بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الأحد، 29 يناير 2017

ترامب والمناطق الآمنة

            
حسن ملاط
مع بدء الإحتجاجات الشعبية ضد اضطهاد النظام السوري، اتخذ الأخير قراراً بالمجابهة العنيفة لهذه الإنتفاضة. وقد قيل أن قوةً إقليميةً فاعلةً هي من دفعت النظام لاتخاذ هذا الموقف، وذلك لحسابات خاصة بها.
وانتشرت الإنتفاضة على أجزاء عديدة من البلاد. وخوفاً من تجربة الحركة الشعبية المستقلة، عمدت القوى الإقليمية إلى إغراء بعض القيادات المحلية للتعاون معها بحجة دعم الإنتفاضة، بحيث تمكنت من مصادرة قرارات هذه الجماعات. كما أن النظام بدوره، أخرج المساجين من أجل نفس الأسباب التي جعلت القوى الإقليمية تتدخل: أي القضاء على الإنتفاضة.
وتحولت المدن والبلدات السورية ساحة لحرب مواقع بين القوى الإقليمية والدولية، وقودها الشعب السوري وممتلكاته وتاريخه.
بعد مرور أكثر من سنة على الحرب، طالبت تركيا الإدارة الأمريكية بإقامة مناطق آمنة يتمكن المطرودون السوريون من بيوتهم وممتلكاتهم الإقامة فيها. ولكن الأخيرة لم تستجب للطلب. وظلت على موقفها إلى أن جاء الرئيس الجديد ترامب الذي صرح بأنه سيقيم حتماً مناطق آمنة سواء داخل سوريا أو في الدول المجاورة. أما ردود الفعل على الإعلان الأمريكي، فقد كانت كالتالي:
·                 نفى الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن تكون روسيا على علم بمخطط إقامة المناطق الآمنة .وقال للصحافيين "لم تشاور إدارة ترامب روسيا قبل أن تعلن خطة إقامة مناطق آمنة للنازحين في سوريا، لم يشاورنا شركاؤنا الأميركيون. هذا قرار سيادي"، وتابع قائلاً «من المهم ألا تفاقم (الخطة) الوضع بالنسبة للنازحين. ينبغي على الأرجح بحث كل العواقب".
·                 رحبت تركيا بالقرار على لسان الناطق باسم خارجيتها حسين مفتي أوغلو الذي قال إن أنقرة "تنتظر نتائج تعهد الرئيس الأميركي إقامة مناطق آمنة في سورية"، مشيراً إلى أن "تركيا تؤيد منذ فترة إقامة مثل هذه المناطق". وتابع «رأينا طلب الرئيس الأميركي إجراء دراسة، المهم هو نتائج هذه الدراسة وما هي نوع التوصية التي ستخرج بها".
·                 كما رحبت الحكومة القطرية باعلان ترامب، وصرح مدير المكتب الإعلامي بوزارة الخارجية القطرية احمد الرميحي بان بلاده "تؤكد على الحاجة الى انشاء مناطق آمنة في سوريا وفرض حظر للطيران لضمان سلامة المدنيين".
·                 أما إيران، وهي طرف رئيسي في الصراع الدائر على الأرض السورية، فلم تأت على ذكر النبأ، ربما حتى لا تُضطر للتعليق عليه!
وبعد يوم أو يومين من هذا الإعلان، جرى اتصال بين ترامب وبوتين. البيان الرسمي الأمريكي تأخر أربع ساعات عن الإعلان الروسي عن المحادثة الرئاسية. وقد جاء البيان مقتضباً وعاماً.
أما الإعلان الروسي، والذي كان أكثر تفصيلاً، فلم يأت على ذكر سورية أو القرار الأمريكي بشأن المناطق الآمنة على الأراضي السورية.
ولكن اللافت للإنتباه أن قناة "روسيا اليوم"، وهي شبه رسمية، قالت أن الرئيس الأمريكي تراجع عن إقامة مثل هذه المناطق الآمنة. وجاء في سياق النبأ أنه منقول عن ناطق رسمي أمريكي، لم يذكر اسمه، وأن "رويترز" هي من أذاعت النبأ. ولكن النبأ لم يكن موجوداً على موقع "رويترز" الإلكتروني ولا في أي موقع آخر، إلا منقولاً عن المحطة الروسية وليس عن وكالة "رويترز" الأمريكية.
ما هو مدلول الإعلان عن إقامة مناطق آمنة؟
الإحتمالات متعددة. أما نحن، فنعتقد أن لهذا الإعلان بعدين، أحدهما داخلي والآخر خارجي.
البعد الخارجي
أ‌-               إشعار موجه إلى الأطراف التي أشرفت على إعلان آستانة أن تتريث بمسيرتها السلمية بانتظار تكوين الإدارة الأمريكية الجديدة رأيها بالنسبة للتطورات السورية الداخلية.
ب‌-        وبما أن الأطراف المشرفة على اتفاق وقف النار الشامل داخل سورية مختلفة فيما بينها على تنفيذ هذا الوقف، فبذلك يكون الإعلان الأمريكي دعماً للنظام وإيران اللذين لم يوقفا القتال في الأماكن التي يرونها مهمة بالنسبة لهما، مثل وادي بردى على سبيل المثال. والحجة جاهزة، وذلك باتهام الطرف الذي يرونه مناسباً بأنه هو الموجود في هذه المنطقة.
ت‌-        استحالة اتخاذ أي قرار يختص بأي مشكلة ذات طابع دولي قبل المساهمة الأمريكية الفاعلة...
البعد الداخلي
منذ خطاب التنصيب، ركز ترامب على الوضع الأمريكي الداخلي. وكانت القرارات التي وقعها أو الأوامر التنفيذية تؤكد على أولوية الوضع الداخلي الأمريكي. من هنا فالقرار بشأن المناطق الآمنة في سورية، إن لم يكن له بعد داخلي، فلا معنى له.
1-          يريد الرئيس الأمريكي إعادة إحياء الطبقة الوسطى الأمريكية. وهذه الطبقة هي المعنية بالإستهلاك أولاً وأخيراً. أي أن الدورة الإقتصادية لا يمكن أن تتم بدون طبقة وسطى تملك ما تستهلك به. لذلك رأيناه طلب من الرأسمالية الصناعية أن تُعيد تنشيط الإنتاج الداخلي بالرغم من تكلفته الأعلى. فالحد الأدنى للأجور في الولايات المتحدة هو تسعة دولارات للساعة الواحدة. وأجر اليوم في الدول الأسيوية هو دولار واحد، أي أنه بدل ساعة للعامل الأمريكي، يعمل تسعة عمال سوريين، قبل الأحداث، يوماً كاملاً. حيث أن أجر العامل كان 50 ليرة سورية والدولار الواحد كان يساوي 50 ليرة سورية.
لذلك رأينا ترامب وعد أصحاب رؤوس الأموال بتخفيض الضرائب من 35% إلى 4 أو 5%.
2-          وبما أن المصانع التي لازالت نشطة في الداخل الأمريكي هي التي تختص بصناعة الأسلحة والتكنولوجيا المتقدمة، لذلك رأينا الرئيس الأمريكي يسعر اللهجة الحربية: التدخل في سورية، عدم السماح للصين باستغلال بحر الصين الجنوبي كما تشاء مثل بناء الجزر الإصطناعية لاستخدامات أمنية أو عسكرية. تنشيط وتحديث الأسلحة النووية...إلخ وهذا سيؤدي حتماً إلى خلق فرص عمل جديدة؛ من دون أن نغفل إمكانية التقنية الحديثة الإستغناء عن الكثير من العمالة البشرية بعمالة آلية.
3-          الحمائية، والتي تؤدي إلى تنشيط الدورة الإقتصادية الداخلية وتسريعها من أجل العمالة.
هذه أهم الأسباب التي دفعت ترامب للإعلان عن إقامة المناطق الآمنة.
هل الحمائية التي يريدها ترامب هي ضد العولمة النيوليبيرالية كما يرى البعض؟
نحن لا نرى ذلك، إنما ما يريده ترامب هو حماية المركز (أي أمريكا) بحيث تتمكن من القيام بجميع ما يفترض بأنه يحمي هيمنة الدولار والنمط الأمريكي على العالم. لذلك، ركز الرئيس الأمريكي على الإستثمار في الداخل من دون الطلب عدم الإستثمار في الخارج، إنما إعطاء الأولوية للداخل (المركز). كما وركز على الصناعة الحربية، أي النمط الأمريكي المفروض على العالم بقوة السلاح. والقبول بالشراكة مع أطراف أخرى في المناطق التي يرى فيها ضرورة الشراكة، ومنها الشرق الأوسط.
                              29 كانون الثاني 2017



الثلاثاء، 24 يناير 2017

ترامب، الرئيس!

                 
حسن ملاط
وقف المرشح للرئاسة الأمريكية، دونالد ترامب، وقال للناس أنه ضد السود واللاتين والمسلمين وأنه عنصري مع الطبقة المتوسطة البيضاء، وأنه سيمنع دخول المسلمين إلى أمريكا، وسيبني جداراً مع المكسيك، على أن تدفع المكسيك تكاليفه ووو...
نجح ترامب وأصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. وبدأت التعليقات التي تجعلك تعتقد أن هؤلاء المعلقين قد اكتشفوا المستور: ترامب عنصري (هو من قال ذلك على الملأ)، ترامب ضد السود والمسلمين ووو وجميع ما كان قد قاله. وتأكيد المؤكد يكون ضد البلاغة عادة...
في خطاب التنصيب، أكد ترامب على السياسة التي سينتهجها من دون مواربة. وبدأ تنفيذ بعضها. فقد وقع مرسوماً تنفيذياً  بالانسحاب من معاهدة التبادل الحر عبر المحيط الهادئ، واعلن انه سيبدأ باعادة التفاوض في شأن معاهدة التبادل الحر في أميركا الشمالية "نافتا" مع رئيسي كندا والمكسيك اللذين سيلتقيهما قريبا. كما قد يعيد الرئيس الجديد النظر في برنامج "داكا" الذي طبقه باراك أوباما عام 2012 والذي يسمح لاكثر من 750 الف مهاجر غير شرعي أتوا في سن مبكرة الى الولايات المتحدة، بالحصول على إجازات اقامة وعمل.
وهكذا يبدو واضحاً أن الرئيس الأمريكي الجديد كان جدياً في تنفيذ الشعارات التي طرحها خلال حملته الإنتخابية.
إن المبادرة السريعة إلى تنفيذ هذه الوعود الإنتخابية تحمل دلالة أن ما يقوم بتنفيذه يعبر عن معاناة حقيقية للجمهور الذي أوصله إلى البيت الأبيض.
نحن لا نقول بأنه سيحقق جميع ما وعد به، لأن بعض ما وعد به يتناقض مع مصالح الدولة الأمريكية، مثال الإنسحاب من الحلف الأطلسي. وهذا ما دفع وزير دفاعه الجديد إلى التصريح بأن الولايات المتحدة ملتزمة بحلف الناتو.
ماذا قال ترامب في خطاب التنصيب؟
1-          اليوم لسنا ننقل السلطة من إدارة إلى أخرى، أو من طرف لآخر فحسب – ولكننا ننقل السلطة من واشنطن العاصمة ونعيدها للشعب الأمريكي.
هذا كلام شعبوي ولكنه يحمل دلالة على أن هناك انفصالاً كبيراً بين الطبقة السياسية الأمريكية والجماهير الشعبية الأمريكية. أما خلاف ذلك، فهو يدل على انفصال بين الشعارات التي نجح على أساسها ومشاعر الناس، وهذا غير منطقي.
2-           ازدهرت واشنطن - ولكن الناس لم تشارك في ثروتها. ازدهر السياسيون – ولكن الوظائف قلت والمصانع أغلقت.
هنا يقول الرئيس الجديد أن الطبقة السياسية لا تمثل مصالح الناس، ليس سياسياً فقط، إنما معيشياً أيضاً.
3-          الأمهات والأطفال يحاصرهم الفقر في مدننا الداخلية، المصانع الصدئة منتشرة مثل شواهد القبور في أمتنا. نظام التعليم لديه الكثير من النقد، ولكن يترك طلابنا الشباب محرومين من المعرفة، والجريمة والعصابات والمخدرات التي سرقت الكثير من الأرواح، سلبت بلدنا الكثير من الإمكانيات غير المستغلة في بلدنا.
ثروة الطبقة الوسطى لدينا انتُزعت من منازلهم ووُزعت في جميع أنحاء العالم.

هذا كلام خطير جداً، يعبر عن تناقض حاد على صعيد الطبقة الرأسمالية التي تقود السياسات الأمريكية. المصانع الصدئة تعني أن الأولوية أصبحت للرأسمال المالي. هذا الرأسمال الذي لا يخلق فرص عمل إنما يؤمن الأرباح الضخمة لعدد محدود من الناس. فتأسيس مصنع في الصين أو تايوان أو المكسيك يخلق فرص عمل لعمال هذه البلاد، ولكن صاحب الرأسمال الأمريكي يستحصل على الأرباح ولا يستفيد العامل الأمريكي أو أعضاء الطبقة المتوسطة بشيء من هذا الإستثمار الأمريكي الضخم.
إن أزمة 2008 كانت في الدرجة الأولى بسبب العمليات المالية الوهمية التي لا تخلق قيماً حقيقية، وكانت أيضاً بسبب عدم التوظيف في الإقتصاد الحقيقي، والتوظيف في العمليات الوهمية، والتي كانت بأكثريتها ممنوعة قانوناً. خسر أبناء الطبقة المتوسطة ممتلكاتهم ومدخراتهم وعوضت الدولة على البنوك التي أنتجت هذه الأزمة التي تركت انعكاساتها على العالم بأجمعه.
تساؤل بول كروغمان وتوماس بيكيتي عن سبب دفع الدولة أموال الناس للبنوك وليس للناس الذين خسروا كل شيء كان محقاً.
جاء دونالد ترامب ليقول للناس أنه يريد تأمين فرص عمل للطبقة المتوسطة والتي أكثريتها من البيض ويقول لأصحاب رؤوس الأموال أن يعيدوا تأسيس مصانعهم في البلاد. وبما أنه ينتمي للطبقة التي تنهب الشعب الأمريكي ، فقد وجه عداء الطبقة المنكوبة إلى السود والمهاجرين والمسلمين. هو لا يريد تنشيط الصراع الطبقي، إنما يريد حماية أمريكا بواسطة أحفاد الذين أبادوا سكان أمريكا الأصليين وليس بواسطة المسلمين واللاتين والأفارقة.
لا يمكننا القول أن هناك صراعاً بين فئات أصحاب الرأسمال المعولم، لأنه لا رأسمال إلا معولم، ولكن ما يريده ترامب هو أن يفهم أصحاب رؤوس الأموال هو أنهم عليهم أن يضمنوا استقرار المركز بإيجاد فرص عمل متجددة للطبقة الوسطى التي يقوم على عاتقها الإستهلاك، مبرر استمرار النظام الرأسمالي.
4-          دعمنا جيوش بلدان أخرى في وقت تضاءل جيشنا للغاية بشكل محزن. دافعنا عن حدود البلاد الأخرى بينما رفضنا الدفاع عن أنفسنا. أنفقنا تريليونات من الدولارات في الخارج في حين تردت حال البنية التحتية في أميركا التي هي في حالة سيئة ومضمحلة.
سنعزز تحالفاتنا القديمة ونشكل أخرى جديدة – وسنوّحد العالم المتحضر ضد الإرهاب الإسلامي المتطرف، الذي سنزيله من على وجه الأرض.
هنا يريد ترامب تأمين حماية استغلال الأمريكي للشعوب على نفقة المنهوبين وليس الناهبين! وهذا ما جعله يتحدث عن التضحيات التي يقدمها الغزاة الأمريكان في بلادنا. وهذا مؤشر على احتمال تبديل التحالفات في منطقتنا. القوة الإقليمية الوحيدة التي لا تكلف الإدارة الأمريكية شيئاً وتتعاون معها في مهماتها هي إيران. هل هذا الإتجاه سيخلق تعاوناً بين الإدارة الجديدة والإدارة الإيرانية في الساحات المشتركة (الشرق الأوسط وآسيا)؟
خلاصة
دونالد ترامب، كجميع الرؤساء الذين سبقوه، باستثناء باراك أوباما، هو حفيد الذين أبادوا عشرات ملايين من أهالي أمريكا. وليس بإمكانه أن يكون إلا خادماً للظلمة في هذا العالم.
ترامب تمكن من اكتشاف نقطة التقاطع بين مصالح الطبقة الوسطى البيضاء في أمريكا والطبقة الرأسمالية المسيطرة، على أن تتخلى هذه الأخيرة عن جزء من أرباحها السهلة من أجل تدعيم قوة المركز، أي أمريكا. وهذا يتطلب منها الإعتماد ضمن الساحة الأمريكية على الإقتصاد الحقيقي وليس الوهمي، أي التأكيد على الرأسمال الصناعي والزراعي وليس على الرأسمال المالي. فالإقتصاد الحقيقي هو الذي يولد الإستقرار في المجتمع.
ومن أجل عدم فتح الأعين على الصراع الطبقي، حول الرئيس الجديد الصراع إلى صراع إتني وديني.
أما بالنسبة لبلادنا، فمن ينتظر وهم مساعدة الإدارة الأمريكية له، فلينتظر طويلاً!
أوباما، حفيد المضطهدين (بفتح الهاء)، قدم أكبر كمية من المساعدات للكيان الصهيوني، حسب معلومات معهد واشنطن المقرب من الصهاينة.
                              24 كانون الثاني 2017


الثلاثاء، 17 يناير 2017

الحكام الصهاينة والفساد

          
حسن ملاط
منذ سنوات وسنوات، تتحدث الأنباء عن فساد الطبقة الحاكمة في الكيان الصهيوني، بدءاً من رئيس الكيان، رؤساء الحكومات، وزراء، نواب، ضباط، حاخامات ومسؤولين على جميع المستويات.
السؤال الذي أطرحه على نفسي وباستمرار: هل ما يحصل في كيان العدو يشبه ما تتحدث عنه وسائل الإعلام عن الفساد في مصر أو السعودية أو إيران أو لبنان على سبيل المثال، أم أنه فساد من نوع آخر، من طبيعة مختلفة عن ما نجده في بلادنا؟
الكيان الصهيوني هو من طبيعة مختلفة عن جميع الكيانات على وجه المعمورة. إنه كيان قائم على أرض مغتصبة، ويتشكل من "شعب" هجين، جرى تجميعه على عجل من بلدان عديدة مختلفة. وهؤلاء قد أقاموا مساكنهم على أرض لا يملكونها وبأموال ليست من كد أيديهم. حتى الأرض التي يزرعونها ليست أرضهم.
في لبنان أو مصر أو سوريا، عندما يعتدي الحاكم أو المتنفذ على أحد المواطنين، فهو يعتدي على مواطن يملك حق المواطنة بشكل طبيعي وليس اكتساباً. فهو ابن الأرض ويملكها. لذلك هو يغتصب حق يملكه غيره. وملكيته له شرعية، ليس عليها غبار من شك.
في الكيان الصهيوني، الحاكم يحكم أرضاً مغتصبة، وعندما يسرق أحد قاطني هذه الأرض يسرق من مرء لا يملك، إنما اغتصب حقوقاً ليست ملكه. لذلك فالسارق الأول (الحاكم) يسرق من شخص لا يملك شرعياً، إنما هو سارق مثل الحاكم تماماً.
من هنا فإن القيم التي نؤمن بها لا يمكن أن تتشابه مع "القيم" الموجودة في الكيان الصهيوني. لا تسرق! لمن يوجه هذا الخطاب؟ من بإمكانه تقبله؟ إن مجرد الإيمان بهذه القيمة يتطلب من "المستوطن" أن يجمع ثيابه ويعود إلى البلد الذي جاء منه.
عندما نقول أولمرت يرتشي أو نتنياهو يسرق أو زوجة نتنياهو تصرف من المال العام على شؤون خاصة. هل مفهوم المال العام في كيان العدو هو مشابه لمفهوم المال العام في بلادنا. الأرض التي يسكنونها مغتصبة، وما يجنيه أي صهيوني يعيش في فلسطين، مدخوله من مال مغتصب. فهل سرقة المال العام في لبنان، وهو مال للشعب اللبناني، كسرقته في فلسطين؟ المال العام في فلسطين هو ملك الشعب الفلسطيني، اغتصبه نتنياهو، ويطالب به مغتصب آخر وليس الشعب الفلسطيني، المالك الشرعي والحقيقي لهذا المال.
لذلك، لا يمكن التحدث عن الفساد في الكيان الصهيوني وكأنه قيمة مطلقة. الصهيوني يغتصب مالاً لا حق له به من شخص آخر ليس له حق شرعي فيه هو الآخر.
لقد أحس بعض المتنورين الصهاينة بهذا التناقض الداخلي لجميع مناحي الحياة في الكيان الصهيوني، وخاصة على الصعيد النفسي. لذلك بدأ هؤلاء بإنكار مجمل الرواية الصهيونية المعروفة عن اغتصاب فلسطين. فهؤلاء يعترفون بأن العصابات الصهيونية هجرت الفلسطينيين من أرضهم وهدمت القرى وأحرقتها... ولكنهم لا يطالبون بتحرير فلسطين من الإحتلال الصهيوني.
هذا ما يجعلني أعتقد بأن التوازن النفسي لن يعود إلى الجيل الحالي في الكيان الصهيوني حتى يتمكن من حل هذه المعضلة المستعصية: يعيش في بيت لا يملكه، على أرض لا يملكها. ولا يمكن أن يصبح متوازناً نفسياً حتى يقبل صاحب الأرض الحقيقي باستضافته على أرضه، كما يقبل الفرنسي بتجنس أفراد من أصول غير فرنسية على سبيل المثال.
إن اعتراف الفلسطيني بحق الكيان الصهيوني في الوجود هو إعطاء صك براءة لجميع من اغتصب الأرض، وهو الخطوة الأولى بإعادة التوازن النفسي لمغتصب هذه الأرض. كما أن هذا الإعتراف هو تنازل مدعي تمثيل الشعب الفلسطيني عن حق لا يملكونه لأناس لا يستأهلونه. عدم التنازل أقوى من كل ترسانة العدو!
من يعيش في الرذيلة لا يتطهر من الحدث الأصغر!
                                                  17 كانون الثاني 2017



الخميس، 12 يناير 2017

عن الزيارة الرئاسية

            
حسن ملاط
في ظل الظروف التي أحاطت بانتخاب الجنرال عون رئيساً للجمهورية، يمكننا اعتبار الإعلان عن أن زيارته الرئاسية الأولى ستكون للسعودية وقطر، هي بمثابة قفزة كبيرة إلى الأمام باتجاه من كانوا ضد انتخابه لمدة تجاوزت الثلاثين شهراً.
صحيح أن الرئيس الحريري لعب دوراً إيجابياً وفاعلاً في هذا الإنتخاب، ولكن إصرار حزب الله على التمسك بعون كان عاملاً حاسماً باضطرار الحريري للوصول إلى تسوية انتخاب الرئيس عون تحديداً.
منذ توليه الرئاسة، حاول الرئيس عون أن لا يحسب نفسه على اتجاه معين من الإتجاهات الداخلية السائدة، مما جعل جميع الأطراف تشعر بالإرتياح في التعامل معه. ولكن هذا لا ينفي أن كل معسكر، إذا صحت التسمية، حاول يُظهر للآخرين أنه هو المعني الأول بنجاح العهد (أم الصبي).
الزيارة
عند تحديد الزيارة، حاولت الأطراف المتضررة منها، العمل على عرقلتها. وكانت زيارة المسؤول الإيراني للتشويش عليها. فقد كانت تصريحات بروجردي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، غير منصفة بالنسبة للمستوى السياسي المسؤول. فقد تحدث عن تدخل حزب الله العسكري في الحرب السورية معتبراً إياه شرعياً لأن الحكومة السورية والرئيس السوري هما من طلب مساعدته. ولكن المسؤول الإيراني لم يتنبه أنه يتحدث من لبنان، وأن من يُعطي شرعية التدخل للحزب هي السلطات اللبنانية أولاً وقبل كل شيء، أما موافقة السلطات السورية فتأتي لاحقاً.
إن تصريحاً مثل هذا كان مسيئاً جداً للسلطة التي أعيد تشكيلها بمباركة إيرانية وسورية، فكيف يقوم المسؤول الإيراني بالإساءة لها ثم يزور الرؤساء الثلاثة؟
أما السؤال فهو ما العلاقة بين تصريح بروجردي وتعامل السعوديين والقطريين مع الرئيس الضيف؟ إن الإيحاء بأن السلطة اللبنانية لا تمسك زمام أمورها بأيديها كان هو الدافع، ربما إلى التعامل بهذه الطريقة مع الرئيس.
الإستقبال
استقبل الرئيس مسؤول واحد من العائلة المالكة. كان ولي العهد وولي ولي العهد غائبين عن جميع نشاطات الرئيس، الأول بحجة وجوده في الجزائر، علماً أنه كان بالإمكان تحديد الزيارة  في وقت لا يكون فيه ولي العهد غائباً. أو على أقل تقدير كان من الواجب تبرير الغياب. وهذا لم يحصل بالنسبة للمسؤولين الكبيرين.
اجتمع الرئيس بالملك ولم يصدر عن اجتماعهما أية مقررات، مع العلم أن مواضيع الخلوة تكون مقررة مسبقاً. هذا بالإضافة أن صاحب القرار يقول بأنه سيناقش هذه الأمور مع الوزراء المختصين. كلام يوحي وكأن الزيارة كانت مفاجئة!
الإعلام السعودي تعامل مع الزيارة بعدم اكتراث. الزيارة، كانت تغطيتها بنبأ واحد في معظم الصحف السعودية. أما كتاب الرأي، فلم يُكتب إلا تعليق واحد في معظم الصحف. أما جريدة الحياة فلم تكتب أي تعليق إلا واحداً فقط بعد انتهاء الزيارة.
والأطرف أن هناك صحيفة سعودية تكتب عن استقبال الملك للرئيس وتضع صورة الملك من دون الرئيس. وهذا تكرر اليوم في وضع صورة أمير قطر من دون صورة الرئيس اللبناني حيث يتحدث النبأ عن استقبال الأمير له!
لا داعي لإعادة ما كتبناه عن تعامل الإعلام القطري مع زيارة الرئيس لقطر، لأنه نسخة مكررة عما حصل مع الصحافة السعودية. ولكن الفارق أن معظم الذين حضروا الإجتماع مع الرئيس كانوا من العائلة الأميرية.
خلاصة
إذا كان الرئيس اللبناني قد بادر إلى العمل على توثيق علاقة لبنان بمحيطه العربي، فهل على هذا المحيط أن يعامله بالمثل أم يزيد الضغوط عليه؟ هذا مع العلم أن الطرف المنافس (الإيراني) يعرض المساعدات على الجانب اللبناني بدون أية شروط مسبقة!
لماذا لم تُلحظ دعوة رئيس مجلس الوزراء مع الرئيس؟ هل من أجل عدم التعرض لما تعرض له رئيس البلاد، أم عقوبة له لمبادرته بإعادة تأسيس السلطة بالتعاون مع الرئيس عون وحزب الله ومن دون ضوء أخضر سعودي؟
الروحية القبائلية لا تقود الدول. القيادة تتطلب وجود مؤسسات لأخذ القرار!
                                12 كانون الثاني 2017


الاثنين، 9 يناير 2017

اجتماع موسكو الفلسطيني

              
حسن ملاط
أعلنت وكالة نفوستي للأنباء أن معهد الاستشراق الروسي أعلن أنه سينظم، أواسط شهر يناير/كانون الثاني الجاري، اجتماعا لممثلين عن الفصائل الفلسطينية السياسية لبحث سبل تجاوز الصراع الداخلي بينها وإحياء الوحدة الوطنية.
ومن المقرر أن يركز الاجتماع على حل النزاع بين حركة "فتح"، التي تشكل قوة رئيسة في السلطة الوطنية الفلسطينية المسيطرة على أراض واقعة في الضفة الغربية لنهر الأردن، وحركة "حماس" التي تحكم في أراضي قطاع غزة.
ومن المتوقع أن المشاركين في الاجتماع سيلتقون في موسكو مع كل من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ونائبه ميخائيل بوغدانوف.
يذكر أن هذا الاجتماع ليس الأول من نوعه، حيث سبق أن عقد معهد الاستشراق مباحثات بين الفصائل الفلسطينية الأساسية، برعاية مديره فيتالي نعومكين، في العام 2011
ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الإجتماع ليس رسميا، حسب السيد نعومكين.
مقدمة
كان الإجتماع الأول لهذه الفصائل في موسكو غداة اندلاع الإنتفاضة السورية. وقد كان تأثير الروس شبه معدوم في إقليمنا. ولكن بعد التدخل العسكري الناشط للغزاة الروس للأراضي السورية، أصبحت موسكو لاعباً أساسياً في الإقليم لا يمكن لأي أحد تجاوزه. فقد تمكنت من دعم موقف الأسد الذي كان منهاراً، إلى جانب داعميه من القوات الإيرانية. وقد اضطر قائدها الجنرال قاسم سليماني إلى الذهاب إلى موسكو شخصياً طلباً لدعم قواته التي كانت على شفا الإنهيار.
كذلك، فإن الدور شبه الغائب للإدارة الأمريكية قد جعل الدور الأول في المنطقة للروس.
إضافة إلى ما تقدم، فالكيان الصهيوني الذي يراقب الأراضي اللبنانية والسورية على مدار الساعة، أصبح ملزما بالتنسيق مع القوات الروسية المتواجدة على الأراضي السورية. وهذا ما اضطر رئيس وزراء العدو لزيارة موسكو عدة مرات للتنسيق مع الرئيس بوتين.
1-          حدود الدور الروسي
منذ زيارته الأولى للكيان الصهيوني، أعلن الرئيس بوتين أن أمن الكيان الغاصب هو أولوية بالنسبة له. وقد أكد على ذلك من كون أكثر من سدس المستعمرين الصهاينة في كيان العدو يحملون الجنسية الروسية. كما وأعلن أن على قادة العدو، حتى يكونوا منسجمين مع أنفسهم أن ينسقوا مع روسيا وليس مع الإدارة الأمريكية.
وللإشارة فقط، فالعمليات الإجرامية التي قام بها العدو في الأراضي السورية والتي كان اغتيال المقاوم سمير القنطار أهمها، قد تمت بتقنية عالية مع وجود الأس 300 و400 الذي يصل مداه إلى معظم أراضي فلسطين. وهذا يؤكد أن وعود بوتين لقادة العدو كانت صحيحة.
هذه الفعالية للوجود الروسي على الحدود الفلسطينية، مضافاً إليها العلاقات التاريخية التي تربط الفلسطينيين بالإدارة السوفياتية سابقاً والتي ورثتها الإدارة الروسية، تجعل الدور الروسي يملك القدرة على أن يكون فاعلاً، وخاصة مع احتلاله للأراضي السورية.
2-          ماذا يريد الفلسطينيون؟
أ‌-               لم تتعلم القيادة الفلسطينية من تجربتها مع ما اصطُلح على تسميته "غزو الكويت". فقد أخذت القيادة الفلسطينية قرارات اتسمت بالإنحياز إلى أحد طرفي النزاع الذي كانت نتائجه محسومة لصالح الغزو الأمريكي الذي تم التحضير له بعناية. هذه القرارات أدت إلى تهجير الفلسطينيين مرة أخرى من الكويت هذه المرة، بالإضافة إلى استياء دول الخليج مجتمعة من موقف القيادة الفلسطينية.
     هذا الموقف ليس له علاقة بأحقية دخول       القوات العراقية أو بعدمها، ولكنه يتعلق فقط بالقرار الفلسطيني المتعجل.
ب‌-        الفلسطينيون ليسوا كما كانوا سابقاً. على الفلسطيني أن يتموضع بشكل مختلف. وهذا التموضع يجب أن يكون النقطة الأولى التي يجب نقاشها عند الإنتليجنسيا الفلسطينية. بعض الأسئلة التي لا بد من طرحها وعلى القيادات الإجابة عليها:
1-          هل فلسطينيو ال48 فلسطينيون أم علينا أن نشك بانتمائهم بسبب من حملهم هوية كيان العدو؟ هؤلاء يناضلون ببسالة ضد سلطات العدو التي تسطو على أرضهم وتمنعهم من التمدد الطبيعي، وتمنعهم من السكن في القرى "اليهودية". وأصبحوا الآن يملكون فقط2،3  من أرض فلسطين المحتلة في ال48. وقرار السماح لهم بالبناء مرتبط بهدم مئات المساكن التي تسميها سلطات الإحتلال غير شرعية. هل هذا القسم من الشعب الفلسطيني يُترك لقدره، خاصة أنه يقوم بنضال بطولي ضد سلطات الإحتلال.
2-          إذا كان فلسطينيو ال48 مسلحين (نعم مسلحون) من أجل قتل بعضهم بعضاً بسبب الثارات القبلية. الرسول عليه السلام تجاوز عن ثارات قبيلته في حجة الوداع. هل للقيادة الفلسطينية دور في خلق الإستقرار في المجتمع الفلسطيني في هذا القسم من فلسطين؟
3-          فلسطينيو المخيمات التي هُدمت في سوريا لأسباب مختلفة ولا يمكن استبعاد المصير نفسه في أماكن أخرى! الفلسطيني الذي يأتمر بأوامر لا علاقة لها بالإنتماء الفلسطيني، أو بصراعه مع العدو الصهيوني، هل يُعتبر هذا العنصر من عناصر "المقاومة"؟. إذا لم يكن كذلك لماذا يجب على المخيم بأكمله أن يتحمل مسؤولية تهور بعض العناصر؟ لماذا لا يلتحق بأماكن تواجد حزبه أو منظمته؟ وهذا القرار لا يمكن أن يكون إلا فلسطينياً. أو على القيادة اللجوء إلى خيارات أخرى تمنع عن المخيمات الفلسطينية المصير السوري أو المصير العراقي بعد الغزو الأمريكي للعراق.
4-          فلسطينيو الشتاة، كيف يتموضع هؤلاء؟
5-          المؤسسات الفلسطينية "الرسمية" هل لها دور في المستقبل القريب والبعيد؟
6-          السلطة العميلة هل هي حاجة للحركة الوطنية الفلسطينية؟
7-          هل هناك برنامج وطني فلسطيني؟
لن أعدد جميع ما يجب تعداده، ولكن ألخص فأقول: إذا كانت هذه المنظمات ذاهبة إلى موسكو من أجل المصالحة، فالأولى بها إما أن لا تذهب أو تعود. أما إذا كانت ذاهبة من أجل استثمار الدور الروسي المستجد في المنطقة، فنعما ما ستقوم به.
ولا بد من التشديد على تحديد ماهية الفلسطيني، إنتمائه وتموضعه، والدور الذي على المنظمات السياسية لعبه ومنظمات المجتمع المدني في جميع تجليات هذا الشعب المقاوم.
                           9 كانون الثاني 2017



الاثنين، 2 يناير 2017

حول الوضع الإقليمي

             
حسن ملاط
·      "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"
·      "إنك امرؤ فيك جاهلية"
·      "إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال؛ اعرف الحق تعرف أهله"
      *******************
تتميز المرحلة الراهنة على صعيد الإدارة الأمريكية بانعدام الوزن وبانعدام اليقين. فالرئيس الجديد أكد مرات عدة بأنه سيلغي قرارات أخذها الرئيس الحالي فيما يختص بالعلاقات الخارجية، مثال الإتفاق النووي مع إيران ومسألة نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلتين... والأهم هو مبادرة بوتين بعدم الرد على قرارات إبعاد الدبلوماسيين الروس من العاصمة الأمريكية، الأمر الذي علق عليه ترامب بإيجابية كبيرة.
إقليمياً
اتخذت روسيا وتركيا، ربما بالإتفاق مع إيران عدة خطوات هامة في سوريا: احتلال (تحرير) حلب بعد تدمير قسمها الشرقي، مساعدة روسيا للقوات التركية في ضواحي الباب السورية، وقف النار الشامل في جميع الأراضي السورية... وقد رحبت الإدارة الأمريكية بهذه الخطوات ببرودة. أي أنها ستكون مستعدة لنسفها في حال رأت بأنها لا تنسجم مع مصالحها المستقبلية في الأراضي السورية، خاصة أن جميع هذه القرارات اتُخذت من دون استشارتها. فقد كان الوزير لافروف يبلغ زميله كيري بالقرارات التي أخذتها روسيا وتركيا مجتمعتين.
إن نجاح المبادرة الروسية التركية المشتركة دونه عقبات كثيرة، خاصة أن إيران التي تقدم أكثر من غيرها في الساحة السورية لم يكن دورها مفصلياً في هذه القرارات. والأمر نفسه ينطبق على النظام السوري الذي أُبلغ بالقرارات لتنفيذها. وهذا هو السبب الرئيسي الذي اضطُر وزير الخارجية السوري لزيارة طهران. ولم يتسرب الشيء الكثير عن فحوى هذه الزيارة.
ما يحصل هو أن روسيا تلعب الدور الرئيسي في الساحة السورية. في حربها ضد أعداء النظام، تتفاهم مع إيران التي تقدم أبناءها ضحايا لهذا التفاهم بالإضافة إلى من تجندهم من دول أخرى مثل أفغانستان والعراق وغيرهما من الدول.
وعندما تريد روسيا ترتيب أوضاع الشمال السوري تتفاهم مع تركيا المجاورة لهذا البلد بشأن هذا الموضوع. وفي النهاية، ترى لزاماً عليها استشارة الإدارة الأمريكية في جميع هذه القرارات.
والبين من هذا الأمر هو أن الدول الأجنبية هي التي تقرر مستقبل الإقليم فعلياً!
لماذا التحدث عن الإقليم؟
نتحدث عن الإقليم لأسباب تتعلق ببناء القاعدة المادية لإمكانية تحرر شعوبنا من الخضوع للعولمة النيوليبيرالية التي تفرض على شعوبنا قيمها التي تتناقض مع جميع القيم التي تؤمن بها شعوبنا. كما أنها تقوم بالإستيلاء على جميع خيراتنا، بالتفاهم مع الحكام الظلمة الذين يحوزون بدورهم على الفتات التي يتركها لهم الجابي الأمريكي وربما الروسي مستقبلاً.
الإدارة الأمريكية تملك القوة العسكرية الأعظم في التاريخ، والتي بإمكانها أن تدمر الكرة الأرضية مرات عديدة. وهي تملك القوة الإقتصادية الأقوى والأكثر تطوراً. كما أن عملتها هي التي تهيمن، كما عسكرها وثقافتها.
تحرر شعوبنا يتطلب تضامنها في وجه هذا الطاغوت. وتضامن شعوبنا يفرض على الإدارة الأمريكية التراجع كما حصل في فيتنام على سبيل المثال. فمجابهة الشعوب لا تقدر عليها أية قوة في العالم.
ما تقدم يتطلب أن تفرض شعوب المنطقة على حكامها التضامن فيما بينها لاتخاذ قرارات تؤمن التكامل الإقتصادي في الإقليم الذي ننتمي إليه. فتفكير كل دولة من دول الإقليم بتأمين مصالح حكامها على حساب شعبها وشعوب المنطقة يؤدي بهذه الطبقة الحاكمة لتقديم تنازلات إلى القوة التي تدير العولمة في العالم، وفي حالتنا الراهنة: الإدارة الأمريكية وربما الروسية مستقبلاً.
1-            لماذا الحرب على تركيا وليست على إيران؟   إذا استخدمنا نفس اللغة التي يستخدمها المعادون لتركيا من حلفاء إيران: مساعدتها لداعش انقلبت عليها. لماذا لا تقوم داعش بأية عملية إرهابية في إيران مثلاً؟ لن يكون الجواب: بسبب تواطؤ إيران مع داعش، فهذا الجواب يتسم بكثير من السطحية. إذا كانت الولايات المتحدة تغذي الحرب بين السنة والشيعة، كما يقول الإيرانيون أنفسهم، وذلك من أجل مصلحة الكيان الصهيوني، فهل الحرب على إيران تغذي الحرب المذهبية؟ الجواب هو النفي. فالشيعة، والذين يمثلون أقلية مذهبية لا تنفع الحرب في مركزهم لتأجيج الصراع. لذلك يكون الإرهاب في تركيا وليس في إيران. والنظام الإيراني ليس مقرراً في هذا الموضوع.
هل السياسة التركية تخدم وحدة الإقليم؟                الرئيس التركي يتعدى على صلاحيات شركائه ويقرر السياسات، علماً أن الدستور يمنعه من ذلك. هو يؤجج الخلافات الإتنية بين مختلف مكونات الشعب التركي حتى يتمكن من تعديل الدستور. كما ويؤجج العداء المذهبي داخلياً من أجل الغاية نفسها.
إذا كان الدستور التركي علمانياً، ما الذي يمنع من أن يكون رئيس حزب الشعب الجمهوري علوياً؟ وما الذي يمنع حزب الشعوب الديموقراطية من ممارسة العمل السياسي بكل حرية؟ هذا الإتجاه "الأردوغاني" هو لتأمين تغيير الدستور بحيث يصبح حاكماً مطلقاً كما جيرانه في الإقليم.
هذا على الصعيد الداخلي، أما على الصعيد الخارجي، فتتسم سياسة الحكم التركي بالبراغماتية المطلقة، مصالح الرأسمالية التركية المتحالفة مع الرأسمال الأجنبي تتقدم على ما عداها.
هل السياسة المتبعة تخدم وحدة شعوب الإقليم؟
بالطبع لا، الأكراد على سبيل المثال مكون أساسي في الإقليم الذي ننتمي إليه. وعليه، ما هي المصلحة من شن حرب تدميرية على هذا المكون المنتشر في سوريا والعراق وتركيا وإيران؟
2-            إيران دخلت إلى دول الإقليم من بابه العريض بسبب السياسات التي اتبعها الإمام الخميني بالتماهي مع شعوب المنطقة بضرورة إزالة الكيان الصهيوني وعودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه المغتصبة، إضافة إلى الدعوة الجدية للوحدة الإسلامية. عندما شن النظام العراقي الحرب على الجمهورية الناشئة بمعونة دول الخليج وبرعاية الإدارة الأمريكية، قبل الإمام بوقف الحرب حتى لا يكون وقودها المسلمون، سواء كانوا إيرانيين أو عراقيين.
السياسات المتبعة حالياً تتناقض كلياً مع السياسات السابقة. فالحرب التي تشارك فيها إيران هي حرب بين المسلمين فقط. ووقودها هم المسلمون فقط. والكيان الصهيوني يتفرج، يضرب متى شاء وأينما شاء، من دون أي رد فعل من إيران. كما وأن إيران تخوض حرباً في العراق بحماية العدوان الأمريكي الذي يمهد الطريق بطيرانه لدخول الميليشيات الطائفية والمذهبية التي تقوم بعمليات التطهير المذهبي والطائفي. وهذا ما حصل في ديالى وصلاح الدين والأنبار وفي بغداد نفسها حيث تمكنت هذه الميليشيات من طرد أهل سامراء من بيوتهم ومدينتهم بسبب انتمائهم المذهبي.
أما في سورية فتتم بحماية الغزاة الروس!
الحرب ضد الكيان الصهيوني، والتي تزعمها في الآونة الأخيرة (بعد الفلسطينيين والحركة الوطنية)، حزب الله اللبناني الذي أعطى نفسه الهوية الشيعية، ألم تؤد إلى توحيد الساحة الشعبية العربية؟ هل وجد ولو لمرة واحدة ممارسات ذات طابع مذهبي؟ الجواب هو النفي. من هنا فالتحجج بمحاربة عملاء الكيان الصهيوني أو التكفيريين بدل محاربة رأس الأفعى، أي الكيان الصهيوني هي حجة مردودة أيضاً. فقد علمتنا التجربة العملية وخلال أجيال أن ما يوحد الساحة الداخلية هي الحرب ضد العدو الصهيوني. وهذه الحجة استخدمتها الأنظمة لقمع شعوبها واستغلالها على صعد عديدة.
الإنتصار على عدو شعوب منطقتنا يتطلب توحيد طاقات هذه الشعوب والتأكيد على وحدتها في مجابهة هذا العدو. لقد تحارب السنة والشيعة مع بعضهم البعض وخاصة في العراق، حتى من قبل أن تصبح إيران شيعية، ولكنهم عادوا وتوحدوا. والوحدة ليست مستحيلة ولكنها تتطلب ممارسات توحيدية وليس ممارسات تقسيمية. إيران دولة هامة في الإقليم، وجودها حاجة أساسية للتخلص من هيمنة العولمة النيوليبيرالية على شعوبنا. وهذا يتطلب التخلص من السياسات القومية والمذهبية والإلتزام بالسياسات التي تقسم العمل في الإقليم وترفض بشكل حاسم تقسيم العمل على الصعيد الدولي.
3-            السعودية بدأت بتغذية الخلافات المذهبية بين شعوب الإقليم غداة نجاح الثورة الإيرانية. ليس مستغرباً على هذا النظام تغذية هذه الخلافات. ذلك أن وجوده في السلطة مرهون بحماية الإدارة الأمريكية له. والولايات المتحدة التي اصطدمت الثورة الإسلامية معها أولاً بأول، كانت مصلحتها بتقويض هذه الثورة. السعودية لا يمكن أن تسير بمشروع إقليمي يوحد الطاقات ضد الهيمنة الأمريكية ويقضي على الكيان الغاصب إلا إذا أجبرها شعبها على ذلك. وهذا لا يتم إلا بمبادرة الشعوب الأخرى الأكثر انفتاحاً على الثقافة أولاً.
خلاصة
الإقليم بحاجة إلى إنتاج سياسة توحيدية كي يتمكن من التحرر من الهيمنة الأمريكية. جميع دول المنطقة خبرت التعاون مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة وكيف أن مهمتها الأساسية قمع الشعوب، ونهب ثرواتها. فلماذا إعادة التجريب؟
لا يمكن لدولة واحدة في الإقليم أن تجابه السيطرة الأمريكية على جميع مناحي الحياة: السياسية والإقتصادية والعلمية والعسكرية والثقافية في العالم أجمع. روسيا تعمل على أن يكون لها حصة ولا تطمع بأكثر من ذلك. إنه طموح المشاركة في العولمة النيوليبرالية، ومشاركة الولايات المتحدة الأميركية، وصراعها مع الأميركي حول الحصة والدور لا أكثر. أما أمريكا فلا تقبل بأقل من فرض نظامها القيمي على جميع الشعوب. هذا النظام الذي يتناقض مع قيمنا الدينية الإسلامية منها والمسيحية. ما علينا إلا التحرر من النفق المذهبي والشوفيني والإنفتاح على العالم الرحب الذي وضعنا فيه ربنا، تبارك في علاه: "الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض...".
ولا يمكن إغفال وجهة نظر أخرى تؤكد أن الصحيح هو أن أمريكا تريد فرض نظام مصالحها الاقتصادية والسياسية والهيمنة، ولا مشكلة عندها في تنوع باقي القيم الثقافية والاجتماعية، بل هي تعمل على تدوير وإعادة تدوير القيم الدينية والروحية والثقافية - السائدة عند الآخرين- لخدمة سياساتها واقتصادها. فإذا كانت "السياسة تعبير مكثف عن الاقتصاد"، فلكم هي معبرة عبارة "إنه الاقتصاد أيها الغبي" التي قالها جيمس كارفيل المستشار الاقتصادي للرئيس الأمريكي بيل كلينتون. بل وكتبها في لافتة وعلقها على باب مكتب الحملة الانتخابية للرئيس كلينتون في انتخابات 1992.

                                     3 كانون الثاني 2017