بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الأحد، 26 يوليو 2015

الكيان الصهيوني: الدور الملتبس

                          الكيان الصهيوني: الدور الملتبس!
حسن ملاط
كان تأسيس الكيان الصهيوني، بمعونة وإشراف من بريطانيا، من أجل تحقيق أكثر من هدف. فبريطانيا أعطت الصهاينة تعهداً بإنشاء كيان لهم في فلسطين، علماً أن فلسطين ليست أرضاً سائبة، إنما هي أرض يملكها الفلسطينيون. ولكن هذه الممارسة لم تكن من دون سوابق من قبل الإستعمار البريطاني. فما فعله في فلسطين هو ما كان قد فعله في جنوب أفريقيا. أما في أماكن أخرى فقد قام بالأسوأ. ففي أمريكا الشمالية، قام بتصفية السكان الأصليين للبلاد واستولى على أراضيهم واستورد الأفارقة لإعمار هذه البلاد لصالحهم. وقد فعل الشيء نفسه في أوستراليا.
وعد بلفور لم يكن خطأً غير متعمد، إنما من أجل:
1 – التخلص من أكبر عدد من يهود أوروبا الذين يرفضون الإندماج في مجتمعاتهم الأصلية. فبدلاً من تحمل تبعات مشاكلهم، اختارت بريطانيا أن يتحمل الشعب الفلسطيني ذلك.
2 – إعطاء الصهاينة مكافأة لحسن تعاملهم مع الحلفاء، ولكن من كيس الفلسطينيين.
3 – وهو الأهم، زرع كيان في البلاد العربية يفصل قسمها الأسيوي عن قسمها الأفريقي، مهمته منع أي حراك من أجل تحرير هذه البلاد من التبعية السياسية ومن التبعية الإقتصادية. والأساسي هو أن يكون هذا الكيان غريباً ليس من نسيج المنطقة، حتى لا يتجه إلى التعايش الطبيعي في المنطقة وإلا فهذا يعني خسرانه الدور الرئيسي الذي من أجله تم زرعه في منطقتنا.
وقد قام الكيان الصهيوني بما هو مطلوب منه في هذا المجال. فقد بدأ بالمجازر بحق الفلسطينيين من أجل تهجيرهم من أرضهم والإستيلاء عليها. وكان يتدخل في كل حركة استقلالية من أجل قمعها (احتلال سيناء مرتين، الأولى عند تأميم قناة السويس، والثانية في حرب ال67). كما واحتلاله للجولان السوري ومزارع شبعا اللبنانية وتلال كفرشوبا والأغوار ووو...
                      *****************************
تعامل العرب مع الواقع المستجد على أن الكيان الصهيوني هو استعمار أجنبي لبلد عربي يجب العمل عل إزالته وإعطاء الفلسطينيين حق تقرير المصير على أرضهم. كما وأن العرب ( الدول والشعوب) اعتبروا أن لهم الحق باستخدام جميع الأساليب، ومنها العنيفة طبعاً، من أجل الوصول إلى هذا الهدف. لذلك، لم يعترف أي بلد عربي بالكيان الصهيوني عند تأسيسه، ولذلك أيضاً كان مبرر قيام جميع الإنقلابات العسكرية التي حصلت في البلاد العربية، هو تحرير فلسطين.
النضال ضد إسرائيل هو، تبعاً لما تقدم، حركة تحرر وطني، وهذا ما جعل جميع الأنظمة تقدم يد المساعدة للمنظمات الفلسطينية في حربها ضد الكيان الصهيوني. وكان هذا هو المبرر لنشوء منظمة التحرير الفلسطينية، وبإشراف الأنظمة.
                          *************************
مرت المقاومة ضد الكيان الصهيوني بكثير من التعرجات. فبعد الإنتصار الهام على الجيش الصهيوني في معركة الكرامة الشهيرة (آذار 1968)، والتي تُعتبر أول مواجهة مباشرة مع الجيش الصهيوني صمد فيها المقاتلون الفلسطينيون وأجبروا المعتدين على الإنسحاب بعد تكبيدهم خسائر هامة، كانت مجازر أيلول الأسود في 1970. هذه المجازر التي أجبرت المقاومة الفلسطينية على الإنسحاب من الأردن ووقف العمل المسلح ضد الكيان الصهيوني. كل ذلك تم بتواطؤ بين النظام الأردني والكيان الصهيوني.
أصبحت جبهة القتال الوحيدة المفتوحة ضد الكيان الصهيوني، هي جبهة جنوب لبنان. وبعد اعتداء 1982 واحتلال بيروت، أجبر الكيان الصهيوني والمجتمع الدولي المقاومة الفلسطينية على الإنسحاب من جبهة المواجهة المسلحة مع الكيان الغاصب.
كانت المواجهة داخل الكيان الصهيوني صدىً للمقاومة في الخارج. ولكن بعد منع المقاومة من التواجد على مختلف الجبهات اقتصر النضال الفلسطيني على الداخل، عمليات تفجير وعمليات استشهادية وانتفاضات.
أدت هذه العمليات إلى انسحاب الجيش الصهيوني من غزة ومن جانب واحد، أي من غير اتفاق مع منظمة التحرير. هذا الإنسحاب كانت نتيجته عدة اعتداءات مدمرة على غزة، كان آخرها منذ سنة وأدى إلى دمار كبير لم يتم إصلاح ما هدمه العدوان حتى الآن. وهناك أكثر من 400000 مشرد في أرضهم.
                        *************************
بعد انسحاب الجيش الصهيوني من بيروت وصيدا تحت ضربات المقاومة الوطنية اللبنانية، اقتصر وجود الجيش الصهيوني على الشريط الحدودي المحتل، والذي انسحب منه تحت ضربات حزب الله اللبناني. وكانت آخر المعارك في لبنان في 2006. ومن الجدير ذكره أن الجيش الصهيوني خسر جميع معاركه مع حزب الله. وما يحكم العلاقة بين الكيان الصهيوني والمقاومة حالياً هو قرار مجلس الأمن 1701.
                   **********************************
في غضون هذه الأحداث، أبرم النظام المصري السلام مع العدو الصهيوني. وكذلك فعل الأردن ومنظمة التحرير. وهناك علاقات ناشطة ما بين الكيان الصهيوني والعديد من الدول العربية مثال: قطر والإمارات والمغرب وتونس....
                     ********************************
نحن لا نؤرخ لما حصل، إنما هو استعراض موجز فحسب.
ما المستجد؟
المستجد هو أنه منذ اندلاع "الربيع العربي"، اتخذت الدول التي تنتمي إلى إقليمنا (الدول العربية مع تركيا وإيران)، مواقف تتسم بالتفتيش عن مصالحها كدول وليس عن مصالح شعوب هذا الإقليم. عاد التقييم بناءً لمبدأ بريجينيف الشهير (الدور التقدمي للجيوش في العالم الثالث)، وتفسيره شراء السلاح من الترسانة السوفياتية وظلم الشعوب كما يريد كبار المتمسكين بالجيش والدولة بدلاً من الرأسماليين. أي أن ما يحدد وطنية وتقدمية أي نظام هو علاقته مع هذا النظام أو ذاك، وليس علاقته مع شعبه.
البعض اعتبر أن هناك ضرورة للحفاظ على الأنظمة التي ترتبط بدولة ما. والبعض الآخر اعتبر ضرورة القتال من أجل تغيير هذه التبعية.
بصيغة أخرى، اخترع معظم المسيطرين على الحركة السياسية تناقضاً غير موضوعي، وتجاوزوا التناقض الموضوعي من أجل مصالحهم وبشكل معاد لمصالح الشعوب. فحتى هذا التاريخ كان الجميع (باستثناء تركيا التي تقيم علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني والتي ساءت بعد العدوان الصهيوني على الأتراك في البحر) يتفق على أن الصراع مع العدو الصهيوني له الأولوية على باقي الصراعات جميعها. ولكن مصالح دول متنفذة في الإقليم رأت ضرورة تغيير هذا التناقض لصالح تناقض آخر يخدم أجندات أخرى ويجعل الصراع مع العدو الصهيوني ثانوياً.
وكانت المعركة مع التكفيريين هي الوجه الجديد للصراع في المنطقة والذي يخفي وراءه كوارث هي: مشاركة العدو الصهيوني بالمعركة القائمة في إقليمنا تحت نفس الشعارات. وكذلك الصراع المذهبي المستبطن والصريح أحياناً، والذي تغذيه الإدارة الأميركية بمساعدتها الأطراف المتنافسة في حروبها البينية.
ما تطرحه إسرائيل هو حلف مع الدول السنية ضد إيران والتكفيريين. وفي الجهة المقابلة تطرح إيران حلفاً مع النظام السوري والعراقي والحوثيين ضد السعودية والتكفيريين.
معادلة بسيطة تُرينا كيف خرج الكيان الصهيوني من صورة الصراع، إن لم يكن مطروحاً كناشط من ضمن التحالفات الموجودة.
ما المطلوب إذن؟
إزاء ما هو قائم فعلاً الآن، أصبح من الضروري ابتداع استراتيجية جديدة للصراع ضد العدو الصهيوني الذي تحول من جسم غريب إلى جسم طبيعي من نسيج المنطقة. ولا ينفع الصراخ وإنكار ذلك، خاصة أن جميع الأطراف في الإقليم متوافقة على أن الصراع هو مع التكفيريين ومع إيران والسعودية، تبعاً للإصطفاف.
المعركة مع إسرائيل لم تعد معركة تحرر وطني بالنسبة للأنظمة في إقليمنا. من هنا، ضرورة إعادة فرز القوى الإجتماعية لتحديد من هي القوى الحليفة والقوى المعادية، نظريا. فالإنتقال إلى الممارسة العملية يتطلب هذه المعرفة.
المقاومة ضد الكيان الغاصب هي مسألة بديهية نظرياً، طالما أن هوية هذا الكيان لم تتغير. والمقاومة تأخذ أشكالاً متعددة، العسكري أحدها.
إن تحديد أشكال المقاومة الممكنة حالياً، هي التي تحدد هوية وطبيعة الكيانات المقاومة، كما وتحدد من هي الفئات التي يجب أن تتسلم زمام المبادرة.
العمل الجدي يستدعي التفكير في كيفية التحضير للعمل في المستقبل القريب، قبل الندم على عدم التحضير لهذا المستقبل.
ملاحظة أخيرة: إن عدم قيام الكيانات المسلحة بالمهام التي من أجلها وُجدت (هنا مقاومة الكيان الصهيوني)، يحولها إلى كيانات قائمة لذاتها، أي تفتش عن كيفية تعيشها. لذلك يمكن تحويلها بسهولة إلى قوات تدخل سريع لصالح الأنظمة التي تصرف عليها. وهذا لا يتطلب كثيراً من الجهد في جو الشحن المذهبي. حيث أن جميع هذه الكيانات في منطقتنا تتميز بالصفاء المذهبي.
والأمثلة جاهزة: الجيش السوفياتي والصيني والمصري والحرس الثوري الإيراني... جميع هذه الجيوش والمؤسسات قامت للدفاع عن الثورة وتحولت إلى مؤسسات قائمة لذاتها، تستثمر لصالحها في الإقتصاد وتنافس الرأسمال الخاص. وتصبح مؤسسات مهمتها الدفاع عن استقرار استغلال الشعب لصالح كبار قادتها ولصالح الرأسمال الخاص. أما الكيانات التي لا تكون جزءاً من نظام ما، فتصبح مجموعات مسلحة صالحة للإستخدام في أي مكان، لصالح من يصرف عليها، والمبرر هو تأمين استمراريتها، مع نسيان سبب قيامها في الأصل. (من يقوم بمهمة قمع المقاومة في الضفة الغربية؟).
مهام ملحة
الغاية التي من أجلها كُتبت هذه الورقة هي التأكيد على ضرورة تغيير طبيعة وأشكال النضال.
1 – الأونروا: هذه المؤسسة التي أوجدها المجتمع الدولي لمساعدة الفلسطينيين بانتظار العودة، تريد أطراف موالية للكيان الصهيوني تصفيتها للإنتهاء من حق العودة. المعنيون بهذه المؤسسة هم جميع اللاجئين الفلسطينيين، أينما وُجدوا. ولكن ردود الفعل على محاولات التصفية ليست بحجم الحدث. لذلك لا بد من ترك اللاجئين يعبرون عن أنفسهم بالنسبة لهذا الموضوع من دون تأطير أمني مخابراتي كما هو سائد في جميع أماكن تجمعات اللاجئين.
كما وأن فلسطينيي الشتات معنيون بهذا الموضوع. يمكن إسماع صوت الفلسطينيين في جميع أنحاء العالم حيث يوجد فلسطينيون. ولكن هذه الطاقات معطلة.
2 – المخيمات: لقد تمكن النظام الأمني المسيطر من جعل هذه المخيمات بؤر غير معنية بقضايا الشعب الوطنية. لذلك نرى التنافس فيما بين مختلف الكيانات على أمور ليس لها علاقة بتأمين حقوق اللاجئين ولا بالنضال السياسي من أجل العودة. والمنافسات بين الكيانات تقوم على مكاسب لا تقرب فلسطين إلى الفلسطينيين ولا تقرب الفلسطينيين من بلدهم.
إطلاق نار يومي، اغتيالات، فساد... مجابهة هذه الآفات لا يمكن أن تصل إلى مبتغاها إلا في حال وجود حركة شعبية غير مرتبطة بالكيانات القائمة تجابه هذه الآفات بالتحركات السلمية. المنظمات فشلت في ضبط المخيمات، وليس بإمكانها أن تنجح. عمل هذه المنظمات يحمل طابعاً أمنياً. والممارسات الأمنية دمرت الإتحاد السوفياتي، فما بالك بمخيم! لابد من عزل الكيانات التي تسيء إلى النضال الفلسطيني شعبياً.
3 - غزة: يجب إعادة إعمار غزة ويجب عدم تقديمات تنازلات سياسية للعدو.
هل يمكن ترك عشرات آلاف الفلسطينيين رهينة في أيدي بعض المنظمات التي تفتش عن مكاسب لها ولزعمائها والمنفقين عليها؟ هل يمكن الإستمرار في المقاومة العسكرية إن كان تجديد هذه الترسانة مرهون لهذا النظام أو ذاك؟ وما فائدة هذه المقاومة إذا كان استثمارها ليس لصالح القضية الفلسطينية، وهو كذلك. منذ تأسيس الكيان الصهيوني، تعمل الأنظمة على استعداة فلسطين في الإذاعات والبيانات والمؤتمرات...
لا بد من نقاش جدوى العمل العسكري وأشكاله. يجب التفتيش عن شكل للنضال المسلح لا يرهن ممارسيه لأي نظام مهما كان صادقاً! وحسب التجربة التاريخية، العمل العنيف داخل الأرض التي يحتلها العدو (أراضي 48 والضفة وغزة قبل تحريرها) هو الذي أثبت جدواه رغم الخسائر. ولكنها خسائر يشترك فيها العدو.
ولكن اقتصار العمل العنيف على الداخل يجب أن لا يترافق مع أي تنازل سياسي للعدو مهما كان. والضغط على الممسكين بالقرار الفلسطيني يجب أن يقوم به الشعب الفلسطيني وليس بتبادل الإتهامات بين فتح وحماس. فلا أحد من الكيانات الفلسطينية يمكن أن يختصر الشعب الفلسطيني فيه. كما وأن هذا ينطبق على الكيانات مجتمعة. فالعلاقات السياسية مع العدو مرفوضة سواء قامت بها فتح أو حماس أو أي فصيل فلسطيني. أما تأمين معيشة الفلسطينيين وأمنهم فلا يدخل ضمن نطاق العلاقات السياسية، إنما تنظمه المواثيق الدولية بالنسبة للأراضي المحتلة من العدو.
نخلص إلى القول أنه لا جدوى من النضال المسلح إلا إذا كان مستقلاً، لا يرتبط تطوره بغيره، وإلا أصبح ألعاباً نارية تسبب الموت والدمار في مهرجان الضغوطات المتبادلة بين مختلف الأنظمة.
4 – منظمة التحرير: هل وجود منظمة التحرير شرط للنضال من أجل أن ينال الشعب الفلسطيني حقه بالعودة وممارسة حقه بتقرير مصيره على أرضه؟ منذ قيام السلطة الفلسطينية المرتبطة بالكيان الصهيوني وجمع قيادة المنظمة والسلطة في شخص واحد، تراجع دور المنظمة وأصبح دورها الموافقة على قرارات قائد السلطة الفلسطينية. كما وأن جميع الكيانات المرتبطة بها أصبحت عاطلة عن العمل النضالي. ورغم هذا، وبما أنه كيان موجود فلا بأس من إصلاحه، على أن لا يزيد هذا الإصلاح المزمع الشروخ بين مختلف فئات الشعب الفلسطيني. وتجديد قيادتها وشمولها جميع مكونات الشعب الفلسطيني لا يفيد إذا لم يتم الفصل بين المنظمة والسلطة. مضافاً إلى ضرورة تحديد المهمات المنوطة بالسلطة وتلك المنوطة بالمنظمة. فكل ماهو سياسي يجب أن يرتبط بالمنظمة الموجودة قيادتها خارج الأراضي المحتلة. وكل ما يتعلق بحياة الناس يجب أن يكون منوطاً بالسلطة. دور المنظمة سياسي ودور السلطة خدماتي.
5 – الوحدة الفلسطينية: الوحدة، إن لم تكن على برنامج واضح للنضال الوطني الفلسطيني، فليست حاجة. وهي تعني اتفاق على تقسيم المغانم بين النافذين. الكلام عن الوحدة يعني مشاركة العديد من المتنورين الفلسطينيين وذوي الخبرة في العمل السياسي والوطني والإجتماعي والإقتصادي إلى جانب المنظمات المقاومة، بصياغة برنامج للنضال المرحلي على رأسه العمل على تحقيق العودة لللاجئين إلى وطنهم والتعويض عليهم. ومن ثم حل المشاكل المستجدة في الحياة اليومية للمواطنين.
6 – العلاقة مع الآخر: يجب أن تقوم على ما يحقق البرنامج الوطني الفلسطيني وعدم المشاركة بما يحصل في مختلف البلدان العربية حيث يتواجد اللاجئون.
وأخيراً، لابد من الإشارة إلى ضرورة العمل، في مجتمعات اللجوء، مع مختلف فئات المجتمع من أجل تحقيق مطالب اللاجئين السياسية والإجتماعية...
                                                              26 تموز 2015


الأربعاء، 15 يوليو 2015

الإتفاق الإيراني الدولي

                                          الإتفاق الإيراني الدولي
حسن ملاط
وأخيراً تم توقيع الإتفاق حول النووي الإيراني بين إيران والدول الست. ما هي انعكاسات هذا الإتفاق؟
علينا أن نشير إلى أن الإتفاق بين متخاصمين يكون تعبيراً عن ميزان القوى في اللحظة التي وُقع فيها الإتفاق. وتوقيع إتفاق ما لا يعني ضرورة تطبيقه. فتطبيقه مرهون بالحفاظ على ميزان القوى الذي كان قائماً. كما أنه لا يعني عدم تطبيقه، لأنه ربما يكون حاجة لأطرافه في المرحلة التي وُقع فيه الإتفاق وما بعدها.
ولكن من الجدير ذكره، أن كل طرف يقرأ الإتفاق بناء لمصالحه، لأنه لا وجود لقراءة موحدة لأي اتفاق يُعقد بين الدول. والقراءة التي تُنفذ، هي تلك التي يملك صاحبها القدرة على فرضها على الأطراف الأخرى.
ما تقدم لا يعني تشكيكاً بالإتفاق، كما أنه لا يعني التسليم بتنفيذه. والدليل على ما نقول هو عشرات القرارات الدولية التي لم يُنفذ منها شيء.
حول الإتفاق
كان التوصل للإتفاق نتيجة اثني عشرة سنة من المباحثات، تميزت بالتوافق حيناً وبالإختلاف حيناً آخر نتيجة تناقض ما يريده كل من الأطراف التي تعمل للوصول إلى هذا الإتفاق، وبسبب زئبقية العلاقات بين الإدارة الأمريكية وإيران.
ففي غزو أفغانستان، كانت المساعدة الإيرانية للغزاة الأمريكيين ذات فعالية هامة، حتى أنه يُقال أنه لولا المساعدة الإيرانية  ما كان للجيش  الأمريكي أن يتمكن من تحقيق أهدافه. ورغم ذلك رأينا الإدارة الأمريكية تتنكر لهذه المساعدة، مما دفع الإيرانيين إلى حماية قيادات القاعدة في أراضيها رداً على الإستكبار الأمريكي.
أما في العراق، فقد كانت الميليشيات التي دربتها إيران ورعتها مع قياداتها رأس حربة للهجوم الأمريكي على العراق. ولكن حيث أن العراق يختلف عن أفغانستان، لم تتمكن أمريكا من استبعاد النفوذ الإيراني عن هذا البلد. فكلما حاولت أمريكا الضغط على إيران كانت الأخيرة تعطي الأوامر لميليشياتها للقيام بعمليات معادية للأمريكان. واقتنعت أمريكا بضرورة استمرار التنسيق مع إيران في العراق.
أما التجربة الأخيرة بالتعاون الإيراني الأمريكي فكانت الحرب ضد الدولة الإسلامية (داعش) والميليشيات المعادية للأمريكان والنظامين السوري والعراقي. وجميع الدلائل تشير إلى أن التعاون يسير على خير ما يريده الطرفان.
هذا ما جعلنا نقول أن توقيع الإتفاق ما هو إلا إجراء شكلي، لأن مفاعيل الإتفاق أصبحت ظاهرة على الأرض في ساحاتنا وفي الساحة الإيرانية. ولذلك أيضاً، وُقع الإتفاق، نعني بسبب التوافق والعمل المشترك.
1 – إن أهم مفاعيل هذا الإتفاق هو أن الدور الذي تلعبه إيران في منطقتنا أصبح يحمل شرعية دولية يغطيها هذا الإتفاق. ولكن مع الإشارة أنه لم يعد باستطاعة إيران أن تفعل ما تريد كما يحصل اليوم، ولكن عليها مراعاة اتفاقها مع أمريكا والقوى الغربية. وإذا استخدمنا اللغة الغربية، لم يعد بإمكانها أن تكون راعية للإرهاب.
2 – التأثير الأسوأ لهذا الإتفاق سيكون على قضية الشعب الفلسطيني، ذلك أن شروط تحققه، كانت الموافقة الإيرانية على تصور أمريكا لأولوية الصراع في المنطقة والتي حددته أمريكا بالإرهاب السني (داعش، القاعدة وغيرها من التنظيمات التي تدور في فلكها). وقد أعلنت أرفع مرجعية إيرانية ضرورة قتال هذا الإرهاب، وهذا ما يحصل فعلاً. أما قتال إسرائيل فأصبح في ظهر الغيب على الصعيد الاستراتيجي، علماً أن أولوية الثورة الإسلامية في إيران كانت: ضرورة إزالة إسرائيل من الوجود وأمريكا الشيطان الأكبر. لا يخفى على المهتمين أن آخر لقاء بين الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية مع المرشد الأعلى، أعلن الأخير ضرورة العمل للتوصل إلى حل مرض للقضية الفلسطينية. كما أن الإتفاق الحالي قد أزال عملياً الشيطنة عن أمريكا.
هذا لا يعني أنه لن يكون هناك اعتداءات إسرائيلية على بلادنا. فما أن يهدأ التقاتل الداخلي حتى يكون العدوان الإسرائيلي قد حان أجله لا تأييداً للغالب أو للمغلوب، ولكن لضرورة انتقامها من هزائمها المتكررة أمام حزب الله.
3 – الإقتصاد الإيراني سيتحسن ولكن باستثمارات خارجية لأن أثمان النفط سوف تُصرف على المعونات التي تقدمها الدولة في إيران للشعب (12 دولاراً لكل فرد). وهذا مكلف جداً للخزينة ولا مردود إقتصادي له. الإستثمارات الخارجية تعني ارتباطاً عضوياً للإقتصاد الإيراني بالرأسمال المعولم والذي يؤدي حتماً للخضوع للنظام النيوليبيرالي، كما حصل مع الصينيين والروس وغيرهم.
ستتحسن أوضاع الناس تبعاً لتحسن صرف الريال الإيراني وهذا ما سينعكس إيجاباً على الطبقة الوسطى خاصة. كما أن تدفق الرساميل سينشط حركة تنقل الأموال والإنفاق...
4 – العودة إلى حصة إيران من سوق النفط له انعكاسات إيجابية على الوضع الداخلي أيضاً. هناك توقعات بأن ينخفض سعر النفط، ولكن هذا الأمر ليس حتمياً، لأن فتح سوق استهلاكية تحوي 80 مليون إنسان سيكون له انعكاس على جميع اقتصادات العالم مما يمكن أن يرفع من استهلاك النفط وربما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بدل انخفاضها.
5 – الإحتمال الأكبر هو أن يؤدي هذا الإتفاق إلى سباق تسلح في منطقة الخليج خاصة. ومن المرجح أن يؤدي إلى اهتزازات في الإتحاد الخليجي، إلا إذا حالت الإدارة الأمريكية دون ذلك.
6 – الصهاينة هم الأكثر تضرراً من هذا الإتفاق، حيث أن الدور المنوط بالكيان الصهيوني يكاد يزول. لذلك ستفعل إسرائيل المستحيل من أجل عرقلة تنفيذه. والأرجح أنها لن تتمكن من ذلك، خاصة إذا نشطت حركة زيارة المستثمرين إلى إيران. فالسياسة من أجل هؤلاء. على كل حال أعلن وزيرا خارجية ألمانيا وفرنسا أنهما سيزوران إيران قريباً كل بمفرده.
أما الحديث عن تعاون سعودي وإسرائيلي، ليس مستحيلاً، ولكنه مستبعد الآن. فالإدارة الأميركية سترتب أوضاع المنطقة بالتعاون مع أصدقائها الجدد واالذين سبقوهم. فحل يرضي السعودية في اليمن سوف يبعدها حتماً عن التفكير بالتعاون مع العدو الصهيوني. وهذا حل مرجح.
7 – قبل الإتفاق، كانت إيران تجابه تكتلاً من ست دول، أما الآن فهناك ست دول تتنافس فيما بينها للتقرب من إيران. أي أن التحالف المعادي لإيران قد انتهى مفعوله.
وأخيراً لا بد من الإشارة إلى أن هذا الإتفاق ربما يساهم بالتعجيل في إيجاد حلول لمعاناة شعوب منطقتنا، ولكن هذا الخيار ليس مرجحاً، وذلك بسبب حاجة الولايات المتحدة لإغراق إيران في حروب لا تنتهي حتى تضمن تبعيتها المستقبلية لها. إيران ليست مجبرة على ذلك، فلا شيء يمنعها من العمل مع دول المنطقة لإيجاد حلول لحروبها. هذا خيار صعب لأنه يستدعي التخلي عن أغلب التركيبات الميليشيوية التي أنشأتها، ولكنه ليس مستحيلاً.
نختم بالقول أن إيران أثبتت أنها دولة تتمتع بحس الدولة المستقلة والتي تدافع عن قضاياها أمام أعتى القوى الدولية، وقد تمكنت من الحصول على ما تريده كدولة. ستشهد الكثير من التجاذبات بين مختلف القوى، هذا طبيعي. وهذا ما سوف يحصل في الولايات المتحدة نفسها. هذا لا ينتقص من الإنتصار التي حققته هذه الدولة الفتية على أعتى قوة في التاريخ.

                                                                   15 تموز 2015

الجمعة، 10 يوليو 2015

التعاون المرهق

                                             التعاون المرهق؟
حسن ملاط                                                 
يجتمعون، يتناقشون، يختلفون أو يتفقون في وجهات النظر، أما الإتفاق على التعاون الجدي، فمرهون بمرجعية كل طرف. من أجل ذلك، يمكننا التأكيد على أن الإتفاق أو الإختلاف فيما بين الحركات والأحزاب والمجموعات الإسلامية، يتطلب تحقيق العديد من الشروط، سنحاول الإطلالة عليها.
المحازبون: ينتمي معظم محازبي الحركات الإسلامية إلى الطبقة الوسطى والموظفين والطلاب والحرفيين والمزارعين والعاطلين عن العمل. ولا يُصنف المحازبون تبعاً لمهنهم ولكن الإنتماء يتم تحديده تبعاً للتعبئة الدينية، الطائفية أو المذهبية. لذلك نرى نوعاً من الصفاء المذهبي عند كل حركة من الحركات الإسلامية. علماً أنه يمكن استثناء سرايا المقاومة فقط، وهي جهاز تابع وليس مستقلاً.
المرجعية: مرجعيات هذه الحركات هي الدول الإسلامية، وأبرزها إيران، السعودية، قطر وتركيا.
استنتاجات
1 – إن انتماء المحازبين إلى نفس الشرائح الطبقية يؤدي إلى صعوبة التعاون فيما بين هذه الحركات، لأنها تتنافس على نفس الجمهور. جميع الحركات إسلامية ومرجعيتها واحدة وهي الموروث الإسلامي. ما من أحد من هذه الحركات أنتج تديناً ينسجم مع العصر الذي نعيش فيه حتى يكون هناك تمايز فيما بينها. نفس الخطاب، نفس المرجعيات الفقهية والدولية، مما يؤدي إلى ضرورة التنافس وليس التعاون.
2 – إن عدم تصنيف المحازبين تبعاً لانتماءاتهم الطبقية يؤدي إلى تناقض ما بين الشكل والمضمون. مثال ذلك، التنافس بين المحازبين الذين تجمعهم مصلحة واحدة: كموظفين أو كعمال أوكطلاب. وتقديم الإنتماء الحزبي على المصلحة العامة يؤدي إلى خواء تنظيمي لأنه يتناقض مع انتماءات الأعضاء.
برز ما نقوله واضحاً في تجربتين نموذجيتين: التحرك الأول ضد الطائفية والذي ساهم توافق جميع الأحزاب السياسية إلى إنهائه. وكذلك هيئة التنسيق النقابية، فتعاون مختلف أحزاب السلطة جعلها تابعة لهذه الأحزاب وخسرت صفتها الإستقلالية والنقابية في آن. أي أن المحازبين تآمروا مع حركاتهم وأحزابهم ضد مصالحهم كموظفين أو عمال... وذلك بالقضاء على هذه التجربة النقابية المستقلة نسبياً.
3 – الإنفصال عن قضايا المجتمع جعل  هذه الحركات وكأنها تعيش في زمن غير زماننا أو في بلاد غير بلادنا. إن ما يجعل الخلافات قائمة هو التركيز على القضايا التي لا تمس الناس بصورة مباشرة. فهذا النوع من القضايا لا يُطرح أبداً، النضالات الإجتماعية الإقتصادية على سبيل المثال. وإذا تم طرحها تكون بوجهة إفشال الحركات المطلبية وليس دعمها. الأمثلة على ذلك كثيرة: تفريخ نقابات مذهبية أو روابط مهنية مذهبية... فبدلاً من مساعدة هذه الفئات تقوم الحركات الإسلامية بضرب نضال هذه الفئات من المجتمع. وبدلاً من خلق التضامن فيما بينها، تدفع باتجاه قسمتها على أسس ليس لها علاقة بطبيعة المهنة التي يعملون بها. إنما الإنقسام يكون تبعاً للإنتماء المذهبي لمن يقوم به.
إن تدخل هذه الحركات بالعمل النقابي الوطني، جعل هذا العمل خاويا من معانيه النقابية، وأصبح ميداناً للمحاصصة المذهبية والحزبية.
4 – هذه التصنيفات لا تأتي من فراغ. فالمرجعيات لهذه الحركات الإسلامية تتمتع بنفس الضبابية. إيران دولة إسلامية والسعودية دولة إسلامية. إيران دولة ذات اقتصاد ريعي، وكذلك السعودية. كلتاهما تبيعان النفط وتمولان نشاطاتهما الداخلية والخارجية. صحيح أن إيران تملك بعض الصناعات الحربية، ولكن هذا لا يجعل منها دولة صناعية، ودليلنا هو حصة الدخل القومي من الصناعة.
ما تقدم يعني أن الدولتين الراعيتين لمعظم الحركات الإسلامية تنتمي إلى فضاء النيوليبيرالية التي تقودها أمريكا.
علام الخلاف إذن؟ تتنافسان على نفس الأرض، كل منهما تريد أن تكون هذه الأرض ومن عليها تحت سلطتها. نجد التنافس حيث يعم الخراب في اليمن والعراق وسوريا والبحرين ولبنان.
هل من إمكان للتوافق؟
نعم! شريطة التوافق على ما يلي:
-         الشرط الذي لا يمكن تجاوزه مطلقاً، هو تحديد الأولوية وبشكل موضوعي وليس ذاتياً. القتال ضد إسرائيل هو الأولوية الأولى باعتراف جميع الأطراف. لماذا لا يتم التعامل مع هذه الأولوية على أنه كذلك على أرض الصراع.
التجارب التي مررنا بها، سواء إبان وجود المقاومة الفلسطينية أو في عهد المقاومة الإسلامية، أثبتت أنه عند الصراع مع إسرائيل تختفي جميع التناقضات الأخرى لصالح التناقض الرئيسي والأساسي. إن مجرد تحول البندقية عن اتجاهها جعل الصراع العنيف ينتقل إلى ساحاتنا المحلية وجعل العدو يعيش في أحسن حالاته. فالتقاتل يتم بين من يصنفهم أعداءه.
إذن، إن التعاون بين مختلف الفئات لن يكون ثابتاً إلا إذا استند على قواعد موضوعية.
-         احترام خصوصية الساحة التي يتم العمل فيها، هو شرط للتعاون. التعاون مع القوى الخارجية ليس ممنوعاً، وربما يكون حاجة، ولكن شريطة احترام أولوية التناقضات في ساحتنا الداخلية. فالتعاون مع قطر أوالسعودية أو إيران لا يجعل تصنيف التناقضات المحلية تبعاً لرؤية هذه الأطراف.
ما يحصل الآن هو التزام الأطراف المحلية برؤية الأطراف الخارجية للتناقضات فيما بينها ونقلها إلى ساحتنا. وهذا يؤذي التعاون بين مختلف الأطراف في الساحة المحلية وينقل التصارع مع العدو إلى تصارع داخلي. وهذا ما نراه بوضوح في ساحتنا المحلية. فالخلافات بين مختلف المجموعات والأحزاب الإسلامية ناتج عن اختلاف مرجعياتها. هذه المرجعيات التي لا يمكنها، وليس مطلوب منها أن تحدد الأولويات في ساحتنا. ولكن تعاملها مع حلفائها على أنهم تابعون يجعلها تحدد الأولويات وما على الأطراف إلا الإلتزام بها.
-         التميز يستدعي إعطاء "نكهة" للإلتزام الديني لهذه الحركات. هل هي معادية لإسرائيل، هل هي معادية للعولمة النيوليبيرالية... وهذا يجب أن يظهر جلياً في برامجها وفي ممارساتها. الجلي الآن أن العداء يظهر من خلال الشتائم وليس من خلال البرامج والممارسات.
-         والمهم الذي يجب الإنطلاق منه هو أن يبدأ الحوار بالتزام مسبق بإتمامه إلى نهايته...
هناك نقاط أخرى ولكن يمكن أن تثار عند الضرورة.

                                                       10 تموز 2015

الاثنين، 6 يوليو 2015

أتركوا لهم الأمل!

                                 اتركوا لهم الأمل!
حسن ملاط
شاركت حماس للمرة الأولى في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، في أوائل 2006. يومها رفضت حركة الجهاد الإسلامي المشاركة لأنها تأتي تحت سقف اتفاق أوسلو. وكان أن نجحت حماس بتلك الإنتخابات، رغم التدخلات لصالح منافسيها. كان نجاح حماس تعبيراً عن اختيار الشعب الفلسطيني مقاومة الإحتلال. وحيث أنها كانت الوحيدة من المشاركين التي تطرح حل المسألة الفلسطينية عبر المقاومة، لذلك أخذت أصوات جميع الذين يريدون خيار المقاومة.
لم تقبل المنظمات مشاركة حماس بتشكيل الحكومة برئاسة اسماعيل هنية. وكذلك كان رأي الراعي الأمريكي والشريك الصهيوني باتفاق أوسلو. رغم هذا شكلت الحكومة. ومنذ تلك اللحظة، لم تفتر المشاكل والصدامات بين حماس وفتح. نتيجة لهذه الخلافات، تمت إقالة حكومة هنية وتشكيل حكومة برئاسة سلام فياض. وأصبح للشعب الفلسطيني حكومتان، واحدة في غزة بقيادة حماس، وأخرى في الضفة الغربية بقيادة فتح. ومن الطبيعي أن يتعامل المجتمع الدولي مع حكومة فياض وليس مع حكومة هنية، لأن حماس مصنفة إرهابية في القاموس الأمريكي.
كان تأثير الإنقسام سيئاً جداً على الشعب الفلسطيني. وقد استغلت إسرائيل هذا الواقع للقيام بعدة اعتداءات على غزة، دام الأخير منها أكثر من خمسين يوماً. تلاه اتفاق تهدئة لم تلتزم به إسرائيل. ولا يزال أهل غزة يعانون من التشرد بسبب تدمير العدو لآلاف المساكن.
كانت المحاولة الأخيرة للإتفاق بين فتح وحماس، هي حكومة الحمد الله. ولكن يبدو أن عباس يريد أن ينقض الإتفاق وذلك بتغيير الحكومة، علماً أن ما أرادته حماس من الحكومة لم تحصل عليه. لم تتم إعادة الإعمار، ولم تدفع الحكومة الرواتب للموظفين، ولم تفتح المعابر ولم يسمح للصيادين بالتوغل المسافة المتفق عليها...إلخ.
الحالة الراهنة
بدأت السلطة الفلسطينية مفاوضات مع العدو الصهيوني، تمكن خلالها العدو من توسيع الإستيطان (مصادرة الأرض وإقامة المستعمرات عليها)، وتهويد القدس الشريف، ومحاصرة الفلسطينيين في قراهم عبر الحواجز والجدار العازل. ناهيك عن القتل اليومي للشباب الفلسطيني والإعتقالات والإعتداءات على الفلاحين والمزارعين في حقولهم وإحراق المحاصيل واقتلاع الأشجار...
الفلسطينيون في الضفة يعيشون تحت حكم بوليسي إرهابي، سواء من الجيش الصهيوني أو من زبانية السلطة الفلسطينية. وكذلك في غزة حيث الإزدحام السكاني والنسبة العالية من البطالة.
أما في مخيمات الشتات، فحدث ولا حرج. ففي سوريا تم تهجير الفلسطينيين الذين لم يموتوا جوعاً من جراء الحصار الظالم عليهم وخاصة في مخيم اليرموك. أما المخيمات الأخرى فلم يعد لها وجود. وفي لبنان، لا يتمتع الفلسطيني بأية حقوق، وهذا ما يجعل الحياة من الصعوبة بحيث نرى الحوادث اليومية في هذه المخيمات. فيظن المرء أن المخيمات تعيش في حالة تحضيرية ليصيبها ما أصاب مخيم نهر البارد.
أما في الأردن، فالتجارة الرائجة هي إخافة الأردني من الفلسطيني وتصوير الفلسطيني على أنه يستولي على الحقوق الأردنية. وهذا ما يجعل الحذر يسيطر على الساحة السياسية الأردنية، حتى أن الأحزاب المختلطة بدأت بالإنقسام على خلفية الإنتماء، وهذا ما حصل مع الإخوان المسلمين. فالإخوان من أصل أردني انقسموا على الإخوان من أصل فلسطيني وبتشجيع من الدوائر الحاكمة وبتغطية من أطراف سياسية، وخاصة تلك التي تطرح المشرقية...
الفلسطينيون الذين يعيشون حياة شبه مستقرة هم الموجودون في المهاجر الأميركية والأوروبية.
الفلسطينيون والقضية الفلسطينية
كل الدلائل تشير إلى أن أكثرية الشعب الفلسطيني لازالت متمسكة بحقها باستعادة أرضها من المغتصب الصهيوني. أما الدليل على ذلك فهو واضح من مختلف فئات هذا الشعب، حتى أولئك الذين يعيشون حياة مستقرة في المهاجر الأوروبية والأمريكية.
أما المستجد، فهو الإحباط الذي أصاب مختلف فئات الشعب بسبب الإنقسام بين مختلف المنظمات، وبسبب الفساد المستشري عند المشاركين بالسلطة وغيرهم. والأهم أن ليس هناك أفق للمقاومة حالياً. فمختلف المنظمات لا يمكنها تأمين مصاريف كوادرها إلا باللجوء إلى المساعدات من الأنظمة والتي تكون مشروطة بتبعية سياسية.
أما الأسوأ فكان نتيجة الحراك الذي حصل في مختلف البلدان العربية والذي أدى إلى الإنقسام العامودي على أساس مذهبي. هذا الإنقسام كانت نتيجته وضع القضية الفلسطينية في آخر الأولويات بعد أن كان مكانها في الصف الأول.
هذا الأفق المسدود لم يدفع الفلسطينيين إلى التخلي عن قضيتهم، ولكن دفع المتحمسين منهم إلى القيام بممارسات تعبر عن رفضهم لهذا الواقع حتى ولو أدى إلى استشهادهم. العمليات الفردية هي التعبير الجلي عن هذا الواقع. وبدلاً من استثماره من قبل المنظمات المقاومة، نرى هذه المنظمات تهتم بأوضاعها الداخلية نتيجة الظروف التي أشرنا إليها.
ليست هذه نهاية الكون. علينا رفع شعار الحفاظ على الأمل.
وهذا يتطلب
1 – العمل العسكري: هذا النوع من العمل المقاوم يكون أحياناً ضرورياً. وفي المعارك العسكرية، يكون السلاح الفعال أفضل من السلاح الأقل فعالية. ولكن المقاوم هو الذي يختار كيفية مجابهة العدو تبعاً للسلاح الذي يحمله. فالحرب التي يخوضها ليست نظرية، من أجل ذلك يجب أن تكون حساباتها دقيقة. نلخصها بالنقاط التالية:
أ – ضرورة أن يكون السلاح غير مرهون لأي قوى أخرى غير المقاومين. فالإنتصار عندها يكون للممول وليس للمقاوم. وهذا ما نراه واضحاً بما يجري في بلادنا. إذا انتصر الحشد الشعبي في العراق يكون الإنتصار لإيران وأمريكا. أما انتصار الأطراف الأخرى فهو انتصار لتركيا أو السعودية أو قطر وأمريكا. من أجل ذلك، نرى بأن البندقية أكثر فعالية من الطائرة وقاذف الأربي جي أهم من الدبابة والعبوة أهم من الصاروخ الذي يحمل رأساً متفجراً. العبوة تنصر المقاومة والشعب المقاوم، أما الصاروخ فينصر الممول.
ب – هذا يقودنا إلى التأكيد على ضرورة تغيير نظريات الجهاد ضد العدو، وذلك بخوض المعارك التي يمكن خوضها بالسلاح الذي يملكه المقاوم ويمكن تأمينه من دون الإرتهان السياسي.
أما إذا كان ذلك مستحيلاً في الأوضاع الحالية، فيجب عدم خوض صراع عسكري، لأن قتال العدو هو من أجل تأمين تحرير الأرض وليس ثأراً من أحد رغم كل الحقد الذي على المقاتل أن يحمله للعدو.
الواضح أن أفق المقاومة المسلحة مقفل في هذه الأيام، لذلك لا بد من الإتجاه نحو أشكال أخرى من المقاومة.
2 – بناء الأنسان: مما لا شك فيه أن الأوضاع المأسوية التي يعيشها معظم لاجئي المخيمات، تدفعهم إلى الكفر بكل القيم. من هنا ضرورة إهتمام جميع من يهمه أن تبقى جذوة النضال الفلسطيني متقدة أن يوجه اهتمامه إلى هذه الفئة من الناس. فالتجارب السابقة أثبتت أن المخيمات كانت خزان المقاومة ووقودها. لذلك من الضروري التفتيش عن الوسائل التي تربط هؤلاء الناس بوطنهم المغتصب، من خلال النوادي والمنتديات والحركات الكشفية والمدارس ووو... فمن غير بناء الإنسان المسؤول لا يمكن استعادة الأرض السليبة. والإنسان الحر المسؤول هو الذي يبتكر وسائل النضال الملائمة لكل مرحلة من المراحل التي تمر فيها قضية الشعب الفلسطيني.
هذا العمل هو بالدرجة الأولى مهمة الإنتليجانسيا الفلسطينية المنتشرة في جميع أنحاء المعمورة. ولكن المبادرة يجب أن تكون من الذين يعيشون في قلب المأساة.
3 – وضع برنامج نضالي ينسجم مع متطلبات المرحلة الراهنة وتناقضاتها.
ومن غير نسيان الترابط الضروري ما بين الشكل والمضمون، لابد من التفكير الجدي بجميع الممارسات السائدة من دون استثناء...
الأمل هو العامل الأهم باستعادة الأرض السليبة. فلنحافظ على هذا الأمل حياً في نفوس الشعب الفلسطيني.
                                                                      6 تموز 2015