجهي من وجهك حرام أن أكلمك - واستغلظ من اليمين - إن أنت جلست إليه أو سمعت منه، أو لم تأته فتتفل في وجهه.‏‏ ففعل ذلك عدو الله عقبة بن أبي معيط لعنه الله.‏‏
ومشى أبي بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم بال قد ارْفتَّ، فقال‏‏:‏‏ يا محمد، أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرمّ، ثم فتَّه في يده، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ نعم، أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعدما تكونان هكذا، ثم يدخلك الله النار.‏‏
واعترض رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهو يطوف بالكعبة - فيما بلغني - الأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمي، وكانوا ذوي أسنان في قومهم، فقالوا:‏‏ يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيراً مما نعبد، كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيراً مما تعبد، كنت قد أخذت بحظك منه‏‏.‏‏ فأنزل الله تعالى فيهم:‏‏ ‏‏(‏‏ قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم‏‏.‏‏ ولا أنتم عابدون ما أعبد.‏‏ لكم دينكم ولي دينِ ‏‏)‏‏ أي إن كنتم لا تعبدون الله، إلا أن أعبد ما تعبدون، فلا حاجة لي بذلك منكم، لكم دينكم جميعاً، ولي ديني.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وكان النفر الذن يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته‏‏:‏‏ أبا لهب، والحكم بن العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدي بن حمراء الثقفي، وابن الأصداء الهذلي؛ وكانوا جيرانه لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص، فكان أحدهم - فيما ذكر لي - يطرح عليه صلى الله عليه وسلم رحم الشاة وهو يصلي، وكان أحدهم يطرحها في بُرْمته إذا نُصبت له، حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجراً يستتر به منهم إذا صلى، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طرحوا عليه ذلك الأذى، كما حدثني عمر بن عبدالله بن عروة بن الزبير، عن عروة بن الزبير، يخرج به رسول الله صلى الله عليه وسلم على العود، فيقف به على بابه، ثم يقول‏‏:‏‏ يا بني عبد مناف، أي جوار هذا!‏‏ ثم يُلقيه في الطريق.‏‏
هل اكتفى المشركون بأذية النبي صلى الله عليه وسلم؟ كلا فقد بادروا إلى أذية المؤمنين الذين صبروا على الإضطهاد كما فعل نبينا عليه الصلاة والسلام.
آذى المشركون النبي عليه السلام وكان معه أبو بكر. فماذا فعلوا بأبي بكر: قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني بعض آل أم كلثوم بنت أبي بكر، أنها قالت‏‏:‏‏ لقد رجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه، مما جبذوه بلحيته وكان كثير الشعر‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ثم ان الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء، وقريش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين.
ولكن هذا الأذى لم يترك أثراً سلبياً على الدعوة. لذلك استمر المشركون بأذاهم: " قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ثم إن قريشاً تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم، ويفتنونهم عن دينهم".
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ثم إنهم عدوا على من أسلم، واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، من استضعفوا منهم، يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يُفتن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يصلب لهم، ويعصمه الله منهم.‏‏
وكان بلال، مولى أبي بكر رضي الله عنهما، لبعض بني جمح، مولَّداً من مولديهم، وهو بلال بن رباح، وكان اسم أمه حمامة ، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح يخُرجه إذا حميت ‏الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له‏‏:‏‏ لا و الله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى؛ فيقول وهو في ذلك البلاء‏‏:‏‏ أحد أحد‏‏.‏‏
وصبر بلال لأن الدعوة إلى الله الواحد الأحد تستدعي الصبر والتضحية.
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني هشام بن عروة عن أبيه، قال:‏‏ كان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب بذلك، وهو يقول:‏‏ أحد أحد؛ فيقول‏‏:‏‏ أحد أحد والله يا بلال، ثم يقبل على أمية بن خلف، ومن يصنع ذلك به من بني جمح، فيقول:‏‏ أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حناناً، حتى مر به أبو بكر الصديق ابن أبي قحافة رضي الله عنه يوماً، وهم يصنعون ذلك به، وكانت دار أبي بكر في بني جمح، فقال لأمية بن خلف‏‏:‏‏ ألا تتقي الله في هذا المسكين‏‏؟‏‏ حتى متى؟‏‏ قال:‏‏ أنت الذي أفسدته فأنقذه مما ترى؛ فقال أبو بكر:‏‏ أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيكه به؛ قال:‏‏ قد قبلت، فقال‏‏:‏‏ هو لك‏‏.‏‏ فأعطاه أبو بكر الصديق رضي الله عنه غلامه ذلك، وأخذه فأعتقه.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر، وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول، فيما بلغني:‏‏ صبراً آل ياسر، موعدكم الجنة.‏‏ فأما أمه فقتلوها، وهي تأبى إلا الإسلام‏‏.‏‏
وصبر آل ياسر جميعاً، وموعدهم في الجنة كما قال النبي عليه السلام.
وكان أبو جهل الفاسق الذي يُغري بهم في رجال من قريش، إذا سمع بالرجل قد أسلم، له شرف ومنعة، أنَّبه وأخزاه‏‏.‏‏ وقال‏‏:‏‏ تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ولَنُفيِّلَنّ رأيك، ولنضعن شرفك؛ وإن كان تاجراً قال‏‏:‏‏ والله لنُكسدنّ تجارتك، ولنهلكن مالك؛ وإن كان ضعيفاً ضربه وأغرى به‏‏.‏‏
غاب عن ذهن أبي جهل أن هذه الدعوة أغلى من التجارة ومن المال.
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير، قال‏‏:‏‏ قلت لعبدالله بن عباس:‏‏ أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟‏‏ قال‏‏:‏‏ نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجُيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له؛ آللات والعزى إلهك من دون الله؟‏‏ فيقول‏‏:‏‏ نعم، حتى إن الجُعَل ليمر بهم، فيقولون له‏‏:‏‏ أهذا الجعل إلهك من دون الله‏‏؟‏‏ فيقول‏‏:‏‏ نعم، افتداءً منهم مما يبلغون من جهده‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم:‏‏ لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه.‏‏
فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام.‏‏
فكان جميع من لحق بأرض الحبشة، وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغاراً وولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلاً، إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلداً أصابوا به أمناً وقراراً، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبدالمطلب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم، و بني المطلب، على أن لا يُنكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً، ولا يبتاعوا منهم؛ فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم، وكان كاتبَ الصحيفة منصورُ بن عكرمة بن عامر ابن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي - قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال‏:‏‏ النضر بن الحارث - فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشُلّ بعض أصابعه‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم و بنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب، فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه، وخرج من ‏بني هاشم أبو لهب، عبدالعزى بن عبد المطلب، إلى قريش، فظاهرهم‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وحُدثت أنه كان يقول بعض ما يقول:‏‏ يعدني محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يديّ بعد ذلك؟‏‏ ثم ينفخ في يديه ويقول:‏‏ تباً لكما، ما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد.‏‏ فأنزل الله تعالى فيه:‏‏ ‏‏(‏‏ تبت يدا أبي لهب وتبَّ ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ ‏
وجاء في الروض الأنف للسهيلي: وذكر ما أصاب المؤمنين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشعب من ضيق الحصار لا يبايعون ولا يناكحون وفي الصحيح أنهم جهدوا حتى كانوا يأكلون الخبط وورق السمر حتى إن أحدهم ليضع كما تضع الشاة وكان فيهم سعد بن أبي وقاص.
روي أنه قال "لقد جعت، حتى إني وطئت ذات ليلة على شيء رطب فوضعته في فمي وبلعته، وما أدري ما هو إلى الآن" وفي رواية يونس أن سعداً قال: خرجت ذات ليلة لأبول فسمعت قعقعة تحت البول فإذا قطعة من جلد بعير يابسة فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها ثم رضضتها، وسففتها بالماء فقويت بها ثلاثاً. وكانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئاً من الطعام لعياله فيقوم أبو لهب عدو الله فيقول يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئاً، فقد علمتم ما لي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن أن لا خسار عليكم فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافاً، حتى يرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع وليس في يديه شيء يطعمهم به ويغدو التجار على أبي لهب، فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس حتى جهد المؤمنون ومن معهم جوعاً وعرياً.
وثبت المؤمنون على إيمانهم، فالتجارة مع الله هي الرابحة دوماً.
وقد كان أبو جهل بن هشام - فيما يذكرون - لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، معه غلام يحمل قمحاً يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه في الشعب، فتعلق به وقال‏‏:‏‏ أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟‏‏ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة‏‏.‏‏
فجاءه أبو البَخْتري بن هشام بن الحارث بن أسد، فقال:‏‏ ما لك وله‏‏؟‏‏ فقال:‏‏ يحمل الطعام إلى بني هاشم؛ فقال له أبو البختري‏‏:‏‏ طعام كان لعمته عنده بعثت إليه فيه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها!‏‏ خلّ سبيل الرجل؛ فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ له أبو البختري لَـحْي ‏بعير فضربه به فشجه، ووطئه وطأً شديداً، وحمزة بن عبدالمطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فيشمتوا بهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك يدعو قومه ليلاً ونهاراً، و سراً وجهاراً، مبادياً بأمر الله لا يتقي فيه أحداً من الناس.‏‏
إن المرء ليستحيي مما كان يحصل مع النبي عليه السلام ومع المسلمين، ومما يحصل اليوم، حيث أن الصبر أصبح من الأقاصيص التي يُستمع إليها من دون أن تترك أثراً ذا أهمية.
يضيف ابن هشام: فجعلت قريش حين منعه الله منها، وقام عمه وقومه من بني هاشم، وبني المطلب دونه، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به، يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه، وجعل القرآن ينـزل في قريش بأحداثهم، وفيمن نصب لعداوته منهم، ومنهم من سمّى لنا، ومنهم من نزل فيه القرآن في عامة من ذكر الله من الكفار، فكان ممن سمّي لنا من قريش ممن نزل فيه القرآن عمه أبو لهب بن عبد المطلب وامرأته أم جميل بنت حرب ابن أمية، حمالة الحطب، وإنما سماها الله تعالى حمالة الحطب، لأنها كانت - فيما بلغني - تحمل الشوك فتطرحه على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يمر، فأنزل الله تعالى فيهما: ‏ (‏‏ تبت يدا أبي لهب وتب ، ما أغنى عنه ماله وما كسب ، سيصلى نارا ذات لهب ، وامرأته حمالةَ الحطب ، في جيدها حبل من مسد ‏‏).
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فذُكر لي:‏‏ أن أم جميل‏‏:‏‏ حمالة الحطب، حين سمعت ما نزل فيها، وفي زوجها من القرآن، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق، وفي يدها فِهْر من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت‏‏:‏‏ يا أبا بكر، أين صاحبك‏‏؟‏‏ فقد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إني لشاعرة، ثم قالت:‏‏
مذمماً عصينا وأمره أبَيْنا
ودينه قَلَيْنا
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا ‏في عام واحد، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الإسلام، يشكو إليها؛ وبهلك عمه أبي طالب، وكان له عضداً وحرزاً في أمره، ومنعة وناصراً على قومه، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين‏‏.‏‏
فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه تراباً.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، قال‏‏:‏‏
لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التراب، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها:‏‏ لا تبكي يا بُنيِّة، فإن الله مانع أباك‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ و يقول بين ذلك:‏‏ ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه، حتى مات أبو طالب‏‏.‏‏
بعد وفاة أبي طالب وخديجة واستقواء قريش عليه سعى النبي عليه السلام إلى الطائف لعله يجد النصرة من ثقيف. فماذا وجد في الطائف؟
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل، فخرج إليهم وحده.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال‏‏:‏‏ لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة:‏‏ عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه؛ فقال له أحدهم:‏‏ هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك؛ وقال الآخر‏‏:‏‏ أما وجد الله أحداً يرسله غيرك!‏‏ وقال الثالث:‏‏ والله لا أكلمك أبداً‏‏.‏‏ لئن كنت رسولاً من الله كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك.‏‏ فقام رسول الله صلى عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذكر لي - ‏‏:‏‏ إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغَ قومَه عنه، فيُذْئِرهم ذلك عليه.‏‏ فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد ‏ إلى ظل حَبَلة من عنب، فجلس فيه.‏‏ وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - المرأة التي من بني جمح، فقال لها:‏‏ ماذا لقينا من أحمائك؟‏‏
فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - فيما ذكر لي - اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟‏‏ إلى بعيد يتجهمني؟‏‏ أم إلى عدو ملكته أمري؟‏‏ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنـزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.‏‏
وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة.
قال ابن إسحاق:‏‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المسجد، فجلس إليه المستضعفون من أصحابه:‏‏ خباب، وعمار، وأبو فكيهة يسار مولى صفوان بن أمية بن محرث، وصهيب، وأشباههم من المسلمين، هزئت بهم قريش، وقال بعضهم لبعض‏‏:‏‏ هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى والحق!‏‏ لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقنا هؤلاء إليه، وما خصهم الله به دوننا.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وكان العاص بن وائل السهمي - فيما بلغني - إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:‏‏ دعوه، فإنما هو رجل أبتر لا عقب له، لو مات لانقطع ذكره واسترحتم منه.
قال ابن إسحاق:‏‏ ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - بالوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وبأبي جهل بن هشام، فهمزوه واستهزءوا به، فغاظه ذلك.‏‏ فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من أمرهم:‏‏ ‏‏(‏‏ ولقد استهزىء برسل من قبلك ، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ ‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله تعالى صابراً محتسباً، مؤدياً إلى قومه النصيحة على ما يلقى منهم من التكذيب والأذى و الاستهزاء‏‏.‏‏ وكان عظماء المستهزئين، كما حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، خمسة نفر من قومهم، وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم‏‏.‏‏
لم يكتف النبي عليه السلام بدعوة قومه إلى الدين العظيم، بل كان يدعو جميع القبائل إبان المواسم.
قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني حسين بن عبدالله بن عبيد الله بن عباس، قال‏‏:‏‏ سمعت ربيعة بن عباد، يحدثه أبي، قال:‏‏ إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول:‏‏ يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي، وتصدقوا بي، وتمنعوني، حتى أُبين عن الله ما بعثني به.‏‏
قال:‏‏ وخلفه رجل أحول وضيء، له غديرتان، عليه حلة عدنية‏‏.‏‏ فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه، قال ذلك الرجل‏‏:‏‏ يا بني فلان، إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، ولا تسمعوا منه‏‏.‏‏
قال‏‏:‏‏ فقلت لأبي:‏‏ يا أبت، من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول‏‏؟‏‏ قال:‏‏ هذا عمه عبدالعزى بن عبدالمطلب، أبو لهب.‏‏
لم يكتف النبي بالصبر على صدود قريش فقط بل راح يدعو القبائل إذعاناً لأمر الله تبارك وتعالى ”قم فأنذر".
قال ابن إسحاق:‏‏ حدثنا ابن شهاب الزهري‏‏:‏‏ أنه أتى كندة في منازلهم، وفيهم سيد لهم يقال له‏‏:‏‏ مُليح، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه، فأبوا عليه‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن حصين‏‏:‏‏ أنه أتى كلباً في منازلهم، إلى بطن منهم يقال لهم‏‏:‏‏ بنو عبدالله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول لهم‏‏:‏‏ يا بني عبدالله، إن الله عز وجل قد أحسن اسم أبيكم، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني بعض أصحابنا عن عبدالله بن كعب بن مالك‏‏:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليهم رداً منهم‏‏.‏‏ ‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم - يقال له:‏‏ بَيْحرة بن فراس‏‏.‏‏ قال ابن هشام:‏‏ فراس بن عبدالله بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة - ‏‏:‏‏ والله، لو أني أخذت هذا الفتى من قريش، لأكلت به العرب، ثم قال:‏‏ أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟‏‏ قال:‏‏ الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء؛ قال:‏‏ فقال له‏‏:‏‏ أفتُهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا!‏‏ لا حاجة لنا بأمرك؛ فأبوا عليه.‏‏
وكأني بفراس هذا يعيش في أيامنا هذه يريد أن يتاجر حتى في الدعوة إلى الله، والعياذ بالله!
ولم تسلم النساء من أذى عتاة قريش. وصبرن كما صبر النبي عليه السلام.
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فحُدثت عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت:‏‏ لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه، أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم؛ فقالوا‏‏:‏‏ أين أبوك يا بنت أبي بكر‏‏؟‏‏ قالت‏‏:‏‏ قلت‏‏:‏‏ لا أدري والله أين أبي‏‏؟‏‏ قالت:‏‏ فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشا خبيثاً، فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي‏‏.‏‏
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوّج عتبة بن أبي لهب رقية، أو أم كلثوم‏‏.‏‏ فلما ‏بادى قريشاً بأمر الله تعالى وبالعداوة، قالوا:‏‏ إنكم قد فرَّغتم محمداً من همه، فردوا عليه بناته، فاشغلوه بهن.‏‏
فمشوا إلى أبي العاص فقالوا له‏‏:‏‏ فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت؛ قال:‏‏ لا والله، إني لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش‏‏.‏‏
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه في صهره خيراً، فيما بلغني.‏‏ ثم مشوا إلى عتبة بن أبي لهب، فقالوا له:‏‏ طلق بنت محمد ونحن نُنكحك أي امرأة من قريش شئت؛ فقال:‏‏ إن زوجتموني بنت أبان بن سعيد بن العاص، أو بنت سعيد بن العاص فارقتها.‏‏
فزوجوه بنت سعيد بن العاص وفارقها، ولم يكن دخل بها، فأخرجها الله من يده كرامة لها، وهواناً له، وخلف عليها عثمان بن عفان بعده.‏‏
ولم يسلم الذين من خارج مكة من الأذى. فهذه قريش تعتقل سعد بن عبادة عندما عرفت أنه أسلم لله. قال‏‏:‏‏ ونفر الناس من منى، فتنطَّس القوم الخبر، فوجوده قد كان، (خبر إسلام الأنصار) وخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر، والمنذر بن عمرو، أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وكلاهما كان نقيباً.‏‏ فأما المنذر فأعجز القوم؛ وأما سعد فأخذوه، فربطوا يديه إلى عنقه بِنِسْع رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه، ويجذبونه بجُمَّته، وكان ذا شعر كثير‏‏.‏‏
وبعد أن فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، هل فرغ المسلمون من الصبر؟ هذه بنت رسول الله تصبر على أذى قريش لها، عندما أرادت أن تهاجر وأراد المشركون أن يمنعوها من الهجرة.
فلما فرغت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهازها قدَّم لها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها بعيراً، فركبته، وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهاراً يقود بها، وهي في هودج لها‏‏.‏‏
وتحدث بذلك رجال من قريش، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذى طُوى، فكان أول من سبق إليها هبَّار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى، والفهري؛ فروّعها هبار بالرمح وهي في هودجها، وكانت المرأة حاملاً - فيما يزعمون - فلما ريعت طرحت ذا بطنها.
حتى المؤمنين في المدينة صبروا صبراً جميلاً. فالذين جُرحوا يوم أحد يواصلون الجهاد مع النبي عليه السلام. قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني عبدالله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان:‏‏ أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بني عبدالأشهل، كان شهد أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏‏:‏‏ شهدت أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي أو قال لي:‏‏ أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟‏‏ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أيسر جرحاً، فكان إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.‏‏
حتى النبي عليه السلام الذي دعا إلى الجهاد كان من عداد الجرحى في أحد.
قال ابن إسحاق:‏‏ وانكشف المسلمون، فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص، أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدُثّ بالحجارة حتى وقع لشقه، فأصيبت رباعيته، وشج في وجهه، وكلمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال‏‏:‏‏
كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وشج في وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول‏‏:‏‏ ‏‏"‏‏ كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم، فأنزل الله عز وجل في ذلك:‏‏ ‏‏"‏‏ ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ‏‏"‏‏ .
قال ابن هشام:‏‏ وذكر ربيح بن عبدالرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري:‏‏ أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبدالله بن شهاب الزهري شجه في جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون، وهم لا يعلمون.
أما في الخندق فقد أصاب المسلمين خوف شديد. قال:‏ وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير، أخو بني عمرو بن عوف:‏ كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.‏
وصبر المسلمون رغم الموقف الشديد. قال ابن إسحاق:‏ ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تبعهم من بنى كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نقمي، إلى جانب أحد.‏ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم.‏
و يصبر المسلمون والنبي عليه السلام على أذى اليهود الذين أرادوا أن يكون أذاهم للمسلمين في أحلك أيامهم: فلم يزل حيي بكعب (زعماء يهود) يفتله في الذروة والغارب، حتى سمح له، على أن أعطاه عهداً من الله وميثاقاً‏:‏ لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمداً أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك‏.‏ فنقض كعب بن أسد عهده،(عهده مع رسول الله عليه السلام)، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏
هذه صور من الصبر الذي مارسه المسلمون خلال الدعوة إلى الله. هل كان الصبر من أجل الصبر، والدعوة من أجل الدعوة؟ أم أن هذه الدعوة تغير المجتمع بالشكل الذي يؤمن سعادة الإنسان فيه. لقد وعى الأوائل كنه هذه الدعوة. فهذا هانىء بن قبيصة يرى أن هذه الدعوة يكرهها الملوك: قال هانيء بن قبيصة للنبي صلى الله عليه وسلم، ناعتاً له دعوته: وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه هو مما تكرهه الملوك.
لقد كان وعد الله للمؤمنين بالاستخلاف، والتمكن واضحاً من خلال القرآن الكريم. فالعمل الدؤوب الذي قام به المسلمون بقيادة نبينا عليه الصلاة والسلام، كان واضح الأهداف، وخاصة من خلال الصحيفة التي كتبها النبي في المدينة، والتي تحدثنا عنها في إحدى الحلقات: بناء مجتمع لا ظلم فيه ولا تظالم. لقد عبر بوضوح نبينا عليه السلام أنه إذا دُعي بحلف الفضول لأجاب. وهذا الحلف ينص على نصرة المظلوم والتأسي بالمعاش. هل يمكن أن يؤدي هذا الحديث إلى ظالم ومظلوم كما حدث عندما تم التخلي عن الآتجاه النبوي بإقامة النظام الإسلامي، أعني الملك العضوض.
إن الصبر الذي علينا ممارسته هو ذلك الذي يؤدي إلى حكومة تؤمن الحياة الهنيئة للناس على كافة المستويات، المادية والنفسية والإجتماعية. هذه الحياة التي نؤجر عليها في الحياة الآخرة بالجنة. فالدين هو معطىً إلهي لسعادة الإنسان في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
23 تشرين الثاني 2010 حسن ملاط

الأحد، 14 نوفمبر 2010

من سيرة المصطفى – 14 –
يا أيها المدثر، قم فأنذر
تحدثنا في المقالة السابقة عن الأمر الرباني لنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، "إقرأ باسم ربك الذي خلق". وسواء كان أمراً أم نداءً، فنحن سنطيع. ولكن نتساءل هل أن الأمر موجه للنبي عليه السلام وحده، أم أنه موجه لأمة سيدنا محمد عليه السلام. نحن نميل إلى أنه موجه لنا جميعاً. فالنبي عليه السلام أجاب جبريل "ما أنا بقارىء" وفي الثالثة أجابه "ما أقرأ". وحيث أن النبي عليه السلام ليس بقارىء، فالمقصود إذن من النداء الإلهي القراءة بمعناها الواسع، قراءة الكون. ولكنها قراءة بنوعية جديدة، قراءة باسم الله، تختلف عن جميع القراءات التي سبقتها، حتى تلك التي كان يمارسها محمد قبل أن يكون نبياً. لقد تساءلنا ما الذي كان يفعله محمد في غار حراء قبل أن يرسله الله للناس كافة بشيراً ونذيراً. والسؤال يحمل صفة المشروعية لأن رسولنا كان يعيش مع الناس في أماكن عملهم وفي أماكن تجمعهم، كما وأنه يحمل ميزات لا يحملها غيره. عندما جاءه جبريل عليه السلام وغطه المرات الثلاث، حتى أنه آلمه كثيراً؛ وعاد إلى خديجة، ماذا قالت له؟ قالت له قالة علينا أن نفكر فيها ملياً. جاء في أسباب النزول للواحدي:"أخبرني عروة عن عائشة أنها قالت اول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجأه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد فقال (اِقرَأ بِاِسمِ رَبِّكَ الَّذي خَلَقَ) حتى بلغ ما لم يعلم فرجع بها يرجف فؤاده حتى دخل على خديجة فقال: زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: يا خديجة ما لي وأخبرها الخبر وقال: قد خشيت علي فقالت له: كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق". رواه البخاري عن يحيى بن بكير ورواه مسلم عن محمد بن رافع كلاهما عن عبد الرزاق. فالنبي عليه السلام، كان في مكة يقوم بمهام جليلة، مع قراءته المجتمع الذي يعيش في كنفه، كان محمد يصل الرحم، وكان صادقاً، وكان يحمل الكل، وكان يقري الضيف، ليس هذا فحسب، بل كان أيضاً يعين على نوائب الحق. إن إنساناً يقوم بجميع هذه المهام يحضر نفسه إلى القيام بمهام لا يقوى عليها إلا أولو العزم.
كانت مكة، وأنحاء الجزيرة العربية بشرقها وغربها، بشمالها وجنوبها، تضج بأن موعد بعثة النبي الجديد قد حان وقته. وكان محمد يسمع هذه الأحاديث وكذلك كانت خديجة تسمع هذه الأحاديث خاصة من النصارى المقربين من نسيبها ورقة بن نوفل. فما يقوم به محمد يهيأه لأن يكون من الذين يحملون الأثقال الكبيرة. يقول رب العزة: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والجبال والأرض فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان..." لقد اختصر رب العزة جنس الإنسان بمن اختاره لحمل الأمانة، بمن اختاره أن يكون نبياً للعالمين.
لقد كان محمد عليه السلام النبي المصطفى. ناداه جبريل فخاف منه وذهب إلى خديجة رضي الله عنها، يريد أن تدثره أحتماءً: "أخرج الشيخان عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاورت بحراء شهراً فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت فلم أر أحداً فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء فرجعت فقلت دثروني فأنزل الله يا أيها المدثر قم فأنذر". لا راحة بعد الآن: يا أيها المدثر قم فأنذر. ذهب النبي عليه السلام إلى خديجة وقال لها أنه لا راحة بعد الآن. وعى أبعاد الإنذار الذي لا ينتهي إلا بانتهاء الحياة. ودعى خديجة إلى الإسلام: "وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من الله، ووازرته على أمره، وكانت أول من آمن بالله وبرسوله، وصدق بما جاء منه.‏‏ فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم، لا يسمع شيئا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس، رحمها الله تعالى".‏‏
ودعا علياً بن أبي طالب، ابن عمه، وكان لا يزال فتىً فآمن معه: "قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ ثم كان أول ذَكَر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى معه وصدق بما جاءه من الله تعالى:‏‏ علي بن أبي طالب ابن عبدالمطلب بن هاشم، رضوان الله وسلامه عليه، وهو يومئذ ابن عشر سنين"‏‏.‏‏
ثم دعا زيداً مولاه: "قال ابن إسحاق:‏‏ ثم أسلم زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب بن عبدالعزى ابن امرئ القيس الكلبي، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أول ذكر أسلم، وصلى بعد علي بن أبي طالب"‏‏.‏‏
ولم يترك الوقت يمر، بل كان محمد عليه الصلاة والسلام يستغل وقته كاملاً في إنذار الناس. دعا أبا بكر إلى الإسلام: "قال ابن إسحاق:‏‏ ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة، واسمه عتيق، واسم أبي قحافة‏‏:‏‏ عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر"‏‏.‏‏
كان أبو بكر واعياً لأهمية ما كان يقوم به المصطفى عليه السلام، فراح يفعل مثله ويدعو الناس للإسلام: "قال فأسلم بدعائه - فيما بلغني - عثمان بن عفان، والزبير بن العوام،‏‏ وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، فيما بلغني:‏‏ ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة، ونظر وتردد، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة، ما عكم عنه حين ذكرته له، وما تردد فيه"‏‏.‏‏
ثم أسلم أبو عبيدة بن الجراح، وأبو سلمة، والأرقم بن أبي الأرقم .
ثم أسلم عثمان بن مظعون ‏‏وأخواه قدامة وعبدالله ابنا مظعون بن حبيب‏‏.‏‏
ثم أسلم عبيدة بن الحارث، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل؛ وامرأته فاطمة بنت الخطاب، أخت عمر بن الخطاب ‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، وتُحُدث به.‏‏ ثم إن الله عز وجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادي الناس بأمره، وأن يدعو إليه؛ وكان بين ما أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين - فيما بلغني - من مبعثه؛ ثم قال الله تعالى له:‏‏ ‏‏(‏‏ فاصدع بما تؤمر، وأعرض عن المشركين ‏‏)‏‏‏‏.‏‏ وقال تعالى ‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ وأنذر عشيرتك الأقربين.‏‏ واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ‏‏)‏‏.‏‏
وعندما جاءه هذا الأمر دعا قرابته، ومنهم أبو لهب، عمه، فكان رده على رسول الله عليه السلام سيئاً: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحُدثت أنه كان يقول بعض ما يقول:‏‏ يعدني محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يديّ بعد ذلك؟‏‏ ثم ينفخ في يديه ويقول‏‏:‏‏ تباً لكما، ما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد.‏‏ فأنزل الله تعالى فيه:‏‏ ‏‏(‏‏ تبت يدا أبي لهب وتبَّ ‏‏)‏‏‏‏.‏‏ ‏
وحيث أن النبي عليه السلام قد راح يدعو الناس بعد ما أنزل الله تعالى: "واصدع بما تؤمر"، فما كان من عتاة قريش إلا ردوا عليه بالأذى. فاضطر هو وأصحابه أن يخرجوا للصلاة خارج مكة. قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا، ذهبوا في الشعاب، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بِلَحْي بعير، فشجه، فكان أول دم هُريق في الإسلام.‏‏
ولم يفتر النبي عليه السلام بدعوته لتوحيد الله عز وجل، هو وأصحابه. ولكن قريش لم تتركهم: قال ابن إسحاق:‏‏ فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله، لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها؛ فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته، إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون، وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمُّه أبو طالب، ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله، مظهراً لأمره، لا يرده عنه شيء‏‏.‏‏
فلما رأت قريش، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه، من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه، فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس‏‏ وأبو سفيان بن حرب.
ثم أن القبائل هجمت على من ينتمي إليها من المسلمين لأذيتهم بدينهم: قال ابن إسحاق:‏‏ ثم إن قريشاً تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم، ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله رسوله صلى الله عليه وسلم منهم بعمه أبي طالب، وقد قام أبو طالب، حين رأى قريشاً يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه، من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقيام دونه؛ فاجتمعوا إليه، وقاموا معه، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب، عدو الله الملعون‏‏.‏‏
لم يكتف المشركون بذلك، بل إنهم تآمروا على إيذاء النبي بما يقوم به، وهذا من أشد أنواع الأذية: ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم:‏‏ يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً؛ قالوا‏‏:‏‏ فأنت يا أبا عبد شمس، فقلْ وأقمْ لنا رأياً نقول به؛ قال:‏‏ بل أنتم فقولوا أسمعْ؛ قالوا:‏‏ نقول كاهن؛ قال‏‏:‏‏ لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه؛ قالوا‏‏:‏‏ فنقول:‏‏ مجنون؛ قال:‏‏ ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه، ولا تخالجه، ولا وسوسته؛ قالوا:‏‏ فنقول‏‏:‏‏ شاعر؛ قال:‏‏ ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر؛ قالوا:‏‏ فنقول‏‏:‏‏ ساحر؛ قال‏‏:‏‏ ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم؛ قالوا‏‏:‏‏ فما نقول يا أبا عبد شمس؟‏‏ قال‏‏:‏‏ والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة - قال ابن هشام:‏‏ ‏ويقال لغَدَق - وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته‏‏.‏‏
فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره.‏‏
وهنا لا بد أن نشير بأن تحذير القبائل من محمد عليه السلام قد لعب دوراً إيجابياً، حيث أن هؤلاء تحمسوا لرؤية هذا الرجل. ‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لقوا من الناس، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها‏‏.‏‏
فلما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرب، وبلغ البلدان، ذكر بالمدينة، ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر، وقبل أن يذكر من هذا الحي من الأوس والخزرج، وذلك لما كانوا يسمعون من أحبار اليهود، وكانوا لهم حلفاء، ومعهم في بلادهم‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ ثم إن قريش اشتد أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ سفهاءهم، فكذبوه وآذوه، ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مظهر لأمر الله لا يستخفي به، مباد لهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم كفرهم.‏‏
ومن أشد ما أوذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ابن إسحاق:‏‏ فحدثني يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، قال‏‏:‏‏ قلت له‏‏:‏‏ ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يُظهرون من عداوته؟‏‏ قال:‏‏ حضرتهم، وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا:‏‏ ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا‏‏:‏‏ فبينا هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول‏‏.‏‏ قال‏‏:‏‏ فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏.‏‏
قال:‏‏ ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ ثم مر الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف، ثم قال:‏‏ أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح.‏‏ قال‏‏:‏‏ فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفَؤُه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول:‏‏ انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولاً‏‏.‏‏
قال‏‏:‏‏ فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم؛ فقال بعضهم لبعض:‏‏ ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه.‏‏ فبينما هم في ذلك طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به، يقولون:‏‏ أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم؛ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ نعم، أنا الذي أقول ذلك.‏‏ قال:‏‏ فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه.‏‏
قال‏‏:‏‏ فقام أبو بكر رضي الله عنه دونه، وهو يبكي ويقول‏‏:‏‏ أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟‏‏ ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً نالوا منه قط.‏‏
هل منع هذا الأذى النبي عليه السلام من متابعته إنذار قومه؟ قال ابن هشام:‏‏ حدثني بعض أهل العلم:‏‏ أشد ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش أنه خرج يوماً فلم يلقه أحد من الناس إلا كذبه وآذاه، لا حر ولا عبد، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منـزله، فتدثر من شدة ما أصابه ، فأنزل الله تعالى عليه:‏‏ ‏‏(‏‏ يا أيها المدثر، قم فأنذر ‏‏)‏‏.‏‏
وعندما وجد القوم إصرار النبي عليه السلام على الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، رأوا أن يفاوضوه: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال‏‏:‏‏ حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيداً، قال يوماً وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده‏‏:‏‏ يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا؟‏‏ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون؛ فقال‏‏:‏‏ بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه؛ فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:‏‏ يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطَة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.‏‏
‏‏ قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ قل يا أبا الوليد، أسمعْ؛ قال‏‏:‏‏ يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا، حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا؛ وإن كان هذا الذي يأتيك رَئيِّا تراه لا تستيطع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى منه، أو كما قال له.‏‏
حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال‏‏:‏‏ أقد فرغت يا أبا الوليد‏‏؟‏‏ قال:‏‏ نعم، قال:‏‏ فاسمع مني؛ قال‏‏:‏‏ أفعل؛
فقال:‏‏ ‏‏(‏‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏‏.‏‏ حم‏‏.‏‏ تنـزيل من الرحمن الرحيم.‏‏ كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون‏‏.‏‏ بشيراً ونذيراً، فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون‏‏.‏‏ وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ‏‏)‏‏ ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه.‏‏ فلما سمعها منه عتبة، أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه؛ ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها، فسجد ثم قال‏‏:‏‏ قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك‏‏.‏‏
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض:‏‏ نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.‏‏ فلما جلس إليهم قالوا‏‏:‏‏ ما وراءك يا أبا الوليد؟‏‏ قال‏‏:‏‏ ورائي أني قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كُفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به؛ قالوا:‏‏ سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه؛ قال:‏‏ هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم‏‏.‏‏
ولكن القوم استكبروا حتى على ما عرضه عليهم مندوبهم إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأتوا النبي بمن يعرف القصص والحكايات، حيث أنهم هذه القصص قد تفتن القوم: وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسبنديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً فذكَّر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال:‏‏ أنا والله يا معشر قريش، أحسن حديثاً منه، فهلم إلي، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار، ثم يقول‏‏:‏‏ بماذا محمد أحسن حديثاً مني؟‏‏ ‏‏‏‏
‏‏ ولم يكتف المشركون بأذى النبي عليه السلام وحده، بل راحوا يؤذون أتباعه، وخاصة المستضعفين منهم: قال ابن إسحاق:‏‏ ثم إنهم عدوا على من أسلم، واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، من استضعفوا منهم، يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يُفتن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يصلب لهم، ويعصمه الله منهم.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر، وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول، فيما بلغني:‏‏ صبراً آل ياسر، موعدكم الجنة.‏‏ فأما أمه فقتلوها، وهي تأبى إلا الإسلام‏‏.‏‏
لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته لقريش بل راح يدعو القبائل، وخاصة في المواسم: قال ابن إسحاق: ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلاً مستضعفين ممن آمن به. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم إذا كانت على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ويخبرهم أنه نبي مرسل ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به.
قال ابن إسحاق: وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، قال سمعت ربيعة بن عباد يحدثه أبي، قال إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي، وتصدقوا بي، وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به.
قال وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان عليه حلة عدنية فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه قال ذلك الرجل يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه.
قال فقلت لأبي: يا أبت من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول؟ قال هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب، أبو لهب.
قال ابن إسحاق: حدثنا ابن شهاب الزهري: أنه أتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه.
________________________________________

وذكر السهيلي عرضه نفسه - صلى الله عليه وسلم - على القبائل ليؤمنوا به ولينصروه قبيلة قبيلة فذكر بني حنيفة، وهم أهل اليمامة، وأصحاب مسيلمة الكذاب.
وذكر بيحرة بن فراس العامري وقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفنهدف نحورنا، للعرب دونك. نهدف أي نجعلها هدفاً لسهامهم والهدف الغرض.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين أنه أتى كلباً في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه حتى إنه ليقول لهم يا بني عبد الله إن الله عز وجل قد أحسن اسم أبيكم فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه رداً منهم.
قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه فقال له رجل منهم - يقال له بيحرة بن فراس.
قال ابن هشام: فراس بن عبد الله بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش، لأكلت به العرب، ثم قال أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟
قال الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء قال فقال له أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه.
فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كانت أدركته السن، حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا.
قال فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال يا بني عامر هل لها من تلاف هل لذناباها من مطلب والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم.
نحن لا نطيل، إنما نتحدث عن إنذار النبي للناس كما أمره ربه تبارك وتعالى. وحيث أننا معنيون بالإنذار كما كان معني به نبينا عليه السلام، فعلينا أن نعرف كم تحمل من الجهد والأذى وكم علينا أن نتحمل في سبيل الله، إن كنا مؤمنين حقاً.
قال ابن إسحاق: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة وهو لا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض عليه ما عنده.
وذكر السهيلي عرضه نفسه على كندة، وسمي كندة لأنه كند أباه أي عقه وسمى ابنه مرتعاً لأنه كان يجعل لمن أتاه من قومه مرتعاً، فهم بنو مرتع بن ثور وقد قيل إن ثوراً هو مرتع وكندة أبوه.
وذكر غير ابن إسحاق ما لم يذكر ابن إسحاق مما رأيت إملاء بعضه في هذا الكتاب تتمة لفائدته.
ذكر قاسم بن ثابت والخطابي عرضه نفسه على بني ذهل بن ثعلبة ثم على بني شيبان بن ثعلبة فذكر الخطابي وقاسم جميعاً ما كان من كلام أبي بكر مع دغفل بن حنظلة الذهلي زاد قاسم تكملة الحديث فرأينا أن نذكر زيادة قاسم فإنها مما تليق بهذا الكتاب.
قال ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار فتقدم أبو بكر فسلم قال علي: وكان أبو بكر مقدماً في كل خير فقال ممن القوم فقالوا: من شيبان بن ثعلبة فالتفت أبو بكر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بأبي أنت وأمي، هؤلاء غرر في قومهم وفيهم مفروق بن عمرو وهانئ بن قبيصة، ومثنى بن حارثة والنعمان بن شريك وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم جمالاً ولساناً وكانت له غديرتان تسقطان على تريبتيه وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكر.
فقال أبو بكر كيف العدد فيكم؟ قال له مفروق إنا لنزيد على الألف ولن تغلب ألف من قلة.
فقال أبو بكر كيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق علينا الجهد ولكل قوم جد.
فقال أبو بكر كيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق إنا لأشد ما نكون غضباً لحين نلقى، وإنا لأشد ما نكون لقاءً حين نغضب وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا، لعلك أخو قريش؟
فقال أبو بكر أوقد بلغكم أنه رسول الله فها هو ذا، فقال مفروق قد بلغنا أنه يذكر ذلك فإلى م تدعو إليه يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وإلى أن تؤووني، وتنصروني، فإن قريشاً قد ظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد.
فقال مفروق وإلى م تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قل تعالوا { أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون } [ الأنعام 151 ]
فقال مفروق وإلى م تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم – { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون } [ النحل 90 ]
فقال مفروق دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والله لقد أفك قوم كذبوك، وظاهروا عليك، وكأنه أراد أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة، فقال وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا، وصاحب ديننا، فقال هانئ قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر زلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة وإنما تكون الزلة مع العجلة ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى، فقال وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا، واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر وإنا إنما نزلنا بين صريان اليمامة والسماوة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما هذان الصريان؟ فقال أنهار كسرى، ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى، فذنب صاحبيه غير مغفور وعذره غير مقبول وأما ما كان من مياه العرب، فذنبه مغفور وعذره مقبول وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثاً ولا نؤوي محدثاً، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه هو مما تكرهه الملوك فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب، فعلنا.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله أرضهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه.
فقال النعمان بن شريك اللهم لك ذا، فتلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم { إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً } [ الأحزاب : 46 ] ثم نهض النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ بيدي فقال يا أبا بكر يا أبا حسن أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض وبها يتحاجزون فيما بينهم.
قال ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا صدقاء صبراء وروى في حديث مسند إلى طارق قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين رأيته بسوق ذي المجاز يعرض نفسه على القبائل يقول يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا وخلفه رجل له غديرتان يرجمه بالحجارة حتى أدمى كعبيه يقول يا أيها الناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب فسألت عنه فقيل هو غلام عبد المطلب، قلت: ومن الرجل يرجمه؟ فقيل لي: هو عمه عبد العزى أبو لهب وذكر الحديث بطوله. خرجه الدارقطني، ووقع أيضاً في السيرة من رواية يونس.
قال ابن إسحاق: وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن لبيد، قال لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع، مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم " هل لكم في خير مما جئتم له " ؟ فقالوا له وما ذاك؟ قال أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وأنزل علي الكتاب. قال ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.
قال فقال إياس بن معاذ، وكان غلاماً حدثاً: أي قوم هذا والله خير مما جئتم له.
لم ييأس محمد عليه السلام من الدعوة إلى الله رغم كثرة الصدود التي عاناها. فها هو يعود إلى دعوة قومه في قريش: قال ابن إسحاق: ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء وقريش تحبس من قدرت على حبسه وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين ثم إن أشراف قريش من كل قبيلة - كما حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير، وعن عكرمة مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال اجتمع عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، أخو بني عبد الدار، وأبو البختري بن هشام والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام - لعنه الله - وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، وأمية بن خلف، أو من اجتمع منهم.
قال اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فأتهم فجاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سريعاً، وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم فقالوا له يا محمد إنا قد بعثنا إليك; لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك - أو كما قالوا له - فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا، فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن رئياً - فربما كان ذلك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم – "ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم. ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" أو كما قال - صلى الله عليه وسلم - قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً، ولا أقل ماءً ولا أشد عيشاً منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإن كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فإن صدقوك، وصنعت ما سألناك، صدقناك، وعرفنا به منزلتك من الله وأنه بعثك رسولاً - كما تقول - فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه: "ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى، حتى يحكم الله بيني وبينكم" قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا، فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك وسله فليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً" - أو كما قال – "فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" قالوا: فأسقط السماء علينا كسفاً كما زعمت أن ربك لو شاء فعل فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل قال فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – "ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل" قالوا: يا محمد أفما علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا، إذا لم نقبل منك ما جئتنا به إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، فقد أعذرنا إليك يا محمد وإنا والله لا نتركك وهي بنات الله.
وقال قائلهم لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله وبالملائكة قبيلاً. فلما قالوا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهو ابن عمته فهو لعاتكة بنت عبد المطلب - فقال له يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أموراً، ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل - أو كما قال له - فوالله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً، ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وأيم الله أن لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهله حزيناً آسفاً لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه.
ولكن خديجة لم تكن لتتركه حزيناً، إنما كانت تشد من أزره، وتقول له أن الله لن يخزيه أبداً.
هذه صورة عن إنذار النبي لقومه في بداية الدعوة، عندما كان المسلمون مستضعفين. وبعد أن اشتد ساعدهم، وسادوا، هل أوقف النبي عليه السلام الدعوة إلى الله؟
قال ابن إسحاق: وكان من حديث عبد الله بن سلام، كما حدثني بعض أهله عنه. وعن إسلامه حين أسلم، وكان حبراً عالماً، قال: لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له فكنت مسراً لذلك صامتاً عليه حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلما نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، أقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنة الحارث تحتي جالسة فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت، فقالت لي عمتي، حين سمعت تكبيري: خيبك الله والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادماً ما زدت، قال فقلت لها: أي عمة هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به.
قالت أي ابن أخي، أهو النبي الذي كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة؟
قال فقلت لها: نعم. قال فقالت فذاك إذاً. قال ثم خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتي، فأمرتهم فأسلموا، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث فحسن إسلامها.
لقد وعى أن الإسلام يستدعي القيام بالدعوة إلى الله، لذلك رأينا عبد الله بن سلام يدعو أهله للإسلام ما أن قفل عائداً من عند رسول الله. وهذا يذكرنا بالمقدم بالخير أبي بكر الصديق، الذي ما أن آمن حتى راح يدعو الناس إلى الإيمان بما آمن به. وجاء رسول الله عليه الصلاة والسلام بكوكبة من المؤمنين بدعوته إياهم للإسلام.
قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر، فيما حدثني مولى لآل زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب موسى وأخيه والمصدق لما جاء به موسى: ألا إن الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة، وإنكم لتجدون ذلك في كتابكم: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما. وإني أنشدكم بالله، وأنشدكم بما أنزل عليكم وأنشدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسباطكم المن والسلوى، وأنشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاهم من فرعون وعمله إلا أخبرتموني: هل تجدون فيما أنزل الله عليكم أن تؤمنوا بمحمد؟ فإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم. قد تبين الرشد من الغي - فأدعوكم إلى الله وإلى نبيه.

قال ابن اسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود من أهل الكتاب إلى الإسلام ورغبهم فيه وحذرهم عذاب الله ونقمته فقال له رافع بن خارجة، ومالك بن عوف بل نتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيراً منا. فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهما: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون.

ولما أصاب الله عز وجل قريشاً يوم بدر جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود في سوق بني قينقاع، حين قدم المدينة، فقال يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريشاً، فقالوا له يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش، كانوا أغماراً لا يعرفون القتال إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار. [ آل عمران : 12 ، 13 ] .
نحن نرى أن الرسول عليه السلام لم يفتر عن إنذار الناس أبداً.
قال ابن اسحاق: ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله فقال له النعمان بن عمرو، والحارث بن زيد على أي دين أنت يا محمد؟ قال على ملة إبراهيم ودينه قالا: فإن إبراهيم كان يهودياً. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلم إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه. فأنزل الله تعالى فيهما: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون.
وقال أبو رافع القرظي، حين اجتمعت الأحبار من يهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ وقال رجل من أهل نجران نصراني، يقال له الربيس ( ويروى : الريس ، والرئيس ) : أوذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره فما بذلك بعثني الله ولا أمرني. أو كما قال. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. إلى قوله تعالى: بعد إذ أنتم مسلمون.
قال ابن هشام : الربانيون العلماء الفقهاء السادة واحدهم رباني.
ولم يفتر النبي عن دعوة اليهود إلى الدين الحق رغم صدودهم المتمادي.
والتقى النبي عليه السلام عبد الله بن صوريا الأعور وكعب بن أسد، فقال لهم: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق، قالوا: ما تعرف ذلك يا محمد فجحدوا ما عرفوا، وأصروا على الكفر. فأنزل الله تعالى فيهم: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا.
قال ابن إسحاق: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود إلى الإسلام ورغبهم فيه وحذرهم غير الله وعقوبته فأبوا عليه وكفروا بما جاءهم به فقال لهم معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب: يا معشر يهود اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته.
فقال رافع بن حريملة، ووهب بن يهوذا: ما قلنا لكم هذا قط، وما أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشراً ولا نذيراً بعد فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما: يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير.
أما عن إنذاره النصارى فيروي لنا السهيلي: فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلما، قالا: قد أسلمنا، قال إنكما لم تسلما، فأسلما، قالا: بلى، قد أسلمنا قبلك. قال كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً، وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير. قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلم يجبهما.

فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله عنه والفضل من القضاء بينه وبينهم وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك فقالوا له يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه فانصرفوا عنه ثم خلوا بالعاقب وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال والله يا معشر النصارى لقد عرفتم إن محمداً لنبي مرسل ولقد جاءكم بالفضل من خبر صاحبكم ولقد علمتم ما لاعن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم وأنه للاستئصال منكم إن فعلتم فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا ألا نلاعنك، وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضاً.
وبعد أن سوده الله تبارك وتعالى على أعدائه، لم يوقف النبي عليه السلام إنذار الناس. فنراه، عليه السلام في عام الوفود يدعو الناس بلا كلل ولا ملل إلى الله:
قال فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخلت عليه وهو في مسجده، فسلمت عليه، فقال‏:‏ من الرجل‏؟‏ فقلت:‏ عدي بن حاتم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامد بي إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلاً تكلمه في حاجتها‏.‏
قال:‏ قلت في نفسي:‏ والله ما هذا بملك!‏
قال‏:‏ ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا دخل في بيته، تناول وسادة في أدم محشوة ليفاً، فقذفها إلي، فقال:‏ اجلس على هذه، قال‏:‏ قلت‏:‏ بل أنت فاجلس عليها، فقال:‏ بل أنت، فجلست عليها، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض.
قال‏:‏ قلت في نفسي:‏ والله ما هذا بأمر ملك‏.‏
ثم قال‏:‏ إيه يا عدي بن حاتم، ألم تك ركوسياً؟‏ قال:‏ قلت:‏ بلى، قال‏:‏ أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع‏؟‏ قال:‏ قلت:‏ بلى، قال:‏ فإن ذلك يكن يحل لك في دينك، قال‏:‏ قلت:‏ أجل والله‏.‏
وقال:‏ وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل‏.‏
ثم قال‏:‏ لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه. ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم، وقلة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت، لا تخاف.‏ (نبينا عليه السلام يستشف المستقبل). ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وأيم الله، ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم، قال‏:‏ فأسلمت.‏
وكان عدي يقول‏:‏ قد مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن، قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها، لا تخاف حتى تحج هذا البيت، وأيم الله لتكون الثالثة، ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه‏.‏
ثم كان إسلام زيد الخير في وفد طيء: قال ابن إسحاق:‏ وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طيئ، فيهم زيد الخيل، وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلموه وعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، فأسلموا، فحسن إسلامهم؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني من لا أتهم من رجال طيئ :‏ ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني، إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما كان فيه.‏ ثم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ زيد الخير، وقطع له فيداً وأرضين معه؛ وكتب له بذلك.‏

وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني حنيفة ، فيهم مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذاب ‏.‏
ثم أسلم المنذر بن ساوى: قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدي، فأسلم فحسن إسلامه، ثم هلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ردة أهل البحرين، والعلاء عنده أميراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين‏.‏
قال ابن إسحاق ‏:‏ وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو بن خنش أخو عبدالقيس‏.‏
قال ابن هشام ‏:‏الجارود بن بشر بن المعلى في وفد عبدالقيس وكان نصرانياً.
قال ابن إسحاق ‏:‏ حدثني من لا أتهم عن الحسن قال‏:‏ لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، ودعاه إليه، ورغبه فيه، فقال‏:‏ يا محمد إني قد كنت على دين، وإني تارك ديني لدينك، أفتضمن لي ديني؟‏ قال:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ نعم، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه.‏ قال:‏ فأسلم وأسلم أصحابه، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان، فقال:‏ والله ما عندي ما أحملكم عليه، قال‏:‏ يا رسول الله، فإن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس، أفنتبلغ عليها إلى بلادنا؟‏ قال‏:‏ لا، إياك وإياها‏.‏ فإنما تلك حرق النار‏.‏
قال ابن إسحاق ‏:‏ وبعث بنو سعد بن بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا منهم يقال له ضمام بن ثعلبة. قال ابن إسحاق‏:‏ فحدثني محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب، مولى عبدالله بن عباس، عن ابن عباس قال:‏ بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه وأناخ بعيره على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخل إلى المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه‏.‏
وكان ضمام رجلاً جلداً أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فقال:‏ أيكم ابن عبدالمطلب قال:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنا ابن عبدالمطلب.‏ قال‏:‏ أمحمد؟‏ قال‏:‏ نعم.‏ قال‏:‏ ياابن عبدالمطلب، إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة، فلا تجدن في نفسك، قال‏:‏ لا أجد في نفسي، فسل عما بداً لك‏.‏
قال‏:‏ أنشدك الله، إلهك وإله من كان قبلك، وإله من كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولاً؟‏ قال:‏ اللهم نعم.‏
قال:‏ فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئاً، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟‏ قال‏:‏ اللهم نعم.‏
قال‏:‏ فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تصلى هذه الصلوات الخمس؟‏ قال‏:‏ اللهم نعم‏.‏
قال‏:‏ ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة:‏ الزكاة والصيام والحج وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منها كما ينشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ، قال‏:‏ فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره راجعاً‏.‏
قال‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏ إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة.‏
وحيث أنه فهم الإسلام راح يدعو قومه. قال فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال‏:‏ بئست اللات والعزى‏!‏ قالوا: مه، يا ضمام اتق البرص، اتق الجنون، قال:‏ ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولاً، وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، وما نهاكم عنه، قال‏:‏ فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلماً.‏
قال‏:‏ يقول عبدالله بن عباس:‏ فما سمعنا بوافد قدم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة‏.‏
وكان قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة. قال ابن إسحاق‏:‏ وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشعث بن قيس، في وفد كندة فحدثني الزهري بن شهاب أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمانين راكباً من كندة، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده، وقد رجلوا جممهم وتكحلوا، وعليهم جبب الحبرة، وقد كففوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ألم تسلموا؟‏ قالوا: بلى، قال‏:‏ فما بال هذا الحرير في أعناقكم؟‏ قال:‏ فشقوه منها، فألقوه.‏
ثم كان قدوم صرد بن عبدالله الأزدي مسلما. وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صرد بن عبدالله الأزدي، فأسلم، وحسن إسلامه، في وفد من الأزد، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك، من قبل اليمن.‏
ولم يكتف بإعلانه إسلامه فقط بل راح يجاهد الشرك: فخرج صرد بن عبدالله يسير بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نزل بجرش، وهي يومئذ مدينة مغلقة، وبها قبائل من قبائل اليمن، وقد ضوت إليهم خثعم، فدخلوها معهم حين سمعوا بسير المسلمين إليهم، فحاصروهم فيها قريباً من شهر، وامتنعوا فيها منه ثم رجع عنهم قافلاً، حتى إذا كان إلى جبل لهم يقال له شكر، ظن أهل جرش أنه إنما ولي عنهم منهزماً، فخرجوا في طلبه، حتى إذا أدركوه عطف عليهم، فقتلهم قتلاً شديداً‏.‏
ولا بد من الإشارة إلى أن النبي عليه السلام قد بعث البعوث إلى الملوك يدعوهم إلى دين الله وينذرهم: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً من أصحابه، وكتب معهم كتباً إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام‏.‏
فبعث دحية بن خليفة الكلبي، إلى قيصر ملك الروم.‏
وبعث عبدالله بن حذافة السهمي، إلى كسرى ملك الفرس.‏
وبعث عمرو بن أمية الضمري، إلى النجاشي ملك الحبشة‏.‏
وبعث حاطب بن أبي بلتعة، إلى المقوقس ملك الإسكندرية.
وبعث عمرو بن العاص السهمي، إلى جيفر وعياد ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان.‏
وبعث سليط بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي، إلى ثمامة بن أثال، وهوذة بن علي الحنفيين، ملكي اليمامة‏.‏
وبعث العلاء بن الحضرمي، إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين‏.‏
وبعث شجاع بن وهب الأسدي، إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام.‏
قال ابن هشام: ‏بعث شجاع بن وهب، إلى جبلة بن الأيهم الغساني، وبعث المهاجر ابن أبي أمية المخزومي، إلى الحارث بن عبد كلال الحميري، ملك اليمن.‏

ومن اللافت وصية الرسول معاذاً حين بعثه إلى اليمن. قال ابن إسحاق:‏ وحدثني عبدالله بن أبي بكر أنه حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بعث معاذاً أوصاه، وعهد إليه، ثم قال له:‏ يسر ولا تعسر، وبشر ولا تنفر، وإنك ستقدم على قوم من أهل الكتاب، يسألونك ما مفتاح الجنة‏؟‏ فقل:‏ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فخرج معاذ، حتى إذا قدم اليمن قام بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتته امرأة من أهل اليمن، فقالت:‏ يا صاحب رسول الله، ما حق زوج المرأة عليها‏؟‏ قال‏:‏ ويحك!‏ إن المرأة لا تقدر على أن تؤدي حق زوجها، فأجهدي نفسك في أداء حقه ما استطعت، قال‏:‏ والله لئن كنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لتعلم ما حق الزوج على المرأة‏.‏ قال:‏ ويحك‏!‏ لو رجعت إليه فوجدته تنثعب منخراه قيحاً ودماً فمصصت ذلك حتى تذهبيه ما أديت حقه‏.‏
لقد أعطى النبي عليه السلام معذاً سر الدعوة الناجحة: يسر ولا تعسر، بشر ولا تنفر.
ولا بد من أن نعرج على الإنذار الأخير لقومه قبل أن يذهب إلى الرفيق الأعلى. إنها خطبة الوداع. قال ابن إسحاق‏:‏ ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حجة، فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم، وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:‏
أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدرى لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها‏.‏
وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبدالمطلب موضوع كله.‏
وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، وكان مسترضعاً في بني ليث، فقتلته هذيل، فهو أول ما أبداً به من دماء الجاهلية‏.‏
أما بعد‏:‏ أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.‏ ...
أما بعد‏:‏ أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقاً، ولهن عليكم حقاً...
واستوصوا بالنساء خيراً ...
وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، أمراً بيناً، كتاب الله وسنة نبيه‏.‏
أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم؛ اللهم هل بلغت‏.‏
فذكر لي أن الناس قالوا‏:‏ اللهم نعم‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اللهم اشهد.‏
وكان آخر ما فعله، صلى الله عليه ويلم قبل أن يُتوفى أمره بإنفاذ بعث أسامة: قال ابن إسحاق:‏ وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، وغيره من العلماء:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبطأ الناس في بعث أسامة بن زيد، وهو في وجعه، فخرج عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر، وقد كان الناس قالوا‏:‏ في إمرة أسامة:‏ أمر غلاماً حدثاً على جلة المهاجرين والأنصار. فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال‏:‏ أيها الناس أنفذوا بعث أسامة، فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وإنه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقاً لها ‏.‏
وهكذا رأينا أن الرسول عليه السلام قد بدأ إنذار الناس منذ أن جاءه أمر ربه: يا أيها المدثر قم فأنذر، حتى قبضه الله عز وجل. وقد فعل صحابته، الذين وعوا دعوة الله بشكل جلي، كما كان يفعل النبي عليه السلام. أما وأن الإنذار لا ينتهي فقد أصبحنا نحن من يتحمل مهمة الإنذار.
14 تشرين الثاني 2010 حسن ملاط

الأحد، 7 نوفمبر 2010

من سيرة المصطفى – 13 –
إقرأ بسم ربك الذي خلق: عنوان النبوة
جاء في الروض الأنف للسهيلي ما يلي: متى بعث رسول الله؟
ذكر ابن إسحاق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث على رأس أربعين من مولده عليه السلام وهذا مروي عن ابن عباس، وجبير بن مطعم وقباث بن أشيم وعطاء وسعيد بن المسيب، وأنس بن مالك وهو صحيح عند أهل السير والعلم بالأثر وقد روي أنه نُبئ لأربعين وشهرين من مولده وقيل لقباث بن أشيم من أكبر أنت أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال رسول الله أكبر مني، وأنا أسن منه وولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفيل ووقفت بي أمي على روث الفيل ويروى: خزق الطير فرأيته أخضر محيلاً، أي قد أتى عليه حول.
وفي غير رواية البكائي من هذا الكتاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال لا يفتك صيام يوم الاثنين فإني قد ولدت فيه وبعثت فيه وأموت فيه.
قال ابن إسحاق: فذكر الزهري عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها أنها حدثته أن أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به الرؤيا الصادقة لا يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح. قالت وحبب الله تعالى إليه الخلوة فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده.
قال ابن إسحاق: وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير. قال سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حدثنا يا عبيد، كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاءه جبريل عليه السلام؟ قال فقال عبيد - وأنا حاضر يحدث عبد الله بن الزبير، ومن عنده من الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهراً، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية.
وذكر ابن إسحاق: ما بدئ به النبي - صلى الله عليه وسلم - من النبوءة إذ كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله. وفي مصنف الترمذي ومسلم أيضاً أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن ينزل علي. وفي بعض المسندات زيادة أن هذا الحجر الذي كان يسلم عليه هو الحجر الأسود.
قال ابن إسحاق: حدثني وهب بن كيسان قال قال عبيد [ بن عمير ]: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذات الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به - إذا انصرف من جواره - الكعبة، قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعاً، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى به فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه الله تعالى فيها، وذلك الشهر شهر رمضان خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء، كما كان يخرج لجواره ومعه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها، جاءه جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ قال قلت: ما أقرأ؟ قال فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني، فقال اقرأ قال قلت: ما أقرأ؟ قال فغتني به حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلني، فقال اقرأ قال قلت: ماذا أقرأ؟ قال فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني، فقال اقرأ قال فقلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداءً منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم. قال فقرأتها، ثم انتهى، فانصرف عني، وهببت من نومي، فكأنما كتبت في قلبي كتاباً. قال فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفاً ما أتقدم أمامي، وما أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة، ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عني. وانصرفت راجعاً إلى أهلي، حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفاً إليها، فقالت يا أبا القاسم أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك، حتى بلغوا مكة ورجعوا لي، ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت أبشر يا بن عم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.
ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عمها، وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى وسمع فقال ورقة بن نوفل: قدوس قدوس والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى. وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة بن نوفل، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة، فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل، وهو يطوف بالكعبة، فقال يا بن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ورقة والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتله ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصراً يعلمه ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله.
وفي رواية يونس عن ابن إسحاق بسنده إلى أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال لخديجة: إني إذا خلوت وحدي سمعت نداءً وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر ". قالت معاذ الله ما كان الله ليفعل ذلك بك. فوالله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم. وتصدق... الحديث فلما دخل أبو بكر، وليس [ عندها ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكرت خديجة له ذلك فقالت يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ أبو بكر بيده. فقال انطلق بنا إلى ورقة بن نوفل. فقال " ومن أخبرك "؟ قال خديجة فانطلقا إليه فقصا عليه فقال: إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد فأنطلق هارباً في الأرض. فقال له لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول لك. ثم ائتني، فأخبرني، فلما خلا ناداه يا محمد قل بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. حتى بلغ ولا الضالين. قل لا إله إلا الله. فأتى ورقة فذكر ذلك له فقال له ورقة أبشر ثم أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل وأنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا. ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك. فلما توفي ورقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت القس في الجنة وعليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني. يعني: ورقة وفي رواية يونس أيضاً أنه عليه السلام قال لرجل سب ورقة أما علمت أني رأيت لورقة جنة أو جنتين وهذا الحديث الأخير قد أسنده البزار.
بقية من حديث ورقة وذلك أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لتكذبنه فلم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، ثم قال ولتؤذينه فلم يقل له شيئاً، ثم قال ولتخرجنه فقال: أومخرجي هم؟ ففي هذا دليل على حب الوطن وشدة مفارقته على النفس وأيضاً فإنه حرم الله وجوار بيته وبلدة أبيه إسماعيل فلذلك تحركت نفسه عند ذكر الخروج منه ما لم تتحرك قبل ذلك فقال "أومخرجي هم؟" والموضع الدال على تحرك النفس وتحرقها إدخال الواو بعد ألف الاستفهام مع اختصاص الإخراج بالسؤال عنه وذلك أن الواو ترد إلى الكلام المتقدم وتشعر المخاطب بأن الاستفهام على جهة الإنكار أو التفجع لكلامه أو التألم منه.
ما أنا بقارئ
وقوله في حديث ابن إسحاق: اقرأ قال ما أقرأ يحتمل أن تكون ما استفهاماً، يريد أي شيء أقرأ؟ ويحتمل أن تكون نفياً، ورواية البخاري ومسلم تدل على أنه أراد النفي أي ما أحسن أن أقرأ كما تقدم من قوله ما أنا بقارئ.
هذا ما جاء في الروض الأنف عن مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. وما ورد هنا يتطابق مع ما جاء عند ابن هشام. أما ما استوفنا في هذه الرواية نقطتان هامتان:
الأولى، أن النبي كان يُكثر الخلوة إلى النفس، وأن الشهر الذث بُعث فيه كان قد غختلى لنفسه شهراً كاملاً. تُرى ماذا كان يفعل في هذه الخلوات المتكررة والطويلة؟
الثانية، أن الأمر الإلهي، الأمر الإفتتاحي للرسالة الخاتمة جاء بأمر بالقراءة لمن كان أمياً على مختلف الروايات. تُرى ما هي القراءة المطلوبة؟
المعروف أن النبي عليه السلام قد حضر جميع المشاهد قبل بعثته المباركة. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن النبي عليه السلام كان يعيش مختلف تفاصيل ما يجري في مجتمعه. ثم يختلي الأيام الطوال! هل كان يقوم بتحليل جميع هذه الظواهر؟ أي يقرأها! يمكننا الإجابة بنعم على هذا الإحتمال لأن محمد كان يعود إلى الإختلاط بمجتمعه. فممارساته كانت مقصودة أو عن سابق إصرار وتصميم، كما يُقال. فالقراءة المطلوبة هي قراءة المجتمع بتفاصيله، والخلوة هي لتقويم ما ورد في هذه القراءة. وفي هذا المقام يخطر على البال سؤالاً نجد مشروعية لطرحه: هل أن الله تبارك وتعالى كان يُعد نبينا الأكرم إلى "الحمل الثقيل"؟ نحن نميل إلى ما ورد.
العرب قبل البعثة:
قال ابن هشام ‏‏‏‏‏:‏‏‏‏‏ فالعرب كلها من ولد إسماعيل وقحطان ‏‏‏‏‏.‏‏‏‏‏ وبعض أهل اليمن يقول ‏‏‏‏‏:‏‏‏‏‏ قحطان من ولد إسماعيل ‏‏‏‏‏.‏‏‏‏‏ ويقول ‏‏‏‏‏:‏‏‏‏‏ إسماعيل أبو العرب كلها‏‏‏‏‏.‏‏‏‏‏
كان العرب، سواء أهل اليمن أو غيرهم يعيشون كقبائل متقاتلة. يعيشون معظم أيامهم على الغزو المتبادل.
أما القراءات التي كانت سائدة في جزيرة العرب، فهي التالية:
الوثنية، اليهودية، الصابئة، النصرانية و الحنيفية.
يقول جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" (الكتاب الذي سنعتمد عليه في بحثنا إلى جانب كتب السير):ومعارفنا عن قريش لا بأس بها بالنسبة إلى معارفنا عن خزاعة وعن من تقدم عليها من قبائل ذكر أهل الأخبار أنها سكنت مكة. وتبدأ هذه المعرفة بها، ابتداء من قصي زعيم قريش ومجمعها، والذي أخذ أمر مكة فوضعه في يديه، ثم في أيدي أولاده من بعده، فصارت بذلك قريش صاحبة مكة.
يضيف جواد علي: وقد اشتهرت قريش بالتجارة، وبها عرفت وذاع صيتها بين القبائل. وتمكن رجالها بفضل ذكائهم وحذقهم بأسلوب التعامل من الإتصال بالدول الكبرى في ذلك العهد: الفرس والروم والحبشة، وبحكومة الحيرة والغساسنة، وبسادات القبائل، ومن تكوين علاقات طيبة معها، مع تنافر هذه الدول وتباغضها. كما تمكنوا من عقد أحلاف مع سادات القبائل، ضمنت لهم السير طوال أيام السنة بهدوء وطمأنينة في كل أنحاء جزيرة العرب. والطمأنينة، أهم أمنية من أماني التاجر. وبذلك أمنوا على تجارتهم، ونشروا تجارتهم في كل أنحاء جزيرة العرب. حتى عرفوا بقريش التجار.
يضيف جواد علي: وقد علمت الأسفار سادة قريش أموراً كثيرة من أمور الحضارة والثقافة. فقد أرتهم بلاداً غريبة ذات تقدم وحضارة، وجعلتهم يحتكون بعرب العراق وبعرب بلاد الشام، فتعلموا من الحيرة أصول كتابتهم، وهذبوا لسانهم، ودونوا به أمورهم. وذُكر أنهم كانوا من أفصح العرب لساناً.
ويضيف قائلاً: وقد جعلت طبيعة هذا الوادي أهل مكة يميلون إلى السلم، ولا يركنون إلى الحرب والغزو إلا دفاعاً عن نفس.
ثم يقول: وقد تمكنت مكة في نهاية القرن السادس وبفضل نشاط قريش المذكور من القيام بأعمال هامة صيرتها من أهم المراكز المرموقة في العربية الغربية في التجارة وفي إقراض المال... وقد ذكر الثعالبي أن قريشاً صاروا أدهى العرب، وأعقل البرية، وأحسن الناس بياناً...
هذه حال مكة قبل البعثة النبوية المشرفة.
أما عن ديانات العرب قبل الإسلام، فيقول جواد علي: إن معارفنا قبل الإسلام مستمدة في الدرجة الأولى من النصوص الجاهلية بلهجاتها المتعددة من معينيةوسبئية وحضرمية وأوسانية وقتبانية وثمودية ولحيانية وصفوية، وهي نصوص ليس من بينها نص واحد ويا للأسف في أمور دينية مباشرة.... ولا تتناول الموارد الإسلامية بعد، إلا الوثنية القريبة من الإسلام والوثنية التي كانت متفشية بين قبائل الحجاز في الغالب ... وبفضل إقرار الإسلام لبعض أحكام وشعائر الجاهليين، استطعنا الوقوف على جانب من أحكامهم وشرائعهم... ومعارفنا عن الأساطير العربية الدينية قليلة جداً. وهذا مما حمل بعض المستشرقين على القول بأن العرب لم تكن لهم أساطير دينية عن آلهتهم ... وحيث أن الجاهليين كانوا شعوباً وقبائل، لم تجمع بينهم وحدة فكر ولم تضمهم دولة واحدة، أو عقيدة مشتركة، فنحن لا نستطيع التحدث عن شعائر واحدة لجميع عرب الجاهلية.
وفي مقدمة شعائر الدين عند أهل الجاهلية: الأصنام وبيوتها والتقرب إليها بالصلاة وبالسجود وبالطواف حولها، وبالنذور، وبالحبوس وبالقسم بها... ومن طرق عبادة أهل الجاهلية: التحنث، أي التعبد والتقرب إلى الآلهة... ومن شعائر الدين عند الجاهليين الإختتان. وأما الإغتسال من الجنابة وتغسيل الموتى، فمن السنن التي أقرت في الإسلام... والقرابين والنذور وزيارات المعابد والحج هي من أبرز الشعائر الدينية...
الحج والعمرة:
يقول جواد علي: ويظهر من غربلة ما أورده أهل الأخبار من روايات عن موسم الحج في الجاهلية، أن الحج إلى مكة كان في موسم ثابت، هو الربيع على رأي كثير من المستشرقين، أو الخريف على رأي ولهوزن... إن الجاهليين كانوا يتهيأون للحج من دخول شهر شوال، فيصلحون أمورهم، ويحضرون ما يحتاجون إليه من لوازم السفر، فإذا أراد أحدهم تجارة وكسباً ذهب إلى الأسواق، حتى يهل شهر ذو الحجة، وإن لم يرد تجارة، ذهب في أي وقت يراه مناسباً له...
ثم يضيف: ... أن حج أهل الجاهلية لم يكن إلى مكة وحدها، بل كان إلى محجات عديدة أخرى. بحيث حج كل قوم إلى البيت الذي قدسوه وكانوا يتقربون إليه ووضعوا أصنامهم فيه... وكان الناس يزورونها (بيوت الأصنام) ويتقربون إليها ويذبحون عند أصنامها ويطوفون حولها ويلبون تلبية الصنم الذي يطوفون حوله... غير أننا نجد في روايات بعض أهل الأخبار ما ينافي تعظيم كل العرب للبيت وحجهم إليه واحترامهم للحرم وللأشهر الحرم. فقد ورد أن من العرب من كان لا يرعى للحرم ولا للأشهر الحرم حرمة، ومنهم خثعم وطيء وأحياء من قضاعة ويشكر والحارث بن كعب. وورد أن ذؤبان العرب وصعاليكها وأصحاب التطاول، كانوا لا يؤمنون على الحرم، ولا يرون للحرم حرمة، ولا للشهر الحرام قدراً. وقد كانوا خطراً يهدد البيت وأهله لذلك، ألف هاشم بين قريش وسادات القبائل ألفة ليحمي بهم البيت.
وحول مناسك الحج يقول جواد علي أن المناسك لم تكن موحدة عند الجاهليين، ثم يضيف: يبدأ حج أهل الجاهلية بالإهلال. فكانوا يهلون عند أصنامهم، ويلبون إليها، فإذا انتهوا من ذلك قدموا مكة... والطواف بالبيوت وبالأصنام، ركن من أركان الحج، ومنسك من مناسكه. وكانوا يفعلونه كلما دخلوا البيت الحرام، فإذا دخل أحدهم الحرم، وإذا سافر أو عاد من سفر، فأول ما كان يفعله الطواف بالبيت... وقد ذكر الإخباريون أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون حول الرجمات، وهي حجارة تجمع فتكون على شبه بيت مرتفع كالمنارة، ويقال لها الرجمة. وكان الجاهليون يطوفون حول الأصنام والأنصاب(وهي أحجار هم نصبوها) ... وحول الذبيحة التي يقدمونها للآلهة. وكانوا يطوفون حول القبور أيضاً: قبور السادالت والأشراف من الناس... وتلعب عبادة الحجر دوراً بارزاً في الدوار (الطواف). فقدكان قوم من أهل الجاهلية يقيمون الأحجار، ثم يطوفون حولها، يتخذون الدوار عبادة لهم... ويلاحظ أن الجاهليين كانوا يقيمون وزناً للحليب في أمور العبادة، فقد كانوا يسكبونه على الأصنام... وعدة الطواف حول الكعبة عند الجاهليين سبعة أشواط... وقد ورد أن من الجاهليين من كان يطوف ويده مربوطة بيد إنسان آخر... يفعلونه نذراً أو حتى لا يفترقا.
ويضيف جواد علي في هذا الموضوع: والأخباريون يذكرون أن الطائفين بالبيت كانوا على صنفين: صنف يطوف عرياناً (الحلة) وصنف يطوف في ثيابه (الحمس) (ويشترك بذلك النساء والرجال، وذلك حتى لا يطوفوا في الثياب التي ارتكبوا المعصية فيها)... وذكر أن من الحجاج من كان يحج بغير زاد، وأن منهم من كان إذا أحرم رمى بما معه من زاد...
التلبية:
يقول جواد علي: وذكر محمد بن حبيب أن طواف أهل الجاهلية بالبيت أسبوعاً، وذكر أنهم كانوا يمسحون الحجر الأسود، ويسعون بين الصفا والمروة. وكانوا يلبون. (كانت تلبياتهم مختلفة). والتلبية هي إجابة الملبي ربه. ثم يضيف: وتردد جمل التلبية بصوت مرتفع، ولعل ذلك لإعتقاد الجاهليين أن في رفع الصوت إفهاماً للصنم الذي يطاف له بأن الطائف قد لبى داعيه، وأنه استجاب أمره وحرص على طاعته... وهناك مواضع أخرى غير متصلة بالبيت الحرام، كانت مقدسة وداخلة في شعائر الحج، منها عرفة ومنى والمزدلفة والصفا والمروة، ومواضع أخرى كان يقصدها الجاهليون لقدسيتها أو لوجود صنم فيها...
الإفاضة:
يقول جواد علي: ويفيض الحجاج في الجاهلية عند طلوع شمس اليوم العاشر من ذي الحجة من المزدلفة إلى منى، لرمي الجمرات ولنحر الأضحية... وقد يكون لرمي الجمرات ولنحر الذبائح صلة بتلك الأصنام... وكان الجاهليون يقلدون هديهم بقلادة، أو بنعلين، يعلقان على رقبة الهدي، إشعاراً للناس بأن الحيوان هو هدي، فلا يجوز الإعتداء عليه، كما كانوا يشعرونه. والإشعار الإعلام. وهو أن يشق جلد البدنة أو يطعن بأسنمها... و التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي تشرر في الشمس. وقيل سمي التشريق تشريقاً، لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس... ولا يحل للحجاج في الجاهلية حلق شعورهم أو تقصيرها طيلة حجهم وإلا بطل حجهم. ويلاحظ أن غير العرب من الساميين كانوا لا يسمحون بقص الشعر في مثل هذه المناسبات الدينية... وخاصة اللحية... وكانت القبائل لا تحلق شعورها في مواسم حجها إلا عند أصنامها... وكان من عادة بعض القبائل، مثل بعض قبائل اليمن، إلقاء قرة من دقيق مع الشعر...
يضيف جواد علي: وكان أهل الجاهلية إذا قضوا مناسكهم وفرغوا من الحج، وذبحوا نسائكهم، يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم... وكانوا إذا خرج أحدهم من بيته يريد الحج، تقلد قلادة من لحاء السمر، دلالة على ذهابه إلى الحج، فيأمن حتى يأتي أهله...
التجارة في الحج:
قال جواد علي: قال علماء التفسير: كان متجر الناس في الجاهلية: عكاظ وذو المجاز، فكانوا إذا أحرموا لم يتبايعوا حتى يقضوا حجهم. ويقولون أيام الحج أيام ذكر.
العمرة:
يقول جواد علي: وكان أهل الجاهلية يقومون بأدائها في شهر رجب... حرص الجاهليون على ألا يوافق موعدها موعد مواسم الحج، لما كان لها من أهمية عظيمة عندهم قد تزيد على الطواف المألوف في شهر الحج... وورد أن أهل الجاهلية كانوا يرون أن العمرة من أشهر الحج... ولكن بعضهم كان يعتمر في كل شهر، ولا سيما في رجب، حيث كانوا يحلقون رؤوسهم ويجيؤون إلى محجاتهم للعمرة. وورد أن أهل الجاهلية كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أكبر الكبائر... ويلبس المعتمر الإحرام أيضاً. وقد كان الجاهليون يكتفون في عمرتهم بالطواف بالبيت، أما السعي بين الصفا والمروة، فأغلب الظن أن العرب لم يكونوا يقومون به... وتقبيل الأحجار والأصنام واستلامها في أثناء الطواف أو غير الطواف من الشعائر الدينية عند الجاهليين... ولكننا نستطيع أن نقول إن من أهم أركان الحج عند جميع الجاهليين، وجوب مراعاة النظافة، نظافة الجسم ونظافة الثياب.
بيوت العبادة
يقول جواد علي: وبيوت العبادة عند الجاهليين ثلاثة أنواع: بيوت عبادة خاصة بالمشركين، وهم الكثرة الغالبة، وبيوت عبادة خاصة باليهود، وبيوت عبادة خاصة بالنصارى. أما بيوت عبادة المجوس، فقد عرفت في العربية الشرقية والعربية الجنوبية، ولكن عبادها هم من المجوس، أي العجم، فالمجوسية لم تنتشر بين العرب، ولم تدخل بينهم إلا بين عدد قليل من الناس.
يضيف جواد علي: وذكروا أن في جملة الألفظ التي أطلقت على بيوت الأصنام لفظة الطاغوت، والجمع طواغيت. ورد أن العرب كانت اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدي إليها، كما تهدي إلى الكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها كانت عرفت أنها بيت إبراهيم الخليل ومسجده. وورد أن الطاغوت الصنم، وكل معبود من دون الله...
وقدست بعض المواضع وأقيمت المعابد فيها، بسبب وجود أشجار مقدسة فيها... وقدست مواضع أخرى لوجود أحجار مقدسة فيها، كانوا يطوفون حولها. من هذه المواضع: عكاظ... وقد عثر على كتابات جاهلية تبين منها، أن الجاهليين كانوا يعدون طهارة الملابس وطهارة الجسم من الأمور الملازمة لمن يريد دخول المعبد.... وعثر المنقبون على أحواض داخل المعابد في العربية الغربية، يظهر أنها كانت للوضوء، لتطهير الجسم قبل الدخول إلى المسجد، موضع الصنم... ولهم آداب اتبعوها حين دخولهم بيت الصنم وحين خروجهم منه... ولبيوت العبادة سدنة وحجبة وخدم، يقومون كلهم بخدمة البيت وما فيه من أصنام... وتعد السدانة من المنازل الدينية والإجتماعية الرفيعة عند الجاهليين... ومع الحرمة التي كانت للمعابد، انتهك المستهترون وذوو الحاجة حرمتها، فسرقوا ما تمكنوا عليه من خزائنها...
هذا أهم ما رأينا نقله عن الجاهلية في بلاد العرب، البلاد التي كانت الموطن الذي بعث فيه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم. ومما استعرضناه نرى أنه أبقى (النبي) على الكثير من المناسك التي كانت أيام الجاهلية بعد أن طهرها من كل ما يمت إلى الشرك بصلة. وما أبقى عليه الإسلام هو ما أمر به رب العالمين في كتابه الكريم. وحرصنا أن لا نقوم بمقابلة بين ما كان أيام الجاهلية وما هو قائم اليوم حتى لا تكون هناك شبهة باستمرارية للعبادات، أو أن العبادة هي نوع من التطور الطبيعي للمفاهيم العبادية كنتيجة لتطور المجتمع. فنحن لا نرى بأن الإنتقال من الشرك إلى التوحيد هو تطور طبيعي للمفاهيم الدينية عند أهل الجزيرة العربية. إنما الإنتقال من الجاهلية إلى الإسلام إنما هو كما عبر عنه القرآن الكريم إنتقال من الظلمات إلى النور بإذن الله. ولولا مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ما كان للبشرية ولا للعرب أن يهتدوا إلى الصراط المستقيم. ودليلنا على ذلك وجود الأحناف في الجزيرة العربية، والذين سنتحدث عنهم الآن، كيف أنهم لم يكونوا مشركين ولكنهم لم يفقهوا كيف يدعون إلى دين التوحيد، إلى الإسلام الذي كانوا يعتقدون أنه مرتبط بنبينا إبراهيم عليه السلام.
الأحناف
تعتبر الحنيفية قراءة مختلفة للكون عما كانت عليه الجاهلية، قبل مبعث نبي الهدى عليه الصلاة والسلام.
قال جواد علي: وذكر بعض أهل الأخبار أن الحنيف عند أهل الجاهلية من اختتن وحج البيت فكل من اختتن وحج البيت هو حنيف. ويرى الطبري أنه لا بد من الإستقامة على ملة إبراهيم واتباعه عليها... وقد أضاف بعضهم إعتزال الأصنام والإغتسال من الجنابة إلى ما ذكرت، وجعلوا ذلك من أهم العلامات الفارقة التي ميزت الحنفاء عن المشركين... وينسب أهل الأخبار إلى الأحناف بالإضافة إلى ما ذكرت، إمتناعهم عن أكل ذبائح الأوثان وكل ما أهل لغير الله... كما نسبوا إليهم تحريم الخمر على أنفسهم، والنظر والتأمل في خلق الله، ونسبوا إليهم أداء شعائر الحج وغير ذلك.
يضيف جواد علي: والحنفاء كما يفهم من روايات أهل الأخبار، كانوا طرازاً من النساك، نسكوا في الحياة الدنيا، وانصرفوا للتعبد للإله الواحد الأحد إله إبراهيم وإسماعيل، ساحوا في البلاد على نحو ما يفعله السياح الزهاد بحثاً عن الدين الصحيح دين إبراهيم، فوصل زيد بن عمرو بن نفيل إلى الشأم والبلقاء ووقف على اليهودية والنصرانية فلم ير في الديانتين ما يريد. ومنهم من أخذ على قومه هدايتهم بحثهم على ترك عبادة الأصنام، لذلك لاقوا منهم غشاً ونصباً شديداً. ومنهم من كان يتأمل في هذا الكون، لذلك تجنب الناس واعتزلهم، والتجأ إلى الكهوف والمغاور البعيدة ابتعاداً عن الناس للتأمل والتفكر، وقد تجنبوا الخمرة والأعمال المنكرة، وقول الفحش، وساروا على مثل الإسلام، وإن عاشوا قبل الإسلام، لأن الإسلام دين إبراهيم.
يضيف جواد علي: وقد عد بعض المستشرقين الحنفاء شيعة من شيع النصرانية، وعدوهم نصارى عرباً زهاداً كيفوا النصرانية بعض التكييف، وخلطوا فيها بعض تعاليم من غيرها. وقد استدلوا على ذلك بما ورد من تنصر بعضهم... ويلاحظ أن جميع من حشرهم أهل ألأخبار في الحنيفية، كانوا من القارئين الكاتبين... ولبعض منهم، كما يروي أهل الأخبار علم باللغات الأجنبية مثل السريانية والعبرانية...كما كان لهم علم ووقوف على تيارات الفكر في ذلك الوقت... فهم بالنسبة لذلك الوقت الطبقة المثقفة من الجاهليين نادت بالإصلاح وبرفع مستوى العقل وبنبذ الأساطير والخرافات وبتحرير العقل من سيطرة العادات والتقاليد فيه، وذلك بالدراسات والتأمل وبقراءة الكتب وبالرجوع إلى دين الفطرة، الذي لا يقر عبادة الشرك ولا عبادة الناس.
... وليس في أيدينا اليوم مورد يفيد بوجود تكتل وتنظيم لمن أطلق الإخباريون عليهم لفظة: الحنفاء، تكتل وتنظيم مع مظاهر خارجية وداخلية تميزهم عن غيرهم من أهل الأديان. لذلك فنحن لا نستطيع أن نقول إن الحنيفية فرقة تتبع ديناً بالمعنى المفهوم من الدين... وجل هؤلاءالأحناف، هم من أسر معروفة، وبيوت يظهر أنها كانت مرفهة أو فوق مستوى الوسط بالنسبة لتلك الأيام، ولهذا صار بإمكانهم الحصول على ثقافة وعلى شراء الكتب... وقد ذكر من بينهم حنظلة بن صفوان وخالد بن سنان العبسي ورئاب الشني وأمية بن أبي السلط الثقفي وورقة بن نوفل وعداس مولى عتيبة بن ربيعة الثقفي وأبوقيس صرمة بن أبي أنس الأنصاري وأبو عامر الأوسي وعبدالله بن جحش الأسدي وبحيرا الراهب ومن هؤلاء من كان على النصرانية وقد نص المسعودي نفسه على ذلك. ويقال أن قس بن ساعدة الإيادي وعثمان بن الحويرث كانوا نصارى...
يقول جواد علي أن الأحناف كانوا يعتكفون: وقد نسب الإعتكاف في الكهوف وفي البراري وفي الجبال إلى عدد من هؤلاء الحنفاء. فقد ذكر أهل الأخبار أنهم كانوا قد اعتكفوا في المواضع الخالية البعيدة عن الناس، وحبسوا أنفسهم فيها، فلا يخرجون منها إلا لحاجة شديدة وضرورةماسة. يتحنثون فيه ويتأملون في الكون، يلتمسون الصدق والحق. فكانوا يتعبدون في تلك المواضع الهادئة الساكنة، مثل غار حراء.
وهذه قراءة ثانية للكون والمجتمع كانت في الجاهلية قبل مبعث رسولنا صلى الله عليه وسلم. هذه القراءة هي قراءة الأحناف. وهؤلاء الأحناف قد خبرهم الرسول عليه السلام، وعرفهم، ورغم قربه منهم، من حيث المعتقدات بشكل عام، إلا أنه لم يكن منهم.
فهو (النبي) عرف بحيرا الراهب الذي يقول جواد علي أنه كان من الأحناف رغم تنصره. فهو قال لهذا الراهب عندما كان فتىً أنه يبغض اللاة والعزى.
وعرف قس بن ساعدة الإيادي في سوق عكاظ، ولكنه لم يتبن إعتقاداته: يقول جواد علي: إن وفداً من إياد قدم على النبي: فسألهم عن قس، فقالوا: هلك. فقال: رحمه الله، كأني أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل أورق (أحمر) وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة ما أوجدني أحفظه. فقال رجل من القوم، أنا أحفظه يا رسول الله. سمعته يقول: أيها الناس أسمعوا وعوا... إلى آخر الخطبة، وما جاء بعدها من شعر، فقال عندها رسول الله: رحم الله قساً، إني لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمةً وحده.
يترحم الرسول على قس ولكنه لم يقل للوفد أن قساً كان مسلماً رغم تبشيره بالجنة. وكذلك فعل مع مختلف الأحناف الذين عرفهم، عدا أمية بن أبي السلط لأن هذا الأخير أبى أن يسلم. إليكم لقاءه مع النبي: يقول جواد علي: وذكر أن الرسول قال في حديث له عن أمية بن أبي الصلت: آمن شعره وكفر قلبه، أو آمن لسانه وكفر قلبه. وأنه لما سمع شعره في الدين والحنيفية ومطلعه:
الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا
قال: إن كاد أمية ليسلم.
أما عن زيد بن عمرو بن نفيل: وروي أن رسول الله سئل عن زيد بن عمرو بن نفيل، فقال: يبعث أمة وحده يوم القيامة. بل روي أنه ترحم عليه، وأنه قال: رأيته في الجنة يسحب ذيولاً.
أما ورقة فيروى أن الرسول قال: لا تسبوا ورقة بن نوفل، فإني رأيته في ثياب بيض. قيل إن شخصاً تساب مع أخ لورقة بن نوفل، فسب ورقة ليحرق قلب أخيه، فبلغ ذلك الرسول، فنهى عن سبه.
كان الأحناف موحدين،ورغم ذلك لم ينتسب النبي عليه السلام لهم. لماذا؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل مشروعاً تغييرياً يتطلب العمل الدؤوب بين الناس، وليس في البراري والفيافي. عندما أنكر الناس على الأحناف معتقداتهم رأينا الأحناف يعتزلون الناس. أما النبي عليه السلام والمسلمون فقد أوذوا واضطُهدوا وصبروا وأبوا إلا أن يعيشوا مع الناس وبينهم، لأن من يريد أن يغير المجتمع عليه ان يعيش فيه، لا أن يعتزله كما فعل الأحناف. ومنهم من مات تحت التعذيب (سمية رضي الله عنها). وصمدوا رغم كل ذلك إلى أن سمح لهم النبي عليه السلام بالهجرة إلى الحبشة، تخفيفاً منه لعذاباتهم. أما النبي فقد ظل في مكة يتحمل جور أهلها من المشركين. بكلمة واحدة كان النبي يحمل هماً، رسالة كان عنوانها نقل البشرية من الظلمات إلى النور، الإقلاع عن عبادة العباد وعبادة رب العباد وحده.
والآن ننتقل إلى قراءة جديدة كانت في الجزيرة العربية قبل بعثة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.
اليهودية
اليهودية دين توحيدي ورغم ذلك فالنبي عليه السلام قال لعمر (بما معناه) أن موسى لو بعث من جديد لقرأ القرآن وليس التوراة عندما وجد مع عمر بن الخطاب صحائف من التوراة (وكان مغضباً).
يقول جواد علي: وقد عُرف اليهود عند الجاهليين، وورد ذكرهم في الشعر الجاهلي. ولا بد من وقوف الجاهليين على أحوالهم، لأنهمكانوا كما سنرى يسكنون في مواضع عديدة معروفة تقع ما بين فلسطين ويثرب، كما سكنوا في اليمن وفي اليمامة وفي العروض. وكان تجار منهم يقيمون في مكة وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب للإتجار وإقراض المال بربا فاحش للمحتاجين.... ويظهر من مواضع من التلمود أن نفراً من العرب دخلوا اليهودية، وأنهم جاءوا إلى ألأحبار، فتهودوا أمامهم. وفي هذه المرويات التلمودية، تأييد لروايات أهل الأخبار التي تذكر أن اليهودية كانت في حمير، وبني كنانة، وبني الحارث بن كعب، وكندة وغسان. وذكر اليعقوبي أن ممن تهود من العرب اليمن بأسرها. كان تبع حمل حبرين من أحبار يهود إلى اليمن، فأبطل الأوثان، وتهود من باليمن، وتهود قوم من الأوس والخزرج بعد خروجهم من اليمن لمجاورتهم يهود خيبر وقريظة والنضير. وتهود قوم من بني الحارث بن كعب وقوم من غسان وقوم من جذام... ويرى عض الإخباريين أن ابتداء أمر اليهود في الحجاز ونزولهم وادي القرى وخيبر وتيماء ويثرب إنما كان في أيام بختنصر، فلما جاء بختنصر إلى فلسطين، هرب قسم منهم إلى هذه المواضع واستقروا بها إلى مجيء الإسلام، وليس في هذا الخبر ما يحملنا على استبعاده... أما ما ورد في روايات أهل الأخبار عن هجرة بعض اليهود إلى أطراف يثرب وأعالي الحجاز على إثر ظهور الروم على بلاد الشأم وفتكهم بالعبرانيين وتنكيلهم بهم مما اضطر ذلك بعضهم إلى الفرار إلى تلك الأنحاء الآمنة البعيدة عن مجالات الروم، فإنه يستند إلى أساس تاريخي صحيح...
يقول جواد علي: وما دمنا لا نملك نصوصاً يهودية جاهلية،ولا نصوصاً عربية جاهلية تتعرض ليهود، فليس في وسعنا إذن أن نتحدث باطمئنان عن أثر اليهود في الجاهليين أو أثر الجاهليين في اليهود. لقد تحدث عدد من المستشرقين عن أثر اليهود في الجاهليين، فزعموا أن لليهود أثراً عميقاً فيهم، فالختان مثلاً هو أثر من آثار يهود في العرب، وشعائر الحج عند الوثنيين أكثرها هي من إسرائيل، فالطواف حول البيت يرجع أصله إلى بني إسرائيل، ذلك أن قدماءهم كانوا يطوفون حول خيمة الإله يهوه إله إسرائيل، ومنهم تعلمه الجاهليون واتبعوه في طوافهم بالبيت. والإجازة بعرفة يهودية كذلك، لأن الذي كان يجيز الحجاج بعرفة فيأمر الحج بالرمي بعد أن يلاحظ الشمس وقت الغروب يعرف بصوفة، وصوفة تسمية عبرانية لها علاقة وصلة بهذه الوظيفة وظيفة مراقبة غروب الشمس وتثبيت وقته، فالإجازة إذن عبرانية الأصل. ومنى صنم من أصنام إسرائيل، ووادي منى على إسم هذا الصنم الإسرائيلي، وأسماء أيام الأسبوع هي تسميات أخذت من يهود، ولفظة المدينة التي تطلق على يثرب، أطلقها اليهود على هذا الموضع قبل الإسلام، وقد أخذوها من الإرمية، لتميز هذا المكان عن وادي القرى. وأشياء أخرى من هذا القبيل.581
يبدو واضحاً مما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاشر يهوداً أو التقى بهم قبل بعثته. أما اليهود فكانوا ممن تنبأواص ببعثته المباركة. ومن الواضح أن من عرف محمداً كان يخاف عليه من غدر اليهود. فهذا بحيرا الراهب النصراني الذي اعتبره جواد علي من الأحناف، أوصى أبا طالب، عم النبي بالإنتباه عليه من اليهود. قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ فلما فرغ (بحيرا الراهب)، أقبل على عمه أبي طالب ، فقال له ‏‏‏:‏‏‏ ما هذا الغلام منك‏‏‏؟‏‏‏ قال‏‏‏:‏‏‏ ابني.‏‏‏ قال له بحيرى‏‏‏:‏‏‏ ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً؛ قال‏‏‏:‏‏‏ فإنه ابن أخي؛ قال:‏‏‏ فما فعل أبوه؟‏‏‏ قال‏‏‏:‏‏‏ مات وأمه حبلى به؛ قال:‏‏‏ صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده‏‏‏.‏‏‏
أما عن التنبؤ بمبعثه عليه السلام فقد كان لليهود قسط من ذلك. قال ابن إسحاق:‏‏ وكانت الأحبار من يهود، والرهبان من النصارى، والكهان من العرب، قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، لما تقارب من زمانه‏‏.‏‏
أما الأحبار من يهود، والرهبان من النصارى، فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه، وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه.‏‏
وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع، إذ كانت هي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم‏‏.‏‏ وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره، لا تلقي العرب لذلك فيه بالاً، حتى بعثه الله تعالى، ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون، فعرفوها.‏‏
من خلال ما تقدم يمكننا أن نؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخالط يهوداً في مكة قبل بعثته المباركة. فما يمكننا قوله أيضاً، أنه لم يتأثر بقراءة اليهود للمجتمع والكون. كما ونؤكد أن قراءته للكون والمجتمع لم تكن مشابهة لقراءة يهود. كذلك فإن الخوف على الطفل والفتى محمد سواء من الوثنيين أو من النصارى أو الأحناف يحمل مدلولاً لا بأس من التفكر فيه.
النصارى
يقول جواد علي: ليس في استطاعتنا تعيين الزمن الذي دخلت فيه النصرانية إلى جزيرة العرب. وتحاول مؤلفات رجال الكنائس رد ذلك التاريخ إلى الأيام الأولى من التأريخ النصراني، غير أننا لا نستطيع إقرارهم على ذلك، لأن حججهم في ذلك غير كافية للإقناع.
ثم يضيف: وإذا كانت اليهودية قد دخلت جزيرة العرب بالهجرة والتجارة، فإن دخول النصرانية إليها كان بالتبشير وبدخول بعض النساك والرهبان إليها للعيش فيها بعيدين عن ملذات الدنيا... وبفضل ما كان لكثير من المبشرين من علم ومن وقوف على الطب والمنطق ووسائل الإقناع وكيفية التأثير في النفوس، تمكنوا من اكتساب بعض سادات القبائل فأدخلوهم في دينهم، أو حصلوا منهم على مساعدتهم وحمايتهم... ولم يعبأ المبشرون بالمصاعب والمشقات التي كانوا يتعرضون لها، فدخلوا مواضع نائية في جزيرة العرب، ومنهم من رافقوا الأعراب، وعاشوا عيشتهم، وجاروهم في طراز حياتهم، فسكنوا معهم الخيام... وقد كان في مكة وفي الطائف وفي يثرب وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب رقيق نصراني كان يقرأ ويكتب ويفسر للناس ما جاء في التوراة والأناجيل ويقص عليهم قصصاً نصرانياً ويتحدث إليهم عن النصرانية... وذكر ابن قتيبة الدينوري: إن النصرانية كانت في ربيعة، وغسان، وبعض قضاعة. وقال اليعقوبي: وأما من تنصر من أحياء العرب، فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزى، منهم عثمان بن الحويرث، وورقة بن نوفل. ومن بني تميم: بنو امرىء القيس بن زيد مناة. ومن ربيعة: بنو تغلب، ومن اليمن: طيء ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ وغسان ولخم.
يقول جواد علي: ومن أهل مكة من زعم أن قيناً لبني الحضرمي كان قد جمع الكتب، وهو رومي، فكان رسول الله يأتي إليه ويجتمع به، فكان المشركون يقولون: إنه يتعلم من هذا الرومي! وذكر بعض الرواة أن آل الحضرمي كانوا يملكون عبدين، هما جبر ويسار، فكانا يقرآن التوراة والكتب بلسانهما، فكان الرسول عليه السلام يمر عليهما فيقوم يستمع منهما... وأما من ذكر أن وأما من ذكر أن سمه بلعام، فقال أنه كان قيناً رومياً بمكة وكان نصرانياً أعجمي اللسان، فكان المشركون يرون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا إنما يعلمه بلعام. ومهما اختلف المفسرون في إسم هذا الرجل فإنهم اتفقوا على أنه كان أعجمي الأصل، نصرانياً يقرأ الكتب، وأنه كان بمكة نفر من الموالي كانوا علي دين النصرانية يقرأون ويكتبون.
من المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم، قبل أن يكون نبياً كان يمشي في الأسواق يستمع لما يحصل فيها، لأنه كان يعيش مجتمعه. فهو قد صادف قس بن ساعدة الإيادي فة سوق عكاظ، ومع أن قساً كان من الأحناف ولكن ورد أنه قد تنصر، كما أن النبي عليه السلام قد عرف غلام خديجة الذي كان على دين النصارى. كما أن النبي عليه السلام قد عرف بحيرى الراهب الذي تحدث معه خلال رحلته الأولى إلى الشام مع عمه أبي طالب.
وهناك رواية عن النصارى تروى عندما كان محمد لا يزال طفلاً: قال ابن إسحاق ‏‏‏:‏‏‏ وحدثني بعض أهل العلم ‏‏‏:‏‏‏
أن مما هاج أمه السعدية على رده إلى أمه ، مع ما ذكرت لأمه مما أخبرتها عنه ، أن نفرا من الحبشة نصارى ، رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه ، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلبوه ، ثم قالوا لها ‏‏‏:‏‏‏ لنأخذن هذا الغلام ، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا ، فإن هذا غلام كائن له شأن نحن نعرف أمره ، فزعم الذي حدثني أنها لم تكد تنفلت به منهم ‏‏‏.‏‏‏
الملاحظ أن علاقة محمد مع النصارى كانت علاقة تتسم بالود. من هنا لجوءه إلى النصراني الأشهر ورقة بن نوفل عندما جاءه الملاك جبريل. و هذا يدل على الثقة التي أولاها النصارى.
رغم كل ما تقدم لا نجد في سيرة المصطفى عليه السلام ما يدل أو يوحي أنه قد تبنى أياً من المفاهيم النصرانية. إذن كانت لمحمد قبل النبوة قراءته الخاصة للكون.
هل تغيرت علاقة النبي عليه السلام مع الآخر بعد أن أصبح نبياً؟
إذا بدأنا من محيطه الأدنى، أي علاقته بزوجه، نراه قد دعاها للإسلام. أي أن علاقته قد أخذت طابعاً آخر، الشراكة من أحل الدعوة لإلى الله تبارك وتعالى.
أما بالنسبة من كان أقرب الناس إلى معتقداته، نعني الأحناف، فقد بدا أن الفروقات بينهما كبيرة جداً. فالأحناف يدعون إلى الخلاص الفردي كما تفعل النصرانية، بينما الدعوة الإسلامية تدعو إلى خلاص الإنسانية عبر خلاص المجتمعات الذي يأتي عبر الدعوة والجهاد الذي يقوم بهما المؤمنون بهذا الدين. ولو خطر على بال أحد أن يفكر بما قاله ورقة بن نوفل، المتقدم بالحنيفية وبالنصرانية، للنبي صلى الله عليه وسلم، عندما قال له أنصرنك نصراً مؤزراً. ألم يخطر ببال أحد أن يسأل لماذا لا ينصر دينه؟ الجواب بسيط! فدعوة ورقة وأشباهه هي دعوة للخلاص الفردي. بينما القراءة باسم الله تفرض الخلاص الجماعي للمجتمع والإنسانية.
وبعد أن بعث محمد رسولاً، كانت أولى ممارساته مع اليهود هي الكتاب الذي ينظم العلاقة ما بين المسلمين ويهود في المدينة. وقد كانت النقاشات بين النبي عليه السلام واليهود تجري باستمرار، حتى أنه كان عليه السلام يذهب إلى مدارسهم. وكان اليهود يعرفون أنه نبي مرسل وينكرون نبوته عليه السلام. قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجال من قومه، قالوا‏‏:‏‏ إن مما دعانا إلى الإسلام، مع رحمة الله تعالى وهداه لنا، لما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون، قالوا لنا:‏‏ إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم.‏‏
فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أجبناه، حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به، وكفروا به، ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة‏‏:‏‏ ‏‏(‏‏ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين ‏‏)‏‏‏‏.‏‏
قال ابن هشام:‏‏ يستفتحون:‏‏ يستنصرون، ويستفتحون أيضاً:‏‏ يتحاكمون، وفي كتاب الله تعالى:‏‏ ‏‏(‏‏ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ‏‏)‏‏‏.‏‏
وهذه قصة ثانية من السيرة عن اليهود. قال ابن إسحاق:‏‏ وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد أخي بني عبدالأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش، وكان سلمة من أصحاب بدر، قال‏‏:‏‏ كان لنا جار من يهود في بني عبدالأشهل، قال:‏‏ فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بني عبدالأشهل - قال سلمة:‏‏ وأنا يومئذ من أحدث من فيه سناً، علي بردة لي، مضطجع فيها بفناء أهلي - فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار؛ قال‏‏:‏‏ فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت؛ فقالوا له:‏‏ ويحك يا فلان أوترى هذا كائناً، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟‏‏ قال‏‏:‏‏ نعم، والذي يحلف به، ولودّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدار، يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه، بأن ينجو من تلك النار غداً؛ فقالوا له‏‏:‏‏ ويحك يا فلان!‏‏ فما آية ذلك‏‏؟‏‏ قال:‏‏ نبى مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكة واليمن؛ فقالوا:‏‏ ومتى تراه؟‏‏ قال:‏‏ فنظر إلي وأنا من أحدثهم سناً، فقال:‏‏ إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه‏‏.‏‏
قال سلمة:‏‏ فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمداً رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغياً وحسداً، قال:‏‏ فقلنا له‏‏:‏‏ ويحك يا فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت؟‏‏ قال:‏‏ بلى، ولكن ليس به.
ومن معرفة اليهود بالنبي عليه السلام واستكبارهم عن الإيمان به: قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال‏‏:‏‏ قال لي‏‏:‏‏ هل تدري عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد، نفر من بني هدل، إخوة من بني قريظة، كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا سادتهم في الإسلام.‏‏ قال:‏‏ قلت‏‏:‏‏ لا و الله، قال:‏‏ فإن رجلاً من يهود من أهل الشام، يقال له‏‏:‏‏ ابن الهيبان، قدم علينا قبيل الإسلام بسنين، فحل بين أظهرنا، لا والله ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له‏‏:‏‏ اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا؛ فيقول‏‏:‏‏ لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة؛ فنقول له:‏‏ كم؟‏‏ فيقول‏‏:‏‏ صاعاً من تمر، أو مدين من شعير.‏‏ قال:‏‏ فنخرجها ‏ ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقي الله لنا‏‏.‏‏ فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونسقى، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث.‏‏
قال‏‏:‏‏ ثم حضرته الوفاة عندنا.‏‏ فلما عرف أنه ميت، قال:‏‏ يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟‏‏ قال‏‏:‏‏ قلنا:‏‏ إنك أعلم؛ قال‏‏:‏‏ فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبى قد أظل زمانه؛ وهذه البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا تسبقن إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذراري والنساء ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه‏‏.‏‏
فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر بني قريظة، قال هؤلاء الفتية، وكانوا شباباً أحداثاً‏‏:‏‏ يا بني قريظة، والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيبان؛ قالوا:‏‏ ليس به؛ قالوا:‏‏ بلى والله، إنه لهو بصفته، فنزلوا وأسلموا، وأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق‏‏:‏‏ فهذا ما بلغنا عن أخبار يهود.‏‏
أما معاملة النبي عليه السلام، مع النصارى فكانت مختلفة عن تعامله مع اليهود، حيث أنه لم يتعرض لغدرهم بالعهود.
ورد أن الرسول عليه السلام قال لراهبين أتياه من نجران ليبحثا فيما عنده: "يمنعكما عن الإسلام ثلاث: أكلكما الخنزير، وعبادتكما الصليب، وقولكما لله ولد".
وقد ناقش الرسول صلى الله عليه وسلم وفد نجران من النصارى. فاختلف النصارى مع النبي عليه السلام بعيسى فقال لهم ما قاله الله له: (‏‏ إن مثل عيسى عند الله ‏‏)‏‏ فاستمع ‏‏(‏‏ كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون.‏‏ الحق من ربك ‏‏)‏‏، أي ما جاءك من الخبر عن عيسى ‏‏(‏‏ فلا تكن من الممترين ‏‏)‏‏، أي قد جاءك الحق من ربك فلا تمترينّ فيه، وإن قالوا‏‏:‏‏ خلق عيسى من غير ذكَر فقد خلقت آدم من تراب، بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر، فكان كما كان عيسى لحماً ودماً، وشعراً وبشراً، فليس خلق عيسى من غير ذكر بأعجب من هذا.‏‏ ‏‏(‏‏ فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ‏‏)‏‏، أي من بعد ما قصصت عليك من خبره، وكيف كان أمره، ‏‏(‏‏ فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ، ونساءنا ونساءكم ، وأنفسنا وأنفسكم ، ثم نبتهلْ فنجعلْ لعنة الله على الكاذبين ‏‏)‏‏‏‏.‏‏
قال ابن هشام:‏‏ قال أبو عبيدة‏‏:‏‏ نبتهل‏‏:‏‏ ندعو باللعنة.
قال ابن هشام‏‏:‏‏ ويقال:‏‏ بهُلة الله، أي لعنة الله؛ ونبتهل أيضاً:‏‏ نجتهد، في الدعاء.‏‏
قال ابن إسحاق:‏‏ ‏‏(‏‏ إن هذا ‏‏)‏‏ الذي جئت به من الخبر عن عيسى ‏‏(‏‏ لهو القصص الحق ‏‏)‏‏ من أمره ‏‏(‏‏ وما من إله إلا الله، وإن الله لهو العزيز الحكيم‏‏.‏‏ فإن تولوا، فإن الله عليم بالمفسدين ‏‏.‏‏ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا، فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ‏‏)‏‏ ‏‏.‏‏ فدعاهم إلى النَّصَف، وقطع عنهم الحجة ‏‏.‏‏
فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله عنه، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأُمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك؛ فقالوا له‏‏:‏‏ يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه.‏‏ فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا:‏‏ يا عبدالمسيح، ماذا ترى‏‏؟‏‏ فقال:‏‏ والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم.‏‏ فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا:‏‏ يا أبا القاسم، قد رأينا ألا نلاعنك، وأن نتركك علىدينك ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضاً‏‏.‏‏
وهكذا نرى بأن عاقبة الخلاف ما بين النبي عليه السلام واليهود كانت الحرب، أما خلافه مع النصارى انتهى إلى التوافق، فقد أخذوا من عند النبي عليه السلام من يحكم بينهم.
نستنتج فنقول بأن القراءة باسم الله هي قراءة جديدة في جميع توجهاتها، قراءة تكون عاقبتها تحرير المجتمع والإنسان من عبادة العباد وبناء المجتمع الذي يحقق هذه الحرية للإنسان. أو كما ورد عن أحد علمائنا: أن كمال حرية الإنسان هو بتمام عبوديته لله عز وجل.
7 تشرين الثاني 2010 حسن ملاط