بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الخميس، 4 مايو 2017

حول وثيقة حماس

                 
حسن ملاط
1-        الحركات الثورية تتراجع خطوة لتتقدم خطوتين.
2-        ثوار فيتنام لم يسمحوا للسوفيات ولا للصينيين بالتدخل في مفاوضاتهم مع الغزاة الأمريكان.
يبدو أن هناك تفاعلاً مع الوثيقة التي أطلقتها حماس على لسان خالد مشعل. وكأن حماس أرادت أن تقول للناس: ضعوا وزر ما لا يعجبكم في هذه الوثيقة على أخينا خالد، فإنه مغادر!
ركزت معظم التعليقات على النقطة (20) من الوثيقة والتي تنص على قبول حماس بإقامة دولة فلسطينية على أراضي ال67 وتأكيدها عدم الإعتراف بالكيان الصهيوني.
كما وركزت تعليقات أخرى على فك ارتباط حماس بالإخوان المسلمين من أجل إقامة علاقات طبيعية مع مصر والسعودية والإمارات...
نحن نعتقد أن التركيز على هذه النقاط لا يأتي من خلفية رفض التنازل الذي قامت به حماس، لأن هؤلاء المعلقين لا يرفضون التفاوض مع العدو أساساً.
إن دراسة أي قرار تتخذه منظمة أو حزب ذو فعالية على الأرض يتطلب الإضاءة على تاريخية المسيرة التي أدت بهذه المنظمة أو الحزب للوصول إلى اتخاذ مثل هذا القرار.
بالنسبة لحماس يمكن ربط قبولها بإقامة دولة على حدود ال67 بقبولها السابق بالدخول في لعبة الإنتخابات التشريعية في ال2005. فالدخول في هذه اللعبة السلطوية جاء من ضمن إطار أوسلو، سواء أعلنت حماس عن رفضها أو قبولها به. فهي تقوم بممارسات "أوسلوية" حتى وإن لعنت أوسلو ليلاً ونهارا.
بعد خوضها للإنتخابات ونجاحها فيها، لم يكن تحليلها لنتائج الإنتخابات على المستوى المطلوب. فقد اعتبرت نجاحها في الإنتخابات نجاحاً تنظيمياً، ولم تعتبره نجاحاً لخط المقاومة الذي تخلت عنه جزئياً غريمتها "فتح" وأصرت هي على المناداة به. وكانت حماس تؤكد، يومها، على ضرورة الإستمرار بالمقاومة ضد كيان العدو. هذا الإصرار لم يكن للأسف حقيقياً (على المستوى الاستراتيجي) لأن ما قامت به حماس كان مخالفاً كلياً لما أعلنته عن استمرار المقاومة.
هذا الكلام لا يستدعي العجب، خاصة وأن حماس خاضت عدة حروب ضد كيان العدو بعد اعتداءاته المتكررة. كما وأجبرته على صفقة تبادل للأسرى أيضاً. إن هذه الحروب التي خاضتها حماس، خاضتها على قاعدة وجودها في السلطة في غزة والتي كانت نتاجاً لاتفاقية أوسلو.
نعود إلى تشكيل الحكومة بعد نجاحها في الإنتخابات. أصرت حماس على تشكيل الحكومة، وأصرت على تسلم وزارات "سيادية". فتسلم رئاسة الوزارة ووزارات سيادية في ظل الإحتلال يعني مباشرة التحدث مع العدو في الأمور السياسية وهذا يعني نقضاً لعدم اعترافها بدولة العدو. أما تسلم وزارات خدمية والإتصالات بالعدو لا ترتدي الطابع السياسي لأن العدو هو المسؤول عن الناس المحتلة أرضهم من قبله، حسب القوانين الدولية. وهذا لا يعني أي تنازل سياسي من قبل حماس لصالح العدو.
عند تسلمها رئاسة الحكومة، تعرضت السلطة والحكومة لضغوطات كبيرة من الإدارة الأمريكية والحكومات المانحة، ما أدى إلى خلاف كبير بين حماس وفتح أوصل إلى استيلاء حماس على السلطة في غزة. ولا زال الوضع على ما هو عليه حتى اللحظة: خلافات، تجاذبات، اتفاقات غير قابلة للتنفيذ، إهمال لكل قضايا الشعب الفلسطيني... ويعقب ذلك محاولات حثيثة من حماس للحصول على مقبولية من المجتمع الدولي. ومعروف أن الحصول على هذه المشروعية يتطلب الخضوع لمتطلبات هذه الدول والتي لا تنسجم مع مصالح الشعب الفلسطيني إن لم تتناقض معها.
ما قامت به حماس من إعلان لميثاقها الجديد هو ثمرة مسيرتها منذ 2005 وليس نتيجة الإغراءات التركية والقطرية والمصرية فقط.
نلخص فنقول: إن أسباب التراجع أو التكويعة التي قامت به حماس، تتلخص بما يلي:
1-        القدسية التنظيمية هي التي تعطي الأولوية لمصلحة التنظيم، ثم العمل على مماهاة مصالح الشعب الفلسطيني مع المصالح التنظيمية!
2-        مرجعية السلاح: إيران أعلنت على لسان مرشدها الأعلى عند اجتماعه بالأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، أن إيران تعمل على إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. وهذا التعبير مضمونه مفهوم. وحماس لا يمكنها تجاوز هذا السقف.
3-        مرجعية الدبلوماسية والمال: تركيا وقطر واللتان على علاقة جيدة بالكيان الصهيوني، تريدان من مساعدتهما حماس السيطرة على قرارها السياسي.
4-        العلاقة مع مصر، والتي لا يمكن إهمالها. وهذه العلاقة تحكمها الأجهزة الأمنية وليس الأطراف السياسية. وعلينا أن نتذكر أنه في عهد الرئيس المنتخب مرسي الذي قاد المفاوضات مع الكيان الصهيوني لإنهاء عدوانه على غزة، قال عنه نتنياهو معبراً عن إعجابه به، أنه قاد المفاوضات "بنزاهة"!
5-        تمسكها بالسلطة في الوقت الذي لا يمكنها فيه تأمين حاجيات سكان غزة، كما لا يمكنها التوفيق بين مقاومة العدو وقيامها بمتطلبات السلطة. من هنا كانت إراحة العدو من مسؤولياته عن الشعب المحاصر من قبله. وهكذا تراجعت أولوية مقاومة العدو لصالح تأمين حاجيات السكان المحاصرين...
وفي عودة إلى الوثيقة، تؤكد حماس أن:
أ‌-              "منظمة التحرير الفلسطينية إطار وطني للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج يجب المحافظة عليه، مع ضرورة العمل على تطويرها وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية، تضمن مشاركة جميع مكونات وقوى الشعب الفلسطيني، وبما يحافظ على الحقوق الفلسطينية".
ب‌-      تؤكد حماس على ضرورة بناء المؤسسات والمرجعيات الوطنية الفلسطينية على أسس ديمقراطية سليمة وراسخة، في مقدمتها الانتخابات الحرة والنزيهة، وعلى قاعدة الشراكة الوطنية، ووفق برنامج واستراتيجية واضحة المعالم، تتمسّك بالحقوق وبالمقاومة، وتلبّي تطلّعات الشعب الفلسطيني.
ت‌-      تؤكد حركة حماس على أن دور السلطة الفلسطينية يجب أن يكون في خدمة الشعب الفلسطيني وحماية أمنه وحقوقه ومشروعه الوطني.
ماذا تفيد هذه الصيغة "الإنشائية" في تحديد دور المنظمة ودور السلطة؟ "فتح" التي تقود السلطة والمنظمة يمكنها القول أنها تقوم بجميع المهام التي أوردتها "حماس" في وثيقتها.
هناك منظمة وهناك سلطة، إذا كانت المنظمة والسلطة تعيشان في ظل الإحتلال، فما فائدة وجود المنظمة والسلطة معاً؟ لا شيء طبعاً!
القراءة الجدية تتطلب تحديد المهام الموكولة للسلطة وتلك الموكولة للمنظمة. وهنا لا بد من التأكيد أن المسؤولين الفلسطينيين، في اجتماعاتهم المتكررة، لم يقبلوا توضيح دور كل من السلطة والمنظمة. والوثيقة الجديدة لم تحدد دور المنظمة ودور السلطة.
ومن أجل الوضوح وعدم الغرق في التعميم، نرى بأنه من الضروري الفصل بين قيادة منظمة التحرير وقيادة السلطة. كما ويجب أن تكون مهمة السلطة تأمين متطلبات الحياة الكريمة للفلسطينيين الذين يعيشون في ظل الإحتلال. أما مهمة المنظمة والتي يجب أن تكون قيادتها خارج الأرض المحتلة، فهي تنظيم جميع أشكال مقاومة الإحتلال والقيادة السياسية للشعب الفلسطيني من أجل الوصول إلى التحرير الناجز لأرضه.
وهكذا، تكون مهمة المنظمة واضحة وكذلك مهمة السلطة. فالأولى مهمتها سياسية والثانية مهمتها إجتماعية.
ننهي فنقول، إن أخطر ما يمكن أن تؤدي إليه السياسات الجديدة لحركة "حماس"، تبعاً لهذه الوثيقة الجديدة، والتي لا تختلف عن السياسات التي تقوم بها "فتح" بوضوح يتطلبه إمساكها بالسلطة، هو أن تصبح هاتان المنظمتان بمثابة حزب السلطة وحزب المعارضة (عمال ومحافظين، أو جمهوري وديموقراطي)، واستبعاد جميع المكونات الفلسطينية الأخرى عن مسرح العمل السياسي، بما فيها المقاومة المسلحة.
أما الخطر الأهم، فهو الفصل النهائي بين غزة وسائر فلسطين واعتبارها الدولة الفلسطينية المرتقبة وإدخال الضفة الغربية والقدس ضمن "السيادة" الصهيونية وإعطاء التجمعات الفلسطينية وضعاً خاصاً ضمن الكيان الصهيوني.
                             4 أيار 2017



الخميس، 16 مارس 2017

عن جهاد الزين

                
حسن ملاط
يقول جهاد الزين: رجب طيِّب أردوغان اليوم في 2017 ينقل معركته إلى قلب حياة مسلمي أوروبا وليس أتراكَها فقط غير عابىء بمعضلات تصاعد الوعي المتأزم لدى المسيحية الأوروبية والأميركية بعلمانييها ودينييها حيال ضرورة إعادة تنظيم موضوع استيعاب ملايين المسلمين داخل نموذج للحياة الديموقراطية منحهم ومنح مبدعيهم بالنتيجة فرص تكوين وعمل وحياة لا يتمتع بها المسلمون في بلدانهم الأصليّة. هو وعيٌ متأزم يلعب فيه الصعود ولو الأقلوي عدديا لإسلام بأيديولوجيا متوحشة يقودها تكفيريون متوحشون، دورا قاتلا في إثارة ذعر الأوروبيين الأصليين ويدفعهم نحو أحضان اليمين القومي المتطرف في أكثر من بلد غربي. (النهار)
كان جهاد الزين يراهن على أردوغان لأنه اعتقد أن الأخير يبني إسلاماً يتناسب مع توجهات الأستاذ جهاد الفكرية. ولكنه صُعق عندما رأى أن أردوغان لديه مشروعه الخاص. مشروع لا علاقة للإسلام به. مشروع للحكم مدى الحياة. هاجمه الأستاذ جهاد لأنه دكتاتور، وهو محق بذلك. أما أن يبرىء الغرب من كل جرائمه ويضعها في سلة أردوغان، فهذا ليس صحيحاً مطلقاً، حيث أن الوقائع التي يعرفها الأستاذ تُثبت ذلك.
1-        تمكن أردوغان أن يبني مجده بتمثيله للبورجوازية التركية الصاعدة بمعاونة الإتحاد الأوروبي. فقد اشترط الإتحاد دمقرطة القوانين التركية حتى تصبح تركيا مؤهلة لدخول الإتحاد الأوروبي. وهذا ما ساعد أردوغان على كف يد الجيش عن التدخل في السياسة.
2-        تمكن أردوغان من مضاعفة الدخل الفردي للمواطن التركي 300% خلال سنوات محدودة. لذلك كان التأييد لحزبه من مختلف اتجاهات الشعب التركي: اليساري واليميني والكردي والعلوي.
3-        فتح مفاوضات مع أوجلان لإنهاء المسألة الكردية سلمياً. ووقف القتال. وعندما استأنف الأكراد القتال كان أوجلان ضد هذا الإستئناف، ولكن تغير الظروف أدى إلى أن أردوغان أصبح بحاجة إلى هذا القتال من أجل رفع حدة الصراع الإتني من أجل التمكن من تغيير الدستور.
4-        أوروبياً
أ‌-               كان أردوغان يتعاون مع أوروبا من أجل منع الهجرة ولكن أوروبا لم تف بالتزاماتها.
ب‌-      العمليات الإرهابية في فرنسا أو في بلجيكا قام بها فرنسيون وبلاجكة من الجيل الثالث من المهاجرين، إضافة إلى أنهم غير ملتزمين إسلامياً.
ت‌-      إيمانويل ماكرون، المرشح الحالي لرئاسة الجمهورية في فرنسا، والذي كان وزيراً للإقتصاد إبان العمليات الإرهابية في باريس، أعاد السبب ليس إلى إسلام أردوغان، إنما إلى إهمال الحكومات الفرنسية المتعاقبة للضواحي حيث يعشش الفقر والجريمة والمعروفة من قبل السلطات الأمنية.
ث‌-      أما إدغار موران، الفيلسوف الشهير، وزملاء له، يربطون الإرهاب بأسباب فرنسية أو أوروبية داخلية من دون إنكار التأثر (وليس الإلتزام) بالحركات الإرهابية في الشرق الأوسط.
5-        أما عن الإسلام على الطريقة الغربية، فالسيد جهاد الزين يعرف أن الناشط السويسري والأستاذ الجامعي في بريطانيا، طارق رمضان، والذي يدعو إلى "مسلم على النمط الغربي" والذي لا يدعو إلى العنف، ولكنه يدعو إلى قيم إسلامية تتكامل مع القيم الغربية، كان ممنوعاً من دخول فرنسا وأمريكا. (وحركة موران ورفاقه هي التي أجبرت الحكومة الفرنسية على السماح لطارق رمضان الدخول إلى الأراضي الفرنسية). فأوروبا، يا أستاذ جهاد، تريد مسلماً نمطياً يتناسب مع الصورة النمطية التي وضعتها للمسلم والتي تخدم أهدافها.
لو أن أوروبا وأمريكا تريد إسلاماً "غربياً" كانت سمحت للدعاة لهذا النمط من التدين بالنشاط. ولكن على العكس من ذلك فهي منعتهم من الكلام.
حتى لا نسترسل كثيراً، أردوغان دكتاتور، نعم! هاجمه لأنه سجن الآلاف من الشعب التركي ظلماً وعدواناً. هاجمه لأنه استخدم الأساليب الغربية من أجل خدمة طموحاته الشخصية على حساب الشعب التركي.
أما أن تهاجمه لأنه يضر المسلمين في أوروبا، فهذا ليس صحيحاً مطلقاً. علمانية أوروبا أصبحت علمانية داعشية مثل التدين الإسلامي الإرهابي الذي يرفضه معظم المسلمين. العيب موجود في وعي الطبقة الأوروبية المهيمنة والتي تحاول استثماره بتشويه الوعي المسيحي للمواطن الأوروبي وإعطائه الصفة الإلغائية.

                         في 16 آذار 2017

الأحد، 29 يناير 2017

ترامب والمناطق الآمنة

            
حسن ملاط
مع بدء الإحتجاجات الشعبية ضد اضطهاد النظام السوري، اتخذ الأخير قراراً بالمجابهة العنيفة لهذه الإنتفاضة. وقد قيل أن قوةً إقليميةً فاعلةً هي من دفعت النظام لاتخاذ هذا الموقف، وذلك لحسابات خاصة بها.
وانتشرت الإنتفاضة على أجزاء عديدة من البلاد. وخوفاً من تجربة الحركة الشعبية المستقلة، عمدت القوى الإقليمية إلى إغراء بعض القيادات المحلية للتعاون معها بحجة دعم الإنتفاضة، بحيث تمكنت من مصادرة قرارات هذه الجماعات. كما أن النظام بدوره، أخرج المساجين من أجل نفس الأسباب التي جعلت القوى الإقليمية تتدخل: أي القضاء على الإنتفاضة.
وتحولت المدن والبلدات السورية ساحة لحرب مواقع بين القوى الإقليمية والدولية، وقودها الشعب السوري وممتلكاته وتاريخه.
بعد مرور أكثر من سنة على الحرب، طالبت تركيا الإدارة الأمريكية بإقامة مناطق آمنة يتمكن المطرودون السوريون من بيوتهم وممتلكاتهم الإقامة فيها. ولكن الأخيرة لم تستجب للطلب. وظلت على موقفها إلى أن جاء الرئيس الجديد ترامب الذي صرح بأنه سيقيم حتماً مناطق آمنة سواء داخل سوريا أو في الدول المجاورة. أما ردود الفعل على الإعلان الأمريكي، فقد كانت كالتالي:
·                 نفى الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن تكون روسيا على علم بمخطط إقامة المناطق الآمنة .وقال للصحافيين "لم تشاور إدارة ترامب روسيا قبل أن تعلن خطة إقامة مناطق آمنة للنازحين في سوريا، لم يشاورنا شركاؤنا الأميركيون. هذا قرار سيادي"، وتابع قائلاً «من المهم ألا تفاقم (الخطة) الوضع بالنسبة للنازحين. ينبغي على الأرجح بحث كل العواقب".
·                 رحبت تركيا بالقرار على لسان الناطق باسم خارجيتها حسين مفتي أوغلو الذي قال إن أنقرة "تنتظر نتائج تعهد الرئيس الأميركي إقامة مناطق آمنة في سورية"، مشيراً إلى أن "تركيا تؤيد منذ فترة إقامة مثل هذه المناطق". وتابع «رأينا طلب الرئيس الأميركي إجراء دراسة، المهم هو نتائج هذه الدراسة وما هي نوع التوصية التي ستخرج بها".
·                 كما رحبت الحكومة القطرية باعلان ترامب، وصرح مدير المكتب الإعلامي بوزارة الخارجية القطرية احمد الرميحي بان بلاده "تؤكد على الحاجة الى انشاء مناطق آمنة في سوريا وفرض حظر للطيران لضمان سلامة المدنيين".
·                 أما إيران، وهي طرف رئيسي في الصراع الدائر على الأرض السورية، فلم تأت على ذكر النبأ، ربما حتى لا تُضطر للتعليق عليه!
وبعد يوم أو يومين من هذا الإعلان، جرى اتصال بين ترامب وبوتين. البيان الرسمي الأمريكي تأخر أربع ساعات عن الإعلان الروسي عن المحادثة الرئاسية. وقد جاء البيان مقتضباً وعاماً.
أما الإعلان الروسي، والذي كان أكثر تفصيلاً، فلم يأت على ذكر سورية أو القرار الأمريكي بشأن المناطق الآمنة على الأراضي السورية.
ولكن اللافت للإنتباه أن قناة "روسيا اليوم"، وهي شبه رسمية، قالت أن الرئيس الأمريكي تراجع عن إقامة مثل هذه المناطق الآمنة. وجاء في سياق النبأ أنه منقول عن ناطق رسمي أمريكي، لم يذكر اسمه، وأن "رويترز" هي من أذاعت النبأ. ولكن النبأ لم يكن موجوداً على موقع "رويترز" الإلكتروني ولا في أي موقع آخر، إلا منقولاً عن المحطة الروسية وليس عن وكالة "رويترز" الأمريكية.
ما هو مدلول الإعلان عن إقامة مناطق آمنة؟
الإحتمالات متعددة. أما نحن، فنعتقد أن لهذا الإعلان بعدين، أحدهما داخلي والآخر خارجي.
البعد الخارجي
أ‌-               إشعار موجه إلى الأطراف التي أشرفت على إعلان آستانة أن تتريث بمسيرتها السلمية بانتظار تكوين الإدارة الأمريكية الجديدة رأيها بالنسبة للتطورات السورية الداخلية.
ب‌-        وبما أن الأطراف المشرفة على اتفاق وقف النار الشامل داخل سورية مختلفة فيما بينها على تنفيذ هذا الوقف، فبذلك يكون الإعلان الأمريكي دعماً للنظام وإيران اللذين لم يوقفا القتال في الأماكن التي يرونها مهمة بالنسبة لهما، مثل وادي بردى على سبيل المثال. والحجة جاهزة، وذلك باتهام الطرف الذي يرونه مناسباً بأنه هو الموجود في هذه المنطقة.
ت‌-        استحالة اتخاذ أي قرار يختص بأي مشكلة ذات طابع دولي قبل المساهمة الأمريكية الفاعلة...
البعد الداخلي
منذ خطاب التنصيب، ركز ترامب على الوضع الأمريكي الداخلي. وكانت القرارات التي وقعها أو الأوامر التنفيذية تؤكد على أولوية الوضع الداخلي الأمريكي. من هنا فالقرار بشأن المناطق الآمنة في سورية، إن لم يكن له بعد داخلي، فلا معنى له.
1-          يريد الرئيس الأمريكي إعادة إحياء الطبقة الوسطى الأمريكية. وهذه الطبقة هي المعنية بالإستهلاك أولاً وأخيراً. أي أن الدورة الإقتصادية لا يمكن أن تتم بدون طبقة وسطى تملك ما تستهلك به. لذلك رأيناه طلب من الرأسمالية الصناعية أن تُعيد تنشيط الإنتاج الداخلي بالرغم من تكلفته الأعلى. فالحد الأدنى للأجور في الولايات المتحدة هو تسعة دولارات للساعة الواحدة. وأجر اليوم في الدول الأسيوية هو دولار واحد، أي أنه بدل ساعة للعامل الأمريكي، يعمل تسعة عمال سوريين، قبل الأحداث، يوماً كاملاً. حيث أن أجر العامل كان 50 ليرة سورية والدولار الواحد كان يساوي 50 ليرة سورية.
لذلك رأينا ترامب وعد أصحاب رؤوس الأموال بتخفيض الضرائب من 35% إلى 4 أو 5%.
2-          وبما أن المصانع التي لازالت نشطة في الداخل الأمريكي هي التي تختص بصناعة الأسلحة والتكنولوجيا المتقدمة، لذلك رأينا الرئيس الأمريكي يسعر اللهجة الحربية: التدخل في سورية، عدم السماح للصين باستغلال بحر الصين الجنوبي كما تشاء مثل بناء الجزر الإصطناعية لاستخدامات أمنية أو عسكرية. تنشيط وتحديث الأسلحة النووية...إلخ وهذا سيؤدي حتماً إلى خلق فرص عمل جديدة؛ من دون أن نغفل إمكانية التقنية الحديثة الإستغناء عن الكثير من العمالة البشرية بعمالة آلية.
3-          الحمائية، والتي تؤدي إلى تنشيط الدورة الإقتصادية الداخلية وتسريعها من أجل العمالة.
هذه أهم الأسباب التي دفعت ترامب للإعلان عن إقامة المناطق الآمنة.
هل الحمائية التي يريدها ترامب هي ضد العولمة النيوليبيرالية كما يرى البعض؟
نحن لا نرى ذلك، إنما ما يريده ترامب هو حماية المركز (أي أمريكا) بحيث تتمكن من القيام بجميع ما يفترض بأنه يحمي هيمنة الدولار والنمط الأمريكي على العالم. لذلك، ركز الرئيس الأمريكي على الإستثمار في الداخل من دون الطلب عدم الإستثمار في الخارج، إنما إعطاء الأولوية للداخل (المركز). كما وركز على الصناعة الحربية، أي النمط الأمريكي المفروض على العالم بقوة السلاح. والقبول بالشراكة مع أطراف أخرى في المناطق التي يرى فيها ضرورة الشراكة، ومنها الشرق الأوسط.
                              29 كانون الثاني 2017



الثلاثاء، 24 يناير 2017

ترامب، الرئيس!

                 
حسن ملاط
وقف المرشح للرئاسة الأمريكية، دونالد ترامب، وقال للناس أنه ضد السود واللاتين والمسلمين وأنه عنصري مع الطبقة المتوسطة البيضاء، وأنه سيمنع دخول المسلمين إلى أمريكا، وسيبني جداراً مع المكسيك، على أن تدفع المكسيك تكاليفه ووو...
نجح ترامب وأصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. وبدأت التعليقات التي تجعلك تعتقد أن هؤلاء المعلقين قد اكتشفوا المستور: ترامب عنصري (هو من قال ذلك على الملأ)، ترامب ضد السود والمسلمين ووو وجميع ما كان قد قاله. وتأكيد المؤكد يكون ضد البلاغة عادة...
في خطاب التنصيب، أكد ترامب على السياسة التي سينتهجها من دون مواربة. وبدأ تنفيذ بعضها. فقد وقع مرسوماً تنفيذياً  بالانسحاب من معاهدة التبادل الحر عبر المحيط الهادئ، واعلن انه سيبدأ باعادة التفاوض في شأن معاهدة التبادل الحر في أميركا الشمالية "نافتا" مع رئيسي كندا والمكسيك اللذين سيلتقيهما قريبا. كما قد يعيد الرئيس الجديد النظر في برنامج "داكا" الذي طبقه باراك أوباما عام 2012 والذي يسمح لاكثر من 750 الف مهاجر غير شرعي أتوا في سن مبكرة الى الولايات المتحدة، بالحصول على إجازات اقامة وعمل.
وهكذا يبدو واضحاً أن الرئيس الأمريكي الجديد كان جدياً في تنفيذ الشعارات التي طرحها خلال حملته الإنتخابية.
إن المبادرة السريعة إلى تنفيذ هذه الوعود الإنتخابية تحمل دلالة أن ما يقوم بتنفيذه يعبر عن معاناة حقيقية للجمهور الذي أوصله إلى البيت الأبيض.
نحن لا نقول بأنه سيحقق جميع ما وعد به، لأن بعض ما وعد به يتناقض مع مصالح الدولة الأمريكية، مثال الإنسحاب من الحلف الأطلسي. وهذا ما دفع وزير دفاعه الجديد إلى التصريح بأن الولايات المتحدة ملتزمة بحلف الناتو.
ماذا قال ترامب في خطاب التنصيب؟
1-          اليوم لسنا ننقل السلطة من إدارة إلى أخرى، أو من طرف لآخر فحسب – ولكننا ننقل السلطة من واشنطن العاصمة ونعيدها للشعب الأمريكي.
هذا كلام شعبوي ولكنه يحمل دلالة على أن هناك انفصالاً كبيراً بين الطبقة السياسية الأمريكية والجماهير الشعبية الأمريكية. أما خلاف ذلك، فهو يدل على انفصال بين الشعارات التي نجح على أساسها ومشاعر الناس، وهذا غير منطقي.
2-           ازدهرت واشنطن - ولكن الناس لم تشارك في ثروتها. ازدهر السياسيون – ولكن الوظائف قلت والمصانع أغلقت.
هنا يقول الرئيس الجديد أن الطبقة السياسية لا تمثل مصالح الناس، ليس سياسياً فقط، إنما معيشياً أيضاً.
3-          الأمهات والأطفال يحاصرهم الفقر في مدننا الداخلية، المصانع الصدئة منتشرة مثل شواهد القبور في أمتنا. نظام التعليم لديه الكثير من النقد، ولكن يترك طلابنا الشباب محرومين من المعرفة، والجريمة والعصابات والمخدرات التي سرقت الكثير من الأرواح، سلبت بلدنا الكثير من الإمكانيات غير المستغلة في بلدنا.
ثروة الطبقة الوسطى لدينا انتُزعت من منازلهم ووُزعت في جميع أنحاء العالم.

هذا كلام خطير جداً، يعبر عن تناقض حاد على صعيد الطبقة الرأسمالية التي تقود السياسات الأمريكية. المصانع الصدئة تعني أن الأولوية أصبحت للرأسمال المالي. هذا الرأسمال الذي لا يخلق فرص عمل إنما يؤمن الأرباح الضخمة لعدد محدود من الناس. فتأسيس مصنع في الصين أو تايوان أو المكسيك يخلق فرص عمل لعمال هذه البلاد، ولكن صاحب الرأسمال الأمريكي يستحصل على الأرباح ولا يستفيد العامل الأمريكي أو أعضاء الطبقة المتوسطة بشيء من هذا الإستثمار الأمريكي الضخم.
إن أزمة 2008 كانت في الدرجة الأولى بسبب العمليات المالية الوهمية التي لا تخلق قيماً حقيقية، وكانت أيضاً بسبب عدم التوظيف في الإقتصاد الحقيقي، والتوظيف في العمليات الوهمية، والتي كانت بأكثريتها ممنوعة قانوناً. خسر أبناء الطبقة المتوسطة ممتلكاتهم ومدخراتهم وعوضت الدولة على البنوك التي أنتجت هذه الأزمة التي تركت انعكاساتها على العالم بأجمعه.
تساؤل بول كروغمان وتوماس بيكيتي عن سبب دفع الدولة أموال الناس للبنوك وليس للناس الذين خسروا كل شيء كان محقاً.
جاء دونالد ترامب ليقول للناس أنه يريد تأمين فرص عمل للطبقة المتوسطة والتي أكثريتها من البيض ويقول لأصحاب رؤوس الأموال أن يعيدوا تأسيس مصانعهم في البلاد. وبما أنه ينتمي للطبقة التي تنهب الشعب الأمريكي ، فقد وجه عداء الطبقة المنكوبة إلى السود والمهاجرين والمسلمين. هو لا يريد تنشيط الصراع الطبقي، إنما يريد حماية أمريكا بواسطة أحفاد الذين أبادوا سكان أمريكا الأصليين وليس بواسطة المسلمين واللاتين والأفارقة.
لا يمكننا القول أن هناك صراعاً بين فئات أصحاب الرأسمال المعولم، لأنه لا رأسمال إلا معولم، ولكن ما يريده ترامب هو أن يفهم أصحاب رؤوس الأموال هو أنهم عليهم أن يضمنوا استقرار المركز بإيجاد فرص عمل متجددة للطبقة الوسطى التي يقوم على عاتقها الإستهلاك، مبرر استمرار النظام الرأسمالي.
4-          دعمنا جيوش بلدان أخرى في وقت تضاءل جيشنا للغاية بشكل محزن. دافعنا عن حدود البلاد الأخرى بينما رفضنا الدفاع عن أنفسنا. أنفقنا تريليونات من الدولارات في الخارج في حين تردت حال البنية التحتية في أميركا التي هي في حالة سيئة ومضمحلة.
سنعزز تحالفاتنا القديمة ونشكل أخرى جديدة – وسنوّحد العالم المتحضر ضد الإرهاب الإسلامي المتطرف، الذي سنزيله من على وجه الأرض.
هنا يريد ترامب تأمين حماية استغلال الأمريكي للشعوب على نفقة المنهوبين وليس الناهبين! وهذا ما جعله يتحدث عن التضحيات التي يقدمها الغزاة الأمريكان في بلادنا. وهذا مؤشر على احتمال تبديل التحالفات في منطقتنا. القوة الإقليمية الوحيدة التي لا تكلف الإدارة الأمريكية شيئاً وتتعاون معها في مهماتها هي إيران. هل هذا الإتجاه سيخلق تعاوناً بين الإدارة الجديدة والإدارة الإيرانية في الساحات المشتركة (الشرق الأوسط وآسيا)؟
خلاصة
دونالد ترامب، كجميع الرؤساء الذين سبقوه، باستثناء باراك أوباما، هو حفيد الذين أبادوا عشرات ملايين من أهالي أمريكا. وليس بإمكانه أن يكون إلا خادماً للظلمة في هذا العالم.
ترامب تمكن من اكتشاف نقطة التقاطع بين مصالح الطبقة الوسطى البيضاء في أمريكا والطبقة الرأسمالية المسيطرة، على أن تتخلى هذه الأخيرة عن جزء من أرباحها السهلة من أجل تدعيم قوة المركز، أي أمريكا. وهذا يتطلب منها الإعتماد ضمن الساحة الأمريكية على الإقتصاد الحقيقي وليس الوهمي، أي التأكيد على الرأسمال الصناعي والزراعي وليس على الرأسمال المالي. فالإقتصاد الحقيقي هو الذي يولد الإستقرار في المجتمع.
ومن أجل عدم فتح الأعين على الصراع الطبقي، حول الرئيس الجديد الصراع إلى صراع إتني وديني.
أما بالنسبة لبلادنا، فمن ينتظر وهم مساعدة الإدارة الأمريكية له، فلينتظر طويلاً!
أوباما، حفيد المضطهدين (بفتح الهاء)، قدم أكبر كمية من المساعدات للكيان الصهيوني، حسب معلومات معهد واشنطن المقرب من الصهاينة.
                              24 كانون الثاني 2017