بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الخميس، 29 يناير 2009

نتائج لمحرقة غزة

نتائج "محرقة" غزة
29 كانون الثاني، يناير 2009

لقد بات من المسلم به الآن أن حرب اسرائيل على غزة كانت الأكثر وحشيةً واجراماً في تاريخ حروب هذا العدو على عالمنا العربي والاسلامي. ولسنا في صدد لوم العدو على اجرامه لأن هذا من طبيعته، ولكن اذا كان لابد من اللوم فما علينا الا لوم أنفسنا اذا لم نكن نتوقع منه هذه الممارسات.
لقد كشفت هذه الحرب الغطاء عن كثير من البؤس الذي يعيشه النظام الرسمي العربي. فعلى صعيد المعارف فهو يتمتع بالجهل المطلق. فالنظام الرسمي العربي، بدون استثناء، يعتبر أن الكيان الصهيوني كياناً طبيعياً، مع العلم أن أحد أهم منظري هذا الكيان يقول وبالفم الملآن أن الأرض التي يجب أن يقام عليها الكيان الصهيوني هي أرض الفلسطينيين ومن الطبيعي أن يحاربوا من أجل الحفاظ عليها ويمنعوا اليهود من الاستيلاء عليها. يضيف "جابوتنسكي" لا يوجد شعب في الأرض يقبل بالتخلي عن أرضه. يمكننا هنا أن نضيف "الا النظام الرسمي العربي"، هذا النظام الذي اتهم المقاومة بشتى الأوصاف ليبرر تخاذله وتخليه عن أرض الجدود. فعوض أن يمد المقاومة بجميع أسباب الدعم، حتى تتمكن من النصر المؤزر على العدو، كان يفعل المستحيل حتى يمنع حتى الشعوب من التعبير عن تضامنها مع المجاهدين في غزة. أضف الى ذلك أن الأنظمة التي اعتبرت نفسها تدعم صمود هذه المقاومة ، كانت أشكال دعمها تدخل ضمن دائرة التهريج أكثر من دائرة الدعم الحقيقي. أما النتائج التي تمخضت عنها هذه "المحرقة" فهي التالية:
النتيجة الأولى: انقسام النظام الرسمي العربي الى معسكرين "متخاصمين" لم يفد المقاومة كثير الفائدة، أللهم الا اذا اعتبرنا التصاريح التي كان يبثها الأستاذ خالد مشعل من دمشق، ذات تأثير مفصلي بالنسبة لصمود المقاومة في الميدان. ان اهتمام المعسكرين المتخاصمين بتسجيل النقاط كل منهما على الآخر جعل كسب المعركة هو بانتصار فريق على آخر (على الصعيد الرسمي العربي)، ولا دخل لأرض الميدان في غزة في هذه المعركة. هذا مع التأكيد أننا لسنا من الذين يأخذون الجميع في سلة واحدة. ان اهتمام الاعلام في دول معسكر ما يسمى بالممانعة في المعركة التي كان يخوضها المجاهدون الأبطال في أرض الميدان لعب دوراً هاماً في رفع معنويات الناس. كما وأن اعلام "الجزيرة" و "المنار" كان ايجابياً أيضاً على صعيد تجييش الناس عاطفياً للوقوف مع المجاهدين في غزة. ولكن ما تقدم يستتبع السؤال التالي: هل هذا هو الدور الذي تلعبه الأنظمة في استرجاع حقوق الأمة من اعدائها؟ هل هذه هي الأشكال التي يمكن فيها نصر المجاهدين في الميدان؟ لماذا علينا انتظار المنظمات الشعبية لمجابهة العدو ولا تقوم الأنظمة العربية بخوض المعركة مع العدو كما يفعل "حزب الله" و"حماس" و"الجهاد" وغيرها من المنظمات المقاتلة؟ لن نسأل جميع الأسئلة، لأن هناك منها الكثير.
أما على صعيد الأنظمة الأخرى، يكاد يكون من المعيب تذكر ما كان يدلي به وزير خارجية النظام المصري من تبرير للعدوان الاسرائيلي على القطاع. أما الأنكى من ذلك، ما كان يقوم به من يسمى "برئيس السلطة الوطنية الفلسطينية" من تحريض للعدو على هدم غزة عله يتمتع بالجلوس على عرش السلطة من دون أدنى تشويش من "حماس" أو من أمثالها. لا داعي للاشارة الى ما كان يقوم به الأزلام الصغار من جماعة "عباس" أو من المتعيشين في الصحف والمجلات الناطقة بما يريده القيمين على أنظمة الارتباط بالادارة الأمريكية. أما فضائيات هؤلاء ، "أخبار المستقبل" أو "العربية" فما كان ينقصهما بعد تحويل المجاهدين في أرض الميدان الى بكائين، كان الشهيد يموت مرتين، في هذه الفضائيات، الأولى عندما يستشهد وفي الثانية عندما يعلم أنه قتل لا لشيء الا لخدمة أحد طرفي الصراع (الممانعة والمرتبطين بأمريكا على حد زعم هذه الفضائيات) أما قضية الجهاد من أجل المقدسات والأرض فأصبحت لا وجود لها عند هؤلاء.
أما المظاهرات الشعبية التي انطلقت لتأييد المجاهدين كانت ايجابية بشكل عام، مع العلم أن أكثر هذه المظاهرات كانت مبرمجة ولم تكن عفوية.
النتيجة الثانية: لقد أثبتت معركة غزة ومن قبلها حرب تموز، يوليو، 2006 في لبنان، أنه لم يعد بامكان الكيان الصهيوني حسم معركة مع المقاومة لصالحه مهما تكن ظروفها (أي المقاومة) غير مؤاتية (كما في مثال غزة). وهذا ما منع السلطة الاسرائيلية من الاعلان المسبق عن أهداف المحرقة التي قامت بها في غزة. كما وأضيف أن المعارضة الاسرائيلية لم تضغط على الحكومة للاعلان عن الأهداف من هذا العدوان. وهذا يعني أن الكيان الصهيوني أصبح الآن يعيش في حماية الأنظمة العربية. هل مهمة "السلطة الوطنية الفلسطينية" منع الفلسطينيين من التظاهر ضد العدوان الاسرائيلي على أهلهم في غزة؟ وهذا المثال ليس على سبيل الحصر، أم هل من مهمات النظام المصري حماية أمن اسرائيل حتى يراقب المعابر ويمنع ليس السلاح فقط انما الغذاء أيضا بحجة الالتزام بالمواثيق! ومع من؟ مع الذين لم يلتزموا يوماً بميثاق، أعني اسرائيل.
النتيجة الثالثة: لم تقم الادارة الأمريكية بادارة الحرب الاسرائيلية على غزة كما فعلت في حرب تموز، يوليو 2006 . ولا يمكننا القول أن الادارة الأمريكية كانت تودع، ذلك أنها ألزمت نفسها باتفاقات مع اسرائيل عشية وداع الرئيس بوش البيت الأبيض. اذن هناك أسباب أخرى، أعتقد أن أهمها على الاطلاق هو يقين هذه الادارة أنه لم يعد بامكانها خوض معارك لصالحها أو لصالح حلفائها قبل أن تعيد تقييم وضعها الحقيقي بعد الانزلاقات أو الهزائم التي وقعت فيها في لبنان والصومال والعراق وأفغانستان ... لذلك لم تمنع الادارة الأمريكية فرنسا والاتحاد الآوروبي وتركيا من التدخل في محاولة ايجاد حلول لهذا "النزاع". وعلينا في هذا المقام علينا أن نتذكر بأن الادارة الأمريكية كانت تمنع أياً كان من التدخل في الصراع الشرق أوسطي الا باذن مسبق منها.
النتيجة الرابعة: لقد بينت حرب غزة أن القضية الفلسطينية لا زالت هي القضية الأساس عند المواطن العربي. ايران أخذت شرعية لوجودها في قضية "الشرق الأوسط" من خلال مساعدتها لحركات المقاومة. وكان الدخول التركي مدويا بسبب المواقف التي تستجيب لعواطف وآمال الشارع العربي والاسلامي والتي أعلنها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس عبد الله غول. كما والأهم أنه لم يعد بامكان الادارة الأميركية استبعاد أحد من هذه الأطراف عند العمل على اعادة ترتيب البيت الشرق أوسطي. وعلينا التنبه أو الاشارة أنه لا الادارة الأميركية ولا الكيان الصهيوني اتخذا موقفاً سلبياً من الموقف التركي. لم يصرح أحد من المسؤولين اليهود بأن الموقف التركي لم يكن محايداً (الا بعد انتهاء العدوان أو تجميده)، لذلك لا نقبل بوساطته. هذا مع الاشارة الى أن السيد أردوغان قد صرح بأنه سوف يحمل وجهة نظر منظمة "حماس" الى مجلس الأمن ولم يلق هذا التصريح الاستهجان لا من أمريكا ولا من اسرائيل. هناك اربعة لاعبين: أميركا، ايران، تركيا واسرائيل. لا بد من التنبيه هنا بضرورة عدم الاعتقاد بأن الأتراك سوف يلتزمون خط المقاومة، انما هم مستمرون بعلاقتهم الحسنة والمتميزة مع الكيان الصهيوني. أما الموقف الايجابي بالنسبة للمقاومة فهذا يجب فهمه على ضوء الواقع الداخلي التركي وعلاقاته المعقدة مع أمريكا والاتحاد الأوروبي واسرائيل ناهيك عن المصالح التركية مع الجوار العربي على كافة الصعد الاقتصادية والسياسية.
النتيجة الخامسة: ان الوضع الفلسطيني المعقد جداً يستدعي من المنظمات المقاومة "حماس" و"الجهاد" وغيرهما التحرك وبسرعة كبيرة في اصلاح هذا الوضع. ومن المهمات الملحة:
1 – اصلاح ما يسمى "منظمة التحرير الفلسطينية". ضرورة انضمام جميع الفصائل المقاومة ومنظمات المجتمع المدني الفلسطيني الى هذه المنظمة ونفض الغبار والترهل عنها وجعلها ممثلة فعلية للشعب الفلسطيني في الشتات والداخل.
2 – ضرورة أن تمثل المنظمة الشعب الفلسطيني سياسيا. وهذا يستتبع أن تصبح ما يسمى السلطة الوطنية الفلسطينية الراعية الفعلية للشؤون الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والتعليمية ...الخ للفلسطينيين في الضفة والقطاع، مع التأكيد أن ليس للسلطة أي دخل في عملية التفاوض مع الكيان الغاصب. ان من يفاوض العدو عليه أن يفاوضه من موقع القوة وليس من موضع الضعف. فعندما تكون السلطة هي المسؤولة عن التفاوض، ترى لزاماً عليها التنازل للعدو من أجل فك الحصار مثلاً (كما يفعلون الآن مع "حماس" من أجل تأمين الدواء والغذاء). والنتيجة التي نصل اليها في وضع كهذا هي خسارة القضية الوطنية من أجل تأمين الغذاء. ان تخلي السلطة عن التمثيل السياسي لفلسطينيي الداخل في الضفة والقطاع يجعل منهم بحكم الشعب المحتلة أرضه، وبالتالي يصبح لزاماً على المحتل تأمين المستلزمات الضرورية لحياة هذا الشعب. أما المفاوضات ذات الطابع السياسي فتتسلمها "منظمة التحرير" الممثلة الوحيدة للشعب الفلسطيني.
3 – على "حماس" والمنظمات المقاومة في القطاع ومنذ الآن تسليم مهمة مفاوضة العدو والنظام الرسمي العربي والدول الأجنبية الأخرى الى قيادات الخارج حتى لا تضطر للتنازل تحت الضغوطات المعيشية من غذاء ودواء واعادة اعمار ...الخ
4 – لا بد من الوعي العميق الى أن المعركة الآن أصبحت أكثر شراسة. فالأعداء من كل صوب، فما على المجاهدين في القطاع الا ترتيب أمورهم الداخلية بغض النظر عن تطور المفاوضات سواء مع الأعداء أو "الحلفاء".
5 – هناك خمسة ملايين فلسطيني في الشتات عاطلين عن العمل. ما كان دورهم في معركة غزة؟ وحيث أن الشيء بالشيء يذكر نقول بأنه لا وجود في العالم ليهودي لا يملك موقفاً عملياً من اسرائيل. الجميع يشارك مشاركة فعالة في معاركها. اذا كانت اسرائيل التي تملك أكبر ترسانة عسكرية في الشرق اضافة الى السلاح النووي تستدعي التأييد العملي لجميع يهود الكرة الأرضية عطفاً على المؤيدين من الدول الاستعمارية، فما بالنا نحن لا نشرك من من أجله تخاض هذه الحروب؟
لا بد من وضع برنامج عملي لاشراك جميع فلسطينيي الشتات في النضال من أجل أرضهم.
6 – على منظمات المقاومة في القطاع تأليف لجنة من منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، بغض النظر عن الانتماء السياسي ومشهود لها بنظافة الكف، مهمتها الاشراف على اعادة الاعمار، والنأي بالسياسيين عن العمل في هذا الموضوع وانما الاشراف فقط.
7 – لا بد من التنبيه بأن الاتجاه نحو اقامة كيان بديل لمنظمة التحرير الفلسطينية سوف يؤدي الى انقسام عمودي للشعب الفلسطيني لا يستفيد منه سوى اسرائيل والقيادة الحالية التي تتجه الى التخلي عن حق العودة المقدس والتي لا تملك المسوغات القانونية للتخلي عنه، انما سوف تعطيها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وربما الأمم المتحدة التغطية السياسية لتخليها عن هذا الحق. غير أن اصلاح الأطر الحالية للمنظمة سوف يسحب البساط من تحت أقدام القيادة الحالية، عباس ومن هم على شاكلته، خاصة وأن خطوة كهذه سوف يكون لها انعكاسات ايجابية على مستوى الشارع الفلسطيني. ان اعطاء القيادة الحالية لمنظمة التحرير الشرعية في الاستمرار سوف يؤدي الى كوارث على صعيد القضية الفلسطينية، أقلها التخلي عن حق العودة والقدس والقبول بتبادل الأراضي والحفاظ على المستعمرات. والانقسام أو اقامة كيان بديل سوف يخدم القيادة الحالية. ولا يظنن من يملك الامكانية على تحريك عدة عشرات من الآلاف من الشعب الفلسطيني أنه يملك شرعية خلق كيان بديل، لاسيما وأن هناك الملايين من الشعب الفلسطيني لم يشاركوا بأي حراك. ان أعنف ممارسة قامت بها مخيمات اللجوء في الدول المجاورة لفلسطين هي التظاهر وهذا ماحصل في فرنسا والدانمارك وفي بريطانيا ولكن بوتيرة أكثر حركية. فهل أن مظاهرة تعطي شرعية لخلق كيان بديل؟ لا أعتقد. كما وأن عملاً كهذا سوف ينقل ساحة الصراع من صراع مع العدو الى صراع بين المعسكرات في الصف العربي.
8 – اعادة النظر في طرح شعار الدولتين بات أمراً ملحاً لما يحمل من بذور التراجع سواء على المستوى السياسي أو على المستوى النفسي وهو الأهم.
هناك الكثير الكثير مما يمكن أن يقال في هذا المقام و لكننا أشرنا الى بعض النتائج. ويحضرني الآن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وهو عائد من غزوة الخندق. وغزوة الخندق وما أدراك ما غزوة الخندق حيث بلغت القلوب الحناجر، و حيث قال النبي والذين آمنوا معه "متى نصر الله" وفي هذا دلالة على هول المعركة. نادى النبي على المؤمنين بضرورة التوجه الى بني قريظة هؤلاء اليهود الذين خانوا عهد النبي صلى الله عليه وسلم. والقضاء على هؤلاء الخونة هو تتمة المعركة وتتمة النصر. وفي غزة، أرى أن الأمر شبيه بالخندق، فالمعركة لما تنته. انما بدأ الشكل الأصعب من المعركة. لذلك لا بد من العمل على استنهاض جميع الامكانات وتوظيفها من أجل تأكيد النصر، ولعل فيما قدمنا فائدة.
حسن ملاط
Hassanmallat.blogspot.com

السبت، 10 يناير 2009

قراءة في أحداث غزة

قراءة لما يجري في غزة
حسن ملاط


لن أبدأ مقالتي بالقول أن الصهاينة يرتكبون المجازر في غزة، مجازر يندى لها جبين الانسانية. فقد قصف هؤلاء المجرمون المدارس والبيوت ومراكز الأونروا علماً بأنهم يعرفون أماكنها وبالاتفاق مع المنظمة الدولية كما صرح المسؤول الدولي. ولماذا فعلوا ذلك؟ أقول لأن كل نظام في هذا الكون يعبر عن قيم معينة يُعرف بها. فالنظام الاسرائيلي قام على استعمار الأرض الفلسطينية وطرد أهلها منها، فما الذي تغير حتى لا يُهجّر الفلسطينيين مرة أخرى وثالثة ورابعة ان أمكنه ذلك، أو يبيدهم من الوجود! هل يخاف لوم الأمريكيين الذين أبادوا الهنود الحمر وأقاموا دولتهم "الحضارية" مكان همجيتهم (همجية الهنود الحمر). أم يخشون الأوروبيين الذين لم يكونوا أقل وحشية من حلفائهم الأمريكيين مع الشعوب التي استعمروها. وما المأساة الفلسطينية الا من نتائج استعمار بريطانيا لفلسطين. اذن، من صلب مبادىء النظام الصهيوني القيام بالمجازر والتهجير لأن مكان الاقامة، اقامة الصهاينة هو نفس المكان الذي يقيم فيه الشعب الفلسطيني. فلا عجب اذن أن الصهاينة يستبعدون من أي "حل" مع العرب امكانية تطبيق قرار المنظمة الدولية 194 الذي ينص على عودة الفلسطينيين الى ديارهم التي هُجّروا منها والتعويض عليهم. وفي هذا المجال يقول جابوتنسكي "ان الهدف الذي لن يحيد عنه هو تحويل فلسطين الى دولة بأغلبية يهودية، وان هذا الهدف هو سلمي اما الوسيلة فهي ليست سلمية، وان استخدام العنف لن يكون بسبب موقف الصهيونية تجاه العرب وانما بسبب موقف العرب تجاه الصهيونية. فالعرب سوف يقاومون بالضرورة «الاستعمار والاستيطان الصهيوني». هذه المقاومة ليست شأنا استثنائيا، ولا هي تعود، كما يقول جابوتنسكي، الى سلوك المستوطنين واعمالهم، ولكن «... لانه لم يسبق في التاريخ او في اي مكان من العالم ان قبل السكان الاصليون لبلد ما بقيام مستوطنات للغير على اراضيهم». «ان اي شعب - سواء كان متمدنا ام همجيا - ينظر الى بلده على انه وطنه القومي، الذي يعيش فيه كسيد مطلق. هؤلاء السكان لن يقبلوا طوعا بالرضوخ لسيد جديد وغريب، ولا حتى لشريك من هذا النوع» (الحياة 8 – 1 -2009 في مقالة لرغيد الصلح). هذا ما يقوله جابوتنسكي (احد الزعماء التاريخيين للحركة الصهيونية، فهو الاب الروحي والفكري لحزبي «ليكود» و «كاديما»).أما ما فعله بعض العرب هو التصالح مع العدو الذي طرد الشعب الفلسطيني من أرضه. ليس هذا فحسب انما يحاولون (هذا البعض من العرب) اقناع من تبقى في فلسطين بتقاسم أرضهم التي بقيت لهم، مع العدو الصهيوني وذلك حتى يتمكن هؤلاء الحكام من الحفاظ على عروشهم الملوثة بحماية أمريكا لها.
كيف تعامل الشارع مع أحداث غزة؟
في بلاد الاغتراب قامت في كثير من الدول مظاهرات ساخطة شارك فيها العرب والمسلمون وأهالي هذه البلدان تضامناً مع الشعب الفلسطيني في غزة ومقاومته الباسلة. أما في بلادنا العربية فقد قامت في بعض البلدان مظاهرات تدين الاعتداء الاسرائيلي ولكن علينا الاشارة الى أن أكثر هذه المظاهرات كان مرضي عنها من الحكام، ومنها (أي المظاهرات) ما أُمر بترتيبها لعدة أهداف سوف نبينها في سياق هذا التحليل. و في بعض البلدان كان ممنوعاً قيام المظاهرات حتى لا تسيء الى النظام العام!
ان اجتياح غزة بقصد القضاء على المقاومة (اياً كانت هذه المقاومة) يعني تصفية القضية الفلسطينية لصالح العدو الصهيوني، كما ويعني أيضاً أن هذه التصفية سوف تكون على حساب الشعوب العربية شاءت أم أبت. كما ويعني أيضاً الاتجاه الى القضاء على أية مقاومة موجودة ومنها المقاومة الاسلامية في لبنان على سبيل المثال لا الحصر، والأنكى من ذلك أن هذا سوف يتم في ظرف أكثر ما تكون فيه الادارة الأمريكية في تراجع. أي أنه عوضاً عن تقدم حركة الشعوب في القضاء على قيودها وعلى من يضع هذه القيود في أيديها يكون الاتجاه معاكساً تماماً لما يجب أن يكون عليه.
ما هي انعكاسات العدوان الاسرائيلي؟
مع بدء الهجوم الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني في غزة (وليس على حماس كما يدعي الصهاينة والمعسكر العربي المؤيد لهم، مع الأسف) انقسمت الساحة العربية والاقليمية الى معسكرين أحدهما مؤيد للاعتداء الاسرائيلي ويضم حكام مصر وحكام السعودية وسلطة محمود عباس بشكل أساسي ومعسكرآخر معاد للمعسكر الأول ويضم سوريا وايران. وقد قام المعسكر الأول بالتحريض على المقاومة وبتحميلها تبعات العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني لأنها لم تبادر الى الاستسلام للعدو الصهيوني وتقبل بالحصار الظالم الذي يفرضه العدو عليها. أنا لا أبالغ هنا فبامكان أي من القراء العودة الى مرافعات الرئيس حسني مبارك والرئيس محمود عباس ووزير خارجية مصر أبو الغيط وعباس ومستشاره حماد وغيرهم من المعتاشين والمتعيشين. أما على الجبهة السعودية فجو الديموقراطية التي تفرضها الادارة الأميركية على تلك المجتمعات فهي تسمح بتسريب الأنباء ومنها الاستقبال السيء من ملك السعودية لرئيس اتحاد العلماء الدكتور يوسف القرضاوي الذي كان يطرح ضرورة توحد المسلمين لدعم المقاومة والشعب الفلسطينيين ازاء العدوان الاسرائيلي (وبالمناسبة، رفض الرئيس المصري استقبال هذا الوفد فبذلك يكون أكثر راديكالية من الملك السعودي). وما يعبر عن موقف السعودية الرسمي هي الأقلام التي كانت تدبج المقالات التي تسخر من المقاومة ومن الدور الذي تقوم به أمام جبروت الآلة العسكرية الاسرائيلية. وفي هذا المجال لا أدعي القول أن هؤلاء الكتاب مؤيدون للعدوان الاسرائيلي ولكن عليهم التسويق لوجهة نظر أولياء نعمتهم، فهم يتصورون أنهم بعملهم هذا انما ينصرون المعسكر المصري السعودي على المعسكر السوري الايراني محطمين في طريقهم أسطورة المقاومة، ومستهزئين من معجزة النصر الالهي الذي حققه "حزب الله" على الآلة العسكرية الاسرائيلية. وهنا علينا أن نضيف أن النصر الذي سوف تحققه المقاومة الفلسطينية على اسرائيل انما يعود بشق منه الى النصر الالهي الذي حققته المقاومة الاسلامية على اسرائيل في لبنان. ونصر المقاومة الفلسطينية في غزة هو "نصر الهي" أيضا.
أما على جبهة المعسكر الآخر فكان ما جرى هو الاضاءة على الموقف المصري السعودي والأمر بقيام المظاهرات الشاجبة للعدوان الاسرائيلي والموقف المصري. وعلينا أن نشير أن المظاهرات كانت تهاجم مصر أكثر من ادانتها لاسرائيل، لذلك كان لابد في كل مرة من تأمين الحماية للسفارة المصرية.
ما تقدم يعني بأن قضية العدوان الاسرائيلي على غزة قد استُغلت من المعسكرين المتخاصمين لتسجيل النقاط على بعضهما البعض مطيحين بغزة وبغيرها أيضا. فارادة نصر غزة على العدو الاسرائيلي كانت تستدعي من المعسكر الأول تأمين مستلزمات النصر للمقاومة ونصيحتها باتخاذ الموقف الذي يراه معسكر أمريكا صحيحاً، ولا يتم بمحاصرتها واجبارها على الخضوع.
وعلى المعسكر الآخر الذي اهتم بتأليب الناس على المعسكر المصري السعودي عوضاً من محاولة توحيد الساحة العربية والاسلامية وراء المقاومة ونصرتها. فكان أن جميع ما قام به هذا المعسكر هو تأكيد للانقسام العربي والاسلامي ومحاولة عزل المقاومة عن المعسكر الآخر. هذا مع التأكيد أن هذا المعسكر يملك الكثير الكثير مما يمكنه من دعم المقاومة دعماً فعلياً يفوق بأضعاف أي دعم آخر.
لقد تذرع الرئيس المصري بالاتفاقات الدولية التي تحكم طريقة العبور من المعابر التي تفصل قطاع غزة عن مصر. وهذه ذريعة مردودة كما الذريعة التي تمنع انطلاق المقاومة لتحرير الأراضي المحتلة منذ أكثر من أربعين عاما، وهي اتفاقية وقف اطلاق النار ووجود المراقبين الدوليين.
والنتيجة التي وصلنا اليها أنه "لم يبق في الميدان الا حديدان". بقيت المقاومة وحدها تقاتل بلحمها وبلحم شعبها الوفي. ولم يشاركها في جهادها من الصعيد الرسمي لا الممانعين ولا اللاهثين.
أما على الصعيد الشعبي فلم تكن الصورة أكثر نضارة من المشهد الآخر. فقد أخضعت القوى المتصارعة قضية نصرة المقاومة في غزة الى منطق الصراعات البينية ما بين المعارضة والموالاة، أو بالأحرى ما يسمى المعارضة والموالاة. والمؤسف أكثر من ذلك أن الخلافات المذهبية لم تغب عن الساحة. فقد استخدم البعض أنواعاً من التركيبات التي تعجز عنها أهم أجهزة المخابرات، حتى يتمكن من النفخ في كيره الطائفي والمذهبي. وهذا ما كان ليحدث لو أن القوى الفاعلة أوالتي بامكانها الفعل تريد أن تفعل. وكانت النتيجة أنه بدل استخدام الأزمة التي تمر بها الأمة لتوحيدنا، انما استخدمناها عن وعي لتعميق هذه الخلافات. وتعميق هذه الخلافات يؤدي حتماً الى تشرذم القوى التي تملك المصلحة في التغيير، ويؤدي حتماً الى اطالة تمتع أميركا باستعمارها لشعوبنا ويؤدي أيضاً الى اطالة اقامة اسرائيل بين ظهرانينا.
قام أحد الخطباء الممول سعودياً وأتحفنا بالتحليل التالي: " تقوم ايران والذين يملكون الصواريخ التي تصل الى ما بعد بعد .. بامداد حماس بالسلاح حتى تقاتل اسرائيل بقصد تمكن اسرائيل من القضاء عليها أي على حماس لأنها المقاومة السنية الوحيدة في العالم. وبذلك تبقى المقاومة شيعية فقط". أقسم أن هذا ما قاله. ومن الطبيعي أن لا يعرج على القاعدة وأخواتها أو على المقاومة العراقية لأنه غير مرضي عنهم لا من الموالاة ولا من المعارضة، ولا من معسكر أمريكا ولا من معسكر الممانعة.
واليكم قصة الحرب كما يرويها أحد جهابذة الكتابة في معسكر الموالاة. يقول الدكتور رضوان السيد:
"أعلنت «حماس» في تاريخ 18/12/2008 عن عدم إرادتها (هي والفصائل الحليفة لها في غزة، وأهمها تنظيم «الجهاد الإسلامي»)، تجديد التهدئة مع إسرائيل والتي كانت قد استمرت لستة أشهر وبتوسّط مصري. ومبرر «حماس» لذلك: استمرار الحصار على غزة، واستمرار الخروقات الإسرائيلية. ثم ظهرت الى جانب ذلك الأصوات الأخرى، وأعلاها صوت السيد حسن نصرالله زعيم «حزب الله» في لبنان بأمرين اثنين: إرادة إسقاط نهج التسوية، الذي لم يجلب غير الدمار والاستسلام، واستحثاث السلطة المصرية على فتح معبر رفح لإسقاط الحصار عن غزة وإلا اعتبرت مشاركة في الحصار والاحتلال". (استمرار الحصار المخالف للاتفاق على التهدئة غير كاف لدى رضوان السيد لأنه لا يمكن توظيفه في المعركة الداخلية اللبنانية لذلك يجب ادخال السيد حسن نصر الله في التحليل).
ثم يضيف قائلاً: "وهكذا، وفي يوم 19/12/2008، بدأ إطلاق صواريخ القسّام على المستعمرات الإسرائيلية، ثم تلتها صواريخ غراد. وفجأة ومن دون سابق إنذار - قياساً على لهجة الحمائم لدى المسؤولين الإسرائيليين على مدى شهور متطاولة - أعلنت الحكومة الإسرائيلية المصغّرة (رئيس الوزراء المستقيل، ووزيرة الخارجية، ووزير الحرب) الحرب على قطاع غزة و «حماس»، وقتلت طائراتها في اليوم الأول حوالي الثلاثمئة إنسان".
(آسف أن أقول أنه قد فات الدكتور رضوان السيد القول بأن حماس قد أبلغت الجانب المصري مرات عدة بأنها سوف تستأنف اطلاق الصواريخ على المستعمرات الصهيونية في فلسطين في حال استمر الجيش الصهيوني باعتدائه على السكان الآمنين في الضفة الغربية وغزة وفي حال استمراره باغلاق المعابر. وعدم ذكره ما تقدم هو حتى يوحي للقارىء بأن مسؤولية الحرب على غزة تتحملها حماس وليس الجانب الصهيوني، وهي وجهة نظر الرئيس مبارك والرئيس المنتهية ولايته عباس).
ثم يضيف الدكتور رضوان السيد في تحليله للحرب على غزة قائلاً:"إن أطراف الحكومة الحالية («كديما» وحزب العمل على الخصوص) ستخسرها لمصلحة «الليكود» وأحزاب اليمين الأخرى، والحملة العسكرية هذه خليقة أن ترفع من شعبية المنتصرين فيها وعلى رأسهم ايهود باراك وتسيبي ليفني. وكان هناك من قال إن معنويات الجيش الإسرائيلي تلقت ضربة في حرب لبنان عام 2006، لأن الجيش ما استطاع حسم المعركة لمصلحته. وقد تدرّب طوال العامين الماضيين على القيام بمحاولة لاسترجاع هيبته، والإغارة على غزة و «حماس» أسهل، ليس لأن المقاومين هناك أضعف عسكرياً وحسب، بل ولأن السيطرة الحماسية هناك لا تتمتع بأي شرعية، ولن يكون أحد حريصاً جداً عليها، ويمكن إنهاؤها بسرعة نسبية لوقوعها في منطقة محصورة. وإذا تدخل «حزب الله» للمساعدة، كما حصل عام 2006، فيمكن ضربه وتخريب لبنان، في هذه الفترة التي يسود فيها الغياب الأميركي والارتباك في الأجواء الدولية. وستُخيف الشدة والدقة سورية و «حزب الله» وإيران، وتجعل من «حماس» طرفاً ضعيفاً غير قادر على الاستمرار في التحدي.( رضوان السيد الحياة - 06/01/09//).
هنا أبدع الدكتور رضوان السيد فهنا التحليل لبناني بامتياز! لقد تمكن الدكتور من تمرير وجهة نظره القائلة بأن حزب الله لم ينتصر على اسرائيل (رغم اعتراف الصهاينة بذلك ورغم تقرير فينوغراد ورغم انهيار معنويات الجيش الصهيوني ورغم استمرار الحكومة الصهيونية في الحكم مع أن مؤيديها لم يتجاوزوا في أحسن الحالات ال7%، لعدم وجود بديل لأولمرت وذلك لعقم الطبقة السياسية في اسرائيل عقب هزيمتها في حرب 2006) لأن القول بعدم انتصار المقاومة هي وجهة نظر الموالاة. أضف الى ذلك أن سياق التحليل يوحي وكأن الادارة الأمريكية هي التي دافعت عن حزب الله ومنعت عنه الهزيمة! وبذلك توظف حرب غزة في الخلافات الداخلية اللبنانية وتصبح حماس وحرب اسرائيل على غزة هي من ضمن اللعبة السياسية اللبنانية الداخلية، ويصبح من الأهمية بمكان ضرورة استمرار انقسام الساحة الداخلية اللبنانية، وتصبح بالتالي مسألة نصرة غزة والقضية الفلسطينية خاضعة للتجاذبات الداخلية، وتخسر صفتها التي تتجاوز الطوائف والمذاهب، وتخسر بالتالي صفتها الجامعة.
وفي تحليل آخر،(فالدكتور السيد نشيط جداً ومنظر من الطراز الأول) حيث هاله موقف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من الجرائم الاسرائيلية بالرغم من أن تركيا هي عضو في الحلف الأطلسي (للتذكير فقط أن موقف الرئيس التركي كان عنيفاً في تحميل اسرائيل مسؤولية جرائمها في غزة، مضافاً الى اعلانه أنه يحمل وجهة نظر حماس الى المنظمة الدولية وتأكيد حماس على تمثيل الرئيس التركي لها). ان هذا الموقف من الرئيس التركي لعب دوراً كبيراً في تعرية الأنظمة العربية التي تدور في المحور الأمريكي مما دفع الدكتور للتحدث عن هذا الموضوع فاعتبر بشكل ما أن هذا الموقف من الرئيس أردوغان "يشير الى أن أردوغان نفسه قد تكون له اهتمامات ومطامح سياسية باعتباره رجل دولة كبيراً". وحيث أن الدكتور السيد وجد أن هذه الحجة واهية وغير مقنعة أنهى مقالته مستسلماً، حيث أنه لا يمكن الدفاع عن زعماء المعسكر الذي ينتمي اليه قائلاً: " لست فرحاً بتسلُّم إيران زمام وراية الكفاح من أجل فلسطين، ولا بتسلُّم أو تقدم تركيا لتسلُّم راية السلام، ونُصرة الإسلام السياسي في فلسطين والعالم العربي. لكنني لست فرحاً أيضاً بهذا المخاض المؤْسي الذي نغرق فيه، والذي يكاد يبدو قعره السحيق في مأساة غزة، ومع الإسلام السياسي هذه المرة، ومع الأنظمة والتنظيمات في كل مرة. ولا حول ولا قوة إلا بالله".
أما على المقلب الآخر، مقلب المعسكر الذي يعتبر نفسه منتمياً الى المقاومة وأعداء أمريكا، فلم يكن تعاطيه مع قضية العدوان على غزة أفضل من الطرف الآخر. فالقضية، قضية العدوان على غزة،على أهميتها، حيث أنها سوف تطال الساحة اللبنانية في نتائجها من دون أدنى شك، تعومل معها على أنها خلاف ما بين معسكر الرابع عشر من أذار و معسكر الثامن منه. فراح كتاب هذا المعسكر يلاحقون حركة المعسكر الآخر عوضاً عن التفكير فيما يمكن أن ينصر المقاومة في لبنان. فهذا "نادر فوز" في جريدة "الأخبار" يكتب عن العلاقة بين "حماس" و تيار "المستقبل" :" ورغم هذا الاختلاف بين حماس وتيار المستقبل، لا يتردّد أحد المتابعين في التأكيد على تميّز العلاقة بين الحركة والنائبة بهية الحريري، «التي تعطي اهتماماً خاصاً بالفصائل الفلسطينية». ربما بحكم منطقة «انتداب» السيدة الحريري، في صيدا حيث لا هروب من ضرورة الانفتاح والتحاور مع الفصائل كافة في مخيّم عين الحلوة. أما عن العلاقة ما بين السيد وليد جنبلاط فالسيد فوز يعرف لماذا، سواء من ناحية "حماس" أو من ناحية "جنبلاط". فهو يقول:" وإذا كانت القوات اللبنانية ممحوة عن الجدول السياسي لحركة حماس، فالعلاقة مع الحزب الاشتراكي عادية. ولا يرى الحمساويون في الخطاب الأخير للنائب وليد جنبلاط إلا مسعى لكسب تأييد سنّة الشوف، وزيادة اقتناعه بخيارات محور «الاعتدال» اللبناني قبيل الانتخابات النيابية المقبلة".
أما عن كيفية تعامل هذه الوسيلة الاعلامية المرتبطة بمعسكر ما يسمى بالمعارضة، مع قضية الصواريخ فكان جذابا. فقد اعتبر السيد ابراهيم الأمين:" بمعزل عمن يقف خلف هذه العملية، وبمعزل عن أهدافه المباشرة أو غير المباشرة، وبخلاف ما يتوقعه الآخرون من نتائج لهذه العملية، فإن النتيجة العملية الأساسية هي أن الصواريخ محت كل جهود الطمأنة المجانية التي تطوّع لبنانيون لتقديمها إلى إسرائيل مباشرة أو غير مباشرة. وهذا بحد ذاته يمثّل الإنجاز الذي تخشاه إسرائيل في هذه اللحظة، حتى لو كانت تبيّت لعدوان كبير على لبنان. وعندما تقرر ذلك، لن تنتظر أي ذريعة".
وفي نفس العدد نرى السيد نقولا ناصيف يتعامل مع نفس القضية تعامل أمني تعجز عنه كل المخابرات فهو قد قدم وصفا دقيقا لهم (لمطلقي الصواريخ) لا ينقصه سوى ذكر أسمائهم. وقد غاب عن ذهنه الموقف الجديد لرئيس التحرير فقد تعامل معهم على أنهم ارهابيون كما درجت جريدة الأخبار على اتهام كل المجموعات السنية المعادية لأمريكا ما عدا "جبهة العمل الاسلامي". وكتب قائلا:" القصد من نصب الصواريخ السبعة، وفي ما بعد إطلاق الصواريخ الأربعة، توجيه رسالة سياسية إلى إسرائيل مفادها أن المتشدّدين الناشطين في أكثر من منطقة في لبنان في وسعهم التحرّك في الجنوب أيضاً، واختراق الاستقرار الذي يوفره القرار 1701 للحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية وشمال الدولة العبرية خصوصاً، وكذلك اختراق وجود ألوف من جنود الجيش اللبناني والقوة الدولية من أجل الإيحاء بالقدرة على توجيه تهديد جدّي لإسرائيل على متن صواريخ. ولم تحتمل الرسالة في أي حال، وفق التقويم الذي أجرته الأجهزة الأمنية اللبنانية والقوة الدولية، إشعال الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية بما يتخطى الحادث العابر، ولا يملك هؤلاء القدرات والإمكانات التي تتيح لهم استدراج لبنان إلى حرب جديدة مع إسرائيل ترفضها الحكومة اللبنانية وحزب الله والأفرقاء اللبنانيون جميعاً. بذلك بدت الرسالة المقتضبة تجاوباً مع ما أطلقه الرجل الثاني في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، يوم 6 كانون الثاني، بدعوته المسلمين إلى مهاجمة أهداف إسرائيلية وغربية في أي مكان ردّاً على حرب غزة".
وبذلك يكون السيد نقولا ناصيف قد طمأن اسرائيل،بالرغم من معارضة رئيس التحرير، أنه لا يوجد أي طرف لبناني يريد أن يعتدي على اسرائيل الا الطرف الارهابي التابع للقاعدة والذي يعرفه السيد ناصيف جيدا، والذي نعاديه جميعا.
أما السيد أسامة سعد فقد كان موقفه مختلفا، فهو قال على مراى من جميع الناس أنه غير مستعد لادانة أية رصاصة تطلق على اسرائيل.
لا داعي للاطالة أكثر فقد بات واضحا أن التعامل على الساحة اللبنانية مع قضية العدوان الاسرائيلي على غزة ليس على مستوى الحدث.
أما انعكاسات العدوان الاسرائيلي على غزة، فهو يرتبط من وجهة نظرنا بالغاية من وراء هذا العدوان. فتوفيق الهندي وهو كاتب معروف بانتمائه الى خط القوات اللبنانية بعد انفصالها بقيادة سمير جعجع، ويقال أنه كان يساريا قبل انتقاله الى القوات! فهو راديكالي اذن. يقول السيد الهندي عن الغاية من العدوان الاسرائيلي:" بات واضحاً ما هو الهدف الإسرائيلي من هذه الحرب فهو يتلخص بسعي إسرائيل لخلق واقع عسكري يفرض ميزان قوى على الأرض يحول دون تمكن "حماس" من إطلاق صواريخها على الأراضي الإسرائيلية، ولا سيما الجنوبية منها، كما يحول دون تمكنها من القيام بعمليات إستشهادية داخل إسرائيل. ولا شك في أن إسرائيل تعلم أنه ليس بمقدورها لأسباب متعددة "شطب" "حماس" من المعادلة الفلسطينية، فضلاً عن أن هذا "الشطب" قد لا يكون بمصلحتها (وهنا ينصح السيد هندي اسرائيل) لأنها قد تريد الإبقاء على الصراع الفلسطيني - الفلسطيني قائماً لكي لا تضطر للسير بالعملية السلمية الآيلة إلى إقامة الدولة الفلسطينية". (النهار 10 – 1 – 2009 )
أما السيد روبرت فيسك الكاتب البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الاوسط فيرى الغاية من العدوان الاسرائيلي ما يلي:" ويدل ذلك بوضوح على أهداف حرب إسرائيل الحقيقية، إذ يكمن هدفها في القضاء نهائيا على التطلعات الفلسطينية القومية، ليتسنى لها الاستمرار في امتصاص أراضي الضفة الغربية من خلال توسيع المستوطنات، كما فعلت منذ حرب العام 1967. وقد تتحول الأجزاء الصغيرة المنفصلة عن الضفة الغربية التي لا تستطيع إسرائيل أو لا ترغب في هضمها إلى محميات هادئة. وسيتمّ إجبار سائر الشعب الفلسطيني على الصمت أو الرحيل إلى الأردن.
ويبدو أن إسرائيل التي لن تنهي احتلالها للأراضي الفلسطينية، وهو ما يعتبر مصدر المشكلة كلها، تحاول أن تستولي على أراضٍ إضافية. فقد دفعها إنكارها للحقوق الفلسطينية وعطشها للتوسع إلى تجاهل كل اعتبارات الشرعية والأخلاق.
ولا يكمن هدف إسرائيل بالتالي في إيقاف صواريخ القسام، بحسب الذريعة التي استخدمتها لشن الحرب، بل القضاء على حركة «حماس» بالكامل. ويبدو أنها تعتقد بأن القضاء على «حماس» في غزة مهما كلف الثمن على صعيد تدمير حياة الفلسطينيين، سيضع حدا للمقاومة الفلسطينية المسلحة. هذا هو الرهان الوحشي الذي وضعه كل من ليفني وباراك ورئيس الوزراء المستقيل إيهود أولمرت نصب أعينهم".(الحياة 10 – 1- 2009 ) (يبدو أن السيد فيسك يملك شعورا بالانتماء لأمتنا أكثر بكثير من المنتمين جينيا لهذه الأمة).
ان لهذه الحرب التي تشنها اسرائيل على غزة أهداف متعددة، منها:
1- ابادة ما تتمكن اليه سبيلا من الشعب الفلسطيني. تجمع الناس في مكان آمن ثم تقصفهم. يجمع أهل الصحافة أنهم لم يعرفوا قصفا بهذا الاجرام على الأهداف المدنية، كما أنهم يصفونها بأنها الحرب الأعنف التي رأوها. فالأهداف مدنية: أي القتل من أجل الابادة. لنتذكر جابوتنسكي.
2- القضاء على "حماس" وعلى كل فكر مقاوم. اسرائيل تعلم أنه لامقام لها في وطننا اذا لم تقض وبشكل نهائي على كل فكرة للمقاومة. وهذا يستتبع ما طلبته الادارة الأمريكية عقب أحداث الحادي عشر من أيلول من تغيير للمناهج الدراسية بحيث تشوه الفكر والاعتقاد الاسلامي الذي يرفض العبودية لغير الله ويرفض التبعية للطواغيت.
3- ان انتصار اسرائيل على المقاومة في غزة سوف يستتبع اعتداء حتميا على لبنان بقصد القضاء على "حزب الله" لأنه ما من أحد يقبل بنصف انتصار في السياسة. والا فان ذلك سوف يؤدي الى هزيمة مستقبلا نتيجة تغير الظروف. ولكن الوضع الراهن يظهر أنه ليس بامكان اسرائيل الانتصار على المقاومة في غزة. أما أن تحقق المقاومة انتصارا حاسما على اسرائيل فهذا ليس حتميا لأن الظروف المحيطة غير مؤاتية. فالمعركة مفتوحة على مصراعيها، وهذا ما يقلل بالتالي حظوظ الاعتداء على لبنان.
4- ما تريده اسرائيل أيضا القضاء على كل تفكير باقامة دولة فلسطينية، تملك مقومات الدولة، حتى تتمكن من التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والاستيلاء على المياه والأراضي الصالحة للزراعة.
هذه بعض الأهداف التي تعمل من أجلها اسرائيل. أما عن اختيار الظرف المناسب وهو تبدل الادارة الأمريكية فهذا العامل ليس له أي حظ من الأهمية. والمناسب لاسرائيل هو انقسام الصف العربي والاسلامي، واتجاه أكثر الأنظمة في المسار الذي حددته الادارة الأمريكية. فما أن بدا بصيص من تقاطع في المصالح بين أمريكا والمعسكر الممانع بين الدول الاسلامية حتى شنت هذه الأخيرة الحرب الشعواء على الارهاب الموجه بالدرجة الأولى ضد المصالح الأمريكية من غير أن تدرس وبروية نتيجة هذه الحرب على الساحة الاقليمية. ولا يمكنني أن أؤكد أن الحرب على غزة هي من نتائجها.

هل ماتقوم به الساحات العربية كاف لنصرة غزة ومقاومتها؟
صحيح أن المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات ترفع معنويات الشعب المحاصر والمقاتلين المجاهدين ولكن ما الفرق بين المظاهرة التي تجري في فرنسا والمظاهرة التي تجري في دمشق أو بيروت أو القاهرة؟ ان لم يكن هناك من فرق، فأين تظهر قيمة الانتماء الى أمة واحدة أو عقيدة واحدة ان لم تظهر في الممارسة العملية التي تبين قيمة هذا الانتماء؟
ان كل نصرة لغزة ومقاومتها من قبل المنتمين لأمتنا لا تؤدي الى ارباك العدو لايمكن تصنيفها بالنصرة الكافية. وحتى لا يشكل الأمر على أحد، أقول أن النصرة العسكرية هي أحد الأشكال. ولا يعتقدن أحد أنني سوف أرفع الصوت عاليا وأتوجه بالخطاب للسيد حسن نصر الله وأسأله عن صواريخ المقاومة. هذا ليس من مهماتي تحديده ولا أدعي امتلاكي للفكر الاستراتيجي الذي يمكنني من أن أطلب ذلك. ولكن ما يمكننا قوله من الناحية النظرية أن الظرف السياسي هو الذي يحدد كيفية النصرة. ولكن يجب أن تربك العدو والا ليست نصرة كافية.
هنا لا بد من السؤال التالي: ما هو دور مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والأردن وسوريا في نصرتهم لأهلنا في غزة وللمقاومة؟ هل التظاهر في المخيمات أو عمان أودمشق يربك العدو الاسرائيلي ويجبر هذا العدو على تشتيت قواته للتخفيف عن اخواننا المجاهدين في غزة؟ ألا يوجد أي نوع من النصرة السلمية وأشدد على الصفة السلمية للنصرة، يمكنها أن تربك العدو الاسرائيلي؟ لا أعتقد. " فمن أراد الخروج لأعد له عدة".
أعود الى لبنان وأضم صوتي الى صوت السيد حسن نصر الله بأنه لاخيار لحماية شعبنا الا خيار المقاومة. ولكن علي أن أضيف أن المقاومة لا بد أن تصبح مقاومة متجاوزة للطوائف. والجواب على هذا الكلام لا يكون بأننا لا نمنع أحد من المقاومة انما يكون ببناء للمستقبل يضع مخططا استراتيجيا لتحويل المقاومة الى مقاومة شعب. مخطط لا يسيء بأي شكل من الأشكال للتنظيم المقاوم القائم اليوم والا نكون كمن يقدم خدمة مجانية للعدو.
أما بالنسبة لغزة فما علينا الا أن نعتبر قضية غزة ذات أولوية بحيث نخضع خلافاتنا المحلية لمصلحة نصرتها، لا أن نعتبرها احدى القضايا الخلافية حتى نحولها الى قضية تافهة كتعيين حاجب في احدى الوزارات. وما علينا الا النظر الى قضية غزة كما يراها الرئيس الدكتور سليم الحص:" وليكفّ أصحاب المشاريع العقيمة عن التعاطي مع غزة وكأنها مجرّد مشكلة أمنية، تنتهي بوقف إطلاق النار ومراقبة تنفيذه. متى سيدرك هؤلاء أن غزة قضية، قضية مصير وطني وقومي. فلتكن مشاريع الحل على هذا المستوى من الفهم للحرب الدائرة.
ختاماً فلنعترف أن بعض مظاهر القضية تغلب عليها خصوصيات المشكلة، ومنها التشريد والتشتت والبطالة وسواها. وقد أفلح مناصرو الصهيونية من قوى العالم في تغليب خصوصيات المشكلة على القضية عبر حقبة طويلة من الماضي واستخدام وجه المشكلة ليطغى على وجه القضية. فجاءت معظم مشاريع الحل للمشكلة وليست للقضية. ويريدوننا أن نصدق أنها مشكلة وليست قضية. لن يكون ذلك مهما سعوا وحاولوا. ولكن الواقع أن الصهيونية وحلفاءها استطاعوا أن يشغلوا الشعب الفلسطيني بمشكلته عن قضيته إلى حد ما. كما نجحوا في شغل الشعوب العربية بمشاكلها عن قضاياها".(السفير 10 -1 -2009) .

الأحد، 4 يناير 2009

الاغتراب في الخطاب الاسلامي

الاغتراب في الخطاب الاسلامي


الاغتراب كمصطلح لا وجود له في الخطاب الاسلامي؛ ولكن حيث أن هذا المصطلح أصبح مستخدماً في الخطاب الاسلامي المعاصر (أو العصري) رأيت أن أقوم باطلالة عليه. ولا أخفي أن من دوافعي هذه الحالة من الاستلاب أو الاغتراب الذي يعيشها عالمنا العربي والاسلامي، الاغتراب بالمعنى الغربي للاغتراب أو الاستلاب، وقد سبق أن عرفنا هذين المصطلحين في دراستنا السابقة عن الاغتراب في المفهوم الماركسي والتي يجدها القارىء على: hassanmallat.blogspot.com
ان من أسوأ المظاهر لهذه الظاهرة هي شعور العربي وكأنه مسلوب التاريخ، وكأنه يعيش وحده لا ينتمي الى أمة أو الى شعب أو الى حضارة. هذا النمط من الشعور هو الذي يجعل الانسان العربي مغترباً، أو بالتعبير الذي نحتاجه كثيراً والذي سنستعيره من المفكر الفذ الأستاذ مالك بن نبي، وأعني "القابلية للاستعمار". القابلية للاستعمار هي التعبير الاجتماعي والسياسي للاغتراب على الصعيد المجتمعي وليس على الصعيد الفردي فقط. وللتوضيح أكثر دعونا نأخذ مثالاً واحداً: الشعب الفيتنامي طرد اليابانيين والفرنسيين والأمريكان ولم تتمكن أية قوة استعمارية من الاستقرار في بلاده، وهذا يعني بتعبير مالك بن نبي أن الفييتناميين ليس لديهم القابلية للاستعمار. فهذا الشعب لم يتنكر للمقاومة الشعبية للمحتل وهلل للحذاء كما يفعل مثقفونا اليوم الذين يهللون لحذاء أحد الذين لم يتحملوا رؤية ممثل الاحتلال في بلدهم ويتنكرون للمقاوم الذي يستشهد في كل يوم لطرد هذا المحتل. فالمغترب في هذا المثال هو المقاوم وليس الآخرين. ما تقدم هو من العوامل التي دفعتني للكتابة أيضا. أما العامل الأهم هو ما أراه من اغتراب الانسان المسلم عن فطرته التي فطره الله عليها، عن "لا اله الا الله".
جاء في لسان العرب لابن منظور أن التغرب يعني البعد والاغْتِرابُ والتغرُّب كذلك تقول منه تَغَرَّبَ واغْتَرَبَ وقد غَرَّبه الدهرُ ورجل غُرُب بضم الغين والراء وغريبٌ بعيد عن وَطَنِه الجمع غُرَباء والأُنثى غَريبة. و استلب تأتي بمعنى سلب والاستلاب يعني الاختلاس. وهكذا نرى بأن المعنى الذي سبق وأن رأيناه للاغتراب أو الاستلاب لا نجده في معاجمنا. ولكننا نجد تعبير الغريب والغرباء والغربة. وسوف نقتصر في بحثنا هذا على ما جاء عند "ابن باجة" في "رسالة تدبير المتوحد" وعلى ما جاء عند "ابن القيم الجوزية" في كتابه"مدارج السالكين".
جاء في رسالة "ابن باجة"في "تدبير المتوحد" ثلاثة فصول:
1 – معنى التدبير.
2 – في الأفعال الانسانية.
3 – القول في الصور الروحانية.
يتحدث عن تدبير المدن فيقول:"فأما تدبير المدن فقد بين أمره فلاطن في السياسة المدنية و بين ما المعنى منه ومن أين يلحقه الخطأ".
تحدث عن خمسة أنواع من المدن: الكاملة وهي الفاضلة وأما المدن الباقية فهي ليست فاضلة وهي المدينة الجاهلية ومدينة الكرامة والمدينة الجماعية ومدينة التغلب. أما "المدينة (الفاضلة) الكاملة قد أعطي فيها كل انسان أفضل ما هو معد نحوه وأن آراءها كلها صادقة وأنه لا رأي كاذباً فيها وأن أعمالها هي الفاضلة بالاطلاق وحدها". ويستنتج "أن رأي غير رأيها يحدث في المدينة الكاملة فهو كاذب، وكل عمل يحدث فيها غير الأعمال المعتادة منها فهو خطأ".
"أما في المدن الأربع فقد يمكن ذلك" و"أما من وجد عملاً أو تعلمه علماً صواباً لم يكن في المدينة، فليس لهذا الصنف اسم يعمه. فأما من وقع على رأي صادق لم يكن في تلك المدينة أو كان فيها نقيضه هو المعتقد، فانهم يسمون بالنوابت. وكلما كانت معتقداتهم أكثر وأعظم موقعاً، كان هذا الاسم أوقع عليهم. وهذا الاسم يقال عليهم خصوصاً وقد يقال بعموم على من هو يرى غير رأي أهل المدينة كيف كان صادقاً أو كاذباً، فلنخص نحن بهذا الاسم الذين يرون الآراء الصادقة".
ويضيف: "فبينّ أن من خواص المدينة الكاملة أن لا يكون فيها نوابت، اذا قيل هذا الاسم بخصوص، لأنه لا آراء كاذبة فيها، ولا بعموم، فانه متى كان، فقد مرضت وانتقضت أمورها وصارت غير كاملة. والسير الأربع قد وجد فيها النوابت، ووجودها هو سبب حدوث المدينة الكاملة". ويتحدث عن النوابت السعداء: "وكأن السعداء ان أمكن وجودهم في هذه المدن فانما يكون لهم سعادة المفرد. وصواب التدبير انما يكون تدبير المفرد، وسواء كان المفرد واحداً أو أكثر من واحد، ما لم يجتمع على رأيهم أمة أو مدينة. وهؤلاء هم الذين يعنيهم الصوفية بقولهم الغرباء، لأنهم، وان كانوا في أوطانهم وبين أترابهم وجيرانهم غرباء قي آرائهم...".
أما الآن فسوف نستعرض ما يقوله ابن باجة في كيفية القضاء على هذا الاغتراب، أو بالأحرى ما فهمنا أنه قصد القضاء على الاغتراب. يقول: "ونحن في هذا القول نقصد تدبير الانسان المتوحد. وبينّ أنه قد لحقه أمر خارج عن الطبع، فنقول كيف يتدبر حتى ينال أفضل وجوداته، كما يقول الطبيب في الانسان المنفرد في هذه المدن كيف يتوحد حتى يكون صحيحاً، اما بأن تحفظ صحته، ... واما بأن يسترجعها اذا زالت... . كذلك هذا القول هو للنابت المفرد، وهو كيف ينال السعادة اذا لم تكن موجودة، أو كيف يزيل عن نفسه الأعراض التي تمنعه عن السعادة أو عن نيل ما يمكنه منها، اما بحسب رويته أو بحسب ما استقر في نفسه. وأما حفظها فذلك شبيه بحفظ الصحة. فلا يمكن". ويصل الى أن المدينة الكاملة هي الحل. ولكنه في فصل آخر معنون "القول في الصور الروحانية" فيرى الآتي: "والمتوحد الظاهر من أمره أنه يجب عليه أن لا يصحب الجسماني ولا من غايته الروحانية المشوبة بجسمية، بل انما يجب عليه أن يصحب أهل العلوم. ولكن أهل العلوم يقلون في بعض السير ويكثرون في بعض، حتى يبلغ في بعضها أن يعدموا. ولذلك يكون المتوحد واجباً عليه في بعض السير أن يعتزل عن الناس جملة ما أمكنه، فلا يلابسهم الا في الأمور الضرورية، أو بقدر الضرورة، أو يهاجر الى السير التي فيها علوم، ان كانت موجودة". انتهى.
نلخص ما تقدم:
1 – النوابت أو الغرباء يوجدون في غير المدينة الفاضلة.
2 – آراؤهم اما أن تكون صحيحة أو كاذبة.
3 – اذا حددنا أن الغرباء هم أصحاب الآراء الصحيحة، فالحل لغربتهم يكون في المدينة الفاضلة أو بالهروب والعزلة.
4 – أخيراً، الغرباء هم أصل التغيير في المجتمع، وذلك بتحويل المدن الفاسدة الى مدن فاضلة.
***
وهاكم الآن استعراض لرأي ابن القيم الجوزية بال"غربة" و"الغرباء" و"الاغتراب" كما ورد في كتابه"مدارج السالكين".
يبدأ عرض الامام بقوله تعالى"فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض الا قليلاً ممن أنجينا منهم". (هود 116)
فان الغرباء في العالم هم أهل هذه الصفة المذكورة في الآية الكريمة. وهم الذين أشار اليهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "بدأ الاسلام غريباً. وسيعود غريباً كما بدأ. فطوبى للغرباء. قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون اذا فسد الناس". وقال الامام أحمد: "طوبى للغرباء. قالوا: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: الذين يزيدون اذا نقص الناس". (اذا كان الحديث بهذا اللفظ وليس "الذين ينقصون اذا زاد الناس" فمعناه): الذين يزيدون خيراً وايماناً وتقىً اذا نقص الناس من ذلك والله أعلم.
وفي حديث الأعمش: "طوبى للغرباء. قيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: ناس صالحون قليل في ناس كثير. من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم".
وقال أحمد في حديث يصل الى عبد الله بن عمرو عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ان أحب شيء الى الله الغرباء. قيل ومن الغرباء؟ قال: الفرارون بدينهم. يجتمعون الى عيسى بن مريم عليه السلام يوم القيامة".
وفي حديث آخر: "قيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس".
عن عمر بن الخطاب عن معاذ بن جبل قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان الله يحب الأخفياء الأحفياء الأتقياء الأبرياء. الذين اذا غابوا لم يفتقدوا. واذا حضروا لم يعرفوا. قلوبهم مصابيح الهدى. يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة".
فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون. ولقلتهم جداً في الناس: سموا "غرباء". فان أكثر الناس على غير هذه الصفات. وأهل العلم في المؤمنين غرباء – (في الحاشية: وهل يكون ايمان صادق بلاعلم؟ أو يكون ايمان صادق بلا محاربة للبدع والأهواء؟ دعوة الى هدى الله وجهاد في سبيله وطاعة رسوله، وصبر على الأذى في مرضاته). وأهل السنة – الذين يميزونها من الأهواء والبدع – فهم غرباء. والداعون اليها الصابرون على أذى المخالفين، هم أشد هؤلاء غربة. ولكن هؤلاء هم أهل الله حقا. فلا غربة عليهم. وانما بين الأكثرين الذين قال الله عز وجل فيهم: "وان تطع أكثر من في الأرض يضلونك عن سبيل الله". (الأنعام 116) فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه. وغربتهم هي الغربة الموحشة. وان كانوا هم المعروفين المشار اليهم.
فالغربة ثلاثة أنواع: غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق. وهي الغربة التي مدح أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين قوم دون قوم. ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقا. فانهم لم يأووا الى غير الله. ولم ينتسبوا الى غير رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يدعوا الى غير ما جاء به... .
ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: التمسك بالسنة اذا رغب عنها الناس. وترك ما أحدثوه وان كان هو المعروف عندهم. وتجريد التوحيد. وان أنكر ذلك أكثر الناس. وترك الانتساب الى أحد غير الله ورسوله، لا شيخ، ولا طريقة، ولا مذهب، ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون الى الله بالعبودية له وحده، والى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده.
ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم "هم النزاع من القبائل"، أن الله سبحانه بعث رسوله، وأهل الأرض على أديان مختلفة. فهم بين عباد أوثان ونيران، وعباد صور وصلبان، ويهود وصابئة وفلاسفة. وكان الاسلام في أول ظهوره غريبا. وكان من أسلم منهم، واستجاب لله ولرسوله: غريباً في حيه وقبيلته وأهله وعشيرته.
فكان المستجيبون لدعوة الاسلام نزاعاً من القبائل. بل آحاداً منهم. تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم. ودخلوا في الاسلام. فكانوا هم الغرباء حقاً. حتى ظهر الاسلام وانتشرت دعوته. ودخل الناس فيه أفواجاً. فزالت تلك الغربة عنهم. ثم أخذ في الاغتراب والترحل، حتى عاد (الاسلام) غريباً كما بدأ. بل الاسلام الحق – الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه – هو اليوم أشد منه غربة منه أول ظهوره. وان كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة. فالاسلام الحقيقي غريب جداً. وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس.
... فان نفس ما جاء به (الاسلام) يضاد أهواءهم ولذاتهم ("هم" تعود الى المسلمين المغتربين عن فطرتهم، عن الاسلام الحق) وما هم عليه من الشبهات والبدع التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم، والشهوات التي هي غايات مقاصدهم واراداتهم.
فكيف لا يكون المؤمن السائر الى الله على طريق المتابعة غريباً بين هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم، وأطاعوا شحهم، وأعجب كل منهم برأيه؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مروا بالمعروف. وانهوا عن المنكر. حتى اذا رأيتم شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً، ودنيا مؤثرةً، واعجاب كل ذي رأي برأيه. ورأيت أمراً لا يد لك به. فعليك بخاصة نفسك. واياك وعوامهم. فان وراءكم أياماً صبر الصابر فيهن كالقابض على الجمر". ولهذا جعل للمسلم الصادق في هذا الوقت – اذا تمسك بدينه- أجر خمسين من الصحابة. ففي سنن أبي داود والترمذي – من حديث أبي ثعلبة الخشني – قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم".(المائدة 105) فقال: بل ائتمروا بالمعروف. وتناهوا عن المنكر. حتى اذا رأيت شحاً مطاعاً... الى آخر الحديث. وهذا الأجر العظيم انما هو لغربته بين الناس، والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم. ويضيف واصفاً المؤمن الحق: ... فهو غريب في دينه لفساد اديانهم، غريب في تمسكه بالسنة، لتمسكهم بالبدع. غريب في اعتقاده، لفساد عقائدهم. غريب في صلاته، لسوء صلاتهم. غريب في طريقه، لضلال وفساد طرقهم ... وبالجملة: فهو غريب بأمور دنياه وآخرته ... داع الى الله ورسوله بين دعاة الى الأهواء والبدع. آمر بالمعروف، ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر والمنكر معروف.
النوع الثاني من الغربة: غربة مذمومة وهي غربة أهل الباطل ... وان كثر أهلها فهم غرباء... .
النوع الثالث: غربة مشتركة، لا تحمد ولا تذم وهي الغربة عن الوطن. فان التاس كلهم في هذه الدار غرباء. فانها ليست لهم بدار مقام ... وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: "كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل".
ماذا يقول ابن القيم بالاغتراب؟
يقول الامام: "الاغتراب: أمر يُشار به الى الانفراد عن الأكفاء" يريد أن كل من انفرد بوصف شريف دون أبناء جنسه، فانه غريب بينهم. لعدم مشاركه، أو لقلته.
قال: "وهو على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: الغربة عن الأوطان. وهذا الغريب موته شهادة. ويقاس له في قبره من مدفنه الى وطنه. ويجمع يوم القيامة الى عيسى بن مريم". وفي هذا اشارة الى حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام عن عبد الله بن عمرو قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب شيء الى الله الغرباء. قيل وما الغرباء يا رسول الله؟ قال: الفرارون بدينهم. يجتمعون الى عيسى بن مريم يوم القيامة".
قال: الدرجة الثانية: غربة الحال. وهذا من الغرباء الذين طوبى لهم. وهو رجل صالح في زمان فاسد، بين قوم فاسدين. أو عالم بين قوم جاهلين، أو صديق بين قوم منافقين.
قال: الدرجة الثالثة: غربة الهمة. وهي غربة طلب الحق. وهي غربة العارف. ... وغربة العارف: غربة الغربة. لأنه غريب الدنيا والآخرة. انتهى.
هذا أهم ما جاء به ابن القيم بالنسبة لموضوع الغربة والغرباء والاغتراب.
لنعد الآن الى تحديدنا للأزمة وهي اغتراب انساننا عن الفطرة: خلق الله الانسان واستخلفه على هذه الأرض مركزاً فيه أنه لا اله الا الله وهذا ما أسميناه الفطرة. وقد بعث الله النبيين والرسل لتذكير الناس بفطرتهم، بعهدهم، بميثاقهم مع الله. هذا الميثاق هو توحيد الله عز وجل.
وحيث أن الانسان معرض للزلل وباستمرار وهذا يعني بأنه معرض وبشكل مستمر للعدول عن مسار الفطرة، الصراط المستقيم اللحظوي. لذلك على الانسان العودة الى الذكر الطمأنينة حتى ييعود الى فطرته. وهذه العملية لانهائية الا على الصعيد الفردي، تنتهي بانتهاء حياة الفرد.
فمسار الفطرة هو صراع يومي ودائم مع الشهوة ومع الهوى. الشهوة لامتناهية وكذلك الصراع معها دائم. ومن خلال صراع المسلم الحق مع جميع مضاداته: الشهوة، الشرك، الكفر، الهوى...الخ يجد المسلم الصراط المستقيم مستعيناً بالله، مهتدياً بسنة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.
حسن ملاط

نقلا عن
www.binnabi.net