بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الخميس، 15 يناير 2015

شارلي إيبدو



                            شارلي إيبدو كمدخل لسياسة التدخل الإستعماري
البوليس الفرنسي اعترف بتقصيره. سبعة عشر قتيلاً سقطوا نتيجة تقصير. لم يتحدث أحد عن البدء بمحاكمة المقصرين.
أكثر من ثلاثة ملايين شاركوا في مهرجانات الكراهية ضد الفرنسيين من أصل إسلامي. وإذا سألتهم عن السبب، يقولون الإرهاب، من دون مناقشة سبب وجود الإرهاب ومن الذي أوجده. كما وأنهم لم يناقشوا على من تقع مسؤولية التقصير، وإن كان متعمداً، أم كان بنتيجة الإهمال.
وقد اتخذت السلطات الفرنسية إجراءات أمنية بإنزال عشرة آلاف جندياً وحوالي ألفي شرطياً لحماية المدارس اليهودية وأماكن عبادتهم، علماً أنه وقع 54 اعتداءً على مراكز إسلامية وليس يهودية!!!!
استعرضنا هذه الأوضاع بالرغم من خوفنا الشديد من الصحفيين وكتاب الرأي، اليساريين منهم واليمينيين، الذين طالبوا باستنكار ما حصل مع صحافيي شارلي إيبدو (من دون ولكن). والمؤسف حقاً أنهم سيضطرون للقول "ولكن" بعد ما رأوا مهزلة استنكار مقتل 17 شخصاً من قبل قادة الإرهاب العالمي. لن أقول على رأسهم نتنياهو، لأن البركة فيهم جميعاً.
محطات
1 - نابليون بونابارت حاول حل المسألة اليهودية بأن توصل الى عقد مع اليهود في سنة 1807 حيث جمع في بلدية باريس المؤسسة الدينية ليهود فرنسا السانهدرين Sanhedrin لتحويل يهود فرنسا إلى "مواطنين صالحين"، وذلك عبر تكييف أحكام الشريعة اليهودية مع القيم الفرنسية العلمانية، ليصبح اليهود جزءًا من الأمة الفرنسية بعد أن كانوا في العهد البائد مجموعة دينية منطوية على نفسها. ردّ السانهدرين بالإيجاب على مطلب نابليون وقامت سنة 1808 مؤسسة الكونسيستوار  (consistoire) وأعلنت أنّ المظاهر السياسية للتوراة لم تعد صالحة  (valides)، لأنّ اليهود لم يعودوا يشكلون أمة (nation) . لذلك تمّ التخلّي عن كل شكل من الاستقلال الشرعي اليهودي.
ومن الجدير ذكره أن ماركس والآخرين قد أصدروا كتبهم عن "المسألة اليهودية" بعد هذا التاريخ بكثير وهذا دليل أن هذا الاتفاق لم يدفع اليهود الى القبول بالاندماج في المجتمع الفرنسي.
منذ أسبوع، وصل نتنياهو إلى باريس وطلب من يهود فرنسا الهجرة إلى فلسطين المحتلة (وكأنها ملكه) والإستيطان فيها. ولم يشعر رئيس فرنسا هولاند ولا رئيس وزرائه فالس بالإهانة من تصرف نتنياهو. إنما رد عليه فالس قائلا أن فرنسا لا تعود فرنسا من دون اليهود. ولم يكتف رئيس وزراء العدو بذلك، ولكنه نقل جثامين الموتى اليهود ودفنهم في القدس المحتلة.
وإمعاناً في المذلة أعلنت عن إجراءات خاصة لحماية اليهود. دولة علمانية ، حسب زعمها منذ 1807 كما قال نابوليون، تتحدث عن اليهود وليس عن مواطنين فرنسيين.
2 – قام مواطنان فرنسيان بعملية إرهابية أوقعت عدداً من الضحايا، من بينهم مواطنان مسلمان، بالإضافة إلى ثلاثة إرهابيين فرنسيين مسلمين.
قالت السلطات الفرنسية العلمانية التي تحترم جميع الأديان، أن الإعتداء الإرهابي قام به متطرفون إسلاميون، ووقع ضحيته عدد من الصحافيين والشرطة.
الإرهابيون أعطتهم السلطات الفرنسية المنحازة ضد الإسلام صفة الإسلاميين، ولكن الضحايا المسلمين الذين كانوا يدافعون عن المجلة الساقطة، لم تعطهم الصفة الإسلامية. أي أن هذه السلطات تريد أن تقول أن الإرهاب إسلامي ومن يجابه الإرهاب فرنسي. لو أن هذه السلطات عادلة لقالت قام إرهابيون فرنسيون لكنتهم باريسية باعتداء إرهابي على مجلة ساقطة فرنسية وقع نتيجته عدد من الضحايا، (ويمكنها أن تضيف أبرياء، إن أرادت ذلك).
3 – جمعت السلطات الفرنسية عدداً لا بأس به من قادة الإرعاب في العالم للإحتجاج على الإرهاب. الإرهاب الذي رعوه حق رعايته ثم وزعوه على العالم، عالمنا. لا يريدون الإحتجاج على قتل إسرائيل أكثر من ألفي بريء من أهالي غزة وتهديم بيوتهم. هؤلاء الذين يعيشون في العراء في هذا البرد غير المسبوق. في نفس اليوم لعملية باريس قُتل 37 يمنياً نتيجة عمليات إرهابية. لم يسمع بهم أحد. لماذا؟ حقوق الإنسان تكون للجنس الغالي واليهودي فقط في فرنسا وبقية السكان الفرنسيين محرومون منها!
4 – من تحدث عن سبب الإرهاب؟ لا أحد! لأن الكلام عن سبب الإرهاب يدين قادة الإحتجاج عليه. يقول بعض الكتاب من أبناء جلدتنا وأبناء جلدتهم: لا تتحدثوا عن الحرمان والتهميش. لأن الحديث عن الحرمان يدين ممولي الإرهاب الإعلامي. منذ زمن بعيد تقوم السلطات الفرنسية باستثمار المهمشين في عملياتها الخاصة. إنهم عدتها في العمليات المشبوهة. هي تعرفهم جميعاً. أحد الثلاثة الذين قتلوا يحمل سواراً إلكترونياً. السلطات الأمنية الفرنسية تحدثت عن تقصير أمني. التقصير الأمني الذي يذهب ضحيته أكثر من سبعة عشر إنساناً يكون خبراً من سطر واحد في الصحف؟!
وبعد كل هذا تتحدث عن ضرورة حماية المجتمع من الإرهاب الإسلامي، وليس عن الإرهاب الذي يسببه الحرمان والتهميش لفئة كبيرة من المجتمع تسمح لها السلطات بالقيام بجميع الأعمال المشبوهة حتى تستخدمها عند الحاجة.
5 – ما تريده فرنسا ومعظم الدول الأوروبية، في أزمتها الإقتصادية الراهنة أن تتمكن من سرقة مكتسبات الطبقة العاملة الأوروبية. هذه الطبقة التي قدمت مئات الآلاف من الضحايا حتى تمكنت من الحصول على جزء من حقوقها يؤمن لها مستقبلاً يُغنيها عن مد اليد عند التقاعد. وبما أن اليد العاملة المهاجرة تتمتع بنفس هذه المكتسبات، فلا بد من أن تعيش بعدم استقرار وظيفي مما يجبرها على العمل من دون ضمانات، اي العمل بصورة غير شرعية. وبذلك تحصل الطبقة الرأسمالية على مكسبين في الآن نفسه: خوف الأوروبيين على مكتسباتهم، وخوفهم على فرص العمل التي يحصل عليها المهاجرون. ومن جهة ثانية، يقبل المهاجرون بأجور زهيدة ومن دون ضمانات خوفاً على فرص العمل غير المؤمنة في بلادهم الأصلية. ليس هذا فحسب، بل إن الطبقات العاملة بدلاً من أن تناضل مجتمعة من أجل الحفاظ على مكاسبها والحصول على شروط أحسن للإستخدام، ترى نفسها مجبرة للنضال ضد استخدام القوى العاملة الأجنبية الوافدة.
إن شيوع هذا الجو العنصري بين الشعوب الأوروبية يجعلها ترى الأمور على غير حقيقتها، فتتناسى مآسيها من أجل الدفاع عن قيمها المزيفة، قيم العولمة النيوليبيرالية، كما يصورها الإعلام الذي يدافع عن استغلال الطبقات المسيطرة للطبقات الكادحة...
الإسلاموفوبيا هو استثمار من قبل الذين اجتمعوا في باريس، على مستويات مختلفة، ضد الشعوب المستضعفة، وضد شعوبها بشبهة تناقض المصالح بين الوافدين والسكان الأصليين في البلدان الأوربية.
6 – ليس هذا فحسب، بل هناك أمر هام لا تجرؤ السلطات على التصريح به إلا في أجواء متوترة، وهو حاجة المستثمرين الفرنسيين لحماية مصالحهم في المستعمرات السابقة، وخاصة في دول الساحل الأفريقي. ففرنسا بحاجة إلى بعث جيشها في مهمات قتالية في شمال النيجر حيث مناجم الأورانيوم وإلى مالي وجنوب ليبيا. الشعب الفرنسي لن يقبل بهذه المهمات الإستعمارية التي لن يكسب منها شيئاً سوى تقديم القتلى لحماية مصالح الرأسمال المعولم. ولكن جو الكراهية والعنصرية يسمح لهذه السلطات بأخذ القرار الذي يناسبها وبترحيب من الناس.
رئيس فرنسا الذي يحكم الآن ب12% حسب استطلاعات الرأي سيصبح بطلاً قومياً بفضل استثمار الكراهية وبحجة القضاء عليها.

سهم نتنياهوأأأت

ليست هناك تعليقات: