بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

السبت، 21 فبراير 2015

في الوضع الإقليمي



                                        في الوضع الإقليمي
تميزت المرحلة السابقة على ما سمي الربيع العربي، بهزائم متلاحقة للإدارة الأمريكية وحلفائها في العالم والإقليم. فقد تجرأت القاعدة على ضرب أمريكا في عقر دارها، عندما أغارت على نيويورك وغيرها من المدن الأمريكية. كما وأنها ضربت أكثر من سفارة واغتالت مستشارين عسكريين في أكثر من دولة. كما أن الشعب العراقي تمكن من طرد القوات الأمريكية من بلده، وكذلك الشعب الأفغاني. والإنتصارات التي حققتها المقاومة الإسلامية على إسرائيل في لبنان تندرج ضمن تراجعات الهيمنة الأمريكية. لا ننسى أن صمود المقاومة في غزة واضطرار جيش الإحتلال الصهيوني للإنسحاب فور الإعلان عن وقف النار، يأتي في إطار تراجع هذه الهيمنة أيضاً.
ولكن الملاحظ الآن، أن السطوة الأمريكية عادت للإنتعاش؟ الربيع العربي ليس هو العامل المساعد على هذه القفزة، إنما مجابهة صحوة الجماهير التي دافعت عن حريتها هي العامل الأهم في عودة الأميركي البشع للعب الدور الموجه في إقليمنا.
1 – ماذا يريد الأمريكي في إقليمنا؟
أهم ما يريده الأمريكي كان ولا يزال أمن الكيان الصهيوني كأولوية أولى. يليها من حيث الأهمية استمرار تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية، خاصة وأن كلفة استخراج النفط في بلادنا هي الأرخص في العالم. أما المطلب الثالث بالنسبة للإدارة الأمريكية فهو ترتيب أوضاع الإقليم بحيث تكون جميع الأطراف بحاجة للأمريكي للحصول على ما يُرضيها من مطالب.
أما بالنسبة للمطلب الأول، فقد تغيرت الأحوال كثيراً عما كانت عليه سابقاً. لم يعد بإمكان النظام السوري تأمين حدود الكيان الصهيوني كما فعل طوال أربعين سنة أو يزيد. ينطبق نفس الكلام على السلطة الفلسطينية بالنسبة للحدود الجنوبية لفلسطين المحتلة. أما الحدود الشمالية للكيان فهي الأكثر أمناً، وهذا نتيجة التزام المقاومة بالقرار الدولي 1701.
في عملية القنيطرة الأخيرة، تمكنت إسرائيل من إيقاع ستة شهداء للمقاومة وجنرال إيراني. ومن الملاحظ ان المقاومة لم تعلن عن استشهاده، إنما قامت إيران بذلك على لسان مسؤول رسمي إيراني هو أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني. وبعد أن نفت إسرائيل معرفتها بهوية الشهداء، عاد وزير الأمن الإسرائيلي وأعلن مسؤولية العدو عن العملية.
بعدها، قامت المقاومة برد "مدروس" على العدوان الصهيوني. وأعلن السيد حسن نصرالله، عن تغيير قواعد الإشتباك بوجود مسؤول إيراني رفيع. أما التغيير فيقوم على اعتبار جميع الجبهات جبهة واحدة بمواجهة العدو بوجود إيراني معلن. أي أن إيران والكيان الغاصب قد أعلموا العالم أن حدودهما أصبحت مشتركة.
حدود الكيان الغاصب أصبحت محاطة بإيران وحلفائها من حزب الله وحماس. كما أن هناك جزءاً بيد جبهة النصرة. المسؤولون الإسرائيليون يقولون بأن العلاقات التي يقيمونها مع المعارضة السورية لا تعطيهم الأمن الذي يريدونه لأن العلاقات مع هذه المجموعات الإرهابية لا توحي بالأمان. لذلك هم بحاجة إلى طرف مجرب بإمكانه الإلتزام بالمواثيق مثل النظام السوري أو المقاومة.
أمريكا ترى خلاف ذلك. الأمن حسب المنظور الأمريكي هو بحروب داخلية تُخرج الجميع من دائرة الخطر على إسرائيل. في العراق حرب داخلية وفي سوريا حرب داخلية، أما في لبنان، فما يوقف الحرب عوامل تكاد تكون لها نفس مفاعيل الحرب الأهلية. هذا هو الأمن الذي تريده أمريكا. أما ما ساعدها على ذلك فهو تقاطع إيراني سعودي أمريكي بإيقاد مثل هذه الحروب.
2 – في إقليمنا دولتان وشبه دولة. أما الدولتان فهما إيران وتركيا. والشبه دولة هو الكيان الصهيوني. فهو كيان مصطنع، غير طبيعي زرعته الدول الإستعمارية للحفاظ على مصالحها في الإقليم. إسرائيل هي دور. ما أن ينتهي هذا الدور حتى تنهار طبيعة هذا الكيان.
الدول العربية تريد المحافظة على كياناتها. هذا ما تريده. دول الخليج تحميها أمريكا. العراق وسوريا في طور التشكل. اليمن في مخاض. دول المغرب وضعها غير مستقر بنسب متوسطة. أما مصر، فقد يُراد لها دور في المغرب العربي يُخرجها نهائياً من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي. والتدخل في ليبيا يدخل ضمن هذا التصور.
إذن هناك دولتان هما تركيا وإيران. ماذا تريد كل منهما؟
أ – تركيا: دولة إسلامية ذات تاريخ امبراطوري تحت مسمى الدولة العثمانية. هي باب أوروبا إلى المشرق العربي. عضو فاعل في الحلف الأطلسي وتريد أن تكون عضواً كامل العضوية في الإتحاد الأوروبي. نظامها برلماني ديموقراطي. يحكمها حزب العدالة والتنمية. أهم رجالات هذا الحزب ذوو خلفيات إسلامية، أقرب ما يكونون للإخوان المسلمين.
ما يريده حكام تركيا هو الحفاظ على تقدمها الإقتصادي، مع العلم أنهم على استعداد دائم للعب دور رئيسي في الإقليم. فهي دولة لها صلات تاريخية في المنطقة امتدت لمئات السنين. أي أنها مؤهلة للعب دور في الإقليم. ولكن لازالت خطواتها خجولة ومترددة، بالرغم من اتهامها من قبل المتعاطفين مع إيران بدور كبير ليس له وجود على أرض الواقع.
تركيا ضروري وجودها من اجل الموازنة مع الدور الإيراني المفترض والذي يحظى بقبول نظري امريكي. لذلك لا بد من إرضائها. وقد باشرت أمريكا بخطوات عملية في هذا الإتجاه، نعني الموافقة على تدريب المعارضة السورية والتي ستختارها تركيا بالتعاون مع الادارة الأمريكية وليس الإستخبارات الأمريكية.
كما وأن تركيا ستلعب دوراً هاماً بحماية أمن الخليج، خاصة إذا كان على مصر التوجه نحو الغرب، وهذا هو المرجح. إذا أضفنا إلى ما تقدم التعاون التاريخي الذي كان يسم العلاقات التركية الإيرانية سواء في حلف السانتو القديم أو بخرق العقوبات الأمريكية على إيران من قبل النظام التركي. كما علينا أن لا ننسى أن هناك ملفات عديدة مشتركة بين الدولتين: الملف الكردي والملف العراقي والملف السوري. هذه الملفات لا يمكن إيجاد حل لها إلا بتعاون هاتين الدولتين.
ب – إيران: إذا أخذت إيران صفة الإسلامية فقط، فسوف تكون جزيرة في بحر شاسع من الدول الإسلامية. ولكن بما أنها تريد لنفسها دوراً لم تفتقده عبر التاريخ، حيث كانت كجارتها امبراطورية أعرق تاريخاً من الإمبراطورية العثمانية الحديثة نسبياً، لذلك لابد من وسم نفسها بالصفة الشيعية. إيران هي الدولة الشيعية الأكبر، وهي التي تحافظ على مصالح الشيعة حيثما وُجدوا. وهي تقوم بالتبشير الشيعي حيثما تتمكن من ذلك.
القيادة الإيرانية تعلم أن الباب الذي يلج منه أي كان إلى إقليمنا هو القضية الفلسطينية. فهي ناشطة في هذا الميدان وتقدم المساعدات للفلسطينيين وللمنظمات المقاومة. ولكنها رغم ذلك، هي تعلم أنها لن تخرج عن الإتجاه العام للمسألة الفلسطينية. لذلك أعلنت أنها تسعى إلى حل مرض للمسألة الفلسطينية.
ما تقدم لم يمنع القيادة الإيرانية من العمل في الساحات التي تنشط فيها على أساس مذهبي وذلك لتأكيد تميزها عن باقي الدول الإسلامية كما ولتحقيق التمدد الذي تريده في الإقليم. فهي تقود الميليشيات الشيعية في العراق في حربها ضد داعش وبتغطية من الطيران الأمريكي، وبسكوت من قبلها ومن قبل التحالف الأمريكي عن الجرائم التي تقترفها ميليشيات الحشد الشعبي بحق مواطنيهم العراقيين السنة. وقد تحدثت المرجعية في النجف عن هذه الجرائم أكثر من مرة، وقد تحدث عنها رئيس الوزراء أخيراً.
أميركا لا تغطي إيران، إنما تغطي الحرب الأهلية التي تلهي الجميع عن الكيان الصهيوني الغاصب.
في سوريا، تقوم إيران بنفس الممارسات، فهي حشدت لمعاركها من أجل الإحتفاظ بحكمها لسوريا بالميليشيات من جميع الأماكن الذي يوجد فيها شيعة. والتغطية قائمة من قبل دول التحالف. والمعركة الأخيرة التي تُخاض على الحدود الجنوبية من أجل ربط ساحة الصراع مع العدو الصهيوني بوضع القرار بيد النظام الإيراني، وذلك من أجل الضغط على إسرائيل عندما تتدخل سلباً في الملف النووي خاصة وأن مجلسي الكونغرس الأمريكيين أصبحا تحت السيطرة الجمهورية. وهذا ما يكبل يدي الرئيس الأمريكي نسبياً.
إيران أصبح دورها وازناً في الإقليم. ولا يمكن لأمريكا أن تتغافل عن هذا الموضوع. من أجل ذلك تسعى إلى إطالة امد الحرب ضد "الدولة الإسلامية" علها تستنزف القدرات الإيرانية وتنهكها على صعد عديدة. ولكن هذه اللعبة لا يمكن أن تستمر من غير أفق. لذلك لا يمكن الإستمرار بها من دون نهاية. من هنا لا بد من الحديث عن توزيع الحصص، سواء في سوريا أو العراق ولبنان أيضاً.
من الضروري إبداء ملاحظة أخيرة حول الإختلاف على صعيد البنى بالنسبة للنظام السياسي الإيراني والتركي. فالنظام السياسي التركي يملك الإمكانية على الصمود والإستمرار أكثر من النظام الإيراني لأن الأول يقوم على اقتصاد انتاجي يقوم على تشغيل الناس وإشراكهم في العملية الإنتاجية، ومعيار صموده هو العملية الإقتصادية السليمة. الشائبة في الإقتصاد التركي هو اعتماده الكبير على الإستثمارات الخارجية، وهذا ما يجعله يتهرب من المغامرات العسكرية رغم كل الدعايات المضللة.
أما الإقتصاد الإيراني فهو ريعي يقوم على بيع البترول والغاز والصناعات العسكرية والحشد الإيديولوجي. وهذا ما يذكر بالنمط السوفياتي الذي انهار في مباراته مع الإقتصاد الرأسمالي المعادي للشعوب. وحيث أن الإقتصاد الإيراني يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسوق الرأسمالية، فهو يتبنى نفس قيمها الإقتصادية، لذلك لا مكان لمباراة مع أمريكا فهي خاسرة قبل البدء بها. التعويض الوحيد يكون عبر الإيديولوجيا. وهذه المباراة سبق أن هُزمت في المثل السوفياتي. من هنا كان الرهان على الرئيس روحاني من أجل بناء إقتصادي حديث بالشراكة مع الغرب النيوليبيرالي.
التنافس بين أمريكا وإيران وتركيا هو تنافس لا يحمل أي طابع عدائي. هذا هو مستقبل الإقليم. شراكة بين خصوم، يدوم ربما لعقود، أو يقع الخصام سريعاً فيبدأ جميع الأطراف بتموضع جديد ينتج عنه توافقات جديدة.
إن ما يحصل الآن هو اتجاه حثيث نحو ترتيب للمنطقة يُبعد إمكانية الحروب لأمد بعيد. وهذا بالطبع ما يمكن أمريكا من التفرغ للمحيط الهادي الذي تعتبره التحدي الرئيس للسنوات القادمة.
                                                                 21 شباط 2015

الخميس، 15 يناير 2015

شارلي إيبدو



                            شارلي إيبدو كمدخل لسياسة التدخل الإستعماري
البوليس الفرنسي اعترف بتقصيره. سبعة عشر قتيلاً سقطوا نتيجة تقصير. لم يتحدث أحد عن البدء بمحاكمة المقصرين.
أكثر من ثلاثة ملايين شاركوا في مهرجانات الكراهية ضد الفرنسيين من أصل إسلامي. وإذا سألتهم عن السبب، يقولون الإرهاب، من دون مناقشة سبب وجود الإرهاب ومن الذي أوجده. كما وأنهم لم يناقشوا على من تقع مسؤولية التقصير، وإن كان متعمداً، أم كان بنتيجة الإهمال.
وقد اتخذت السلطات الفرنسية إجراءات أمنية بإنزال عشرة آلاف جندياً وحوالي ألفي شرطياً لحماية المدارس اليهودية وأماكن عبادتهم، علماً أنه وقع 54 اعتداءً على مراكز إسلامية وليس يهودية!!!!
استعرضنا هذه الأوضاع بالرغم من خوفنا الشديد من الصحفيين وكتاب الرأي، اليساريين منهم واليمينيين، الذين طالبوا باستنكار ما حصل مع صحافيي شارلي إيبدو (من دون ولكن). والمؤسف حقاً أنهم سيضطرون للقول "ولكن" بعد ما رأوا مهزلة استنكار مقتل 17 شخصاً من قبل قادة الإرهاب العالمي. لن أقول على رأسهم نتنياهو، لأن البركة فيهم جميعاً.
محطات
1 - نابليون بونابارت حاول حل المسألة اليهودية بأن توصل الى عقد مع اليهود في سنة 1807 حيث جمع في بلدية باريس المؤسسة الدينية ليهود فرنسا السانهدرين Sanhedrin لتحويل يهود فرنسا إلى "مواطنين صالحين"، وذلك عبر تكييف أحكام الشريعة اليهودية مع القيم الفرنسية العلمانية، ليصبح اليهود جزءًا من الأمة الفرنسية بعد أن كانوا في العهد البائد مجموعة دينية منطوية على نفسها. ردّ السانهدرين بالإيجاب على مطلب نابليون وقامت سنة 1808 مؤسسة الكونسيستوار  (consistoire) وأعلنت أنّ المظاهر السياسية للتوراة لم تعد صالحة  (valides)، لأنّ اليهود لم يعودوا يشكلون أمة (nation) . لذلك تمّ التخلّي عن كل شكل من الاستقلال الشرعي اليهودي.
ومن الجدير ذكره أن ماركس والآخرين قد أصدروا كتبهم عن "المسألة اليهودية" بعد هذا التاريخ بكثير وهذا دليل أن هذا الاتفاق لم يدفع اليهود الى القبول بالاندماج في المجتمع الفرنسي.
منذ أسبوع، وصل نتنياهو إلى باريس وطلب من يهود فرنسا الهجرة إلى فلسطين المحتلة (وكأنها ملكه) والإستيطان فيها. ولم يشعر رئيس فرنسا هولاند ولا رئيس وزرائه فالس بالإهانة من تصرف نتنياهو. إنما رد عليه فالس قائلا أن فرنسا لا تعود فرنسا من دون اليهود. ولم يكتف رئيس وزراء العدو بذلك، ولكنه نقل جثامين الموتى اليهود ودفنهم في القدس المحتلة.
وإمعاناً في المذلة أعلنت عن إجراءات خاصة لحماية اليهود. دولة علمانية ، حسب زعمها منذ 1807 كما قال نابوليون، تتحدث عن اليهود وليس عن مواطنين فرنسيين.
2 – قام مواطنان فرنسيان بعملية إرهابية أوقعت عدداً من الضحايا، من بينهم مواطنان مسلمان، بالإضافة إلى ثلاثة إرهابيين فرنسيين مسلمين.
قالت السلطات الفرنسية العلمانية التي تحترم جميع الأديان، أن الإعتداء الإرهابي قام به متطرفون إسلاميون، ووقع ضحيته عدد من الصحافيين والشرطة.
الإرهابيون أعطتهم السلطات الفرنسية المنحازة ضد الإسلام صفة الإسلاميين، ولكن الضحايا المسلمين الذين كانوا يدافعون عن المجلة الساقطة، لم تعطهم الصفة الإسلامية. أي أن هذه السلطات تريد أن تقول أن الإرهاب إسلامي ومن يجابه الإرهاب فرنسي. لو أن هذه السلطات عادلة لقالت قام إرهابيون فرنسيون لكنتهم باريسية باعتداء إرهابي على مجلة ساقطة فرنسية وقع نتيجته عدد من الضحايا، (ويمكنها أن تضيف أبرياء، إن أرادت ذلك).
3 – جمعت السلطات الفرنسية عدداً لا بأس به من قادة الإرعاب في العالم للإحتجاج على الإرهاب. الإرهاب الذي رعوه حق رعايته ثم وزعوه على العالم، عالمنا. لا يريدون الإحتجاج على قتل إسرائيل أكثر من ألفي بريء من أهالي غزة وتهديم بيوتهم. هؤلاء الذين يعيشون في العراء في هذا البرد غير المسبوق. في نفس اليوم لعملية باريس قُتل 37 يمنياً نتيجة عمليات إرهابية. لم يسمع بهم أحد. لماذا؟ حقوق الإنسان تكون للجنس الغالي واليهودي فقط في فرنسا وبقية السكان الفرنسيين محرومون منها!
4 – من تحدث عن سبب الإرهاب؟ لا أحد! لأن الكلام عن سبب الإرهاب يدين قادة الإحتجاج عليه. يقول بعض الكتاب من أبناء جلدتنا وأبناء جلدتهم: لا تتحدثوا عن الحرمان والتهميش. لأن الحديث عن الحرمان يدين ممولي الإرهاب الإعلامي. منذ زمن بعيد تقوم السلطات الفرنسية باستثمار المهمشين في عملياتها الخاصة. إنهم عدتها في العمليات المشبوهة. هي تعرفهم جميعاً. أحد الثلاثة الذين قتلوا يحمل سواراً إلكترونياً. السلطات الأمنية الفرنسية تحدثت عن تقصير أمني. التقصير الأمني الذي يذهب ضحيته أكثر من سبعة عشر إنساناً يكون خبراً من سطر واحد في الصحف؟!
وبعد كل هذا تتحدث عن ضرورة حماية المجتمع من الإرهاب الإسلامي، وليس عن الإرهاب الذي يسببه الحرمان والتهميش لفئة كبيرة من المجتمع تسمح لها السلطات بالقيام بجميع الأعمال المشبوهة حتى تستخدمها عند الحاجة.
5 – ما تريده فرنسا ومعظم الدول الأوروبية، في أزمتها الإقتصادية الراهنة أن تتمكن من سرقة مكتسبات الطبقة العاملة الأوروبية. هذه الطبقة التي قدمت مئات الآلاف من الضحايا حتى تمكنت من الحصول على جزء من حقوقها يؤمن لها مستقبلاً يُغنيها عن مد اليد عند التقاعد. وبما أن اليد العاملة المهاجرة تتمتع بنفس هذه المكتسبات، فلا بد من أن تعيش بعدم استقرار وظيفي مما يجبرها على العمل من دون ضمانات، اي العمل بصورة غير شرعية. وبذلك تحصل الطبقة الرأسمالية على مكسبين في الآن نفسه: خوف الأوروبيين على مكتسباتهم، وخوفهم على فرص العمل التي يحصل عليها المهاجرون. ومن جهة ثانية، يقبل المهاجرون بأجور زهيدة ومن دون ضمانات خوفاً على فرص العمل غير المؤمنة في بلادهم الأصلية. ليس هذا فحسب، بل إن الطبقات العاملة بدلاً من أن تناضل مجتمعة من أجل الحفاظ على مكاسبها والحصول على شروط أحسن للإستخدام، ترى نفسها مجبرة للنضال ضد استخدام القوى العاملة الأجنبية الوافدة.
إن شيوع هذا الجو العنصري بين الشعوب الأوروبية يجعلها ترى الأمور على غير حقيقتها، فتتناسى مآسيها من أجل الدفاع عن قيمها المزيفة، قيم العولمة النيوليبيرالية، كما يصورها الإعلام الذي يدافع عن استغلال الطبقات المسيطرة للطبقات الكادحة...
الإسلاموفوبيا هو استثمار من قبل الذين اجتمعوا في باريس، على مستويات مختلفة، ضد الشعوب المستضعفة، وضد شعوبها بشبهة تناقض المصالح بين الوافدين والسكان الأصليين في البلدان الأوربية.
6 – ليس هذا فحسب، بل هناك أمر هام لا تجرؤ السلطات على التصريح به إلا في أجواء متوترة، وهو حاجة المستثمرين الفرنسيين لحماية مصالحهم في المستعمرات السابقة، وخاصة في دول الساحل الأفريقي. ففرنسا بحاجة إلى بعث جيشها في مهمات قتالية في شمال النيجر حيث مناجم الأورانيوم وإلى مالي وجنوب ليبيا. الشعب الفرنسي لن يقبل بهذه المهمات الإستعمارية التي لن يكسب منها شيئاً سوى تقديم القتلى لحماية مصالح الرأسمال المعولم. ولكن جو الكراهية والعنصرية يسمح لهذه السلطات بأخذ القرار الذي يناسبها وبترحيب من الناس.
رئيس فرنسا الذي يحكم الآن ب12% حسب استطلاعات الرأي سيصبح بطلاً قومياً بفضل استثمار الكراهية وبحجة القضاء عليها.

سهم نتنياهوأأأت

الجمعة، 12 ديسمبر 2014

فلسطين أيضاً!



                                                فلسطين أيضاً!
حسن ملاط
لم يخطر ببال الكثير أن النصر الذي حققته المقاومة في غزة، سيسفر عن مسيرة، بخطىً متسارعة نحو هزيمة سياسية، يختارها المقاومون بأنفسهم. صمود أسطوري خلال واحد وخمسين يوماً أمام قوة من أعتى المجرمين الذين يملكون أحدث آلات التدمير والقتل. ورغم هذا، لم يصمد العدو الصهيوني ليوم واحد في غزة بعد إيقاف الأعمال العدوانية.
هذا الصمود لم يُستثمر سياسياً. لقد أعطى المقاومون سلطة عباس حق المفاوضة على صمودهم، وهم رأوا بأم أعينهم كيف كان عباس وجماعته يبخسون المقاومين حقوقهم، حتى أنهم اتهموهم أو كادوا بالعدوان على إسرائيل! فكيف يستقيم أن يفاوض هؤلاء مع العدو على حقوق أهل غزة؟
لقد بينت إسرائيل أنها لا تريد أن تنفذ أي اتفاقية مع الفلسطينيين تعطيهم شيئاً من حقوقهم، حتى أن اتفاقية أوسلو التي أبرمت في 13 سبتمبر (ايلول) 1993 لم تقبل إسرائيل بتنفيذها بالرغم من كل التنازلات التي قدمها المفاوض الفلسطيني. وهي لا تزال حتى الآن تسوف وتستمر بالإستيطان والإستيلاء على الأراضي في الضفة، حتى أن جريدة هآرتس قالت بأن 99% من أراضي (الدولة) في الضفة خُصصت لمصلحة المستوطنين.
أما التطور الأخطر، فهو بروز اتجاه عند الصهاينة، في الأرض المحتلة، على اعتبار فلسطينيي 48 من خارج المكونات الشعبية للكيان الصهيوني وضرورة ضمهم للفلسطينيين وطردهم من الأرض المحتلة. وبذلك يصبح لزاماً على قيادة الشعب الفلسطيني العمل على الدفاع عن هؤلاء إلى جانب العمل على تنفيذ القرار 194 المسمى بحق العودة إلى الأرض والتعويض.
ليس هذا فحسب، بل إن جميع الدلائل تشير إلى أن الصهاينة لا يمكن أن ينفذوا إقامة دولة فلسطينية يكون من ضمن مكوناتها الضفة الغربية والقدس. من هنا نرى بأن التنافس القائم بين الأطراف السياسية من اليمين الصهيوني، هو على من بإمكانه أن يسلب الفلسطينيين جميع حقوقهم.
ما هي الممارسة الأساسية للسلطة الفلسطينية؟ تقوم السلطة إزاء هذا الوضع بمصادرة أي إمكانية لمقاومة الإحتلال. إن سلطة لا تملك القرار السياسي ولا القرار الأمني ولا القرار الإقتصادي، أين المكسب من وجودها بالنسبة للشعب الفلسطيني؟
ما هو المطلوب إذن؟
هناك خيارات عديدة. ولكن هذه الخيارات من الضروري أن تنطلق من الثوابت التي سنتحدث عنها.
1 – الفصل بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ورئاسة السلطة "الوطنية".
2 – ضرورة أن لا يكون للسلطة الفلسطينية أي دور سياسي، بل دورها يكون خدماتياً فقط للمواطنين الفلسطينيين الموجودين في الضفة والقطاع والقدس.
3 – الشرطة الفلسطينية لها دور أمني ولا تلعب أي دور سياسي. أي ليس لها أن تلاحق المقاومين لصالح سلطات الإحتلال، بل تفصل في الخلافات التي تحدث بين المواطنين.
4 – إصلاح منظمة التحرير وتجديد مشروعها النضالي الذي يقوم على حق العودة وإقامة السلطة على كافة أراضي 67 بما فيها القدس الشريف، أو التفكير الجدي بطرح الكيان الواحد لقوميتين.
5 – ضرورة إدخال الدفاع عن حقوق فلسطينيي ال48 ضمن ميثاق المنظمة، بعد أن أصبحوا مهددين بالإبعاد من أرضهم.
6 – ضرورة أن تكون قيادة منظمة التحرير هي القيادة السياسية للشعب الفلسطيني و ليس السلطة الفلسطينية وهي التي تفاوض العدو وليس السلطة.
7 – ضرورة وجود قيادة المنظمة خارج الأرض الفلسطينية حتى لا تكون خاضعة للعدو بأي شكل من الأشكال...
أما المشاركة في أجهزة السلطة في الوضع الحالي، فهو يعادل التخلي المجاني عن حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه. ذلك أن المشاركة تأتي من ضمن معادلة أوسلو وتوابعها، بما فيها الموافقة على جميع التنازلات المجانية التي قدمها عباس للعدو الصهيوني.
                                                                              12 كانون الأول 2014

الجمعة، 5 ديسمبر 2014

فلسطين إلى أين؟



                                             فلسطين، إلى أين؟
حسن ملاط
تمر قضية الشعب الفلسطيني في مرحلة خطيرة ودقيقة. والسبب الأهم يعود إلى أن القيادة التاريخية قد غابت عن الوجود، والقيادة الحالية ليست على المستوى الذي يؤهلها للقيام بمتطلبات المرحلة. فرئيس ما يسمى السلطة الفلسطينية يعتقد أن الشعب الفلسطيني ملك يمينه، لذلك تراه يقامر بمستقبله من دون أن يرف له جفن. فبديل المفاوضات عنده، لن تكون إلا المفاوضات، ومعروف أن إسرائيل تفاوض من أجل المفاوضات فقط. فالرئيس يعطي إسرائيل ما تريد من غير جهد منها. فكيف تستقيم عملية تفاوضية معروفة النتائج سلفاً؟
الوضع الدولي
بعد انتهاء الإنقسام الدولي بين معسكرين ينتهج كل منهما نهجاً اقتصادياً مختلفاً عن الآخر، أحدهما الرأسمالية والآخر رأسمالية الدولة، وبعد فوز أحدهما في الصراع، وبعد تجذر نسبي للنهج الجديد (العولمة النيوليبيرالية)، أصبح العالم محكوماً بما يشبه مجلس إدارة يضم الدول المالكة لرؤوس الأموال الضخمة وعلى رأسها الأمريكي المحكوم بهذه الشراكة. هذا ما يجعل إمكانية المراهنة على الإنقسامات الدولية، كما كان يحصل أيام الحرب الباردة، من غير مردود. فالإنقسام القائم اليوم بين الغرب وروسيا كبير جداً، نتيجة شعور روسيا أن الغرب يريد تحطيمها، ورغم ذلك نرى خطاب الرئيس الروسي يتحدث عن "شركائنا الأمريكيين". وما ذلك إلا لأن الأمريكيين شركاؤه فعلاً. فاستخراج النفط والغاز يتم بشراكة بين الشركات الغربية المتخصصة والشركات الروسية المالكة.
والمراهنة على اتجاه الروس نحو الصين على أنه منحىً استقلالي، فهذا غير دقيق أيضاً لأن شروط الإستثمار تجري تبعاً لشروط السوق المعولم. كما وينطبق هذا الكلام على البريكس وتحالف شنغهاي، والإتفاق الأخير بين الرئيس الروسي والرئيس التركي. هذا الإتفاق الذي يأخذ بعين الإعتبار شراكة تركيا في الحلف الأطلسي التي تقوده أمريكا.
ما تقدم يعني أن كل تحالف دولي أو إقليمي في ظل العولمة النيوليبيرالية سيكون خاضعاً للإدارة العامة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.
هل هذا يعني أن أفق التغيير مسدود؟ كلا! ولكن هذا يعني أن الإتجاه نحو التحرر يتطلب الإنعتاق من أشكال التبعية للأمريكي. فعندما يقرر الروسي والتركي أن يتم التعامل بينهما بالعملة المحلية (الروبل والليرة)، سيكون هذا التعامل مجدياً عندما لا يتم التقييم بالدولار لا للعملات ولا للسلع. وهذا ليس مطروحاً. وهذا ما حصل بين الصين وروسيا، فأسعار الغاز في الإتفاق والذي يبلغه حجمه 400 مليار دولار كما ترون يتم تقييمه بالدولار وليس بالروبل أو باليوان.
التحرر من التبعية يتم باتباع تقييم من نوع جديد (قديم تاريخياً، ما قبل البورجوازية)، هو المقايضة على أساس أهمية المنتج بالنسبة لطرفي المقايضة، لأن هذا النوع من التبادل يستغني عن الدولار ويحطم هيمنته.
سياسياً، هذا يعني أن الصراع الذي تقوده الشعوب المستضعفة لا يمكن أن يستند على الخلافات بين مختلف الدول التي تتبع نفس النهج الإقتصادي السياسي، ولكن جل ما يمكنها فعله هو الإستفادة من التباينات، التي لا تلبث أن تزول. فإذا وعت الشعوب هذه الأمور لن تصاب بالإحباط من تخلي "حلفائها" عنها عند كل منعطف.
الوضع الإقليمي
يتميز بهيمنة الصراعات البينية والمحلية في مختلف الدول تقريباً. فالخلافات قائمة ما بين تركيا والسعودية، وما بين إيران وتركيا، وإيران والسعودية ومصر وتركيا ومصر وإيران... والصراعات المحلية قائمة في سوريا واليمن ولبنان والعراق والسعودية ومصر وليبيا... وإذا أردنا الدقة أكثر، يمكننا التحدث عن خلافات في الرؤى بين إيران وسوريا، بين السعودية وقطر، بين اليمن والسعودية... والتحالفات الآنية توظف بتجميع الحلفاء ضد الخصوم، أي أنها لا تقوم على أسس إيديولوجية، كما كان يحصل أيام الحرب الباردة.
فالسعودية على سبيل المثال تريد الحصول على آحادية تمثيل السنة في الإقليم، وهذا ما تريده تركيا على سبيل المثال. لذلك يقوم كل منهما بتجميع الحلفاء. تحالف الأتراك مع الإخوان المسلمين، فاعتبرتهم السعودية حركة إرهابية... إيران تريد آحادية تمثيل الشيعة، لذلك، أقامت جيشاً موحداً يمتد من باكستان حتى لبنان بقيادة قاسم سليماني. وساعدت المنظمات الفلسطينية حتى يكون لها دور في المسألة الإقليمية ولا يتمتع أي طرف بآحادية القرار فيها. لذلك تحدث مرشد إيران في اجتماعه مع الأمناء العامين للمنظمات الفلسطينية عن حل مرض للصراع مع إسرائيل!
سياسياً، هذا يعني أن جميع الأطراف الإقليمية تتعامل مع القضية الفلسطينية انطلاقاً من تأثير هذه القضية على أوضاعها المحلية ومصالحها في صراعاتها الإقليمية، وليس لأسباب إيديولوجية مطلقاً.
فلسطينياً
الفلسطينيون يعيشون تداعيات اتفاقية أوسلو عن رضىً أو عن رفض. ففي الضفة الغربية، هناك الفلسطيني في المنطقة (أ) و(ب) و(ج). وهناك أهل المدن والقرى وأهل االمخيمات(اللاجئين). هناك أهل غزة واللاجئين. وهناك فلسطينيو ال48 وفلسطينيو الشتات. هؤلاء هم الفلسطينيون اليوم. وكما هم مقسومون على الأرض فهم مختلفون في التوجهات. الخلاف الأساسي اليوم هو بين فتح وحماس. وقد اتفقا على حكومة واحدة، ولكن هذه الحكومة سوف تظل نظرية غير عملية لأن رئيس السلطة لن يعترف بموظفي غزة ولا بالقوى الأمنية التي تسيطر عليها حماس. الحكومة الموحدة هي الحكومة التي يجب أن تقضي على نفوذ حماس في غزة وفي كامل الأرض الفلسطينية. من جهة أخرى، حماس تريد حصتها في أجهزة السلطة لأنها تعتبر نفسها شريكاً أساسياً، فهي التي نجحت في آخر انتخابات تشريعية....
اما إسرائيل فقد غيرت تعاطيها مع الفلسطينيين. فهي تستمر باستعمارها للضفة الغربية، كما وتستمر بتهويد القدس وبالإعتداءات اليومية على المسجد الأقصى. إسرائيل تريد القضاء على ذاكرة الشعب الفلسطيني. إنها تريد من الفلسطيني نسيان فلسطين. من أجل ذلك، لا تمانع من نفي فلسطينيي 48 مع أنهم مواطنون إسرائيليون، حتى تصبح فلسطين دولة لليهود فقط.
إزاء هذا الوضع، ما تقوم به السلطة الفلسطينية هو في حقيقة الأمر مساعدة إسرائيل على استعمارها لكامل فلسطين. فأجهزتها الأمنية تحت القيادة الأمريكية والتنسيق مع إسرائيل تقوم بخنق أي تحرك معاد للهيمنة الإسرائيلية. فالفلسطيني لا يتمتع بأي حقوق سياسية في ظل السلطة. هذا التقييم الواقعي لدور السلطة يجب أن يطرح السؤال التالي: لماذا السماح للإسرائيلي بتغليف دوره القمعي والإستعماري من خلال السلطة الفلسطينية؟
إن مجابهة المخططات الصهيونية تتطلب طرح برنامج سياسي نضالي يوحد الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني. وهذا يتطلب العمل على إعادة بناء الوعي الفلسطيني من خلال ارتباطه بأرض فلسطين وتاريخها وتضحيات أهلها على مساحة سنوات مجابهة المخططات الصهيونية حتى الآن. كما ويتطلب إعادة تقييم دور السلطة في حركة مجابهة مخططات العدو، وليس إعادة ترميمها. فسلطة تقوم على أموال مؤيدة لاستمرار وجود إسرائيل على أرض فلسطين لن تعيد حقوق الشعب الفلسطيني.
ما يمكن أن يعيد للفلسطيني حقه هو عودته إلى أرضه المسلوبة، حتى وإن كان تبعاً لقرارات الأمم المتحدة. أما إذا كان هناك مصلحة للفلسطينيين بدولة واحدة، فهذا ما يقرره الفلسطينيون وليس ما يسمى بالسلطة الفلسطينية. من هنا ضرورة تصدي المثقفين والأكاديميين والمفكرين الفلسطينيين لطرح الحلول الضرورية للحفاظ على فلسطين وإعادة تركيب الوعي المرتبط بالأرض والتاريخ لبناء المستقبل.
                                                                                             5 كانون الأول 2014