بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

السبت، 24 سبتمبر 2016

إنقاذ الوطن

                        
حسن ملاط   
منذ 2005، لم يعرف لبنان استقراراً بالمعنى الدقيق للمصطلح. إنما كان هناك راحة بين توترات مختلفة. أما بعد انطلاقة الإنتفاضة في سورية في 2011، فقد أصبح الإستقرار غائباً كلياً.
تدخلت دول عديدة في سورية، منها إلى جانب النظام، ومنها من هو معاد له. وتبعاً لهذه الإصطفافات، كان مؤيدو 14 آذار من الذين يقدمون المساعدات للجهات المعادية للنظام، في حين قدم الموالون للطرف الآخر المعونة له.
ارتفعت وتيرة التوترات الداخلية كثيراً. ولكن كان هناك حرص من كافة الأطراف المؤثرة على أن لا يصبح هذا التوتر حرباً داخلية. وفي هذا المقام، نستذكر ما طرحه السيد حسن نصرالله على الطرف الخصم، من حيث عدم القتال على الأراضي اللبنانية. وإن كان هناك لا بد، فليكن العراك على الساحة السورية.
اشتدت وتيرة تدخل الحزب في سورية وغيرها من الساحات التي كانت إيران تملك مصالح فيها. وهذا ليس سراً، فقد قال السيد نصرالله أنه يتدخل في سوريا والعراق واليمن، وحيث يدعوه الواجب الجهادي. وهذه الساحات هي التي يملك فيها الحزب مبررا مذهبياً للتدخل فيها.
في هذه الأثناء كانت السعودية وحلفاءها من الخليجيين ومنافستهم إيران يعملون على تأجيج الخلافات المذهبية من أجل سهولة التجييش في الحروب التي أوقدوها في إقليمنا. ثم أصبحوا جميعاً بين ليلة وضحاها، يعملون ضمن أجندات ليس لهم يد في تحديدها. فقد تسلمت الإدارة الأمريكية وروسيا زمام الأمور، وأصبح بأيديهما تحديد وقف النار أو الإستمرار به. هذا من دون أن ننفي عن مختلف الأطراف إمكانية خربطة توافقات الدولتين الأهم في العالم.
هذا هو الإطار العام المحيط بالوضع اللبناني والذي يملك التأثير الفعلي عليه، سواء سلباً أو إيجاباً. هذا التأثير لا ينفي أن الإستقرار الداخلي الفعلي لا يمكن للخارج أن يفرضه، إنما يكون عنصراً مساعداً فقط. فالإستقرار هو جهد من الأطراف الداخلية، في حال أرادت ذلك.
القوى الفاعلة
القوى السياسية الفاعلة في الداخل اللبناني هي حزب الله ثم تيار الحريري. قلنا "حزب الله" لأن الحزب لا يرتبط بشخص معين، ولكن تيار المستقبل يرتبط فعلياً بالرئيس الحريري. أما بقية القوى فهي تتوزع بولاءاتها على هاتين القوتين. وللتذكير فقط، أن الرئيس الحريري الأب، عندما كان يتحدث عن المناصفة، فقد كان يعنيها فعلاً. أما تطبيقها العملي فهو توزيع الطبقة السياسية المسيحية ما بين حزب الله وتيار المستقبل. أما باللغة المستخدمة اليوم، فالطبقة السياسية المسيحية توزع ولاءاتها، تبعاً لمصالحها بين الشيعة والسنة السياسيين.
أما قوة حزب الله فهي تعود إلى أسباب عديدة، منها: قوته العسكرية أولاً، قوته في طائفته ثانياً وارتباطه بقوة إقليمية صاعدة هي إيران ثالثاً. وما أعطاه الوهج والبريق قبل كل هذا هو انتصاره مرتين على العدو الصهيوني.
وتيار المستقبل يستمد قوته من حيث تمثيل رئيسه للطائفة السنية من دون منازع، وخاصة من حيث الإنتشار في كافة الأراضي اللبنانية. وكذلك لارتباطه بالدول السنية الإقليمية الفاعلة: تركيا، السعودية ومصر.
أما الطبقة السياسية المسيحية في لبنان وغيره من بلاد الإقليم، لا تحميها فعلياً أية جهة دولية أو إقليمية. ففي حرب السنتين، عندما كانت القوى السياسية المسيحة في أوج قوتها، سواء في السلطة اللبنانية، أو من حيث علاقاتها الخارجية، من دون أن نغفل قواها الذاتية، رغم كل ما تقدم، فقد عرض ممثل الإدارة الأمريكية على الرئيس فرنجية أن يهاجر جميع المسيحيين إلى كندا أو أوروبا. فماذا يمكن أن يكون عليه عرض الإدارة الأمريكية اليوم!
أما من حيث الميثاقية التي يطرحها بعض السياسيين المسيحيين، فهذا نوع من الحياة خارج الواقع. فهو يعتقد أن بإمكانه بعث بروتوكول 1864 في 2016!
الواقع اليوم
في الإقليم، تقوم أمريكا وشركاؤها بإعادة رسم الخرائط الخاصة بكل بلد، وبالأخص سوريا والعراق. في لبنان نتأثر بسوريا أكثر من العراق. وبما أن الصورة السورية ليست واضحة، وبما أن حزب الله أصبح قوة إقليمية هامة، وبما أنه يريد الإستمرار بهذا الدور. وبما أنه ليس مقرراً على صعيد الإقليم، رأى أنه لا بأس من إيجاد حل مرحلي للأوضاع اللبنانية، بحيث لا يؤثر هذا الحل على دوره الإقليمي. كما وأن الحزب رأى بأن الشريك الأول لحل كهذا في لبنان هو الحريري، لذلك رأينا الحزب قد أعلن استعداده لعقد هذه الشراكة. كما وأن سلة الشروط التي كان يتسلح بها سابقاً لم يأت على ذكرها كشروط، لا على لسان الأمين العام للحزب ولا على لسان نائبه. إنما الصيغة التي جاء فيها العرض لم تكن مشجعة كثيراً، علماً أن هذه الصيغة لا تنتقص من مضمون العرض شيئاً. وهنا لا بد من التذكير بان الحزب كان يرفض نهائياً إمكانية عودة الرئيس الحريري إلى الرئاسة الثالثة.
أما من ناحية الرئيس الحريري، فقد غاب عن البلاد ردحاً كبيراً من الزمن، ما أثر سلباً على تماسك قاعدته الشعبية. كما وأن التغيرات على صعيد السلطة السياسية في السعودية، مرجعيته، قد أثر سلباً ايضاً على رعاية هذه الدولة لتياره السياسي. وهذا العامل قد أثر أيضاً سلباً على قاعدته الشعبية. أما العامل الثالث فهو بعده عن السلطة لمدة طويلة من الزمن مما أثر على وجود تياره في مفاصل الإدارة في السلطة اللبنانية.
الحريري الآن بحاجة ماسة للعودة إلى السلطة وذلك لأسباب عديدة:
1- الإنفتاح على الممسكين بالسلطة السياسية في المملكة السعودية من مركز قوة. رئيس سلطة تنفيذية في بلد هام كلبنان، مع رئيس السلطة التنفيذية في السعودية. أما انتظار ابن نايف لإعادته إلى السلطة، والمعروف عنه عدم الود اتجاه الحريري، فهذا لا يمكن أن تكون نتائجه إيجابية.
2- تدعيم وضعه في الإدارة.
3- الإشراف على قاعدته الشعبية التي تغطي الساحة اللبنانية، والتي بدأت قوة روابطها بالإنحلال. الحزب لا يريد من الحريري إلا تخفيف الإحتقان المذهبي. وحالياً لا يمكن لأي شخصية أخرى أن تلعب هذا الدور إلا الحريري.
4- المتضرر الأول من عدم تجاوب الحريري مع مبادرة حزب الله، هو لبنان. أما المتضرر الثاني، فهو الحريري نفسه. وليكن واضحاً أمام الحريري أن حزب الله لا يمكن أن يكون متضرراً من عدم تجاوبه مع مبادرته.
5- هل الإستجابة لمبادرة الحزب تؤثر سلباً على تفاهمات الحريري مع القوى اللبنانية الأخرى، بري، جنبلاط وفرنجية؟ جميع هؤلاء على علاقة جيدة مع الحزب. ما الذي يمنع الحريري من صياغة علاقة طيبة مع الحزب من جهة ومع هؤلاء من جهة أخرى؟ وفي هذا المقام، علينا أن نضيف ونؤكد أن علاقات السياسيين فيما بينهم هي تقاطعات مصلحية لا أكثر ولا أقل، ولا مكان للمشاعر فيها.
6- إنقاذ البلد هو أهم من كل الأسباب والمبررات التي طرحناها. وهذه الخطوة بحاجة إلى مبادرة جريئة من الرئيس الحريري تنقذ البلد وتنقذه وتعيد تشكيل السلطة في لبنان، بمعزل عن انتظار الحلول الإقليمية.
7- هل هذه الخطوة تتطلب انتخاب رئيس قبل التفاهم بين الحزب والحريري؟ إن فتح النقاش في هذا الأمر وعلى أعلى المستويات، هو الذي يمهد الطريق إلى جميع الحلول.
الطريق اليوم مفتوحة لإنقاذ البلد، لا تتطلب إلا الجرأة على الإقدام من قبل الرئيس الحريري. فهل يُقدم!
hassanmallat.blogspot.com
                                                  24 أيلول 2016



الجمعة، 16 سبتمبر 2016

الإعلان السوري عن التصدي للعدوان الصهيوني!

    
حسن ملاط
لقد درجت القيادة السورية منذ أواسط سبعينات القرن الماضي، حتى ما قبل أيام، على ترداد اللازمة نفسها بعد كل اعتداء صهيوني: "سنتصدى للعدوان في المكان والزمان المناسبين. ولن نسمح للعدو في توريطنا بحرب غير مستعدين لها".
ما الذي تغير حتى يتصدى النظام للعدوان؟
من الواضح تماماَ، أنه منذ سبعينات القرن الماضي وحتى ماقبل بدء الحرب الأهلية في سوريا، والتي أصبحت حرباً متعددة الإتجاهات على الشعب السوري، كان الجيش السوري أقوى بكثير مما كان عليه في الوقت الحالي. فمنذ مدة قريبة كان يُعلن الرئيس الأسد أمام كاميرات التلفزة أن القدرات على التجنيد في صفوف الجيش أصبحت غير كافية، كما وأن الإنهاك قد أصاب أكثر التشكيلات العسكرية. فهل من المنطقي أن يتم التصدي للعدوان الصهيوني في مثل هذه العدم جهوزية؟
إن وراء الأكمة ما وراءها! دعونا نتحدث عن الظروف المحيطة.
1- هناك جهود دولية غير مسبوقة بقيادة الولايات المتحدة وروسيا من أجل إيجاد حل للقضية السورية.
2- التدخل العسكري السوري بتغطية روسية واضحة، وبتغطية أمريكية مشوشة بسبب ضرب الأتراك للأكراد حلفاء أمريكا. ولكن يجري التحدث اليوم عن مساندة أمريكية عسكرية للتدخل التركي. (هل هذا إشراف من الأمريكي، على تحديد الخطوط الحمراء لمنطقة النفوذ التركي على الأراضي السورية، وهذه المرة برضى النظام الذي قصف الأكراد تعبيراً عن تضامنه مع الأتراك الذين يقصفون الأكراد في الوقت نفسه).
3- الحديث عن انسحاب للقوات الإيرانية مع حلفائها من جبهة حلب. وهذا لا يتم على قاعدة الإعتراض على ما يجري، ولكن، ربما، باتجاه التفتيش عن منطقة مناسبة للتواجد طويل الأمد، ضمن منظور مناطق النفوذ. فمن هذا المنظور، حلب لا تعنيهم كثيراً.
4- المنطقة الساحلية هي منطقة النفوذ الروسي حيث تواجد القواعد العسكرية. ولا يمكن لأحد أن ينافس الروسي على هذه المنطقة.
5- إذا كانت المنطقة الشمالية ستُرسم جغرافيتها السياسية على أيدي الأمريكان والروس والأتراك، والمنطقة الساحلية غير قابلة للنقاش، فأين يمكن للنظام أن يتمتع بنفوذ سياسي يعبر عن وجوده؟ دمشق وجوارها! وهي منطقة نفوذ إيراني حالياً، تبعاً لمختلف التقارير الإعلامية. إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن النظام أصبح خارج المعادلة. وهل يقبل بذلك؟ 
هذه المعطيات هي التي أجبرت النظام على التصدي للعدوان الصهيوني.
ما الذي يندرج تحت عنوان التصدي؟
أ‌-    من المتفق عليه أن الحليف الأقوى للرئيس الأسد هو النظام الإيراني وحزب الله اللبناني. والتصدي للعدوان الصهيوني يعني، آلياً، أنه تم بالتنسيق بين هذه الأطراف.
ب‌-                    أعلن الكيان الصهيوني مراراً وتكراراً أنه لن يقبل في أي ظرف من الظروف وجود قوات إيرانية وقوات لحزب الله على حدوده مع سوريا.
ت‌-                    ألا يعني هذا أن التصدي للعدوان الصهيوني من قبل النظام في هذه الظروف هو استدعاء للعدو الصهيوني للدخول في بازار تقاسم مناطق النفوذ في الأراضي السورية؟ الا يصب رفض الصهاينة للتواجد العسكري الإيراني وحزب الله في مصلحة النظام على اعتبار أن منطقة دمشق وضواحيها، امتداداً لدرعا تصبح تحت سيطرة النظام الذي يثق الصهاينة بحسن جيرته؟ وهذه هي المناطق المحاذية للأراضي المحتلة.
ث‌-                    إن الصمت المطبق عن الحديث عن التصدي للعدوان الصهيوني هو الدليل، ربما، على أن لعبة النظام "الوطنية" قد كانت مكشوفة من قبل الإيراني.
ج‌- ولكن هل سكوت النظام يُجبر الكيان الصهيوني على التراجع عن رفضه للتواجد الإيراني في المناطق الممتدة من درعا حتى دمشق؟ بالطبع لا. فهذه الكوة التي فتحها النظام، سيجعل العدو منها "أوتوستراد".   
هذا التصور يؤدي حتماً إلى تعقد الأمور أكثر من السابق، وسيعني استمرار استنزاف معظم القوى، بما فيها تركيا حديثاً، باستثناء أمريكا. وهذا يؤدي حتماً إلى زيادة النفوذ الأمريكي بواسطة القوى المستنزفة.
ما هو المتوقع إذن؟
يمكن للمسألة السورية أن تجد حلاً إذا قبلت إيران بمنطقة نفوذ على شريط يمتد من حدود لبنان الشمالية الشرقية مروراً بحمص ودير الزور في سوريا وصولاً إلى نينوى في العراق وصولاً لإيران. وهذا الأمر لن يكون مفروشاً بالورود لأن المناطق التي تحدثنا عنها هي ذات أكثرية سنية. وهذا يتطلب تهجير قسم لا بأس به وإخضاع ما تبقى.
القبول بهذا التصور سيؤدي على الأرجح إلى تقصير أمد الحرب على الشعب السوري.
نعود إلى التصدي للعدوان فنقول، أن هذا التصدي يحمل في طياته في الظروف الحالية الكثير من التداعيات اللاإيجابية. وهذا سيجبر إيران على التفتيش عن حليف آخر ضمن النظام السوري.
                                           16 ايلول 2016

                     

الأحد، 11 سبتمبر 2016

الحج "عرفة"

                         
حسن ملاط
منذ زمن بعيد، بدأت عملية تسطيح المفاهيم الإسلامية. أما ترسيخها (عملية التسطيح) فقد كان مع بدء التدوين. وبما أن النبي عليه السلام قد أرسل كافة للناس بشيراً ونذيراً، فهذا يعني أن الدين لا يمكن أن يكون قبلياً أو عشائرياً أو حتى قومياً، بمعنى توسيع الدائرة!
ما العلاقة بين تسطيح المفاهيم والعنوان؟
الحج إلى مكة كان من قبل الإسلام. كان العرب يعظمون البيت الحرام، ويطوفون حول الكعبة ويسعون بين الصفا والمروة. كما كانوا يقفون في عرفة.
والكل يعلم أن هذه الشعائر لازال يقوم بها الحاج، أما الوقوف في عرفة فقد أصبح له منحىً خاص. فالصيام يوم عرفة يغفر الله به سنتين، سابقة ولاحقة. والعبادات في يوم عرفة لها وقع خاص، حتى أنه يُروى أن النبي عليه السلام قد قال: الحج عرفة.
المتغيرات التي أعطت هذا اليوم أهميته
بعد فتح مكة، وفي السنة التاسعة للهجرة، بعث النبي صلى الله عليه وآله، أبا بكر الصديق أميراً على الحاج. ولا يخفى أن المشركين كانوا لا يزالون يمارسون الحج إلى جانب المسلمين، محتفظين بتقاليدهم. لم يُرد النبي عليه السلام أن يحج مع هؤلاء بسبب طوافهم عراة، مع العلم أن عريهم، حسب شعائرهم، هو تعر من الذنوب.
ذهب المسلمون بقيادة أبي بكر الصديق. ولكن بعد ذهابه حدث أمر جلل: فقد أنزل الله تبارك في علاه على نبيه المصطفى سورة البراءة من الشرك والمشركين. ورأى النبي عليه الصلاة والسلام ضرورة إبلاغها لجميع المسلمين بسبب أهمية مضمونها. من أجل ذلك بعث علياً في إثر أبي بكر، وطلب منه إبلاغ الناس تغيير قواعد التعامل ما بين المسلمين والمشركين، ابتداءً من يوم التبليغ. وكان يوم الإبلاغ هو يوم عرفة. وبذلك أصبح يوم عرفة هو يوم البراءة من الشرك والمشركين. وأصبح هذا اليوم هو يوم جعل مراسم الحج صافية من جميع المظاهر الشركية إلى يوم القيامة. وكان يوم عرفة تاريخ جديد في مسيرة المسلمين، يؤكد ترسخ هذا الدين في الجزيرة العربية وإمكانية إبلاغ هذا الدين إلى ما حولها، إنطلاقاً من هذه القاعدة الصلبة للإسلام وأهله.
كيف تعامل المسلمون مع هذا اليوم المميز؟
تحدث هؤلاء بعد عشرات السنين من موت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهمية هذا اليوم من دون إعطائه أي مضمون في التصدي للشرك والمشركين: هذا هو التسطيح. وكأن أهمية اليوم آتية من كونه يوم التاسع من ذي الحجة. وهذا تسطيح مؤذ للعقول. قال النبي أن الحج عرفة: وكأنه يقول لنا: يوم عرفة، في السنة التاسعة للهجرة، قام المسلمون بتنقية الحج من مظاهر الشرك، وأصبح الحج توحيدياً خالصاً: لذلك الحج عرفة. ونظراً لأهمية ما حصل في هذا اليوم الإستثنائي من تاريخ الإسلام والمسلمين، أصبح هذا اليوم مميزاً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ليس هذا فحسب، بل أن الرواة يختلفون هل أن أبا بكر بقي أميراً على الحج أم تغير الأمير. وعادوا إلى خلافاتهم القبلية والسياسية لتقييم الأمر. أما الأمر الأهم أن كثيراً منهم اتفقوا على أن تكليف علي بإبلاغ أوامر البراءة من الشرك والمشركين، جاء لأسباب تتعلق بالتقاليد الجاهلية. علينا أن ننتبه جيداً: براءة المسلمين من الشرك والمشركين تتم بالحفاظ على التقاليد الجاهلية (الشركية). وللتأكيد على ذلك يروون أن الملائكة أبلغت النبي: إما أنت وإما واحد من آل بيتك، أي علي.
 هذا هو التسطيح الذي يحول الدين، الثورة التغييرية على القواعد الجاهلية التي كانت سائدة إلى خدمتها. من أجل ذلك علينا أن لا نعجب لماذا كانت مسيرة المسلمين "انحدارية"، "تراجعية": من التوحيد الخالص، إلى غلبة العشيرة ثم إلى غلبة الحزب ثم إلى الغلبة بواسطة الأجنبي، كما يحصل في أيامنا هذه.
بدلاً من التحدث عن البراءة من الشرك والمشركين، يتحدثون عن أفضلية تبليغ الرسالة بواسطة هذا الصحابي أم ذاك. ومن الأفضل بين الصحابة هذا أو ذاك. وهذا يعني استمرار الحروب القبلية والتي تقوم على القيم الشركية. وعوضاً عن البراءة من الشرك والمشركين، يتم تصليب العلاقات الشركية المسيطرة حتى الآن. لو أن "المؤمنون إخوة"، كما قال تعالى، هل كان عليهم أن يتقاتلوا دون هوادة؟
نختم فنقول، وصف الله المؤمنين بالذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض، ووصفهم بالذين ينظرون كيف بدأ الخلق، لذلك فإن التسطيح يؤذي الإيمان والمؤمنين. والتسطيح يحول المفاهيم إلى أصنام خاوية من المعاني، تُعبد من دون الله! كما وأن التسطيح، والذي يستخدمه، تاريخياً وحتى الآن، فقهاء السلاطين، يفيد بمحافظة الطغاة على عروشهم.

                         التاسع من ذي الحجة: يوم تبرأ المؤمنون من الشرك والمشركين، الموافق 11 أيلول 2016. ذكرى حاضرة إلى أن يزول الشرك من الوجود.

الأحد، 4 سبتمبر 2016

تيار المستقبل وحزب الله

                    
الطرفان الرئيسيان في الصراع في لبنان هما حزب الله وتيار المستقبل. هل تقدم أحدهما يعني تراجع الآخر بالضرورة؟ هذا ما سنحاول الإضاءة عليه...
تشير الكثير من التحليلات الساذجة إلى أن تقدم تيار المستقبل على الساحة السياسية المحلية يستلزم وجوباً تراجع الطرف المنافس، أي حزب الله. وهذا الكلام لا يرتدي أية مصداقية!
1- كان نشوء حزب الله مرتبطاً بنجاح الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني. وقد اهتم الطرف الإيراني برعاية الحزب على قاعدة قتاله للعدو الصهيوني الذي كان يحتل قسماً من أرض لبنان كما ويحتل الأرض الفلسطينية!
2- أما تيار المستقبل الذي أسسه الرئيس الراحل رفيق الحريري، فقد كان تحت رعاية المملكة السعودية وبدعم منها.
وبما أن التنافس بين إيران والسعودية ليس جديداً، فهو قائم منذ أيام الشاه، ولكنه ازداد شراسة عند إعلان السعودية وشركائها عداءهم المطلق للثورة الإسلامية. انعكس هذا الصراع على الساحة اللبنانية تنافساً بين تيار الحريري وحزب الله.
هذا التنافس الشديد ترافق مع سياسة معلنة من قبل الرئيس الحريري والسيد نصرالله بضرورة التعاون بينهما بما يفيد لتحرير الأراضي المحتلة من قبل العدو الصهيوني.
مر هذا التعاون بكثير من الأزمات والتي كانت تُحل دائماً بالتي هي أحسن. ولم يسمح السيد نصرالله ولا الرئيس رفيق الحريري لهذه الأزمات أن تنعكس سلباً على جمهور الطرفين. حتى خلال الحرب الخليجية على إيران الخميني، لم ترتفع وتيرة الصراع المذهبي على الساحة اللبنانية. فقد كان الإمام الخميني يعتبر الأولوية للصراع مع العدو الصهيوني وليس قتال العراق الذي دخل الأراضي الإيرانية معتدياً. وهذا ما جعل الإمام يقبل بوقف القتال مع العراق بالرغم من صعوبة تقبله عليه. ولكن مصلحة المسلمين كانت تقتضي ذلك.
إن صحة هذه السياسة من قبل الإمام الخميني هي التي أدت إلى توحد الساحات الإسلامية والعربية ضد العدو الصهيوني، بعكس ما هو حاصل حالياً!
3- نبدأ بحزب الله لأنه الطرف الأكثر فعالية. ما الذي يريده الحزب من الساحة اللبنانية؟
للحزب أولويتان، الأولى هي الحفاظ على دوره الإقليمي الذي يرتبط مباشرة بالسياسة الإيرانية في الإقليم.
أما الأولوية الثانية فهي الحفاظ على دوره القيادي على الساحة المحلية، وخاصة من حيث ارتباط طائفته به. فالدور المحلي هو الذي يلعب الدور الأساسي بإمكانية لعب الحزب دوراً إقليمياً.
4- ما الذي يريده الحريري؟ كانت عودة الرئيس الحريري إلى لبنان في المرحلة الأكثر تأزماً على الساحة المحلية والإقليمية. تمكنه من العودة كان بسبب التنسيق الحقيقي مع حزب الله. وإلا لكانت هذه العودة مستحيلة. إن تراجع دور الحريري بسبب من الأزمات الخاصة به، وبسبب تغير السلطة في المملكة، بحيث لم يتمكن حتى الآن من ترتيب هذا الوضع. وبما أن الواضح أن الدور القيادي في المملكة عاد إلى ولي العهد الذي لا ود بينه وبين الحريري، أصبح لزاماً على هذا الأخير أن يعطي الأولوية لعلاقاته الداخلية.
هذه هي نقطة التقاطع مع حزب الله!
هذا التقاطع يقوم على الآتي:
أ‌-    القوى العالمية متفقة أن الإرهاب الذي يجب مقاتلته هو الإرهاب "السني". وهذه الدول هي روسيا، أوروبا، إيران، تركيا والسعودية، جميعها بقيادة أمريكا.
ب‌-          إنطلاقاً من هذا التحديد، تكون كل ساحة سنية في أي بلد هي ساحة مهيأة للإنخراط في الإرهاب. والساحة اللبنانية ليست استثناءً، خاصة أنه قد حصلت عدة عمليات إرهابية وإن لم تكن جميعها "سنية".
ت‌-          بما أن الأمن سياسي دائماً، لذلك فإن استقرار الساحة اللبنانية يتطلب توافقاً بين القوى الفاعلة.
ث‌-          الحريري هو الوحيد، حتى الآن وعلى المدى المنظور، الذي بإمكانه ضبط الساحة السنية، وبما أن الأمن الداخلي هو أولوية بالنسبة لحزب الله حتى يتمكن من التحرك العسكري خارج الساحة المحلية، لذلك، فالحفاظ على قوة الحريري هي حاجة للحزب كما هي في الوقت نفسه حاجة للحريري نفسه.
ج‌- بما أن الحزب هو الوحيد الذي بإمكانه رعاية حركة مناهضة للحريري، فقوة الحزب تمكنه من الحفاظ على تماسك ساحة الحريري أيضاً.
النتيجة
ليس إضعاف طرف لطرف هو الذي يحافظ على الإستقرار في الساحة الداخلية، إنما عكس ذلك تماماً. إن مصلحة حزب الله هو بتمتع الحريري بقوة على الساحة الداخلية، كما أن من مصلحة الحريري أن يبقى الحزب على قوته وتماسكه من أجل الحفاظ على قوة الحريري نفسه.
متناقضان، متنافسان، مصلحتهما تقتضي عدم إضعاف كل منهما الآخر! هذا هو الواقع الذي نعيشه!
                                                 4 أيلول 2016