بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الثلاثاء، 23 مايو 2023

غزوة بدر الكبرى

 

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2008

تحديث

غزوة بدر الكبرى
حسن محمد ملاط
توطئة:
سأبدأ دراستي هذه بكلام للدكتور "أحميدة النيفر" رئيس قسم الدراسات الاسلامية في جامعة الزيتونة في تونس. يقول متحدثاً عن الشيطان في الخطاب الاسلامي:{ان الشيطان في الفكر الإسلامي يمكن أن يُعتبَر أحد الأبعاد المؤسّسة لمنزلة الآدمي الوجودية. لا أدل على هذا المعنى من الآية الكريمة التي تقرن بين سعي الشيطان وحرية الإنسان: " وما كان لي عليكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسَكم". أكثر من آية قرآنية تؤكد أن كيد الشيطان ضعيف وأن وسواسه لا يمكن أن يؤثر إلا في النفوس المستكينة والعقول الساذجة وأن تجنب غوايته ليس متعذرا.
ما يعنينا في هذا الجانب الأول أن التوجه الذي ساد في أدبيات الفكر الإسلامي قديماً و حديثاً نادراً ما كان يعالج الحضور الشيطاني كما حرص عليه السياق القرآني الذي اهتم به أساساً من زاوية دلالته البيداغوجية لتربية الجنس البشري.
أغلب ما انساق فيه الباحثون عند معالجة الموضوع كان إعراضاً عن الخطاب القرآني في تأسيسه لحرية الآدمي كقيمةًٍ مركزيةٍ لمشروع استخلافه في الأرض.
بتعبير آخر، ظل موقع الشيطان يفضح مفارقة انساقت فيها عموم أدبيات الفكر الإسلامي، إذ صار هذا الكائن شديدَ الالتصاق بالمسحة العجائبية المروّعة التي طبعته بها الوثنية العربية وما ركّزه فضاء التصورات القديمة لشعوب ما بين النهرين وما رفدها من رؤىً وافدةٍ من الهند.
لقد تضاءل المقصد الأخلاقي للعبارات القرآنية المفيدة بأن الشيطان مذمومٌ مدحورٌ وأنه سرعان ما يخنس ويتراجع و أنه يتحالف مع نظرائه من الإنس وأن الاستعاذة مما يسوّله أمر ممكن، تضاءل هذا المقصد ليتضخّم على حسابه خنوعٌ مفزعٌ يستهين بالذات الآدمية وإرادتَها وحاجتَها إلى روحيةٍ إيجابيةٍ تدعم مسيرتها الاستخلافية.
أكثر من هذا، لقد ساهم في هذا النكوص عددٌ من أصحاب المعاجم اللغوية الذين اعتبروا لفظة الشيطان مشتقة من الجذر "ش ط ن "، وأن الشطن هو " الحبل الطويل الشديد الفتل". لم يعتنوا بأن الكلمة دخيلة على العربية فلا حاجة إلى هذا التعسّف في إرجاعها إلى ثلاثي يتضمن دلالة القوة والشدة }.

المقدمة :
انها وقفة مع أناس عرفوا حجم الشيطان وعرفوا كيف يتعاملون معه. هذه الدراسة لا ترتدي الطابع الأكاديمي ، إذ إنها لا تهدف إلى كشف جوانب خفية من هذه الغزوة لمّا يتمكن علماء التاريخ من كشفها . ولكنها دراسة هادفة لاستخلاص بعض الدروس التي تعين العاملين في حقل الدعوة إلى الله ، وكذلك لمعرفة السنن الإلهية على صعيد المجتمع ، تلك السنن التي تمكن الدعاة إلى سبيل الله من العمل باتجاه تغيير المجتمع في المنحى الصحيح الذي يحقّق العدل لجميع أبنائه . وذلك إذعاناً لأمر الله تبارك وتعالى ونبيه المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) بإقامة دار الإسلام .
ودراسة تاريخ الأمم والشعوب أمر هام لاستخلاص الدروس والعبر حتى لا نقع في الزلل . كما وأن هذه الدراسة أمر حثّ عليه القرآن الكريم في العديد من آياته الكريمة : يقول الله تبارك وتعالى : ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلهم كانوا أَكثَر منهم وأشدَّ قوةً وآثاراً في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون * فلمّا جاءتهم رسلُهم بالبيّنات فرحوا بما عندَهم من العِلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * فلمّا رأوا بأسَنا قالوا آمنّا بالله وحدَهُ وكفرنا بما كُنّا به مشركين * فلم يكُ ينفعُهم إيمانُهم لمّا رَأوا بأسنا سنةَ الله التي قد خلت في عباده وخَسِر هنالِك الكافرون )(1).
كما أنّ دراسة التاريخ أمر يشترك فيه جميع الناس ، ولا يختص به المسلمون . أما ما اختص به المسلمون ـ من حيث إنهم إذا تركوه أو تجاوزوا عنه ، أصبحوا آثمين ـ هو موضوع التأسي برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . يقول تبارك وتعالى : (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) .
من هنا كانت دراستنا لغزوة بدر أمر لابدّ منه إذعاناً لأمره تعالى؛ ذلك لمعرفة كيفية طاعة الرسول المصطفى على صعيد بناء المجتمع ومجابهة الأعداء ، وتحديد الأولويّات في العمل السياسي من جميع جوانبه .
بدايات بدر :
1
ـ المستوى الفكري والنظري :
أمضى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أكثر من عشر سنوات في مكّة بعد بعثته يربي أصحابه على الإسلام ، وكان القرآن الكريم ينزل عليه . والمسلمون يدرسونه ويتدبرونه . وهذه الفترة وما تلاها في المدينة المنورة يمكننا تسميتها البدايات النظرية للمعركة مع المشركين . يقول تبارك وتعالى : ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله واللهُ مع الصابرين )(2) ، فالنصر ليس حكراً على الكثرة ، ويمكن للقلة إذن أن تكسب النصر في شروط معينة ، وهذا واضح تاريخياً . والقرآن الكريم زاخر بالأمثلة . فتجارب الأنبياء مع أقوامهم كانت الغذاء الروحي للمسلمين في مكة . وكان النصر من نصيب المؤمنين مع أنهم كانوا قلة .
ما تقدم لا يعني بالضرورة أن شروط النصر للقلة على الكثرة هي قيادة أحد الأنبياء لها أو إيمانها بالتوحيد ، لأنّ اعتماد هذين الشرطين يجعلنا قاصرين عن تفسير إمكانية انتصار فئات كافرة على فئات كافرة مثلها . إذن هناك سنن إلهية للنصر ، من يلتزم بها يحرز الانتصار ومن يتجاوز عنها أو يهملها يكون نصيبه الهزيمة .
فالنصر والهزيمة حدثان سياسيان أو عسكريان . حدثان تاريخيان تنطبق عليهما قوانين التاريخ والقوانين العسكرية وجميع السنن الإلهية لتطور المجتمعات ، ومن ضمنها العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية . والمؤمن عليه اكتشاف هذه القوانين والسنن ، يقول تبارك وتعالى : ( ... وتلك الأيام نداولها بين النّاس ... )(3).
أيام تتداول بين الناس يعيش الناس في مذاهب مختلفة على أرض واحدة . منهم المؤمن ومنهم الكافر والمنافق والفاجر . ولكل مجتمع لابدّ من مهيمن . ولكن الهيمنة ليست مطلقة ، وكذلك التداول ، ولكنهما محدودان وموقوفان على : ( وليعلمَ اللهُ الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ... )(4) . إذن التداول سيظل حتى يتسلم المؤمنون قيادة هذه المجتمعات ، المؤمنون الذين يستوعبون الدروس الإلهية الموجودة في كتاب الله :
يقول تعالى : ( أَولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلهم وكانوا أشدَّ منهم قوّة وما كان الله ليعجزَهُ من شيء في السماوات ولا في الأرض ، إنّه كان عليماً قديراً )(5).
ويقول تعالى : ( أوَلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلهم كانوا أشدَّ منهم قوةً وأثاروا الأرضَ وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلُهم بالبيّنات فما كان اللهُ ليظلمَهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )(6).
ويقول تعالى : ( ظهر الفسادُ في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس لِيُذيقَهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون * قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلُ ، كان أكثرهم مشركين )(7).
ويقول تعالى :( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءَهم الهُدى ويستغفروا ربَّهم إلا أن تأتيهم سنّةُ الأوّلين أو يأتيهم العذابُ قُبُلا)(8).
ويقول تعالى : ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبةُ المكذبين * هذا بيانٌ للناس وهدًى وموعظةٌ للمتقين )(9).
لا بيان أوضح مما رأينا . إن الله ـ عزّ وجلّ ـ يحث قارئي القرآن على دراسة تاريخ الأمم الخالية حتى يتمكنوا من استيعاب الدروس والعبر والقوانين التي تمكنهم من النصر . إن معرفة الأخطاء التي وقع فيها الأولون تمكن المؤمنين من تجنبها لأن المؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرّتين . كما أن استيعاب هذه الأخطاء وأسبابها لا يعفي المؤمن من التفتيش على السنن التي تمكنه من تسخير ما منَّ الله عليه . ذلك أن السنن التي خلت من قبل هي هدًى وموعظةٌ للمتقين ، كما أنها بيان للناس أيضاً . وهذا يعني أن للكافر حظاً في الاستفادة من هذه السنن إن أراد ذلك . فإن سنن النصر نجدها في كتاب الله وسنة نبيّه المصطفى وفي تاريخ الأمم السالفة ، وما تقدم يجعلنا نقول بأن المسلمين عندما مضوا إلى يوم الفرقان ، يوم بدر ، كانوا مفعمين بالإيمان وبالوعي النظري بإمكانيّة النصر ، أو على الأصح بأرجحية النصر . إذ إنهم كانوا قد استوعبوا دروس الأمم التي خلت من خلال القرآن الكريم ومن خلال قيادة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
2
ـ المستوى العملي :
بدايات بدر على المستوى العملي تبدأ حسب رأينا منذ مدّة بعيدة ، منذ بيعة العقبة الثانية ، بيعة القتال .
أ ـ بيعة العقبة الثانية :
كانت بيعة العقبة الأولى لا تتضمن أيّ كلام عن القتال . بينما بايع الأوس والخزرج النبيَّ في العقبة الثانية على القتال . قال النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : « أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون نساءكم وأبناءكم » . فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : « نعم ، والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعنّك مما نمنع منه أُزُرَنا ، فبايعْنا يا رسولَ الله ، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر » . ثم قال رسول الله بعد كلام للأنصار : « بل الدّم الدم والهدم الهدم ، أنا منكم وأنتم منّي ، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم »(10).
هذه البيعة بحقيقتها تجميع لقوى الإيمان ضد قوى الشرك . ويوم بدر هو يوم الفرقان .

ب ـ الهجرة :
الهجرة في حقيقتها هي الخطوة الأولى على طريق إقامة دار الإسلام في المدينة : القاعدة الآمنة التي ينطلق منها المؤمنون لقتال المشركين . وقد أحسّ مشركو قريش إحساساً حاداً خطورة الهجرة . يقول تعالى : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليُثبتوك أو يقتلوك أو يُخرجوك ويمكرون ويمكر اللهُ ، واللهُ خير الماكرين )(11) . أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن نفراً من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة فاعترضهم ابليس في صورة شيخ جليل فلمّا رأوه قالوا : من أنت ؟ قال : شيخ من أهل نجد سمعت بما اجتمعتم له فأردت أن اُحضركم ولن يعدمكم منّي رأي أو نصح ، قالوا : أجل فادخل . فدخل معهم فقال : اُنظروا في شأن هذا الرجل (محمد) ، فقال قائل احبسوه في وثائق ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير ونابغة ، فإنما هو كأحدهم ، فقال عدو الله الشيخ النجدي : لا والله ، ما هذا لكم برأي ، والله ، ليخرجنّ رائد من محبسه إلى أصحابه فليوشكنّ أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم ، ثم يمنعوه منكم ، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم ، فانظروا في غير هذا الرأي . فقال قائل : أخرجوه من بين أظهركم واستريحوا منه فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع ، فقال الشيخ النجدي : والله ، ما هذا لكم برأي ، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذه للقلوب بما يستمع من حديثه ؟ والله ، لئن فعلتم ، ثم استعرض العرب ليجتمعن عليه ثم ليسيرن إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم . قالوا : صدق والله ، فانظروا رأياً غير هذا . فقال أبو جهل : والله ، لأشيرنّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد ، ما أرى غيره قالوا : وما هذا ؟ قال : تأخذون من كل قبيلة وسيطاً شاباً جلداً ثم نعطي كل غلام منهم سيفاً صارماً يضربونه ضربة رجل واحد ... (تفسير الجلالين أسباب نزول الآية 20 من الأنفال) . نقلنا هذا الكلام الطويل لأهميته وخاصة ما كان يقوله الشيخ النجدي ـ لعنه الله ـ بأن محمداً سوف يخرجهم من بلادهم إذا سمحوا له بالهجرة . لقد أحسَّ المشركون بخطورة هذه الخطوة (الهجرة) فكيف بصاحبها ؟
ج ـ الوثيقة بين المسلمين وغيرهم في المدينة :
ومن بنودها :
ـ المسلمون من قريش ويثرب ومَن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ، أمة واحدة من دون الناس .
ـ لا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن . (هدم العصبية القبلية) .
ـ يهود (بنو عوف) أُمّة مع المؤمنين ، لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (يهلك) إلا نفسه وأهل بيته .
ـ إن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم . وإن بينهم النصر على مَن حارب أهل هذه الصحيفة .
ـ كل ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده ، فإن مردّه إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ وإلى محمد رسول الله .
وهناك بند يمنع أي تعامل مع قريش .
إن أهمية هذه الوثيقة هي في جعل المدينة قاعدة آمنة للمسلمين في انطلاقهم لقتال المشركين ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية جعلت الوثيقة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المسؤول الحاكم وباعتراف الجميع ، وعلى اليهود نصرته في حال اعتدي على المدينة .
د ـ السرايا والغزوات : أهميتها تأتي من أنها حققت ما يلي :
1
ـ جعلت المسلمين متأهبين دائماً لجهاد الكفار .
2
ـ جعلت الكفار في وضع غير آمن وباستمرار وذلك لكثافتها .
3
ـ تأثيرها السلبي على حركة التجارة المكية علماً أن طريق الشام من مكة تمر في المدينة أو في محيطها .
4
ـ أتاحت للمسلمين عقد اتفاقات عدم اعتداء مع قبائل لم تكن على الإسلام مما أعطى المسلمين حرية أكثر في التحرك ضدّ المشركين ، خاصة مشركي قريش .
وإليكم هذه السرايا والغزوات :
1
ـ سرية حمزة بعد سبعة أشهر من الهجرة :
«
وخرج حمزة يعترض عير قريش ... وفيها أبو جهل بن هشام ، في ثلاثمائة رجل ... فالتقوا حتى اصطفوا للقتال ... ولكن لم يتم قتال . وكان المسلمون ثلاثين رجلا".
2
ـ سرية عبيدة بن الحارث :
«
بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، في ستين رجلا من المهاجرين ... فلقي أبا سفيان بن حرب وهو في مائتين من أصحابه ... فإنما كان بينهم الرمي ولم يسلوا السيوف ولم يصطفوا لقتال » . وكانت بعد ثمانية أشهر من الهجرة .
3
ـ سرية سعد بن أبي وقاص :
بعد تسعة أشهر من الهجرة ، لم يلتق قريشاً .
4
ـ غزوة الأبواء بعد سنة من الهجرة :
وتسمى غزوة ودان . وهي أول غزوة غزاها النبيُّ نفسه ، « وفي هذه الغزوة وادع مخشي بن عمرو الضمري ، وكان سيدهم في زمانه على أن لا يغزو بني ضمرة ولا يغزوه ، ولا يكثروا عليه جمعاً ، ولا يعينوا عدواً ، وكتب بينه وبينهم كتاباً » . وكانت غيبته خمس عشرةَ ليلة .
5
ـ غزوة بواط :
بعد ثلاثة عشر شهراً من مهاجره . خرج لاعتراض عير قريش ولكنه لم يلق كيداً .
6
ـ غزوة طلب كرز بن جابر الفهري :
راح في طلبه لأن كرزاً هذا أغار على أنعام المدينة وسرقها . وفي هذه الغزوة دلالة على أن المسلمين هم حكّام المدينة والمسؤولون عن أمنها .
7
ـ غزوة ذي العشيرة :
بعد ستة عشر شهراً ، لم يلتق قريشاً . « وفي هذه الغزوة وادع بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة".
8
ـ سرية عبد الله بن جحش الأسدي :
بعد سبعة عشر شهراً من الهجرة . بعثه النبيُّ في اثني عشر رجلا إلى بطن نخلة وهي قرب مكّة . فاستولى على العير وقتل واحداً هو ابن الحضرمي واسر اثنين . ولهذه السرية أهمية خاصة ، لقربها من مكّة ، وللقتل والأسر والمغانم التي حصلت فيها . وكذلك للأثر الذي تركته في نفسية مشركي قريش ، وقد كانت هذه الموقعة موضوعاً للتحريض في معسكر المشركين لمعركة بدر ضد المسلمين .
نضيف ملاحظة على هذه السرايا والغزوات أنها مكثفة جداً فهي تتم شهرياً . هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار صعوبة المواصلات. فهذا يعني أن كثافتها تشكل إرباكاً فعلياً للعدو ، مما جعل الأمن العسكري لقريش مهدداً وكذا أمنها الاقتصادي ، فقد باتت تجارة مكة غير آمنة وهذا ما يستتبع شللا اقتصادياً مما أثر على جميع عوائل مكّة.
غزوة بدر
أ ـ عشية الغزوة :
يقول أصحاب السير بأن النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج في أربعة عشر وثلاثمائة رجل فيهم من المهاجرين والأنصار، وهي الغزوة الأولى التي يخرج فيها الأنصار مع رسول الله . أما الغاية من خروجه فكانت الاستيلاء على قافلة لقريش آتية من الشام بقيادة أبي سفيان بن حرب. ومن الملاحظ أن النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبعث الأنصار قط لاعتراض عير قريش ، فلماذا أخذهم معه في هذه المرّة ؟ المهم أن قافلة أبي سفيان تمكنت من الإفلات . وعلم النبيُّ في هذه الأثناء أن قريشاً جمعت وهي آتية لقتاله . فعرض الأمر على أصحابه . يقول تبارك وتعالى : ( كما أخرجك ربُّك من بيتك بالحقِّ، وانّ فريقاً من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحقِّ بعدما تبيّن كأنما يساقون إلى الموت وهم يَنظرون) 12)) . أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن بالمدينة وقد بلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت : « ما ترون فيها لعل الله يغنمناها ويسلمنا ؟ » فخرجنا فسرنا يوماً أو يومين . فقال : ما ترون فيهم ؟ فقلنا : يا رسول الله ما لنا طاقة بقتال القوم إنما خرجنا للعير . فقال المقداد : لا تقولوا كما قال قوم موسى : ( اِذهب أنت وربّك فقاتلا إنا ههنا قاعدون )فأنزل الله الآيتين (تفسير الجلالين في أسباب نزول الآية 5 - 6 من الأنفال( .
من سياق هاتين الآيتين يتبين وكأن الله ـ تبارك وتعالى ـ ما أراد من خروج رسول الله إلا قتال المشركين . ويبدو هذا واضحاً في سياق الآية : ( إذ أنتم بالعُدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركبُ أسفلَ منكم ، ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضيَ الله أمراً كان مفعولا ليهلكَ مَن هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة وإن الله لسميعٌ عليمٌ )(13) . فالتقاء الجمعين تدبير من ربِّ العالمين . ولا غرابة في أن يكون الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ على علم من ربّه بهذا التدبير وإن لم يخبر أصحابه . وهذا بين في الآية التي يعاتب الله فيها المؤمنين : ( وإذ يعدُكم اللهُ إحدى الطائفتين أنها لكم وتودُّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريدُ اللهُ أن يحقَّ الحقَّ بكلماته ويقطعَ دابر الكافرين * ليحقَّ الحقَّ ويُبطل الباطل ولو كره المجرمون )((14.
مما تقدم يظهر بأن المعركة لابد من وقوعها بين المسلمين والمشركين وعن وعي من النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) . والظاهر أيضاً بل الجلي هو أن الله ـ تبارك وتعالى ـ قد تعهد هذه المعركة بالنصر. يقول تبارك وتعالى : ( إذ يريكهم الله في منامك قليلا ، ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور )(15) . ما رآه النبي من قلة عددهم يشدّ من عزيمته ويشدّ من عزيمة أصحابه ، ولكن بتدبير من ربِّ العالمين .
ب ـ معسكر المسلمين عشية المعركة :
جاء في طبقات ابن سعد (ص14) : « ومضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى إذا كان دون بدر أتاه الخبر بمسير قريش . فأخبر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه واستشارهم » . جاء في الطبري (ص424) : « أن أبا بكر قال: فأحسن . ثم قام عمر بن الخطاب فقال : فأحسن » . نعود إلى ابن سعد : « فقال المقداد بن عمرو البهراني : والذي بعثك بالحق ، لو سرت بنا إلى بَرك الغِماد لسرنا معك حتى ننتهي إليه » . ويضيف ابن سعد : « أنه بعد أن انتهى المقداد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أشيروا عليّ ، وإنما يريد الأنصار . فقام سعد بن معاذ فقال : أنا أُجيب عن الأنصار ، كأنك يا رسول الله تريدنا ؟ قال : أجل . قال : فامض يا نبي الله لما أردت ، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك ما بقي منّا رجل واحد . فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سيروا على بركة الله ، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، فو الله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" .
"
ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ يتحسّس أخبار قريش وعددهم عن طريق العيون التي بثّها »(16).
"
ونزل المسلمون عند ماء بدر واقترح سعد بن معاذ أن يبنى عريش للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يكون بمأمن فيه رجاء أن يعود سالماً إلى مَن تخلف من المسلمين في المدينة وأن لا ينكبوا بفقده »(17) وقام على حراسته سعد بن معاذ ومعه رهط من الأنصار .
وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد خلف على أهل العالية ، لشيء سمعه عنهم أحد صحابته ، والعالية هي قباء وخطمة ووائل وواقف وبنو أمية بن زيد وقريظة والنضير ، هذا حتى لا يترك مجالاً للمفاجآت تأتيه من خلف ظهره .
وليلة الموقعة غشي المسلمين نعاس فناموا . وأمطرت السماء مطراً خفيفاً ساعدهم على النشاط وطهرهم ، وثبت الأرض تحت أقدامهم . « فلما أصبح النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) صفّ أصحابه قبل أن تنزل قريش ، وطلعت قريش ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يصفف أصحابه ويعدلهم كأنما يقوم بهم القدح ، ومعه يومئذ قدح يشير إلى هذا تقدم ، وإلى هذا تأخر ، حتى استووا » (ابن سعد ص 15) . ثم دخل العريش يجأر بالدعاء متوجهاً بكليته إلى الله تبارك وتعالى : « اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها ، تُحادُّك وتكذّب رسولَك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، اللهم أحِنْهم الغداة »(18).
ج ـ المعركة :
وبدأ القتال ، قتال التوحيد ضد الشرك ، والايمان ضد الكفر ، وإليكم هذه الصورة من علي بن أبي طالب (عليه السلام) : «لما أن كان يوم بدر وحضر البأس التقينا برسول الله وكان أشدَّ الناس بأساً ، وما كان منّا أحد أقرب إلى العدو منه "(19 ). وهذه صورة أخرى من عمر بن الخطاب : « فلما كان يوم بدر نظرتُ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يثب في الدرع وثباً وهو يقول : سيهزم الجمع ويولون الدبر ، فعلمت أن الله تبارك وتعالى ، سيهزمهم »(20).
ولكن النبي عليه الصلاة والسلام مع محاربته للعدو كان يعود إلى العريش ويدعو ربه وباستمرار ، حتى أيده بالملائكة ، وكان الله ـ تبارك وتعالى ـ يبعث إليه بالوحي حتى تطمئن قلوب المؤمنين : ( إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مُردِفين * وما جعله الله إلا بشرى ولِتطمئنَّ به قلوبُكم وما النصرُ إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم )(21).
"
روى الترمذي عن عمر بن الخطاب قال : نظر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فاستقبل القبلة ثم مدّ يديه وجعل يهتف بربه : اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض . فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبلا القبلة حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءَه وألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبيَّ الله كفاك مناشدتك ربّك فإنّه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله الآية (الجلالين أسباب نزول الآية 9 من الأنفال) .
وقد وعد الله ـ تعالى ـ المسلمين بمساعدته من قبل ، يوم أن كانوا في مكة وهو يقصّ عليهم القصص للأمم السالفة حتى تكون لهم درساً وعبرة . يقول تبارك وتعالى : ( وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها)(22).
ويقول تبارك وتعالى :( ونُريدُ أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلَهم أئمةً ونجعلَهم الوارثين * ونُمكّن لهم في الأرض)(23) .
وكان الوحي يواكب المعركة والنبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يطمئن أصحابه ويحضهم على القتال : ( يا أيها النبيُّ حرّض المؤمنين على القتال ، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائةٌ يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنَّهم قومٌ لا يفقهون )(24) . وبما أن الخبر من المولى ـ عزّ وجلّ ـ معناه الأمر ; لذلك خفّف الله عن المؤمنين رحمة بهم : ( الآن خفّف اللهُ عنكم وعلِم أنَّ فيكم ضعفاً ، فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين ، وإن يكن منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين )(25) .
وكان النصر المبين للمسلمين في بدر .
د ـ جهاز المشركين :
بعد أن نجا أبو سفيان من المسلمين وقد كان بعث إلى قريش لنجدته ، تَهيَأت قريش جميعها لنجدته ، من دون استثناء . علماً أن هناك مصدراً يقول بأن بني عدي بن كعب لم يخرج منهم أحد(26). وتجمع جميع المصادر على أن أبا لهب ، عمَّ النبيّ ، لم يخرج وبعث مكانه .
جاء في سمط النجوم (ص15) : « فتجهز الناس سراعاً وقالوا : أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي ؟ كلا والله ليعلمن غير ذلك » . وكانوا يشيرون إلى سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه .
وجاء في الطبري : « فلمّا أتى قريشاً الخبر (خبر العير وتعرض محمد لها) نفر لها أهل مكة (ص422).
وجاء في البوطي : « فبلغ الخبر قريشاً ، فتجهزوا سراعاً ، وخرج كلهم قاصدين الغزو ، حتى إنه لم يتخلف من أشراف قريش أحد ، وكانوا قريباً من ألف مقاتل (ص57) . « ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا على المسير ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب والعداوة وقالوا : نخشى أن يأتونا من خلفنا . وكاد ذلك أن يثبطهم ويثنيهم »(27) . وفي هذا دلالة على التردد .
وسارت قريش تريد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي طريقهم عرفوا أن العير قد أفلتت من أيدي المسلمين ، عندها سرت بلبلة في صفوفهم . وكانوا قد نزلوا في الجحفة . ورأى أحد المشركين من قرابة رسول الله رؤية وكأن أئمة الكفر يقتلون . فبلغت هذه الرؤية أبا جهل فقال : « وهذا أيضاً نبيّ آخر من بني المطلب »(28) .
يقول ابن سعد (ص 14) : رجعت بنو زهرة من الجحفة ، أشار عليهم بذلك الأخنس بن شريف الثقفي . وكان بنو زهرة يومئذ مائة رجل وقال بعضهم : بل كانوا ثلاثمائة رجل . وكانت بنو عدي بن كعب مع النفير . فلما بلغوا ثنية لفت عدلوا في السحر إلى الساحل منصرفين إلى مكة ، فصادفهم أبو سفيان بن حرب فقال : يا بني عدي كيف رجعتم لا في العير ولا في النفير ، ويضيف ابن سعد : فلم يشهد بدراً من المشركين أحد من بني زهرة ولا من بني عدي".
وجاء في سيرة ابن هشام (ص271) قال الأخنس لبني زهرة : « يا بني زهرة ، قد نجّى الله لكم أموالكم ، وخلّص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل ، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله ، فاجعلوا لي جُبنها وارجعوا ، فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة (منفعة) ، لا ما يقول هذا ، يعني أبا جهل ، فرجعوا".
وقيل أن سبب رجوع الأخنس ببني زهرة : « أنه خلا بأبي جهل حين تراءا الجمعان فقال : يا أبا الحكم أترى أن محمداً يكذب؟ فقال أبو جهل : كيف يكذب على الله وقد كنّا نسميه الأمين لأنه ما كذب قط ، ولكن إذا اجتمعت في بني عبد مناف السقاية والرفادة والحجابة والمشورة ثم تكون فيهم النبوة فأي شيء بقي لنا ؟ »(29) .
ولهذه القصة أثر سيّئ على نفسية المشركين قيادة وعامة وذلك ليقينهم إنما يحاربون الله ورسوله ، وفي هذا دلالة على الإحباط الشديد .
"
ومضى القوم ، وكانت بين طالب بن أبي طالب ـ وكان في القوم ـ وبين بعض قريش محاورة فقالوا : والله لقد عرفنا يا بني هاشم ـ وان خرجتم معنا ـ أن هواكم مع محمد ، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع »(30) .
هـ ـ معسكر المشركين في بدر :
وعسكر المشركون بالقرب من بدر الذي كان قد وصلها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم في هذا الوضع المتفكّك نفسياً ، فما كان وضعهم بعد أن عسكروا ؟
"
فلما اطمأن القوم بعث المشركون عمير بن وهب الجمحي ، وكان صاحب قداح ، فقالوا : احزر لنا محمداً وأصحابه ، فصوب في الوادي وصعد ثم رجع فقال : لا مدد لهم ولا كمين ، القوم ثلاثمائة إن زادوا زادوا قليلا ، ومعهم سبعون بعيراً وفرسان . يا معشر قريش ، البلايا (جمع بلية وهي الناقة أو الدابة تربط على قبر الميت فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت) تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع . قوم ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم أما ترونهم خرساً لا يتكلمون ، يتلمظون تلمظ الأفاعي ؟ والله ما أرى أن نقتل منهم رجلا حتى يُقتل منّا رجل ، فإذا أصابوا منكم عددهم فما خير في العيش بعد ذلك . فروا رأيكم . فتكلم حكيم بن حزام ومشى في الناس ، وأتى شيبة وعتبة وكانا ذوي نقبة في قومهما فأشاروا على الناس بالانصراف ، وقال عتبة : لا تردوا نصيحتي ولا تسفهوا رأيي ، فحسده أبو جهل حين سمع كلامه ، فأفسد الرأي وحرش بين الناس ... وجاء عمير بن وهب فناوش المسلمين »(31) . وبدأت الحرب بعد مبارزة أبلى فيها علي (عليه السلام) بلاءً حسناً وقتل فيها أحد أئمة الكفر . بدأت الحرب التي جرّ أبو جهل قريشاً اليها كرهاً وخوفاً من الوهن والانقسام والتردد .
أما الغاية من الحرب كما حدّدها أبو جهل فهي : « والله لا نرجع حتى نرد بدراً فنقيم عليه ثلاثاً ، فننحر الججرزَ ونطعم الطعام ونُسقى الخمر وتَعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العربُ وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا »(32) . وفيهم أنزل الله تبارك وتعالى : ( ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاءَ الناس ويصدُّون عن سبيل الله ، واللهُ بما يعملون محيط)(33) .
لدينا الآن صورة واضحة لوضع المشركين المتفكّك قيادة وقاعدة . والذين يعيشون الخوف الحقيقي من المسلمين . أرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عماراً وابن مسعود ليروا وضع المشركين ليلة المعركة ، فقالا : « القوم مذعورون فزعون إن الفَرس ليريد أن يصهل فيضرب وجهه مع أن السماء تسح عليهم »(34) .
و ـ نتائج المعركة :
إذا افترضنا أن الوضع هو كما عرضناه وطرحنا السؤال : أيّ من الفريقين له الحظُّ الأوفر في الانتصار ؟ سيكون الجواب ومن دون تردّد أن الفوز سيكون من نصيب المسلمين . وفي هذا دلالة على أن المسلمين بقيادة النبيِّ صلى الله عليه وسلم قد أخذوا بالأسباب المادية للنصر . ولكن ، من وجهة نظرنا كمؤمنين ، الأخذ بالأسباب لا يعني حتمية النصر ، ولكنه يعني أن احتمال النصر هو الاحتمال الأوفر . والأخذ بالأسباب يسمى العزم ، يقول تبارك وتعالى : ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) .
بقي أن نستعرض العامل الحاسم في النصر وهو التوكل على الله. وما النصر إلا من عند الله .
يقول تبارك وتعالى : ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا ، فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين ، واللهُ يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار )(35) .
ويقول تعالى : ( وإذ يُريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولا ، وإلى الله ترجع الأمور)(36) .
ويقول تعالى : ( إذ يُغشّيكم النعاس أمنةً منه ويُنزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به ويُذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويُثبت به الأقدام )(37) .
ويقول تعالى : ( إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أني ممدّكم بألف من الملائكة مردفين)(38)
هذا السيل من الآيات يبين لنا وبوضوح كيف أن الله تبارك وتعالى قد تولى المعركة . وهذا ناتج من أن المسلمين قد حددوا هدفهم بنصرة دين الله . يقول تعالى : ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) وهذه سنة ثابتة أزلية من سنن النصر ، لا تتغير ولا تتبدل .
كما أن الدعاء هو من السنن الثابتة لتأييد الله عزّ وجلّ ، يقول تعالى : ( قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم )(39) . لذا رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يجأر في الدعاء قبل وأثناء المعركة : « اللهم إنّي أسألك عهدك ووعدك ; اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم »(40) .
إذن الغاية من القتال هي التأكيد على العبودية لله تبارك وتعالى. الشأن الذي خلق الله الخلق من أجله: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) .
المشركون موعودون بجهنم والمؤمنون موعودون بالجنة أو النصر. لمن الغلبة إذن ؟
والقرآن ، القرآن الذي وعاه المسلمون ، مسلمو بدر . كان يعدهم بالنصر لأنهم مستضعفون . قال النبيُّ في دعائه : « اللهم إنهم حفاة فاحملهم ، اللهم إنهم عراة فاكسهم ، اللهم إنهم جياع فأشبعهم » .
انهم مؤمنون : ( وكان حقاً علينا نصر المؤمنين )(41) ، ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا )(42) .
وانتصر المسلمون في بدر لالتزامهم بالسنن الإلهية للنصر : العزم والتوكل . الأخذ بالأسباب والدعاء .


ز ـ الأنفال :
بعد هذا الانتصار الباهر غنم المسلمون الكثير من الغنائم . واختلفوا فيما بينهم لمن تكون . كل يريدها له . فكيف السبيل إلى حلّ هذا الإشكال ؟ نعود إلى نقطة البدء . لقد قاتل المسلمون لإعلاء كلمة الله وليس للغنائم . لذلك جاء حلّ هذه المعضلة من عند الله : ( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذاتَ بينكم وأطيعوا اللهَ ورسولَه إن كنتم مؤمنين)(43) وهكذا حلّ الإشكال برضى جميع الناس . « سأل عبادة ابن الصامت عن الأنفال ; فقال : فينا أصحاب بدر نزلت ، حين اختلفنا في النَّفَل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، فجعله إلى رسوله ، فقسمه رسول الله بين المسلمين عن بواء . يقول : على السواء »(44) .
قاتل المسلمون لإعلاء كلمة الله . والأنفال هي أيضاً لله الذي لولا رحمته لم يكن النصر . يقول تبارك وتعالى : ( واذكروا إذ أنتم قليلٌ مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون )(45) .
لا خلاف إذن ، إيمان واحتساب وأخوة والرزق من عند الله. إنها التربية التوحيدية التي ترفع الإنسان إلى مستوى العبودية لله وحده ، أرفع مستوى يمكن أن يصل إليه الإنسان .
وكانت بدر يوم الفرقان كما أراد ربُّ العزّة ، وأصبح المسلمون كتلةً مهابة الجانب في شبه الجزيرة العربية ، يمكنها نشر التوحيد في شتى أنحاء البلاد دون خوف أو وجل .
دروس وعبر
إن الإحاطة بجميع الدروس والعبر والقوانين من هذه المعركة هي مهمة مستحيلة ، لأن السنة ثابتة لا تتغير ، ولكن ما هو خاضع للتغير والتبدل هو الإنسان والعصر . وبالتالي فإن تغير الإنسان والعصر يستتبع تغير الفهم لهذه القوانين تبعاً لتطور العلوم الطبيعية والإنسانية ، وتطور العلوم يعني تقدم إمكانية الإنسان على فهم أكثر اكتمال للسنن والقوانين الإلهية في الكون ، وفي الطبيعة والمجتمع .
وانطلاقاً من هذا الفهم سنحاول استخلاص بعض الدروس :
1
ـ المسلمون كانوا قلة وانتصروا في بدر . هل انتصار القلة على الكثرة قانون اختصّ به المسلمون دون غيرهم ؟ إذا كان الجواب بالايجاب . فكيف يمكننا تفسير انتصار الشعب الفيتنامي على أمريكا ؟ وكيف يمكن تفسير إنتصار إسرائيل على العرب؟
التفسير الممكن هو أن الله ـ تبارك وتعالى ـ قد جعل قوانين لتطور المجتمعات . وأن الفئة التي تتمكن من اكتشاف هذه القوانين وفهمها وتسخيرها يمكنها النصر . وهكذا يمكننا تفسير هزيمة المسلمين في أحد مع أنهم كانوا بقيادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكذلك يمكننا تفسير هزيمة الهنود الحمر أمام جلاديهم ومغتصبي بلادهم .
2
ـ تحديد الشيطان :
المؤمنون يحاربون الشيطان . ونحن كمؤمنين نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم يومياً . مَن هو الشيطان ؟ هل هو وهم أم واقع؟ علماً أن الله قد أعلمنا أن الشيطان يمكن أن يكون إنساناً أو مجموعة من الناس أو نظاماً إنسانياً ، كما أن الشيطان يمكن أن يكون من الجان . فإذا كان الشيطان من الجن فما علينا إلا أن نستعيذ بالله منه لأنه من الغيب ، الذي لا يمكننا رؤيته . وإن كان من الإنس فما علينا إلا تحديده ومحاربته . ومحاربته بالنسبة للمؤمنين أمر واجب ومستمر . لذلك رأينا الرسول الأعظم قد حدّد الشيطان للمسلمين عندما أعلن أن المعركة مع قريش : رأس الكفر . علماً أن الكثير من القبائل العربية كانت لا تزال على الشرك . ولكن معرفة الرسول بالعلاقات القائمة في الجزيرة العربية دفعته لمحاربة قريش إذ إن الانتصار عليها يعني تفكيك أو بالأحرى تدمير جميع أو معظم العلاقات الشركية القائمة في الجزيرة العربية . وتحديد الرسول كان موفقاً لأنه بعد الانتصار على قريش (فتح مكة) رأينا معظم القبائل تأتي إلى الرسول تُعلن إسلامها من دون قتال .
ولا بأس هنا من الإشارة إلى أن تحديد عدد من الجماعات الاسلامية للشيطان الأكبر كان تأسياً برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . وهذا لم يحصل في التاريخ الحديث إلا على يدي هذه الجماعات التي تعتبر أن امريكا واسرائيل هما عدو أمتنا أي شياطينها . ولا ضرورة للإشارة إلى أننا لا نزال خاضعين لهذا التحديد . لأن عقدة العلاقات الشركية على الصعيد العالمي هي بيد أمريكا ، وعقدة هذه العلاقات الشيطانية في منطقتنا هي بيد إسرائيل . فشياطيننا هي أمريكا وإسرائيل .
3
ـ تحديد الأولويات في العمل :
يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله".
ومع هذا رأينا أن رسول الله لم يقاتل اليهود في المدينة بل كتب عهداً معهم ولم يقاتل بني وائل وغيرهم مع أنهم كانوا على الشرك ، بل آثر قتال قريش ، لأن تحديد الأولويات في العمل ضروري للانتصار . لذلك كان الشكل الشركي الذي يجب تحطيمه، حسب تحديد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قريش .
4
ـ معرفة قواك الذاتية وقوى العدو :
سحب جمال عبد الناصر القوات الدولية المرابطة بينه وبين العدو الإسرائيلي . وكان يعتقد أنه سينتصر على إسرائيل خلال ساعات فكانت النتيجة أن هزمت جميع الأنظمة العربية خلال ستة أيام . وإسرائيل نفسها بعد أن تطورت آلتها العسكرية بما لا يقاس بالنسبة لعام 1967 لم تتمكن خلال سبعة أيام من الحرب الضروس من إزاحة مقاتل واحد من المقاومة الإسلامية من جنوبِ لبنان ؟!.
بينما راح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ قبل التوجه إلى المعركة ـ يستشير أصحابه بما سيقدم عليه ، واطمأن إلى جيشه . وراح يتحسس قوى عدوه ، وبعد أن عرف قواه وقوى عدوه أقدم على الحرب المنتصرة .
5
ـ روحية النصر :
إذا توجهنا إلى جميع أجهزة الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية ، مع بعض الاستثناءات الضئيلة ، نرى أن عدونا هو من الصنف الذي لا يمكن هزيمته . فإذا كنّا مهزومين نفسياً قبل التوجه إلى المعركة ، هل يمكننا الانتصار ؟ بالطبع لا . أما جيش المسلمين بقيادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كسب النصر قبل البدء بالمعركة . ماذا قال الرسول لأصحابه؟ قال : إني أرى مصارع القوم . في نفس الوقت كان قادة قريش يقنعون أصحابهم بالعودة وعدم دخول المعركة . وهذا ما يجعلنا نفهم كيف أن الحجر المؤمن في فلسطين يجابه الدبابة الإسرائيلية .

6
ـ معرفة مكامن الضعف ومكامن القوة :
قوة قريش كانت تقوم على تجارتها ، لذلك رأينا أكثر السرايا والغزوات تتوجه لتهديد ومنع هذه التجارة .
7
ـ الإمداد :
كان اعتصام المسلمين بحبل الله . أما المشركون فليس لهم إمداد روحي . المسلم موعود بالجنة والمشرك موعود بالنار . وكان المسلمون قد أنذروا المشركين مدّة ثلاث عشرة سنة في مكة بالمصير الذي ينتظرهم في الدنيا والآخرة إن هم استمروا على كفرهم وعنادهم .
8
ـ الغاية من القتال :
كانت غاية المسلمين من القتال إعلاء كلمة الله وتدمير العلاقات الشركية ، وكانت غاية قريش المجون والفسوق والطغيان .
هذه بعض الدروس والعبر التي أمكننا استخلاصها مع تأكيدنا أنها قاصرة عن الإحاطة .
وأخيراً لابدّ من تأكيد ضرورة بذل الكثير من الجهد الجماعي لدراسة سيرة المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) . وذلك بغية معرفة التأسي به . لأن مجتمعنا اليوم وأعني المجتمع الإسلامي ، بأمسّ الحاجة لهذا ، فما نراه من الهجمة الاستكبارية على جميع الصعد العسكرية والاقتصادية والعلمية والتربوية يحتّم علينا العودة إلى المعين الصافي .
الهوامش:
(1)
غافر : 81 - 85 .
(2)
البقرة : 249 .
(3)
آل عمران : 140 .
(4)
نفس المصدر .
(5)
فاطر : 44 .
(6)
الروم : 8 - 9 .
(7)
الروم : 41 - 42 .
- 8
الكهف : 55 .
- 9
آل عمران : 137 - 138 .
10
البوطي : 120 .
11
الأنفال : 30 .
12
الأنفال : 5 - 6 .
13
الأنفال : 42 .
14
الأنفال : 7 - 8 .
15
الأنفال : 43 .
16
البوطي : 157 .
17
البوطي : 158 .
18
ابن هشام ، 2 : 272 .
19
خليل : 182 .
20
ابن سعد : 25 .
21
الأنفال : 9 - 10 .
22
الأعراف : 137 .
23
القصص : 5 - 6 .
24
الأنفال : 65 .
25
الأنفال : 66 .
26
سمط النجوم : 22 .
27
سمط النجوم : 16 .
28
ابن هشام : 270 .
29
سمط النجوم : 22 .
30
الطبري : 429 ـ وكذا في ابن هشام وسمط النجوم .
31
ابن سعد : 16 ـ ونحوه عن ابن هشام : 274 .
32
البوطي : 158 .
33
الانفال : 47 .
34
خليل : 181 .
35
آل عمران : 13 .
36
الانفال : 44 .
37
الانفال : 11 .
38
الأنفال : 9 .
39
الفرقان : 77 .
40
الطبري : 447 .
41
الروم : 47 .
42
الحج : 29 .
43
الأنفال : 1 .
43
ابن هشام : 296 .
44
الأنفال : 26 .

مرسلة بواسطة فكر وتربية في 11:49 ص  

التسمياتفكر

 

ليست هناك تعليقات: