بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

السبت، 12 سبتمبر 2015

عن تفعيل التدخل الروسي

                           عن تفعيل التدخل الروسي
حسن ملاط
تحدث الكثير عن حاجة روسيا إلى قاعدتها البحرية في طرطوس. كما وتحدث الكثير أيضاً عن أن المعارضات السورية قد أعطت تطمينات للسلطات الروسية بعدم التعرض للمصالح الروسية في سوريا في حال وصولها للحكم. كما وأن هناك تنسيقاً ما بين إيران وروسيا كداعمين أساسيين للنظام السوري. ومعروف أن إيران تتدخل في سوريا عبر خبرائها العسكريين، والميليشيات الأفغانية والعراقية الموالية لها. كما وأن حزب الله اللبناني يقدم مساعدة كبيرة للنظام السوري. فما المستجد حتى تقوم موسكو بحركة غير مسبوقة في تفعيل وجودها العسكري المباشر في سوريا، ونقل الأسلحة الثقيلة والحديثة والبدء بمناورات بحرية بالذخيرة الحية ستمتد إلى تشرين الأول، والإتصال بالولايات المتحدة الأمريكية للتنسيق معها بالنسبة للطلعات الجوية فوق الأراضي السورية!
بعد فشل جميع الجهود لإيجاد حل سلمي للنزاع السوري، وبعد فشل جميع الأطراف من الإنتصار عسكرياً في الصراع، وبعد فشل موسكو في جهودها المنفردة بتغطية أمريكية، يبدو أنها لم تكن جدية، في إيجاد توافق بين المعارضة والنظام، تبين ضرورة إعادة النظر في جميع ما تقدم، وخاصة من قبل روسيا، وذلك لحاجتها للتواجد في الساحة السورية.
تبين أن هناك مستجدات ترتدي أهمية كبيرة، ومنها:
1-   عدم قدرة النظام على تحقيق أي انتصار على المعارضة الضعيفة إلا بمعونة من حلفائه الإيرانيين.
2-   انسحاب آلاف الروس الذين كانوا يتواجدون في سوريا، أدى إلى استبدالهم بأعداد أكبر من الإيرانيين وحلفائهم.
3-   ضعف البيئة الحاضنة للنظام، وخاصة العلويين الذين قدموا الكثير من الضحايا في دعمهم للنظام، بحيث بات من الصعوبة تقديم ضحايا أكثر.
4-   اقتصار الجهد العسكري على عدد محدود من العسكر بفئاته المختلفة، جيش وميليشيات.
5-   تفعيل التشاور مع الإيرانيين أخذ الأولوية على التشاور مع الروس أنفسهم. ففي الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني، تشاور مع حزب الله بشؤون الوضع السوري قبل التشاور مع الأسد نفسه. كما وأن وزير الخارجية السوري كان يذهب للتشاور مع الإيرانيين، حتى قبل الذهاب إلى موسكو أو بعد العودة منها.
6-   تبين للإدارة الأميركية أن النفوذ الأول في ىسوريا أصبح للإيرانيين ولم يعد لروسيا. هذا الأمر يؤثر سلباً على ترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط. فامريكا لا تقبل بالتعامل مع إيران كما تتعامل مع روسيا على سبيل المثال، لأنها لا تقبل بإدخال إيران إلى نادي الكبار، لذلك أوعزت لروسيا القيام بدور فاعل لإيجاد حل للقضية السورية وبدعم منها.
7-   تبين للروس أن تفعيل دورهم مع النظام السوري يتطلب تواجداً عسكرياً وازناً في الساحة السورية. وهكذا جاءت الأسلحة من جميع الأنواع وبدأت المناورات.
لم تبعث موسكو بأي تحذير للمعارضة السورية، ولكنها أعلنت أنها ستدعم الرئيس الأسد بكل قوة ولن تسمح بانهيار نظامه.
إيران أعلنت دعمها للرئيس الأسد أيضاً، ويُقال أن طهران  قد بعثت بتعزيزات من الحرس الثوري بعد مجيء التعزيزات الروسية. هذا يشير إلى أن طهران قد فهمت أن التعزيزات الروسية المغطاة أمريكياً هي للتغطية على أولوية الدور الإيراني في سوريا. لذلك سارعت للبعث بتعزيزات عسكرية.
يمكننا أن نستنتج أن التنافس الروسي الإيراني على الرئيس الأسد بدأ وسيشتد أكثر بحيث يؤثر على جميع النشاطات داخل الساحة السورية. وسيطرح قضايا لم يطرحها أحد بشكل جدي حتى الآن؟
من تلك القضايا على سبيل المثال:
أ‌-      تغيرات البنى الديموغرافية في العديد من الأماكن في سوريا. وهذه التغيرات لم تكن مقصودة في جميع المناطق. من هذه المناطق: البلدات المحاذية للبقاع اللبناني، بعض الأحياء الدمشقية، اللاذقية وطرطوس...
ب‌-   آلية أخذ القرار السياسي والعسكري.
ت‌-   كيفية إعادة إنتاج توافق ما بين مختلف الطوائف في سوريا.
ث‌-   الموقف من الكيان الصهيوني خاصة وأن الحفاظ على هذا الكيان هي من الثوابت لدى الأمريكي والروسي...
ليس هذا فحسب، بل هناك العديد من القضايا ينبغي حسمها قبل التحدث عن إنتاج حل دائم. والمؤكد أن أولوية الدور الإيراني في سوريا لن تُنتج حلاً مشابهاً لحل في حال كانت الأولوية للدور الروسي. لذلك ليس غريباً أن يكون التنافس على من له الأولوية، الروسي أم الإيراني.
هذا لا يعني أننا في الطريق إلى تصادم إيراني روسي، إنما تنافس فقط، لأن أي تصادم سيكون الخاسران فيه أطرافه فقط والرابح هو الإدارة الأمريكية.
وأخيراً، حسم هذا الصراع بين الأصدقاء بحاجة إلى حسم موقف أطرافه جميعها: أمريكا، تركيا، السعودية وقطر. أما الطرف الأهم فهو الرئيس الأسد نفسه.

                                                             12 ايلول 2015

الأربعاء، 2 سبتمبر 2015

جذور الإنحراف

                                             جذور الإنحراف
حسن ملاط
الإرهاب، التكفير، التحلل من القيم، جميع هذه الأمور تدخل ضمن دائرة الإنحرافات. وسنحاول دراسة جذور هذه الظاهرة، علنا نساهم في إمكانية إيجاد حلول للأمراض التي تعاني منها أمتنا.
تحليل أي ظاهرة أو رأي يتطلب من المحلل الإنطلاق من ثوابت معينة للحكم على هذه الظاهرة أو الأمر. والثابت لا يمكن التعامل معه إلا على هذا الأساس. أما التعامل مع الأمور من دون الإنطلاق من ثوابت معينة، لا يمكن أن يؤدي إلى نتائج يمكن الركون إليها في عملية إصلاح النفس أو الأمة، أو حتى، على الأقل، الإتفاق مع الآخرين على ممارسة معينة ذات طابع جماعي.
وحيث أن الظاهرة المسيطرة في بلادنا هي ما اصطلح على تسميته الإرهاب الإسلامي، من هنا ضرورة التحدث عن جذور هذه الظاهرة حتى الوصول إلى ما هو عليه مجتمعنا اليوم.
1 – الثابت بالنسبة لجميع المسلمين هو القرآن والسنة. ولكن التعامل مع هذين الثابتين بنفس المستوى من الوثوق النقلي هو الإنحراف الأول عن جادة الصواب. فالقرآن هو الثابت المطلق لأنه وصلنا بالتواتر من مصادر متعددة. واتفق جميع المسلمين على أن القرآن هو الذي بين يدينا الآن. أما بالنسبة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصلنا منها بالتواتر إلا عدد محدود من الأحاديث. ولكن أكثر الأحاديث هي أحاديث آحاد. صحيح أن علماء الحديث كانوا يقوون من صحة الحديث بأحاديث أخرى مشابهة، ولكن لا يمكنها أن تصل إلى قوة التواتر التي يتمتع بها القرآن. من هنا أصبح لزاماً علينا أن نسمي القرآن هو الثابت المطلق، والسنة هي الثابت النسبي. الثابت المطلق يكون المعيار الذي على أساسه يمكن قياس صحة الثابت النسبي.
الإنحراف الآخر والذي لايقل خطورة عن الإنحراف الأول، هو إنكار السنة. فإنكار السنة هو إنكار عملي لما قام به النبي صلى الله عليه وسلم، والذي يثبت القرآن تفاصيل كثيرة لهذه الممارسة. هذا إذا لم يكن هناك إنكار فعلي لوجود النبي عليه السلام بالأساس. خطورة هذا الموضوع، بالإضافة إلى إنكار الرسالة، وهذا يناقض القرآن، يتضمن إمكانية الشخص على فهم القرآن بدون ضوابط السنة المؤكدة من خلال القرآن أو عدم تناقضها مع القرآن الكريم. والأمثلة على ذلك كثيرة. يقول تعالى:  لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم. (المائدة 73). عندما لم يتعامل النبي عليه السلام مع المسيحيين على أنهم كفار، هل هذا يعني أنه خالف الكتاب؟ ليس الأمر كذلك، ولكن علينا الإلتزام بما فعله النبي عليه السلام إزاء المسيحيين وهو التعامل معهم على أنهم أهل كتاب والتعامل معهم يتم على الأسس التي تعامل بها النبي. أما من حيث الكفر فيمكننا الكلام عن كفر اعتقادي خاص بكل فرد وهذا علاقته مع الله تبارك وتعالى، ولا دخل فيه للمؤمنين. فقتل المسيحيين على أنهم كفار فيه مخالفة صريحة لممارسة أسوة المؤمنين الحسنة بنص الكتاب أي الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهناك انحراف آخر، وهو جعل النسبي ثابتاً. وهذا ينطبق على النظر إلى اجتهاد العلماء. فأكثر الناس يعتبرون ما جاء بتفسير الكتاب أو السنة عند االعلماء ثابتاً يجب الإلتزام به. وهذا ينطبق على الفتاوى التي جاء بها العلماء منذ مئات السنين ولا يزال علماؤنا يلتزمون بها على أنها كتاب أو سنة، طبعاً من دون قول ذلك! إذا كان هناك ثابت ومتغيران، فكيف تكون الفتوى ثابتة: الكتاب والسنة كثابت والإنسان والعصر كمتغيرين. هذا لا يعني عدم الإستئناس برأي العلماء السابقين.
يضاف إلى ما تقدم، الشروط التي يضعها العلماء للسماح للناس بالنظر إلى القرآن أو الحديث. شروط مؤداها ضرورة وجود إكليروس يسمح للناس للدخول إلى القرآن أو السنة من خلالهم. يقول تبارك وتعالى: ( وإنه لتنزيل رب العالمين ( 192 ) نزل به الروح الأمين ( 193 ) على قلبك لتكون من المنذرين ( 194 ) بلسان عربي مبين ( 195 ) ) (الشعراء). وهذا يعني أن معرفة اللسان العربي هي الطريق لفهم القرآن الكريم. وهذا لا يعني أبداً عدم الإستعانة بما جاء به علماؤنا الأوائل!
وفي هذا المقام، لا بد من الإشارة إلى مسألة هامة: هل يمكن القبول بفتوى صدرت في عهد الظلم وتطبيقها في العصر الذي يتمتع فيه الناس بهامش لا بأس به من الحرية؟ بدأ عهد الظلم في بلاد المسلمين منذ تحولت السلطة إلى ملك عضود. كما أن الفتوى لا يمكن أن يكون حكمها مطلقاً وإلا تحولت إلى قرآن أو سنة مؤكدة بمعيار القرآن.
2 – ممارسة الإنسان في هذه الحياة تنطلق من ركائز ثلاث: الثابت، العصر والإنسان. القرآن والسنة لا يتغيران. ولكن العصر والإنسان يتغيران باستمرار. وعندما لا يؤخذ هذا الأمر بعين الإعتبار نكون قد أسسنا لانحراف جديد. عند عرض أي قضية مستجدة على الثوابت، لا بد من معرفة أصحاب هذه القضية معرفة دقيقة (علاقاتهم، وجوه المعاش، موقعهم الإجتماعي، موقعهم السياسي...) إضافة إلى معرفة ميزات العصر الذي نعيش فيه (النظام الديكتاتوري غير النظام الديموقراطي، الإشتراكي غير الرأسمالي...). والحكم على قضيتين تبدوان متشابهتين يكون مختلفاً باختلاف العصور، أو باختلاف أبطال القضية. من هنا لا يمكن أن يحمل القياس صفة الإطلاق. لذلك نقول أن التسميات لا يمكن أن تُطلق جزافاً (مجتمع جاهلي، دار كفر، دار إيمان...).
هنا نصل إلى نتيجة هامة وهي أن الأحكام تكون دائماً نسبية أي تتعلق بالإنسان وبالعصر. الإطلاق يعني نفي وجود الإنسان الحر المسؤول والمجتمع.
3 – التشدد، والمقصود هو اختيار المرء الصعب دائماً. وهذا ينطبق على نظرته للأمور الحياتية. فعندما يطلب النبي عليه السلام مراعاة الأضعف في الصلاة، وعندما يطلب التيسير وليس التعسير، يطلب ذلك لأنه يعرف حقيقة المجتمع. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطبق هذه الأمور حتى في الغزوات، فكان يفضل على الأغلب الحلول السلمية. إن الإتجاه المتشدد هو ولادة الخلافات مع الآخرين وعدم معرفة التعامل مع المختلفين. إن النمط هذا لا يعرف إلا الحسم. يقول تعالى بحرية الإيمان والكفر ولكن بعض الناس يقتلون كل من يختلف عنهم محملين الله ورسوله، زوراً، مسؤولية أعمالهم. وهذا الإنحراف هو الذي يؤدي إ لى هذه القرارات المدمرة.
4 – العزلة عن المجتمع هي التي تؤدي، بالإضافة إلى عوامل أخرى للإنحراف. عندما لا يقوم المكلفون بالعمل على إيجاد الحلول للمشاكل التي يعاني منها الناس، لا يمكنهم الدعوة إلى نظام اجتماعي عادل، وذلك لجهلهم بما هو قائم. إن ملاحقة القضايا اليومية للناس يؤدي إلى نوع من الإلفة مع الآخرين مما يؤدي إلى استبعاد النفسية الإستئصالية. لذلك يقول تبارك وتعالى: فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم!
5 – رفض الثوابت وهو عامل هام في الإنحراف. هناك دعوات للتعامل مع ثوابت أمتنا على أنها ذات طابع تاريخي، بمعنى أنها قابلة للخطأ والتصحيح. أما حجتهم أن الفلسفة الأوروبية ترفض المعطى الذي يحمل صفة الحقيقة المطلقة. أين المصيبة؟ إذا كان كانط لا يؤمن أو فوكو لا يؤمن أو أن هابرماس يكفر، فهم أحرار ولا يمكنهم أن يفرضوا علينا أدواتهم لدراسة القرآن أو السنة. ونحن لسنا معقدين حتى نطلب منهم صكاً بقبولهم إيماننا. ما نقبله أن يحاكموا برامجنا السياسية بالأدوات المنهجية التي يريدونها ونحن نتقبل هذه النتائج برحابة صدر وبشكر لهم لأنهم ساهموا بإغناء وعينا ومعرفتنا. ولكن الثوابت الإيمانية فهي قناعات خاصة ليس للآخرين دخل بها.
الحياة تتسع لكل الناس. وما من أحد مسؤول عن حياة الآخرين. التعامل بين الناس يتم تبعاً لقواعد معينة. ليس بإمكان أحد أن يُنهي الآخر. وهذا الإتجاه مرفوض من وجهة نظر إعتقادية. غير مسموح لأحد أن يكفر الآخرين لأن المؤكد أنه وقع في الكفر. ورفع هذا الشعار يعني حرباً أبدية لصالح أعداء الأمة. السنة والشيعة موجودون منذ أكثر من 14 قرناً ورغم كل الحروب لم يتمكن أحد من إنهاء الآخر. الأوروبيون تقاتلوا لأسباب مذهبية أكثر من مئة سنة وتخلوا عن الحرب وراحوا يجدون حلول مشاكل الأرض على الأرض وليس في السماء. أما المسلمون يريدون أن تكون حروبهم أبدية وينظرون لهذا الأمر بكل جرأة.
هناك خلافات سياسية يسميها البعض حلف الممانعة ضد الحلف الأمريكي الصهيوني (!). فليتقاتلوا على هذا الأساس. لأن هذا النوع من القتال يؤسس لإمكانية تفاهم. هناك من تصالح مع الشيطان. فهل الشيطان مؤمن؟
حتى تنهض الأمة، لا بديل عن إيجاد دليل عمل (برنامج سياسي) لإستنهاض الأمة يتخلى عن جميع المصطلحات التي أسست لتفريق الأمة لصالح أعدائها. هذا العمل لا يتطلب إلا النية الصالحة والتوكل على الله والإنفتاح على جميع مكونات شعبنا، بصرف النظر عن ديانتهم أو مذهبهم. ولكن بالتزام على حل مشكلة الإحتلال الصهيوني وجميع الإحتلالات الأخرى وإن كانت بأشكال مختلفة.
                                                                         2 أيلول 2015