بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الخميس، 23 مايو 2013

القصير: القطع مع الوعي؟



ابو نزهة                           "القصير": القطع مع الوعي؟
القصير، بلدة سورية كبيرة، منسية مثل جميع القرى التي تشبهها في سوريا. لم يسمع أحد بهذه البلدة إلا أخيراً، بعد أن أصبحت قبلة النظام وحلفائه. ومن عسر حظ هذه البلدة أنها كانت بلدة معظم أهلها من أهل السنة والجماعة. وهذا يعني، حسب تصنيف النظام و حلفائه، بلدة معادية. وحيث أنها تقع بين حمص ودمشق، فمن الضروري أن تكون بيد النظام. وحيث أن أهلها قد شعروا بكرامتهم بعد بدء الأحداث في سوريا فقد تمردت على هذا النظام مثل جميع البلدات والمدن التي يشعر أهلها بكرامتهم. من أجل ذلك، لا بد من غزوها. وعليه فقد حشد النظام وحلفاؤه أكثر قواتهم تدريباً حتى يقضوا على هذه البلدة الآمنة، إما بالمجازر، كما في بانياس، أو بالتهجير مثل معظم البلدات والمدن السورية. والسلاح موجود بفضل الروس والإيرانيين. والنظام السوري يستخدم فقط المدافع الثقيلة والصواريخ الباليستية من طراز سكود والطائرات المروحية أو الحربية من طراز سوخوي وميغ، كل هذا من أجل قصف السكان المدنيين.
لماذا القصير؟ في حال لم يتمكن النظام من ربط دمشق، العاصمة، بالمنطقة الساحلية، حيث القاعدة الآمنة للنظام، فمن المحتم أن النظام سيخسر العاصمة. وبذلك سيصبح النظام ضعيفاً على الصعيد الدولي ومن دون مصداقية، وبذلك يكون انتهى. لذلك فإن الإحتفاظ بالعاصمة هي مسألة مركزية. من هنا تأتي أهمية القول بأن النظام مستعد للتضحية بألف إيراني ومقاوم من أجل الإحتفاظ بالقصير.
القصير بالنسبة للنظام هي مسألة موت وحياة بكل ما للكلمة من معنى. أما بالنسبة للمعارضة فهي ليست أكثر من ربح موقع أو خسارته. هذه القصير، مثلها كمثل ريف دمشق، ليس للنظام من خيار إلا السيطرة على هذه المواقع. فالمعركة بحقيقتها هي معركة دمشق والقصير هي من تفاصيل هذه المعركة.
في التفاصيل: منذ فترة من الزمن، أعلن النظام أنه سيسترد القصير وأنذر أهل القصير والمسلحين الموجودين داخلها. السؤال هو لماذا لم يتم تسليح القصير بأسلحة نوعية تمكنها من التصدي للطائرات والصواريخ التي تساقطت عليها بمعدل خمسين قذيفة في الدقيقة الواحدة؟ والجواب ليس معقداً. المعركة التي تُخاض في القصير هي معركة للقضاء على المسلحين في هذه البلدة لأن الجميع قد حدد مسبقاً أن المسلحين هم من الإسلاميين. والأطراف الذين يهمهم القضاء على هذه الفئة هم فقط الأميركيون والأوروبيون والروس والإيرانون وحلفاؤهم والنظام، وحلفاء أميركا من الأعراب الذين امتنعوا عن تسليح المعارضة.
مما تقدم يتبين أن جميع الأطراف أجتمعت على تصفية أهل القصير وحلفائهم، ولكنهم لما يتمكنوا.
من هم الإسلاميون الذين تريد جميع هذه الأطراف تصفيتهم؟
يقولون لنا أن هؤلاء هم من القاعدة وأخواتها. والقاعدة وأخواتها، هم فقط من حارب أمريكا لأكثر من عقدين من الزمن. أما إيران، فقد حاربت أمريكا كلامياً وحالفتها عملياً.
هناك حربان كبيرتان خاضتهما أمريكا، هما في أفغانستان والعراق. أما الحرب الأولى فقد كان العسكر الإيراني في طليعة القوات الأمريكية التي جاءت تحارب حركة طالبان. فإيران هي حليفة أمريكا في هذه الحرب. أما جائزتها فكانت نائب الرئيس الأفغاني وهو فارسي شيعي.
أما الحرب الثانية التي حالفت فيها إيران الإدارة الأمريكية، فهي حرب العراق. فقوات المعارضة العراقية للرئيس صدام حسين، والتي جاءت من إيران، دخلت بغداد على الدبابات الأمريكية. وقد احتفظت إيران وأمريكا بالتحاف حتى الآن حيث يمثل المالكي تقاطعاً أمريكياً إيرانياً. وحتى بعد قيام التظاهرات ضد سياسته المذهبية والتي لازالت مستمرة منذ أكثر من شهرين، دافعت الولايات المتحدة عن حكمه واعتبرته ديموقراطياً. أما إيران فقد استدعت جميع الأحزاب الشيعية ووجهت لها الأوامر بضرورة دعم المالكي وتجديد تكليفه في رئاسة الوزراء. علماً أن هذا التوجيه يتناقض مع توجيه المرجع الأعلى في النجف، السيستاني، الذي اعتبر أن تصرفات المالكي فئوية ومذهبية ومن الممكن أن تؤدي إلى تقسيم العراق.
أما الحرب الثالثة الكبرى، فهي تلك التي تُخاض في الربوع السورية ضد أعداء أمريكا من التكفيريين. فإيران تعلن على الملأ أنها تحارب هؤلاء ولكنها لم تقل لصالح أمريكا. وإيران وحلفاؤها محقون، حيث أن هذه الحرب تخاض لصالح أمريكا وروسيا والنظام السوري وأؤلئك الذين لا يحبون أن يكونوا على خطوط تماس مع القاعدة.
هكذا تحارب إيران أمريكا. أما عن العقوبات الأمريكية على إيران فهي ليست جدية بما يؤدي إلى خنق إيران كما يدعي البعض. النفط الإيراني تشتريه الصين والهند واليونان وكوريا الجنوبية وتركيا. هذه الدول جميعها من دون استثناء هي من حلفاء الولايات المتحدة.
أمريكا لا يضيرها التحالف مع إيران، شريطة أن تكون بالشروط الأمريكية. لا ننسى أن إيران قبل ثورة الخميني التي كانت معادية لأمريكا، كانت شرطي الخليج لصالح الولايات المتحدة. فإذا كانت أمريكا مستعدة أن تعترف لإيران بولايتها على جميع الشيعة في العالم، عندها يعود التحالف كما كان أيام الشاه.
كيف القطع مع الوعي؟ عندما يخوض الإنسان حرباً غير عادلة، لصالح غيره، يصبح مضطراً للإلتجاء إلى القاموس الذي يربط عصبية الإنسان بغريزته. المقاومة تمثل وعي الأمة. والمقاوم تكون المقاومة وعيه. ولكن عندما على البعض استحضار كل عصبية التاريخ منذ 1400 سنة أو أكثر حتى يدفع المقاوم من أجل أن يصبح مقاتلاً غريزياً يكون قد قطع مع الوعي. ولكن أمتنا بحاجة إلى الوعي، ولا تحتاج للعصبية، التي وصفها الرسول عليه السلام بأنها منتنة!

الجمعة، 17 مايو 2013

لم يفت الأوان بعد!


                                 لم يفت الأوان بعد!
حسن ملاط
الصراع موجود في جميع المجتمعات. وهذا الصراع يأتي نتيجة التناقضات. والتناقضات، منها ما هو أساسي ومنها ما هو خلاف ذلك. أما التناقض الرئيس فهو ذلك الذي تجعل منه القوى الفاعلة في المجتمع كذلك. وليس شرط التناقض الرئيسي أن يكون أساسياً. إنما شرطه أن تتقدم به القوى الفاعلة على أنه التناقض الذي يقود التناقضات الأخرى ويُخضعها للوجهة التي يأخذها. وبذلك تصبح جميع التناقضات الأخرى ثانوية.
وهذا التوصيف لا ينطبق على مجتمع واحد، إنما يميز جميع المجتمعات بدون استثناء، ومنها المجتمع اللبناني. فمن التناقضات الأساسية في مجتمعنا، التناقض مع العدو الصهيوني، والتناقض مع السياسات التي تُخضع مختلف فئات وطبقات المجتمع اللبناني للرأسمال المعولم، وعلى رأسها المصارف. وهذه بدورها تخضع للرقابة الأميركية (البنك الكندي وشركتي الصرافة). فمجرد تهمة من الإدارة الأميركية للبنك الكندي أدت إلى تصفية هذا المصرف. فلبنان حر بالخضوع للإدارة الأميركية. الحرية هي حرية الخضوع.
ما ميز المرحلة السابقة على ال2005، هو تقدم الصراع مع العدو إلى أخذ الأولوية المطلقة. فالقوة الرئيسة كانت "المقاومة" وصراعها مع العدو كان يُخضع جميع التناقضات الأخرى لأولويته فيجعل منها ثانوية. وقد حاولت بعض القوى الداخلية حرف المقاومة عن قتال العدو وتحويلها للصراع الداخلي، ولكنها لم تتمكن، بسبب ميزان القوى الذي كان يميل لصالح المقاومة.
هذه المرحلة كانت ذهبية بالنسبة للمقاومة. فجميع الإتهامات التي كانت توجه لها لم تكن تلقى أي صدىً إيجابي عند الشرائح الكبرى في المجتمع اللبناني.
بعد اغتيال الرئيس الحريري، تغيرت الأجواء كثيراً، وانتقل الصراع من أن يكون مع العدو الصهيوني، إلى أن يصبح بين مختلف شرائح المجتمع اللبناني. فكانت الإجتماعات المتناقضة والحشود المتضادة في ساحة رياض الصلح وساحة الشهداء. ولم تتمكن حرب 2006 من تهدئة هذه الحرب الشرسة. ورئيسية الصراع مع العدو انتقلت إلى الساحة الداخلية، ولا تزال. ولكنها بدأت تأخذ مظاهر سيئة تهدد المقاومة بوجودها، كما أنها تهدد الإستقرار الداخلي والإقليمي. ولا بأس من التذكير بأن الحلف الرباعي لم يساهم إلا بتخفيف الإحتقان لمدة محدودة، لأسباب عديدة لا مجال لذكرها.
من المؤكد أن التحالفات الداخلية التي أعقبت الحلف الرباعي، والتي أرساها حزب الله قد لعبت دوراً سلبياً في هذا المجال. نعني الحلف مع العماد عون. فقد بدأ هذا الحلف باتجاه إيجابي، عندما أعلن العماد عون انتماءه للمسيحية المشرقية، والتي كانت واضحة في الرسالة التي بعثها إلى بابا الفاتيكان السابق. ولكنه لم يلبث أن بدأ يبث السموم المذهبية والأقلوية وأخذ يحرض على السنة في لبنان انطلاقاً من عقدة النقص التي يحملها إزاء أحد التيارات التي يدعي تمثيل سنة لبنان. حزب الله لم يلعب دوراً في تخفيف غلواء العماد عون، مما أوحى وكأن الحزب يوافق على ما يقوم به العماد. هذا ما ساهم برفع وتيرة الإحتقان، حتى بات البعض يعتقد وكأن هناك مصلحة بإظهار نغمة الأقليات والتي تحدث عنها عون وجعجع. حيث أن الأول تحدث عن ضرورة التحالف مع الأقليات كمبرر لتحالفه مع الحزب. أما جعجع، فقد تحدث عن التحالف مع الأكثرية (السنة) كضرورة لحماية  الأقليات المسيحية في الشرق.
التحالف مع عون بالإتجاه الذي أراده عون لم يكن موفقاً إذا أحببنا أن نتحدث عن مصلحة المقاومة، واستمرارها في بلادنا. فقد بدأ عون ب"يا شعب لبنان العظيم" إلى الذهاب إلى الكونغرس الأمريكي للترويج لل1559 ثم إلى حلف الأقليات وكان آخرها قانون اللقاء الأرثوذكسي الذي سيحول شعاره المحبوب إلى "يا شعوب لبنان العظيم". نحن نعلم، والجميع يعلم أن مصلحة المقاومة تستدعي تجميع الناس حولها، لا قسمة الناس حتى تصبح معزولة عن محيطها الأوسع. وهذا ما وصلت إليه المقاومة مؤخراً. وليس في هذا دعوة إلى عزل العماد عون، إنما هو دعوة إلى خدمة شعار ضرورة التوحد على شعار مقاومة العدو الصهيوني.
إن ما يدفعنا إلى هذا الكلام هو الوضع المأساوي التي وصلت إليه المقاومة والذي يستدعي الوقوف والتفكر. فمجتمعنا اللبناني والعربي بحاجة ماسة للمقاومة، لأنها لا إمكانية للتحرير من دون المقاومة. ولا أمل في تحرير فلسطين إلا عبر المقاومة. فقوة المقاومة واستمراريتها تعنينا جميعاً كما تعني المنتمين إلى صفوفها. من أجل ذلك، يصبح لزاماً على الجميع العمل الجدي على حمايتها.
وجود المقاومة في مجتمع ما يحول هذا المجتمع إلى مجتمع مقاوم، خاصة إذا كانت المقاومة فاعلة. التكتيكات الأخيرة أدت إلى عكس ذلك، مما يتطلب الإستدراك والتفكر. لقد حدد السيد نصرالله أن الخلاف في لبنان يقوم على موضوعين هما قانون الإنتخاب والتدخل في سوريا، ثم أكد أن الحزب يقبل في أن يكون لبنان دائرة واحدة على أساس النسبي، ولكن إذا حصل اقتراع على الأرثوذكسي، فالحزب سيصوت للأرثوذكسي. وأكد في المجال نفسه أنه سيظل يتدخل في سوريا. اي بصيغة أخرى فليبق الخلاف في لبنان... أين المقاومة؟
وفي خطاب آخر للسيد، أكد أن الحزب يمثل الشيعة مع حركة أمل، وأن الحزب سيدافع عن الشيعة في القصير وسوف يدافع عن مقام السيدة زينب، رضي الله عنها، وكأن المقام بني منذ عدة سنوات وليس منذ مئات السنين. هذا الكلام أدى إلى الشك في أن هناك أجندة تختلف عن أجندة تأكيد مكانة المقاومة في لبنان وفي الإقليم. وأكد أن هذه القرارات ترتبط بمصالح إقليمية أسماها السيد تحالف المقاومة والممانعة. وبلغة أخرى، يرتبط هذا التكتيك بمصلحة النظام السوري القائم لأن إيران ترى مصلحة في ذلك. والتبرير أن النظام السوري مقاوم ليس مقنعاً لأن هذا النظام لم يكن يوماً مقاوماً. إسرائيل لا تزال حتى الآن تصرح أنها لا تقبل عنه بديلاً لأنه أمن حدودها لأكثر من أربعين سنة. أما من حيث إيصال السلاح فهذه تجارة يمكن أن تتم عن مختلف الطرق. وهذا لا يستدعي تفتيت المجتمع من أجل مصالح هذا النظام الذي يقتل شعبه، ويهدم منشآته غير آبه إلا لمصلحته والشريحة التي تنهب خيرات هذا الشعب. نظام دمر الصناعة والزراعة من أجل مصالح حفنة من أصحاب الرأسمال المعولم. نظام لا يعرف كيف يتخلص من تحالفه مع إيران وحزب الله اللذان يريدان أن يضعاه بمواجهة الكيان الغاصب، هو الذي يريد أن ينهي مشاكله مع الكيان الغاصب بالمفاوضات، تارة عبر تركيا أو أمريكا أو أوروبا، حتى لا تلتصق به شبهة المقاومة أو غيرها من الأوصاف. والمزحة الكبرى أخيراً فتح باب المقاومة في الجولان، موضوع تورط فيه من عليه أن لا يتورط. المقاومة ليست قراراً يأخذه من أفنى نضاله بقتال المقاومين. أضف أن أول عملية للمقاومة كانت في تركيا. فقد قرر النظام المستعبد عند سايكس بيكو تحرير لواء الإسكندرون. لقد أفاقت أمتنا من سباتها بقيادة النظام السوري المقاوم.
إيران، جادة في عدائها للكيان الصهيوني، لأن إيران تريد أن تكون جزءاً من الإقليم وإيران تعرف أن باب الولوج إلى منطقتنا هو المقاومة ضد الكيان الصهيوني. ولكن لإيران حساباتها، حسابات لا تتطابق مع الحسابات الجزئية للكيانات الموجودة في بلدنا. ليس من مصلحة لبنان إخضاع استقرار لبنان وأمنه لما يخدم الدفاع عن أمن النظام السوري. فسياسة النأي بالنفس وإعلان بعبدا هما من السياسات التي وافق عليها الحزب لأنها تخدم أمن البلد. فإذا كان هناك من يتدخل في سوريا، وهذا التدخل يجعل الصراع في لبنان يأخذ طابعاً مضراً بالبلد وبأمنه واستقراره ويخلق انقساماً حاداً حول المقاومة لأنها غيرت اتجاه بندقيتها... هذا يعني ضرورة إعادة التفكير بهذه التكتيكات التي ستؤدي إلى القضاء على المقاومة باتجاه العدو الصهيوني.
بقي نقطة لا بد من الإشارة إليها. حزب الله يعتبر حزب "المستقبل" هو الممثل الوحيد للسنة في لبنان. علماً أن هذا التوصيف لا يوافق عليه الكثير من أهل السنة في لبنان. فالكثير منهم يساندون المقاومة مساندة فعلية، ولكن منطق التعاون الذي درج عليه الحزب في تعامله مع هذه الفئات لا يؤدي بهذه الفئات إلى الإستقلالية التي تمكن هؤلاء من التجذر في بيئتهم. فهناك الكثير من القرارات التي يأخذها الحزب من دون التشاور مع هؤلاء مما يجعلهم معزولين عن محيطهم بسبب تأييدهم للحزب ولا يجعلهم فاعلين في خيارات الحزب. فلو أن التشاور كان يتم معهم، لأضحى الوضع أفضل مما هو عليه. على كل حال، لم تقم القيامة بعد، واستمرار المقاومة وتجذرها وتطورها وتعميم مثالها وتحويل المجتمع إلى مجتمع مقاومة يستدعي مناقشة جميع هذه القضايا. فلم يفت الوقت بعد.
إن نقل الصراع الإقليمي إلى الداخل اللبناني، أو الإنتقال إلى الخارج للمشاركة في المعركة الإقليمية سوف يكون له تأثيرات على الداخل اللبناني. ولكن من المعروف أن التناقضات الداخلية هي التي تلعب الدور الرئيس في موضعة القوى في الداخل. أما الخارج لا يمكنه إلا أن يكون عنصراً مساعداً. هناك من اعترض على سعد الحريري عندما أعلن أن انتصار الثورة في سوريا سوف يمكنه من العودة إلى السلطة في لبنان، قد وقع للأسف في نفس "المطب".
لماذا التركيز على حزب الله؟
حزب الله هو حزب المقاومة في لبنان، والكثير الكثير من الشعوب العربية قد وضعت كل ثقتها في المقاومة، ونحن نريد أن تستمر المقاومة وتُعمم. هذا هو سبب تركيزنا على الحزب. لا تزال ثقتنا قوية بمن حقق انتصارين كبيرين على العدو، ولكن لابد من المراجعة والتصحيح وتعميم المشاركة في المقاومة على جميع من يريد أن يكون مقاوماً بصرف النظر عن دينه أو طائفته أو مذهبه. لم يفت الأوان بعد!
17 أيار 2013





السبت، 11 مايو 2013

هل الحرب قادمة


                                      هل الحرب قادمة؟
حسن ملاط                                                                11 أيار 2013
عندما جاء كيري إلى وزارة الخارجية الأمريكية، كانت أولى مساهماته حول ما يجري في سوريا أن صرح أن مؤتمر جنيف هو القاعدة التي ينطلق منها كل حل للقضية السورية. وأضاف أن الأسد هو جزء من الحل. وهذا الكلام يخالف ما كان يتحدث عنه أوباما في ولايته الأولى. وقد فهم المراقبون أن السياسة الأميركية سوف تتغير بأن تتقرب أكثر من الرؤية الروسية للحل. ولكن الكلام الأمريكي بدأ بالتغير على استحياء، وذلك للتقرب من المعارضات السورية، التي يرفض أكثرها التفاوض مع الرئيس السوري.
اتجه الأمريكيون إلى توحيد المعارضة، وكان مؤتمر الدوحة الذي نتج عنه الإئتلاف الوطني، والذي انتخب معاذ الخطيب رئيساً له. ولكن لم يتمكن الأخير من التفاهم مع رفاقه حول الأولويات، ما أدى إلى استقالته السريعة. أما الجيش الحر فقد آثر التغريد وحيداً، في الوقت الذي تخلى عنه المسؤول عن تسليحه وإمداده بالمعونات، ما أدى إلى تخلي المئات من المقاتلين عنه وانضمامهم إلى جبهة النصرة الحسنة التسليح والتدريب. جبهة النصرة التي توحد على معاداتها النظام والأمريكيون والأوروبيون والإيرانيون وحلفاؤهم اللبنانيون. وقد أعلن الأمريكيون أن هذه الجبهة إرهابية ويجب محاربتها، رغم الطلب الملح من المعارضة السورية تأجيل الصدام مع هذه الجبهة إلى ما بعد الإنتصار على النظام. في هذا المجال، صرح الرئيس أوباما في عمان أن الأسد أخل بتعهداته. نفهم أن هناك تعهدات أعطاها الرئيس السوري للأمريكيين ولم ينفذها. ولا نعتقد أنها تخرج عن ضرورة محاربة النصرة.
كل ما تقدم كان مترافقاً مع الرفض المطلق للأوروبيين والأمريكيين لتسليح المعارضة السورية، بحجة الخوف من وصول السلاح إلى المكان الخطأ. وهذا بدوره أدى إلى تقدم النظام وحلفاؤه في الكثير من الجبهات. هذا التقدم للنظام على الأرض، لم يُزعج الأمريكيين، بدلالة عدم السماح بتسليح المعارضة حتى الآن.
هل تقدم النظام يملك دلالات مفصلية؟
التقدم كان على جبهة حمص وريفها، وكذلك في بعض ريف دمشق. والمعروف أن المنطقة التي تُشكل الخزان البشري للنظام هي منطقة الساحل التي تضم اللاذقية وطرطوس وريفهما. وهذه المنطقة تفقد فعاليتها إذا لم يتمكن النظام من ضم حمص وريفها لها حتى يؤمن الإتصال مع دمشق العاصمة. فالنظام يفقد شرعيته في حال فقدانه العاصمة دمشق. نستنتج بان المناطق التي تقدم فيها لا يمكنه التخلي عنها، لأنه في حال التخلي عنها فذلك يعني هزيمته المعلنة. أما فقدانه المنطقة الساحلية فتعني القضاء عليه. من أجل ذلك لا نرى التقدم الذي يحرزه النظام في هذه المناطق يُعتبر تغييراً في ميزان القوى، إنما هو فرز للقوى وتموضعها.
ولكن لا بد من التأكيد أن الحشد الكبير الذي قام به النظام والإيرانيون وحلفاؤهم كان ضرورياً لشرعية استمرار النظام.
في هذا الوقت تدخلت إسرائيل في غارتيها على دمشق. فهل صحيح أن الهجوم الإسرائيلي كان يستهدف إضعاف النظام لصالح المعارضة؟ المؤكد أن هذا الكلام بعيد عن الحقيقة بشكل مطلق، حيث أن العدو الصهيوني لا يزال يرى أن بقاء الأسد على سدة الرئاسة في سوريا يؤمن للعدو مصالحه الأمنية والاستراتيجية، بالرغم من "ممانعة" النظام ومقاومته". إن ما يرفضه الصهيوني هو أن تكون له حدود مشتركة مع القاعدة (جبهة النصرة). فهو يعرف كيف يتصرف مع النظام ولكنه لا يعرف كيف يتعامل مع القاعدة. من هنا علينا فهم القرار الأمريكي بعدم تسليح المعارضة. فالأمريكي لا يفكر إلا بمصلحة العدو.
لم كان الهجوم الإسرائيلي إذن؟
نحن نعتقد أن الهجوم على دمشق التي تحميها إيران وحلفاؤها كان رسالة "عنيفة" لإيران. فالإسرائيلي الذي يهدد بالهجوم على طهران من أجل تدمير النووي الإيراني هو بحاجة لمعرفة كيفية تصرف الإيراني إزاء أي هجوم يقوم به العدو. والإيراني ليس بعيداً عن هذا التفسير. فرئيس الأركان الإيراني هو الذي رد على الهجوم الصهيوني عندما أعلن أن المقاومة سترد على الهجوم الإسرائيلي. ولكن عندما رأت القيادة الإيرانية أن هذا الكلام سيورط إيران بمواقف وممارسات غير مدروسة تراجعت عنه. والصهيوني من جانبه، أكد للقيادة السورية أن هجومه موجه للإيرانيين وحلفائهم وليس للقيادة السورية. لذلك أعلنت القيادة السورية أنها سترد على أي هجوم جديد. لا نعلم إن كان الإسرائيلي قد أخطرهم أنه لن يقوم بهجوم جديد.
إن ما يريح الإيراني والسوري هو أن يصرح حليفهما عنهما، بحيث أنه لا يتبوأ مركزاً رسمياً. فبإمكانه أن يصرح بما يريد. فتصريحه يمكن أن يعطي اتجاهاً من دون أن يلزم الإيراني أو السوري. كما أن تصريحه يحمل الكثير من المصداقية التي تعودها الناس منه. كما أنه بإمكانه أن يبرر تقاعس النظام السوري والإيراني عن الرد.
أين الحرب ضمن الصورة الحالية؟
إن ما يحدد انفجار الحرب الإقليمية من عدمه، هي التحضيرات التي تقوم بها الولايات المتحدة وروسيا من أجل المؤتمر الذي سيحل المعضلة السورية. فالأطراف الفاعلة في القضية السورية هم روسيا وإيران وحلفاؤها مع النظام بمجابهة السعودية وقطر وتركيا وحلفاؤهم الأمريكيون والأوروبيون. الطرف الذي لا يمكنه أن يخسر في سوريا هو إيران. لذلك فإن أي استبعاد لإيران عن المؤتمر سوف يؤدي على أغلب الظن إلى انفجار الأوضاع التي ستؤدي حتماً إلى خلط جميع الأوراق. هذا لا يعني تراجع الولايات المتحدة عن ضرورة استبعاد إيران. إنما يعني أن على إيران استخدام جميع إمكاناتها لإجبار أمريكا على التراجع.
هل بإمكان أمريكا التراجع؟ نحن نعتقد أن أمريكا التي تمكنت من الإتفاق مع إيران حول الملف الأفغاني وحول الملف العراقي لا يمكنها التنازل لإيران في شرق المتوسط. إن وضعاً كهذا سيجعل من إيران لاعباً رئيسياً في جميع المنطقة، بما فيه الخليج. وهذا سيؤدي حتماً إلى تغيير الإتجاه الذي أكدته أمريكا بأنها ستتوجه إلى المحيط الهادىء. هذا الوضع المستجد سيمنع أمريكا من التوجه إلى حيث تكون قريبة من منافستها الأولى، الصين، وغير بعيدة عن منافستها العسكرية، روسيا.
ليس أمام إيران إلا التهديد بما تهرب منه أمريكا: الحرب. 14% من الأمريكيين وافقوا على التدخل في سوريا في حال ثبت استخدام الكيماوي، مقابل 61% ضد التدخل في جميع الأحوال. إن إعادة انتخاب أوباما جاءت على خلفية إنسحاب أمريكا من العراق وأفغانستان وعدم زج الجيش الأمريكي في أية حرب جديدة. هذه هي الورقة الرابحة بيد الإيراني. فلن يتنازل عنها.
ما هو المتوقع؟
عندما تريد أمريكا من إيران أن تخرج من سوريا ومن شرق المتوسط، فعليها أن تعوضها في مكان آخر. هل يكون بديل شرق المتوسط شرق آسيا، المنطقة المرتبطة تاريخياً بإيران؟ هذا هو المرجح. لا نعلم إن كان التصريح الإيراني عن علاقات حسن الجوار مع باكو يأتي من ضمن هذا السياق. حيث أننا نعلم أن إيران كانت تؤيد أرمينيا في خلافها مع أذربيجان، بالرغم من أن أكثرية الأذريين هم من الشيعة. فهل هذا مؤشر إلى اتجاه نحو تحسين العلاقات وإعادة الحياة إلى العلاقات الحميمة مع آسيا الشرقية الإسلامية التي منها العديد ممن يشتركون مع الإيرانيين عرقياً.
يمكننا القول أن المنطقة دخلت بازار الحلول بعد إعلان كيري – لافروف. وهذا الوضع هو الذي يبشر بالتصعيد مع البيع والشراء. الشعوب هي دائماً من يدفع الثمن. كان الله بعون السوريين.