قراءة في "الرؤية السياسية للجماعة الاسلامية في لبنان"
حسن ملاط
أصدرت "الجماعة الاسلامية" في لبنان وثيقة سياسية، أسمتها " الرؤية السياسية للجماعة الاسلامية في لبنان". وجاءت هذه الوثيقة بعد مؤتمر عام لهذه الجماعة، وكان تاريخ إصدارها الرابع والعشرين من حزيران 2010 ، وهي مؤلفة من ست عشرة صفحة.
تعتبر الوثيقة أن الشعب اللبناني مؤلف من تسع عشرة طائفة، أي أن ميزة اللبناني هو انتماؤه لإحدى الطوائف المكونة لهذا المجتمع. وهذا التصنيف يتسم بالخطورة لأنه يمنع إمكانية التواصل مع الطوائف الأخرى إلا عبر ممثليها "الشرعيين" والذين يكونون، عادةً، منسجمين مع الفئات المسيطرة في هذه الطوائف وفي المجتمع اللبناني. كما وأن هذا التصنيف يعد تأبيداً للانتماء الطائفي أو المذهبي، ويمنع إمكانية الاختراق للطوائف، لأن الانتماء الطائفي يمنع اعتبار الفرد مواطناً في دولة. لذلك لم تتحدث الوثيقة عن المواطن اللبناني، ولم تتحدث إلا عن نضال الجماعة بين المسلمين، وإمكانية أو ضرورة الانفتاح على "أطراف الساحة الشيعية" لإيمان الجماعة الاسلامية بالوحدة الاسلامية. فكأني بالجماعة تريد أن يناضل كل منتم إلى مذهب ما ضمن نطاق مذهبه ومن ثم نصل إلى تنظيم معين للعلاقات بين الطوائف... أي علينا أن نناضل حتى نصل إلى مجتمع أكثر تخلفاً مما نراه الآن. هذا، علماً أن القرآن الكريم يريد منا أن نوسع دائرة التلاقي بين الناس، فيقول: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير".(الحجرات 13).
صحيح أن الوثيقة تتحدث بنفس إسلامي ولكنه يتضمن إنتماءها للطائفة السنية، علماً أنها لم تذكر الطائفة السنية بالاسم، وهذه إحدى الإيجابيات.
تقول الوثيقة: "لقد كانت الجماعة الاسلامية على الدوام جزءاً أساسياً من مكونات المقاومة الاسلامية والوطنية، تلك المقاومة التي لاقت الاحتضان والدعم من مختلف شرائح المجتمع اللبناني والعربي، فضلاً عن الاحتضان الرسمي، مما أسهم بتحرير القسم الأكبر من الأرض اللبنانية المحتلة، والصمود التاريخي إبان عدوان تموز 2006م".
تضيف الوثيقة: "إلا أن هذا الاحتضان تعثر فيما بعد، وخاصة بعد أن أقحمت المقاومة في المعادلة اللبنانية الداخلية،وتحديداً في أحداث 7 أيار من العام 2008 م، حيث كاد البلد ينزلق إلى أتون فتنة مذهبية تذهب بكل المنجزات التي تحققت، وتهدي للعدو بالمجان ما عجز عن أخذه بكل آلته الحربية". (ص 13 من الوثيقة).
ليس صحيحاً أن المقاومة " لاقت الاحتضان والدعم من مختلف شرائح المجتمع اللبناني والعربي، فضلاً عن الاحتضان الرسمي". لقد لاقت إحتضاناً من أطراف معينة من المجتمع الرسمي، ومن أطراف معينة في المجتمع اللبناني، هذا صحيح. ولكن الكتائب والقوات اللبنانية كانتا دوماً معاديتين للمقاومة. فهما من الذين تعاونوا مع القوات الاسرائيلية في احتلال 1982 والتي انطلقت المقاومات الوطنية والاسلامية نتيجة لهذا الاحتلال. وإبان هذا الاحتلال "قامت القوات اللبنانية بتقتيل الشعب اللبناني والفلسطيني بحماية ومشاركة القوات الصهيونية المحتلة".
إن انخراط "الجماعة الاسلامية" الغير طبيعي مع أطراف 14 آذار هو الذي جعلها "تزور" التاريخ حتى تجد لنفسها مبرراً بالتحالف مع القوات اللبنانية في الانتخابات اللبنانية النيابية والبلدية. علماً أن جمهور الجماعة الاسلامية رافض لهذه التحالفات التي يجر تيار المستقبل الجماعة الاسلامية لها. والدليل الأكبر هو النجاحات التي حققتها الجماعة الاسلامية في الانتخابات البلدية بمعزل عن تيار المستقبل.
ومع هذا فالجماعة الاسلامية لم تغير خطابها فهي تقول: "العلاقات في الساحة اللبنانية: تنطلق الجماعة الاسلامية في رؤيتها للعلاقة مع مختلف القوى اللبنانية من قاعدة " نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه" ، أي أننا نبحث عن المساحات المشتركة وليس عن مساحات الخلاف مع شركائنا في الوطن، فنحن نعتبر أن الساحة الداخلية لا يوجد فيها أعداء، إذ العدو الأوحد في تصنيفنا هو الكيان الصهيوني ومن يقف إلى جانبه أو يؤيده، أما ما عدا ذلك فنحن وإياه إما في تحالف أو تعاون، أو في خلاف سياسي مرحلي تحكمه الأعراف الديموقراطية وحرية الرأي". نحن نقول ما تقوله الجماعة: عدونا اليهود ومن يقف معه. ولكننا نضيف أن الادارة الأمريكية هي حليف لاسرائيل والصهيونية والمدافع الأول عنها. لذلك فهي تدخل ضمن دائرة الأعداء. كما وأن الأطراف الداخلية اللبنانية التي تريد القضاء على المقاومة وسلاحها والتي تتمثل ببعض أطراف 14 آذار مثل القوات اللبنانية والكتائب وبعض أطراف تيار المستقبل لا يمكن إعتبارهم إلا حلفاء موضوعيين لإسرائيل. من هنا وجب على الجماعة أن تحدد وبوضوح من هم حلفاءها في الداخل وفي الخارج. ولكننا نقول بأن ما يمنعها من ذلك هو تحالفها الغير طبيعي مع تيار المستقبل والناتج عن دوافع مذهبية. من أجل ذلك نراها تُجَهِّل الفاعل في أحداث 7 أيار 2008 ، فهي تقول أن المقاومة "أُقحمت" والفعل مبني للمجهول. فالجماعة الاسلامية لا تعرف أن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة هي التي أرادت أن تكشف جميع اتصالات المقاومة للعدو الصهيني كرمى لعيون الأمريكان. فكان لابد من الرد على ما قامت به الحكومة وكانت أحداث 7 أيار لحماية المقاومة والتي ساهمت الجماعة الاسلامية بسكوتها عن الحقيقة كما وأطراف المعارضة السنية، أي تجهيل الفاعل بالمساهمة مع أطراف 14 آذار بإعطاء أحداث أيار طابعاً مذهبياً. وهذا نتيجة تصنيف اللبناني على أنه فرد ينتمي لمذهب وطائفة وليس مواطناً يتمتع بحق المواطنية.
نأتي إلى الساحة المسيحية، تقول الوثيقة: "أما الساحة المسيحية، فنحن نعتبر أننا نجحنا إلى حد كبير في كسر الحواجز التي كانت بيننا وبينها للتعاون في تكريس العيش المشترك، والتعاون في بناء هذا الوطن على أسس سليمة تتماشى مع تطلعاتنا وقيمنا وأخلاقنا".
نحن نعتقد أن هذا التوصيف ليس صحيحاً. إن الأطراف المسيحية التي وجدت الجماعة الاسلامية معها لغة مشتركة هي أطراف 14 آذار وهم معادون للمقاومة وخط المقاومة. أي أن الجماعة الاسلامية تنازلت عن مبادئها وتحالفت مع أطراف في الساحة المسيحية. فهذه النقطة سلبية وليست ايجابية بالنسبة للجماعة الاسلامية.
تقول الوثيقة: "أما مطلبنا في تحقيق الوحدة الاسلامية، وتخوفنا من محاولات زرع الفتنة المذهبية في صفوفنا، فيحتم علينا السعي لبناء علاقة متينة ومميزة مع أطراف الساحة الشيعية، هذا فضلاً عما يجمعنا في موضوع المقاومة ضد العدو الصهيوني، وهي مسألة استراتيجية بالنسبة للجماعة".
نتمنى ذلك. ولكن تحقيق ذلك يستوجب التعامل مع اللبناني على أنه مواطن يتبنى أفكاراً محددة، وليس مخلوقاً مذهبياً أو طائفياً.
لا أعلم إن كان من الضروري أن أشير أن الوثيقة لم تذكر سوريا أو ايران بالاسم علماً أن المقاومة تعتبر ايران وسوريا من الأطراف الداعمة للمقاومة. هل أن الساحة السنية لا تتحمل ذكر هاتين الدولتين بالاسم؟ أم أن هناك أسباباً أخرى لا يمكن الافصاح عنها.
ومع هذا فإن الاتجاه العام للوثقة يعتبر ايجابياً.
25 حزيران 2010
بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية
حسن ملاط
- فكر وتربية
- القلمون, طرابلس, Lebanon
- كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.
السبت، 26 يونيو 2010
الاثنين، 15 فبراير 2010
حول لباس المرأة المسلمة
حول لباس المرأة المسلمة
حسن ملاط
مقدمة
الزي الذي تلبسه النساء أو ذلك الذي يلبسه الرجال هو ظاهرة إجتماعية، تختلف من مجتمع إلى آخر. كما وأنها تتأثر بعوامل عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر: المناخ، الغنى والفقر، التقدم الاقتصادي وغيرها من العوامل وأهمها على الاطلاق المفاهيم السائدة في هذا المجتمع. وتأثير هذه العوامل على الزي لا يستدعي إقناع الرجل أو المرأة بارتداء هذا الزي لأن ارتداءه شيء طبيعي. أما الحديث عن الزي في أيامنا هذه فهو ناتج عن اعتبار الأكثرية المطلقة أن الزي مفروض عليهم من خارج.
كيف تحدث القرآن الكريم عن الموضوع
قال ربنا تبارك وتعالى متحدثاً عن زي النساء بهذه الكلمات المختصرات " ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها". وعندما تأتي صيغة "إلا ما ظهر منها" فهذا يعني أن جميع الناس يعلمون ما هو مدلول هذا الكلام، لأنه ما أنزل إلا لإفهام الناس ما هو المطلوب منهم، أو منهن إذا كان الحديث موجهاً للنساء. وأما المطولات في أيامنا هذه عن الزي ومتطلباته فهو ناتج عن أن كاتبي هذه المطولات يضيفون إلى كلام الله تبارك وتعالى جميع مفاهيم وعادات وتقاليد الشعوب المختلفة التي دخلت في دين الإسلام.
كلنا يعلم أن الاسلام دين الفطرة، أي أن الانسان يتقبله من غير تعقيد. إنه يدخل قلب الانسان من غير وسائط إصطناعية. من أين نتج التعقيد إذن في جميع الأمور التي يطرحها الناس في هذا الدين الحنيف؟
أتساءل هل كان من المعقول دخول الناس في هذا الدين "أفواجاً" لو كان الدخول فيه يتطلب من الذي يريد أن يؤمن أن يحمل امتيازاً في الفلسفة أو في العلوم؟ إن هذا السؤال يتضمن الجواب وهو أن التعقيد ليس من أصل الدين، إنما الذين فرضوا هذه التعقيدات هم العاملون على إيضاح متطلبات هذا الدين. وعوضاً عن تبسيط المفاهيم، البسيطة أصلاً، كما مر معنا، يعقدونها.
لماذا السؤال عن اللباس الشرعي في أيامنا هذه؟ الأكثرية الساحقة من المسلمين والمسلمات هم كذلك بالتقليد، أي لأن أهاليهم مسلمون. فلماذا لا تطرح الأنثى على أمها المسلمة هذا السؤال وكذلك يفعل الشاب المسلم. ولماذا التحدث عن اللباس الشرعي للأنثى وليس عن اللباس الشرعي للفتى؟ أليس الفتى مكلفاً كما الفتاة؟ (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم)، (وقل للمؤمنات أن يغضضن من أبصارهن، ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن). هذا الخطاب القرآني موجه للنساء وللرجال على السواء. وهذا يعني أن المساواة في الخطاب تتطلب أن يرى الرجال والنساء أنفسهم متساوين لأن الله تبارك وتعالى تحدث معهم بنفس الأسلوب. أليس من الطبيعي أن تعرف الأم الاجابة عن السؤال حول اللباس وكذلك الأب؟
إن طرحي لهذه الأسئلة هو حتى أقول أن السؤال عن اللباس الشرعي للفتاة هو سؤال من خارج، إنه سؤال مفتعل، إنه لا يتناسب مع الفطرة. والإسلام دين الفطرة.
أوضح فأقول، إن التشوهات التي أدخلها المجتمع على عقولنا هي التي أفسدتنا. وهذا ما يجعلنا نتذكر حديث نبينا صلى الله عليه وسلم "يولد الانسان على الفطرة فأبواه يهودانه..." إلى آخر الحديث. فالنبي عليه السلام يبين لنا أن المجتمع هو الذي يشوه فطرة الانسان، أو هو الذي يدخل التعقيدات على المفاهيم والممارسات التي تفهم بالفطرة من غير واسطة من أحد.
هل أني بحديثي هذا أقوم بتعطيل دور العلماء أو الدعاة إلى الله تبارك وتعالى؟ بالطبع لا، ولكن ما أدعو إليه هو أن يتواضع العلماء ويطرحوا قضايا ديننا الحنيف بالشكل الذي يمكن عامة الناس من فهم قضاياه. كما وأدعو إلى تواضع من نوع آخر وهو أن لا يعتبر هؤلاء العلماء أنفسهم أشد غيرة على دين الله من النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بما يسمى "سد الذرائع" كما جاء في الفتوى التي أوردها شيخنا الجليل يوسف القرضاوي، أطال الله في عمره.
عن ابن عباس قال: كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة حسناء من أحسن الناس وكان بعض القوم يستقدم في الصف الأول لأن لا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع قال: هكذا ونظر من تحت إبطه، وجافى يديه فأنزل الله عز وجل في شأنهم "ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين".أورده الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الاسناد.
عن أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل بن حجر زعم أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد فاستغاثت بهم فأدركوا التي استغاثت به وسبقهم الآخر فذهب فجاؤا يقودونه إليها فقال: إنما أنا الذي أغثتك وذهب الآخر فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم...إلخ. هذه الواقعة رواها البيهقي في السنن الصغرى.
في الروايتين نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب من الأولى أن تغطي وجهها ولم يطلب من النساء عدم المجيء إلى الصلاة في المسجد بحجة "سد الذرائع". كما وأني على يقين أن النبي صلى الله عليه وسلم يغار على نسائنا أكثر من أنفسنا.
قال نافع مولى عبد الله بن عمر: حدثني عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى النساء في احرامهن عن النقاب والقفازين وما مس الورس (لون أحمر) والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من الألوان معصفراً أو خزاً أو حلياً أو سراويل أو قمصاً أو خفاً. أورده البيهقي في السنن الصغرى.
عن الحسن قال: رأيت نساءً من نساء المدينة يصلين في الخضاب. أورده الدارمي في سننه.
وعن ابن عباس قال: كن نساءنا إذا صلين العشاء الآخرة اختضبن فإذا أصبحن أطلقنه وتوضأن وإذا صلين الظهر اختضبن فإذا أردن أن يصلين العصر أطلقنه وتوضأن وإذا صلين الظهر اختضبن فإذا أردن أن يصلين العصر أطلقنه فأحسن خضابه ولا يحبسن عن الصلاة. أورده الدارمي في سننه.
ويصف أحدهم عائشة فيقول: ورأيت عليها درعاً مورداً. أورده البخاري في صحيحه.
عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت: يا نبي الله بايعني قال: لا، حتى تغيري كفيك، كأنهما كف سبع. أورده أبو داود في سننه.
قال لامرأة أخرى: ألا اختضبي، تترك إحداكن الخضاب حتى تكون يدها كيد الرجل. أورده السيوطي في جمع الجوامع.
وعن صفية بنت عصمة عن عائشة رضي الله عنها: أومت امرأة من وراء سترها بيدها كتاباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال: ما أدري أيد رجل أم يد امرأة، قالت: بل امرأة قال: لو كنت امرأة لغيرت أظفارك، يعني بالحناء. أورده أبو داود في سننه.
عن ابن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضأون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال مسدد من الاناء جميعاً. أورده أبو داود في سننه.
و عن ابن عمر قال: كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء أحد ندلي فيه أيدينا. أورده أبو داود في سننه.
عن ابن عباس قال: أردف النبي صلى الله عليه وسلم الفضل بن العباس، يوم النحر على عجز راحلته، وكان الفضل رجلاً وضيئاً فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم وأقبلت امرأة من حقم وضيئة تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها – وفي رواية أخرى: فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها فأخلف بيده وأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها. رواه البخاري ومسلم في الصحيحين والبيهقي في الصغرى.
لو أن هذه القصة حصلت في أيامنا هذه لرأينا من يفتي بعدم ذهاب النساء إلى الحج كما أفتوا بعدم ذهابهن إلى المسجد.
حدثنا عثمان بن عمر: وأما الأمة قبل أن تعتق فرأسها ورقبتها وجذور يديها وقدمها وما يظهر منها حال المهنة ليس بعورة. أورده البيهقي في السنن الصغرى.
إن قراءة هذه الأحاديث تبين بشكل جلي أنه لا تعقيد في لباس المرأة حسب الشريعة الاسلامية، كما وأنه لا تعقيد في علاقة المرأة بالرجل خاصة إذا جعلنا الشرع الحنيف هو ميزان هذه العلاقة.
إن أحد أهم الأسباب التي جعلتنا جميعاً، رجالاً ونساءًً معقدين هو خوضنا في مفاهيم المجتمع الاستهلاكي. هذه المفاهيم التي حولتنا من منتجين إلى مستهلكين. فقد أصبح لزاماً علينا أن نقارن ما يفرضه المجتمع الاستهلاكي علينا من أزياء، نقارنها بما يفرضه علينا ديننا الحنيف. وهنا يكمن المرض. حيث أننا نتصور أن الدين يفرض علينا ممارسة معينة ونحسبها مفروضة علينا من خارج. وكأن الدين لم يعد قناعة داخلية له الأولوية في محاكمة جميع المفاهيم التي نصادفها في حياتنا العملية، فنقبل ما يتوافق مع فطرتنا ونرفض ما لا يتوافق مع هذه الفطرة. والدين لا يفرض ما لا يتوافق مع الفطرة. ولكن مفاهيم المجتمع الاستهلاكي هي التي تناقض فطرتنا وبالتالي ديننا.
فلينظر كل منا إلى نفسه، ألا يستحيي من أن لا يلبس آخر زي فرضه علينا بيار كاردان مثلاً. ألا يستحي من أن لا يلبس حذاءً موجود عليه ماركة معينة؟ ثم يروح أو يلجأ إلى سيل التبريرات أن هذا أقوى وأمتن. ولم يفكر أنه إذا استهلك من مصنوعات بلده يخف ارتباطه بأعداء أمتنا ومضطهدينا، وبالتالي تصبح إمكانية التحرر منهم أقرب منالاً. وهكذا نكون مستهلكين لثقافتهم ومستهلكين لمصنوعاتهم. وكيف سنبني ديننا إذا لم نكن منتجين؟
لايمكننا أن نكون غربيين في فكرنا ومسلمين في عقيدتنا. إن الكلام عن زي المرأة المسلمة فرضه علينا الكم الهائل من الأزياء التي تفرضه علينا دور الأزياء الغربية التي تصادر أموالنا وعقولنا في آن.
أختم فأقول أن إيماننا لا يترسخ حتى يصبح هوانا تبعاً لما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم.
حسن ملاط
مقدمة
الزي الذي تلبسه النساء أو ذلك الذي يلبسه الرجال هو ظاهرة إجتماعية، تختلف من مجتمع إلى آخر. كما وأنها تتأثر بعوامل عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر: المناخ، الغنى والفقر، التقدم الاقتصادي وغيرها من العوامل وأهمها على الاطلاق المفاهيم السائدة في هذا المجتمع. وتأثير هذه العوامل على الزي لا يستدعي إقناع الرجل أو المرأة بارتداء هذا الزي لأن ارتداءه شيء طبيعي. أما الحديث عن الزي في أيامنا هذه فهو ناتج عن اعتبار الأكثرية المطلقة أن الزي مفروض عليهم من خارج.
كيف تحدث القرآن الكريم عن الموضوع
قال ربنا تبارك وتعالى متحدثاً عن زي النساء بهذه الكلمات المختصرات " ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها". وعندما تأتي صيغة "إلا ما ظهر منها" فهذا يعني أن جميع الناس يعلمون ما هو مدلول هذا الكلام، لأنه ما أنزل إلا لإفهام الناس ما هو المطلوب منهم، أو منهن إذا كان الحديث موجهاً للنساء. وأما المطولات في أيامنا هذه عن الزي ومتطلباته فهو ناتج عن أن كاتبي هذه المطولات يضيفون إلى كلام الله تبارك وتعالى جميع مفاهيم وعادات وتقاليد الشعوب المختلفة التي دخلت في دين الإسلام.
كلنا يعلم أن الاسلام دين الفطرة، أي أن الانسان يتقبله من غير تعقيد. إنه يدخل قلب الانسان من غير وسائط إصطناعية. من أين نتج التعقيد إذن في جميع الأمور التي يطرحها الناس في هذا الدين الحنيف؟
أتساءل هل كان من المعقول دخول الناس في هذا الدين "أفواجاً" لو كان الدخول فيه يتطلب من الذي يريد أن يؤمن أن يحمل امتيازاً في الفلسفة أو في العلوم؟ إن هذا السؤال يتضمن الجواب وهو أن التعقيد ليس من أصل الدين، إنما الذين فرضوا هذه التعقيدات هم العاملون على إيضاح متطلبات هذا الدين. وعوضاً عن تبسيط المفاهيم، البسيطة أصلاً، كما مر معنا، يعقدونها.
لماذا السؤال عن اللباس الشرعي في أيامنا هذه؟ الأكثرية الساحقة من المسلمين والمسلمات هم كذلك بالتقليد، أي لأن أهاليهم مسلمون. فلماذا لا تطرح الأنثى على أمها المسلمة هذا السؤال وكذلك يفعل الشاب المسلم. ولماذا التحدث عن اللباس الشرعي للأنثى وليس عن اللباس الشرعي للفتى؟ أليس الفتى مكلفاً كما الفتاة؟ (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم)، (وقل للمؤمنات أن يغضضن من أبصارهن، ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن). هذا الخطاب القرآني موجه للنساء وللرجال على السواء. وهذا يعني أن المساواة في الخطاب تتطلب أن يرى الرجال والنساء أنفسهم متساوين لأن الله تبارك وتعالى تحدث معهم بنفس الأسلوب. أليس من الطبيعي أن تعرف الأم الاجابة عن السؤال حول اللباس وكذلك الأب؟
إن طرحي لهذه الأسئلة هو حتى أقول أن السؤال عن اللباس الشرعي للفتاة هو سؤال من خارج، إنه سؤال مفتعل، إنه لا يتناسب مع الفطرة. والإسلام دين الفطرة.
أوضح فأقول، إن التشوهات التي أدخلها المجتمع على عقولنا هي التي أفسدتنا. وهذا ما يجعلنا نتذكر حديث نبينا صلى الله عليه وسلم "يولد الانسان على الفطرة فأبواه يهودانه..." إلى آخر الحديث. فالنبي عليه السلام يبين لنا أن المجتمع هو الذي يشوه فطرة الانسان، أو هو الذي يدخل التعقيدات على المفاهيم والممارسات التي تفهم بالفطرة من غير واسطة من أحد.
هل أني بحديثي هذا أقوم بتعطيل دور العلماء أو الدعاة إلى الله تبارك وتعالى؟ بالطبع لا، ولكن ما أدعو إليه هو أن يتواضع العلماء ويطرحوا قضايا ديننا الحنيف بالشكل الذي يمكن عامة الناس من فهم قضاياه. كما وأدعو إلى تواضع من نوع آخر وهو أن لا يعتبر هؤلاء العلماء أنفسهم أشد غيرة على دين الله من النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بما يسمى "سد الذرائع" كما جاء في الفتوى التي أوردها شيخنا الجليل يوسف القرضاوي، أطال الله في عمره.
عن ابن عباس قال: كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة حسناء من أحسن الناس وكان بعض القوم يستقدم في الصف الأول لأن لا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع قال: هكذا ونظر من تحت إبطه، وجافى يديه فأنزل الله عز وجل في شأنهم "ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين".أورده الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الاسناد.
عن أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل بن حجر زعم أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد فاستغاثت بهم فأدركوا التي استغاثت به وسبقهم الآخر فذهب فجاؤا يقودونه إليها فقال: إنما أنا الذي أغثتك وذهب الآخر فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم...إلخ. هذه الواقعة رواها البيهقي في السنن الصغرى.
في الروايتين نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب من الأولى أن تغطي وجهها ولم يطلب من النساء عدم المجيء إلى الصلاة في المسجد بحجة "سد الذرائع". كما وأني على يقين أن النبي صلى الله عليه وسلم يغار على نسائنا أكثر من أنفسنا.
قال نافع مولى عبد الله بن عمر: حدثني عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى النساء في احرامهن عن النقاب والقفازين وما مس الورس (لون أحمر) والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من الألوان معصفراً أو خزاً أو حلياً أو سراويل أو قمصاً أو خفاً. أورده البيهقي في السنن الصغرى.
عن الحسن قال: رأيت نساءً من نساء المدينة يصلين في الخضاب. أورده الدارمي في سننه.
وعن ابن عباس قال: كن نساءنا إذا صلين العشاء الآخرة اختضبن فإذا أصبحن أطلقنه وتوضأن وإذا صلين الظهر اختضبن فإذا أردن أن يصلين العصر أطلقنه وتوضأن وإذا صلين الظهر اختضبن فإذا أردن أن يصلين العصر أطلقنه فأحسن خضابه ولا يحبسن عن الصلاة. أورده الدارمي في سننه.
ويصف أحدهم عائشة فيقول: ورأيت عليها درعاً مورداً. أورده البخاري في صحيحه.
عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت: يا نبي الله بايعني قال: لا، حتى تغيري كفيك، كأنهما كف سبع. أورده أبو داود في سننه.
قال لامرأة أخرى: ألا اختضبي، تترك إحداكن الخضاب حتى تكون يدها كيد الرجل. أورده السيوطي في جمع الجوامع.
وعن صفية بنت عصمة عن عائشة رضي الله عنها: أومت امرأة من وراء سترها بيدها كتاباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال: ما أدري أيد رجل أم يد امرأة، قالت: بل امرأة قال: لو كنت امرأة لغيرت أظفارك، يعني بالحناء. أورده أبو داود في سننه.
عن ابن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضأون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال مسدد من الاناء جميعاً. أورده أبو داود في سننه.
و عن ابن عمر قال: كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء أحد ندلي فيه أيدينا. أورده أبو داود في سننه.
عن ابن عباس قال: أردف النبي صلى الله عليه وسلم الفضل بن العباس، يوم النحر على عجز راحلته، وكان الفضل رجلاً وضيئاً فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم وأقبلت امرأة من حقم وضيئة تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها – وفي رواية أخرى: فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها فأخلف بيده وأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها. رواه البخاري ومسلم في الصحيحين والبيهقي في الصغرى.
لو أن هذه القصة حصلت في أيامنا هذه لرأينا من يفتي بعدم ذهاب النساء إلى الحج كما أفتوا بعدم ذهابهن إلى المسجد.
حدثنا عثمان بن عمر: وأما الأمة قبل أن تعتق فرأسها ورقبتها وجذور يديها وقدمها وما يظهر منها حال المهنة ليس بعورة. أورده البيهقي في السنن الصغرى.
إن قراءة هذه الأحاديث تبين بشكل جلي أنه لا تعقيد في لباس المرأة حسب الشريعة الاسلامية، كما وأنه لا تعقيد في علاقة المرأة بالرجل خاصة إذا جعلنا الشرع الحنيف هو ميزان هذه العلاقة.
إن أحد أهم الأسباب التي جعلتنا جميعاً، رجالاً ونساءًً معقدين هو خوضنا في مفاهيم المجتمع الاستهلاكي. هذه المفاهيم التي حولتنا من منتجين إلى مستهلكين. فقد أصبح لزاماً علينا أن نقارن ما يفرضه المجتمع الاستهلاكي علينا من أزياء، نقارنها بما يفرضه علينا ديننا الحنيف. وهنا يكمن المرض. حيث أننا نتصور أن الدين يفرض علينا ممارسة معينة ونحسبها مفروضة علينا من خارج. وكأن الدين لم يعد قناعة داخلية له الأولوية في محاكمة جميع المفاهيم التي نصادفها في حياتنا العملية، فنقبل ما يتوافق مع فطرتنا ونرفض ما لا يتوافق مع هذه الفطرة. والدين لا يفرض ما لا يتوافق مع الفطرة. ولكن مفاهيم المجتمع الاستهلاكي هي التي تناقض فطرتنا وبالتالي ديننا.
فلينظر كل منا إلى نفسه، ألا يستحيي من أن لا يلبس آخر زي فرضه علينا بيار كاردان مثلاً. ألا يستحي من أن لا يلبس حذاءً موجود عليه ماركة معينة؟ ثم يروح أو يلجأ إلى سيل التبريرات أن هذا أقوى وأمتن. ولم يفكر أنه إذا استهلك من مصنوعات بلده يخف ارتباطه بأعداء أمتنا ومضطهدينا، وبالتالي تصبح إمكانية التحرر منهم أقرب منالاً. وهكذا نكون مستهلكين لثقافتهم ومستهلكين لمصنوعاتهم. وكيف سنبني ديننا إذا لم نكن منتجين؟
لايمكننا أن نكون غربيين في فكرنا ومسلمين في عقيدتنا. إن الكلام عن زي المرأة المسلمة فرضه علينا الكم الهائل من الأزياء التي تفرضه علينا دور الأزياء الغربية التي تصادر أموالنا وعقولنا في آن.
أختم فأقول أن إيماننا لا يترسخ حتى يصبح هوانا تبعاً لما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم.
الخميس، 28 يناير 2010
اشكالية التقييم
إشكالية التقييم إزاء الطريقة التعليمية في الصف الأول أساسي
يعطي التربويون أهميةً خاصة للتقييم، لذلك رأيناهم يخصون كل مرحلة من مراحل عملية التعليم بتقييم خاص بها. فهناك التقييم التشخيصي والتقييم التكويني والتقييم النهائي وبين هذه الأنواع هناك أنواع أخرى تبعاً لما يريد المعلم القيام به.
ولكنني أرى بأن المعطى الأساسي لامكانية إجراء عملية التقييم لا ولم يتم التحدث عنه: وهو إستعداد المتعلم لإجراء التقييم. ما من أحد من التربويين طرح السؤال أو إشكالية إستعداد المتعلم للقيام بهذه العملية. وهذه الاشكالية تتعلق بالتقييم التكويني الذي يجريه المعلم خلال قيامه بعملية التعليم. ولا عجب من ذلك إذا انطلقنا من مسلمة تقول "ما من أحد يمكنه أن يعلم طفلاً لا يريد أن يتعلم" ومن حقيقة اخرى iي أن بإمكان الطفل أن يقيم نفسه ومعلمه. للإشارة فقط أن الأمم المتحدة من خلال الأونيسكو قد أقرت تجربة المدارس التي يديرها الأهالي بسبب نجاحاتها الباهرة في أكثر من عشرين بلداً، والتي كانت تجربتها الأولى في أمريكا اللاتينية، حيث تقييم المعلمين كان يقوم به التلاميذ.
في غابر الأيام كان التلميذ يخضع لامتحان على صعيد الوطن يسمى شهادة الدروس الابتدائية، وقد تراجعت السلطات عن هذا الاجراء لأنها لم تر فائدة منه. ولكن هذا الامتحان لا يزال قائماً في فرنسا وفي العديد من الدول الأوروبية ويسمونه تقييماً مستقبلياً لامكانية الطالب أن يلج إلى التعليم المتوسط. والمسؤولون التربوين في هذه البلاد يعتبرون بأن لهذا التقييم أهمية كبيرة لأنه يعطيهم فكرة واضحة عن مكتسبات التلميذ خلال سني تعلمه السابقة. أي بصيغة أخرى، هذا الامتحان هو تقييم حقيقي للطرق التربوية المتبعة في تلك البلاد. وحيث أن الشيء بالشيء يذكر، فإن الطرق التربوية المتبعة في بلادنا هي نفسها المتبعة في البلدان الأوروبية: الطريقة المجملة في تعليم القراءة. Méthode globale
وحيث أن حديثنا هو عن إشكالية التقييم إزاء الطريقة التربوية المتبعة فإليكم هذه الاحصاءات:
في فرنسا 62% من الأولاد الذين كانوا قد دخلوا الى الصف السادس لم يكن بامكانهم فهم التعليمات الموجودة في نص سهل. كما وأنه عند دخول الصف السادس واحد من سبعة لا يعرف القراءة ولا الكتابة. (1997 ).
في سويسرا نتائج سنة 2001 بينت أن جزءاً هاماً من التلامذة أعطى نتائج ضعيفة في القراءة.
في ألمانيا 20% من المراهقين في نهاية المدرسة الالزامية لا يمكنهم فهم نصوص بسيطة أو إعطاء المحتوى من غير تبديل المعنى.
في فرنسا 2004 كل فرنسي من عشرين وكل بالغ من عشرة لا يعرف تهجئة وفهم نص سهل من الحياة اليومية. ثلاثة ملايين فرنسي تخرجوا من المدرسة يعتبرون أميين.
5,4% من السكان الفرنسيين كانوا يعتبرون أميين في 1997 أصبحوا في 2004 ما بين 7% الى 10%.
لا أعتقد أنه يجب إيراد إحصاءات أكثر من ذلك. ما يهمنا جميعاً هو النتيجة التي توصل إليها الخبراء من هذه الاحصاءات: النتيجة أن الطريقة المجملة في تعليم القراءة هي السبب في هذه الكوارث. لذلك رأينا بريطانيا قد تخلت عنها بمجرد إعتراض المعلمين عليها، وفرنسا قد تخلت عنها في العام الدراسي 2009 – 2010 .
نتساءل هل من سند علمي لهذا الاستنتاج؟
جميع علماء التربية وعلماء النفس الذين ساهموا في وضع الطرق المتبعة في التعليم قد وضعوا فرضيات وحاولوا أن يؤكدوا فرضياتهم من خلال عملهم في الصفوف. والفرضية كما تعلمون لا تصبح حقيقةً علميةً إلا عندما يمكن إثباتها بالدليل العلمي، أي بالاختبار العلمي. لايمكن لأحد منا ولا من غيرنا أن يثبت بأن الادراك يتم بطريقة مجملة كما يقول أصحاب نظرية الجشتالت. ولكن يمكننا أن نثبت علمياً أن الأوكسيجين مع الهيدروجين يعطي ماءً مع وجود الشرارة الكهربائية. هذا هو الفرق بين الفرضية والتجربة العلمية.
تمكن سبيري الحائز على جائزة نوبل من البرهان أن الدماغ يميز بين حقيقتين مختلفتين من الرموز الشكلية: منها ما يعود إلى المحيط (الطاولة مثلاً) ومنها رموز لا يمكن اكتشافها دفعة واحدة (الكلمات مثلاً). يضيف سبيري بأن الصور تتم معالجتها في النصف الأيمن من الدماغ، أما الرموز التي تحمل معان صوتية (phonémique ) فتتم معالجتها في القسم الأيسر من الدماغ. الطريقة المجملة تعتبر الكلمة صورة وهي ليست كذلك. لا يقبلها الدماغ على أنها صورة.
لوسيان اسرائيل يقول أن الطريقة الكلية لا تعلم القراءة لأنها مخالفة لآلية عمل الدماغ.
عالم الأعصاب ويتيستان بدور قال: الخيارات البيداغوجية تكيف مورفولوجية وصياغة الدماغ. structuration
إليز تامبل بعد تعليم عشرين ديسلاكياً القراءة بالطريقة الألفبائية رأت أنه أصبح دماغ كل منهم مشابهاً للدماغ الغير ديسلكسي.
ف. غريك الحائز على جائزة نوبل في الفيزيولوجيا قال أنه يمكننا أن نعرف كيف يعمل الدماغ لانتاج الأفكار.
المعهد الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية في الولايات المتحدة NICHED توصل علماؤه إلى الحقيقة التالية: إن الخيارات التربوية تتحكم بمورفولوجية الدماغ وبنيته، structureوتضغط أيضاً وبشكل سلبي على نوعية المعارف، كما وتؤثر سلباً أيضاً على نمو وتطور العملية المعرفية والذكاء.
لقد تمكن العلماء من معرفة كيفية عمل الدماغ عند تعلم القراءة: يقول ميشال مازو وهو عالم نفس وأعصاب: من وجهة نظر الكفايات الدماغية لا نتعلم القراءة كما نتعلم الكلام. اللغة المكتوبة لا يمكن تعلمها إلا بواسطة المبدأ الألفبائي الذي يصل كل رمز بصوته. ويضيف: إذا كنا لا نعرف العمليات العقلية التي تتيح لنا أن نقرأ، فهذا لا يعني عدم وجودها.
أعارض مازو وأقول أنه أصبح الآن بامكاننا أن نعرف هذه العمليات، مع البروفيسور ستانسلاس دوهايين الحائز على أكثر من عشرة جوائز عالمية في ميدانه. فهو أستاذ كرسي علم النفس المعرفي الاختباري في الكوليج دو فرانس. وقد نشر كتاباً في آب 2007 وأسماه الخلايا العصبية للقراءة Les neurones de la lecture
ويمكننا أن نرى في هذا الكتاب كيف يعمل الدماغ عند تعلم القراءة. مع هذا الأستاذ أصبح تعلم القراءة يتبع لعلماء الأعصاب في جانب كبير منه وليس علماء النفس. وأصبح اختيار الطريقة التربوية لا يتبع النظرية، إنما أصبح حقيقة علمية: تعلم القراءة يجب أن يتم من خلال تعليم الرموز graphème-phonèmeأو كما يقول الفرنسيون b, a, ba وليس بأي طريقة أخرى، لأن الطرق الأخرى مضرة وهذا ثبت علمياً.
لا أريد أن أثقل عليكم فمن يريد الاستزادة في هذا الموضوع يمكن أن نتحدث معه بعد انتهاء البرنامج المعلن. وأصل إلى النتيجة في موضوعة إشكالية التقييم والطريقة التربوية المتبعة في الصف الأول. إن القيام بالتقييم لا يرتدي شرعية إلا إذا اخترنا للتلاميذ الطريقة العلمية التي تعلمهم القراءة، أي الطريقة التركيبية الصوتمية. إنها الطريقة الوحيدة التي يقرها العلم الحديث. فعندما يتعلم الطفل يمكن إختباره، هكذا فقط.
بقي أن أضيف، أنه تبعاً للكشوفات الحديثة والتي جعلت للقراءة خلايا عصبية أصبح كل تقييم في الروضة الكبرى والصف الأول أساسي لا تكون نتائجه التحقق ماية بالماية يعتبر سلبياً ويمنع المدرس من الانتقال إلى هدف جديد.
أما للذين يريدون أن يطرحوا السؤال "كيف يتعلم أولادنا حالياً" نقول بأن العلماء يقولون بأن التلاميذ يقسمون إلى ثلاث فئات: الموهوبون وهم قلة، المتوسطون وهم كثر وأخيراً الضعفاء وهم قلة. فالفئة الأولى تتعلم بأية طريقة. أما المتوسطون فأكثريتهم لا تتوصل إلى تعلم القراءة، بل يحفظون. أما الضعفاء فيمكنهم تعلم القراءة بواسطة الطريقة الهجائية فقط. وحيث أن طريقة التعليم يجب اختيارها لتعليم الجميع لذلك يرفض العلماء الطريقة الكلية التي تتعارض مع آلية عمل الدماغ.
ألله تبارك وتعالى يقول: "ولا تزر وازرة وزر أخرى، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا". إن شرط الحساب هو المعرفة نعلم التلميذ ثم نقيمه ونحاسبه.
ختاماً، أود أن أتوجه إلى المسؤولين التربويين في بلادنا والذين يرعون هذا اللقاء مشكورين. كفانا تمسكاً بالطريقة الكلية في تعليم القراءة بعد أن ثبت علمياً ضررها على أطفالنا، ولنقر الطريقة الألفبائية لأنها الوحيدة التي تتماشى مع آلية عمل الدماغ عند تعلم القراءة. وزارة التربية هي التي تمثل الوجه العلمي للبنان فحري بها التمسك بالعلم وبمواكبة العلوم.
بقي ملاحظة، إذا لم نسارع منذ الآن إلى تبسيط تعليم اللغات باعتماد الطريقة التي تتماشى مع آلية عمل الدماغ أي الطريقة التركيبية فسوف نقع في مشكلة كبيرة جداً تفرضها علينا ثورة الاتصالات في العقد الطالع والتي بدأت بوادرها منذ مدة، وهي ضرورة تعلم لغة جديدة وهي لغة الانترنت. مثال:
J’m t id = j’aim tes idées
how are you = how R U
أو عزيزي حمادا: 3azizi 7amada
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
16 كانون الثاني 2010
حسن ملاط
محاضرة ألقيت في الرابطة الثقافية في طرابلس في 22 كانون الثاني 2010
يعطي التربويون أهميةً خاصة للتقييم، لذلك رأيناهم يخصون كل مرحلة من مراحل عملية التعليم بتقييم خاص بها. فهناك التقييم التشخيصي والتقييم التكويني والتقييم النهائي وبين هذه الأنواع هناك أنواع أخرى تبعاً لما يريد المعلم القيام به.
ولكنني أرى بأن المعطى الأساسي لامكانية إجراء عملية التقييم لا ولم يتم التحدث عنه: وهو إستعداد المتعلم لإجراء التقييم. ما من أحد من التربويين طرح السؤال أو إشكالية إستعداد المتعلم للقيام بهذه العملية. وهذه الاشكالية تتعلق بالتقييم التكويني الذي يجريه المعلم خلال قيامه بعملية التعليم. ولا عجب من ذلك إذا انطلقنا من مسلمة تقول "ما من أحد يمكنه أن يعلم طفلاً لا يريد أن يتعلم" ومن حقيقة اخرى iي أن بإمكان الطفل أن يقيم نفسه ومعلمه. للإشارة فقط أن الأمم المتحدة من خلال الأونيسكو قد أقرت تجربة المدارس التي يديرها الأهالي بسبب نجاحاتها الباهرة في أكثر من عشرين بلداً، والتي كانت تجربتها الأولى في أمريكا اللاتينية، حيث تقييم المعلمين كان يقوم به التلاميذ.
في غابر الأيام كان التلميذ يخضع لامتحان على صعيد الوطن يسمى شهادة الدروس الابتدائية، وقد تراجعت السلطات عن هذا الاجراء لأنها لم تر فائدة منه. ولكن هذا الامتحان لا يزال قائماً في فرنسا وفي العديد من الدول الأوروبية ويسمونه تقييماً مستقبلياً لامكانية الطالب أن يلج إلى التعليم المتوسط. والمسؤولون التربوين في هذه البلاد يعتبرون بأن لهذا التقييم أهمية كبيرة لأنه يعطيهم فكرة واضحة عن مكتسبات التلميذ خلال سني تعلمه السابقة. أي بصيغة أخرى، هذا الامتحان هو تقييم حقيقي للطرق التربوية المتبعة في تلك البلاد. وحيث أن الشيء بالشيء يذكر، فإن الطرق التربوية المتبعة في بلادنا هي نفسها المتبعة في البلدان الأوروبية: الطريقة المجملة في تعليم القراءة. Méthode globale
وحيث أن حديثنا هو عن إشكالية التقييم إزاء الطريقة التربوية المتبعة فإليكم هذه الاحصاءات:
في فرنسا 62% من الأولاد الذين كانوا قد دخلوا الى الصف السادس لم يكن بامكانهم فهم التعليمات الموجودة في نص سهل. كما وأنه عند دخول الصف السادس واحد من سبعة لا يعرف القراءة ولا الكتابة. (1997 ).
في سويسرا نتائج سنة 2001 بينت أن جزءاً هاماً من التلامذة أعطى نتائج ضعيفة في القراءة.
في ألمانيا 20% من المراهقين في نهاية المدرسة الالزامية لا يمكنهم فهم نصوص بسيطة أو إعطاء المحتوى من غير تبديل المعنى.
في فرنسا 2004 كل فرنسي من عشرين وكل بالغ من عشرة لا يعرف تهجئة وفهم نص سهل من الحياة اليومية. ثلاثة ملايين فرنسي تخرجوا من المدرسة يعتبرون أميين.
5,4% من السكان الفرنسيين كانوا يعتبرون أميين في 1997 أصبحوا في 2004 ما بين 7% الى 10%.
لا أعتقد أنه يجب إيراد إحصاءات أكثر من ذلك. ما يهمنا جميعاً هو النتيجة التي توصل إليها الخبراء من هذه الاحصاءات: النتيجة أن الطريقة المجملة في تعليم القراءة هي السبب في هذه الكوارث. لذلك رأينا بريطانيا قد تخلت عنها بمجرد إعتراض المعلمين عليها، وفرنسا قد تخلت عنها في العام الدراسي 2009 – 2010 .
نتساءل هل من سند علمي لهذا الاستنتاج؟
جميع علماء التربية وعلماء النفس الذين ساهموا في وضع الطرق المتبعة في التعليم قد وضعوا فرضيات وحاولوا أن يؤكدوا فرضياتهم من خلال عملهم في الصفوف. والفرضية كما تعلمون لا تصبح حقيقةً علميةً إلا عندما يمكن إثباتها بالدليل العلمي، أي بالاختبار العلمي. لايمكن لأحد منا ولا من غيرنا أن يثبت بأن الادراك يتم بطريقة مجملة كما يقول أصحاب نظرية الجشتالت. ولكن يمكننا أن نثبت علمياً أن الأوكسيجين مع الهيدروجين يعطي ماءً مع وجود الشرارة الكهربائية. هذا هو الفرق بين الفرضية والتجربة العلمية.
تمكن سبيري الحائز على جائزة نوبل من البرهان أن الدماغ يميز بين حقيقتين مختلفتين من الرموز الشكلية: منها ما يعود إلى المحيط (الطاولة مثلاً) ومنها رموز لا يمكن اكتشافها دفعة واحدة (الكلمات مثلاً). يضيف سبيري بأن الصور تتم معالجتها في النصف الأيمن من الدماغ، أما الرموز التي تحمل معان صوتية (phonémique ) فتتم معالجتها في القسم الأيسر من الدماغ. الطريقة المجملة تعتبر الكلمة صورة وهي ليست كذلك. لا يقبلها الدماغ على أنها صورة.
لوسيان اسرائيل يقول أن الطريقة الكلية لا تعلم القراءة لأنها مخالفة لآلية عمل الدماغ.
عالم الأعصاب ويتيستان بدور قال: الخيارات البيداغوجية تكيف مورفولوجية وصياغة الدماغ. structuration
إليز تامبل بعد تعليم عشرين ديسلاكياً القراءة بالطريقة الألفبائية رأت أنه أصبح دماغ كل منهم مشابهاً للدماغ الغير ديسلكسي.
ف. غريك الحائز على جائزة نوبل في الفيزيولوجيا قال أنه يمكننا أن نعرف كيف يعمل الدماغ لانتاج الأفكار.
المعهد الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية في الولايات المتحدة NICHED توصل علماؤه إلى الحقيقة التالية: إن الخيارات التربوية تتحكم بمورفولوجية الدماغ وبنيته، structureوتضغط أيضاً وبشكل سلبي على نوعية المعارف، كما وتؤثر سلباً أيضاً على نمو وتطور العملية المعرفية والذكاء.
لقد تمكن العلماء من معرفة كيفية عمل الدماغ عند تعلم القراءة: يقول ميشال مازو وهو عالم نفس وأعصاب: من وجهة نظر الكفايات الدماغية لا نتعلم القراءة كما نتعلم الكلام. اللغة المكتوبة لا يمكن تعلمها إلا بواسطة المبدأ الألفبائي الذي يصل كل رمز بصوته. ويضيف: إذا كنا لا نعرف العمليات العقلية التي تتيح لنا أن نقرأ، فهذا لا يعني عدم وجودها.
أعارض مازو وأقول أنه أصبح الآن بامكاننا أن نعرف هذه العمليات، مع البروفيسور ستانسلاس دوهايين الحائز على أكثر من عشرة جوائز عالمية في ميدانه. فهو أستاذ كرسي علم النفس المعرفي الاختباري في الكوليج دو فرانس. وقد نشر كتاباً في آب 2007 وأسماه الخلايا العصبية للقراءة Les neurones de la lecture
ويمكننا أن نرى في هذا الكتاب كيف يعمل الدماغ عند تعلم القراءة. مع هذا الأستاذ أصبح تعلم القراءة يتبع لعلماء الأعصاب في جانب كبير منه وليس علماء النفس. وأصبح اختيار الطريقة التربوية لا يتبع النظرية، إنما أصبح حقيقة علمية: تعلم القراءة يجب أن يتم من خلال تعليم الرموز graphème-phonèmeأو كما يقول الفرنسيون b, a, ba وليس بأي طريقة أخرى، لأن الطرق الأخرى مضرة وهذا ثبت علمياً.
لا أريد أن أثقل عليكم فمن يريد الاستزادة في هذا الموضوع يمكن أن نتحدث معه بعد انتهاء البرنامج المعلن. وأصل إلى النتيجة في موضوعة إشكالية التقييم والطريقة التربوية المتبعة في الصف الأول. إن القيام بالتقييم لا يرتدي شرعية إلا إذا اخترنا للتلاميذ الطريقة العلمية التي تعلمهم القراءة، أي الطريقة التركيبية الصوتمية. إنها الطريقة الوحيدة التي يقرها العلم الحديث. فعندما يتعلم الطفل يمكن إختباره، هكذا فقط.
بقي أن أضيف، أنه تبعاً للكشوفات الحديثة والتي جعلت للقراءة خلايا عصبية أصبح كل تقييم في الروضة الكبرى والصف الأول أساسي لا تكون نتائجه التحقق ماية بالماية يعتبر سلبياً ويمنع المدرس من الانتقال إلى هدف جديد.
أما للذين يريدون أن يطرحوا السؤال "كيف يتعلم أولادنا حالياً" نقول بأن العلماء يقولون بأن التلاميذ يقسمون إلى ثلاث فئات: الموهوبون وهم قلة، المتوسطون وهم كثر وأخيراً الضعفاء وهم قلة. فالفئة الأولى تتعلم بأية طريقة. أما المتوسطون فأكثريتهم لا تتوصل إلى تعلم القراءة، بل يحفظون. أما الضعفاء فيمكنهم تعلم القراءة بواسطة الطريقة الهجائية فقط. وحيث أن طريقة التعليم يجب اختيارها لتعليم الجميع لذلك يرفض العلماء الطريقة الكلية التي تتعارض مع آلية عمل الدماغ.
ألله تبارك وتعالى يقول: "ولا تزر وازرة وزر أخرى، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا". إن شرط الحساب هو المعرفة نعلم التلميذ ثم نقيمه ونحاسبه.
ختاماً، أود أن أتوجه إلى المسؤولين التربويين في بلادنا والذين يرعون هذا اللقاء مشكورين. كفانا تمسكاً بالطريقة الكلية في تعليم القراءة بعد أن ثبت علمياً ضررها على أطفالنا، ولنقر الطريقة الألفبائية لأنها الوحيدة التي تتماشى مع آلية عمل الدماغ عند تعلم القراءة. وزارة التربية هي التي تمثل الوجه العلمي للبنان فحري بها التمسك بالعلم وبمواكبة العلوم.
بقي ملاحظة، إذا لم نسارع منذ الآن إلى تبسيط تعليم اللغات باعتماد الطريقة التي تتماشى مع آلية عمل الدماغ أي الطريقة التركيبية فسوف نقع في مشكلة كبيرة جداً تفرضها علينا ثورة الاتصالات في العقد الطالع والتي بدأت بوادرها منذ مدة، وهي ضرورة تعلم لغة جديدة وهي لغة الانترنت. مثال:
J’m t id = j’aim tes idées
how are you = how R U
أو عزيزي حمادا: 3azizi 7amada
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
16 كانون الثاني 2010
حسن ملاط
محاضرة ألقيت في الرابطة الثقافية في طرابلس في 22 كانون الثاني 2010
الجمعة، 25 ديسمبر 2009
دور المثقف
دور المثقف في المجتمع
الناس ثلاثة أصناف ، فمنهم من يعمل انطلاقا من قناعة نظرية أو لنقل فكرية، ومنهم من يعمل لتحقيق مصالحه الخاصة ومنهم من يعمل بدافع غريزي. و مما لا شك فيه أن الثقافة تلعب دورا في تعديل قناعات الانسان و تبديلها. فما الثقافة و ما المثقف وما دوره في هذا المجتمع؟
يقول محمد الدلفي و هو مفكر عراقي : ان الثقافة هي البيان الأول لأنسنتنا.
متى أصبح بامكاننا الاشارة الى أن الانسان كائن مثقف ؟
أشار شتراوس الى صعوبة الوصول الى التحديد الجازم في ذلك "ان لغز ظهور الثقافة سيظل مستعصيا فهمه على الانسان ما لم يتوصل على المستوى البيولوجي الى تحديد التغيرات البنيوية او الوظيفية التي حدثت في الدماغ ، وكانت الثقافة ، نتيجتها الطبيعية". و لكن العامل الأول الذي يحدد تلك القفزة ظهور اللغة المنطوقة. ان اللغة شكلت المعلم الوظيفي الرمزي والنموذج الراقي لتمايز الانسان عن المخلوقات.
العامل الثاني حسب شتراوس هو تحريم الزواج من الأقارب "الذي يؤسس الخطوة الرئيسة التي تحقق بفضلها وبالأخص من خلالها الانتقال من الطبيعة الى الثقافة".
الثقافة معجميا:
جاء في القاموس المحيط في معنى كلمة “ثَقُف”: ثقُف، ثقفاً، ثقافة، صار حاذقاً خفيفاً فطناً. فهو ثِقف كـ حِبر. والِثقاف ما تسوّى به الرماح .
هكذا تكون الثقافة حصيلة ما تكتسبه الجماعة تاريخياً، حيث تصقل وتتهذب عاداتها وتقاليدها. ويفهم من كلمة ثقافة كل فعل للتاريخ في تهذيب الجماعة البشرية، كل فعل للتاريخ في الطبيعة. فهي الثقافة ضد الطبيعة الأولية الخام والخشنة، “المتوحشة”. المشغول بفعل التاريخ، والمصقول بهذا الفعل هو المثقف. والثقافة هي المتولدة بالخبرة والمكتسبة بالتربية المديدة.
جاء في المورد في معنى كلمة culture: حِراثة، تثقيف، تهذيب، حضارة أو مرحلة معينة من مراحـــل التقدم الحضاري… المستنبت أو نتاج عملية الاستنبات.
الثقافة: هي الحِراثة، أي هي تهذيب الأرض من الحجارة والأعشاب الضارة، مع إحداث طبقة ترابية جديدة عبر قلب الوضع القائم. ( أي يدخل فيها فعل الانسان ح.م)
أما تايلور E.B.Tylor فيعرف الثقافة فيقول: "الثقافة هي ذلك المركب الكلي الذي يشتمل على المعرفة، والمعتقدات، والفن، والادب، والأخلاق، والقانون والأعراف، والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الانسان بوصفه عضوا في المجتمع".
دور المثقف:
في المجتمعات القديمة:
اذا اطلعنا على التاريخ القديم، عن بلاد ما بين النهرين مثلا، نرى بأن "الملوك الآلهة" يبينون لشعبهم مدى حرصهم وسعة علمهم من خلال المشاريع المائية التي تساهم في تأمين الري للمزروعات. وهذا يتم طبعا عن طريق أهل العلم. لذلك كانت هذه الطبقة من الأهمية بمكان، في بلاد ما بين النهرين، على تغير الحكام.
عندما طلب سليمان عليه السلام من مجالسيه: من يأتيني بعرشها قبل أن تأتي سبأ الى مجلسه: قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك هذا. قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك. فلما رآه مستقرا ......
فالعلماء كانوا مقدمين عند الملوك.
قصة موسى عليه السلام و فرعون. أتى فرعون بالسحرة لمباراة موسى لأن السحرة هم الذين يمثلون المجتمع المتعلم المثقف وبهم يقتدي العامة ولو كان خلاف ذلك ما طلب فرعون من جميع الناس حضور هذه المباراة حتى يروا الهزيمة الشنعاء التي سوف تحل بموسى لادعائه بوجود اله لفرعون.
وكانت النتيجة أن سجد السحرة لله الواحد القهار رب موسى وهارون وعجب فرعون من ايمانهم مباشرة. ذلك أنهم فهموا الآية الالهية التي يملكها موسى وما مكنهم من فهمها أنهم علماء: "انما يخشى الله من عباده العلماء". وأعظم ما استوقفني في هذه القصة العبارة التي استعملها السحرة: أننا نطمع أن يغفرالله خطايانا أن كنا أول المؤمنين. أي أنهم فهموا أن ما كانوا يقومون به من السحر هو حرام لأنه يغش الناس وأنهم بحاجة للمغفرة. كما وأنها دلالة على عمق ايمانهم رغم حداثته.
في المجتمع المعاصر:
علينا أن نعي أنه لا يمكن فهم دور المثقف في المجتمع بمعزل عن مفاهيم عديدة وأهمها على الاطلاق مفهوم المجتمع المدني.
كتب الدكتور صالح ياسر: المجتمع المدني هو عبارة عن مجتمع يتألف من مواطنين أحرار ( و في هذا اشارة الى المجتمع البورجوازي لأنه في المجتمعات ﴿ أو لنقل التشكيلات الاجتماعية﴾ السابقة على هذا المجتمع كانت صفة الانسان الحر تنطبق على أناس محددين فقط ح.م)، يستطيعون وقادرين على العيش سوية وبشكل مشترك، بحسب القواعد التي اختطوها، والتي أصبحت عادات لا يمكن تجاوزها.
مفهوم المجتمع المدني في القرنين السابع عشر والثامن عشر:
بدأنا من القرن السابع عشر لأن الثورة البورجوازية الانكليزية تحققت في هذا القرن، وفي القرن الثامن عشر كانت الثورة الفرنسية، و قد انتقلت أوروبا تباعا الى البورجوازية .
لقد كانت المشكلة الرئيسية المطروحة على مثقفي القرن السابع عشر والثامن عشر الذين رافقوا تحلل النظام الاجتماعي التقليدي وتطور البرجوازية كطبقة جديدة تطمح إلى إعادة بنائه من منظورات مختلفة تلغي التراتبية الجامدة ( و الاشارة هنا الى طبقات الشعب في التشكيلة الاقطاعية) وتفتح المجال أمام هيمنة سياسية حديثة، هي إعادة بناء السياسة على أسس غير دينية وغير ارستقراطية، أي لا ترتبط بتكليف إلهي ولا بإرث عائلي، ولكن بالمجتمع نفسه، تنبع منه وتصب فيه. ومن هذه النقطة سوف ننتقل تدريجيا من نظرية لا سلطة ممكنة إلا إلهية أو ملكية وراثية ( وهنا اشارة الى المجتمعات الاقطاعية، أو الرق)، إلى النظرية المناقضة تماما وهي لا سلطة شرعية إلا تلك التي تعبر عن السيادة الشعبية والإرادة الجمعية. وهذا هو أصل الانتقال نحو الحداثة السياسية.
هيجل و المجتمع المدني:
إن المجتمع المدني، حسب هيغل، هو الوسيط بين العائلة والدولة. انه نظام الحاجات أو مكان التبادل والانتاج الخاص الذي لا يمكن أن يولد أو يتطور الا في، وبواسطة الدولة المجسدة للمصلحة العامة، حسب تعبيره. ومن هنا كانت العلاقة بين الاثنين علاقة تكامل وتعارض في الوقت ذاته.
وبقدر تعلق الأمر بهيغل لابد من الاشارة هنا الى أمرين أساسيين في فهمه للمجتمع المدني:
يماثل هيغل بين مدني وبرجوازي وهو يستعرض المفهوم على محورين:
الأول تاريخي (عمودي) عبر الانتقال من الاسلوب الاقطاعي للملكية الخاصة وعلاقاتها، الى الأسلوب الرأسمالي للملكية الخاصة، حيث يشير الى الانتقال من الجماعة الطبيعية (العائلة والاسرة) الى الجماعة السياسية (الاقتصادية الاجتماعية وتنظيمها في الدولة الحديثة). يرافق هذا التحول تحول في الدساتير والقوانين فيظهر القانون المدني (البرجوازي) لحماية هذا الحق، حق الملكية الخاصة للافراد.
المحور الثاني في تناول هيغل للمجتمع المدني هو المحور البنيوي (الافقي)، أي دراسة المجتمع المدني من حيث هو المسافة الاجتماعية – الاقتصادية بين الفرد والدولة، التي هي سلطة سياسية ولحظة اكراه. وعلى هذا فالمجتمع المدني عند هيغل يشتمل على علاقات الانتاج الاجتماعية- الاقتصادية والنقابات الحرفية والمنظمات الدينية والاهلية والنقابات العمالية والاحزاب السياسية، ويشمل الاجهزة الايديولوجية والتربوية للدولة الحديثة (المدارس والجامعات والمؤسسات التربوية الاخرى) باستثناء القضاء والبرلمان والحكومة التي تشكل كأجهزة إكراه بأشكال مختلفة، اللحظات الثلاث للسلطة السياسية من حيث هي سلطة.
فالمجتمع يظل على مستوى المجتمع المدني مجتمع المصالح الفردية والمشاريع الخصوصية، أي مجتمع الانقسام والتملك الفردي والصراع، ولا يجد خلاصه إلا في الدولة.
والخلاصة التي يمكن التوصل اليها من خلال العرض المكثف السابق هو أن الأساس التاريخي لمفهوم المجتمع المدني ضمن ارتباطه بالواقع البرجوازي، وضمن الشروط التاريخية التي تشكل فيها، يقوم على ما يلي:
أولاً: على أساس مضمون الحياة المدنية الحديثة والمعاصرة، الذي جوهره التحرر السياسي، وعلى التمييز بين الإنسان المطلق والإنسان الديني، أو بالأحرى على انفصال واستقلال الإنسان الديني، عن مواطن الدولة المدنية، باعتبار هذا التمييز، أو هذا الاستقلال هو البذرة العقلية للتحرر السياسي بالذات. ولكن علينا أن نؤكد أن تحرر الدولة السياسي من الدين، لا يعني بأي حال تحرر الإنسان الفعلي من الدين، فالدولة تستطيع أن تتحرر تماماً من الدين، حتى حين لا تزال أغلبية الشعب أو الأمة متدينة، علماً أن بقاء هذه الأغلبية دينية لا يعدو أن يكون بقاء دينياً خاصاً. إن عملية الانتقال هذه، هي التي كانت أساس ولادة العلمانية للدولة السياسية من ناحية، وللمجتمع المدني من ناحية أخرى.
ثانيا : ينجم عن الملاحظة السابقة أن التحرر السياسي، قلما يقضي على التدين الفعلي للإنسان، مثلما لا تعني العلمانية الإلحاد. ومن هذا المنظار، تصبح العلمانية روح المجتمع المدني، ولا يمكن تحقيقها إلا في درجة جذرية من انفصال السياق الديني عن الدولة، وبالقدر الذي تبرز فيه الدرجة المعنية من تطور الروح البشري للإنسان، حيث أن التحرر السياسي، هو التعبير عنها، لكي تبني نفسها به في شكل دنيوي. وهذا ما لا يمكن حدوثه إلا في ظل سيادة العقلانية، واستقلال المجتمع المدني عن السلطة الدينية، واستقلال السلطة الدينية عن السلطة الزمنية، وفي ظل سيادة الدولة الديمقراطية الحديثة والمعاصرة، حيث أن كل إنسان مطلق بمفرده، مؤمناً كان أم متديناً، متعصباً لدينه وأصولياً أم غير ذلك، ظلامياً أم عقلانياً، يكون فيها كائناً إنسانياً نوعياً سائداً.
ملاحظة: من الجدير ذكره في هذا المجال أن الدولة الدينية لم تظهر في بلادنا. فمنذ قيام الدولة الأموية انفصل الديني عن السياسي . و لم يكن مسموحا للفقهاء أو العالمين في أمور الدين والمشهود لهم بذلك، التدخل في الشؤون السياسية الا بالحدود الذي يريدها الحاكم. لذلك كان الفقيه الذي لا يمالىء السلطان مغضوبا عليه من السلطة ويلاحق ويسجن. و يمكن الاشارة أيضا أن تعبير "فقهاء السلاطين" ظهر فقط للدلالة على أنه لم يكن هناك من سلطة لرجال الدين على الحكام. فرجل الدين اما أن يخدم السلطان، اما أن ينزوي، فيصبح مطوبا شعبيا على حد تعبير المسيحيين. وهناك الكثير من الأمثلة على ذلك. نكتفي بذكر أحمد بن حنبل وابن تيمية والعز بن عبد السلام. بينما في أوروبا كانت الكنيسة تمارس السلطة بكل تفاصيلها. فالامبراطور لا يطوب أو يمارس صلاحياته الا بموافقة البابا كما وأن للبابا الحق بعزله عندما يرى ذلك ضروريا، كما وأن الكنيسة كانت أكبر الاقطاعيين؛ ربما هذا ما أعطاها السلطات التي ذكرناها. وعلينا أن نشير الى أن الكنيسة في بلادنا لم تكن على نمط الكنيسة الأوروبية. من هنا فالكلام عن العلمانية أو فصل الدين عن الدولة كلام لا يستهوي الا أولئك المتأثرين بالفكر الغربي أو الذين يعيشون مشاكل المجتمع الغربي في بلادنا و ذلك لغربتهم عن مجتمعاتهم. (ح.م)
ثالثاً: يقوم المجتمع المدني على أساس احترام حقوق الإنسان، وهي جزئياً الحقوق السياسية، ومضمونها يكمن في المشاركة السياسية في الدولة. ومن هذا المنظار، فهي تدخل في مقولة الحرية السياسية. وحقوق الإنسان هي حقوق عضو المجتمع المدني المتحرر سياسياً، أي حقوق الإنسان الأناني، أو الفرد البرجوازي. أما مرتكزات إعلان حقوق الإنسان، فتتمثل في المساواة السياسية والقانونية، والحرية والملكية الخاصة، والأمن. من الناحية التاريخية، والسياسية، والأخلاقية، إن حق الإنسان في الحرية يعني فعلياً وعملياً حق الإنسان في الملكية الخاصة. يقول ماركس معلقاً على هذا الموضوع، "ومن هنا ينجم أن حق الإنسان في الملكية الخاصة هو حقه في الانتفاع بملكه والتصرف به على هواه (à son gré) دون أي علاقة بالناس الآخرين، بصورة مستقلة عن المجتمع، أنه حق المصلحة الشخصية" .
رابعا: إذا كان المجتمع المدني ببعده التاريخي العالمي، يشكل الأساس الطبيعي للدولة البرجوازية الحديثة والمعاصرة، فإنه لا يعني بأي حال من الأحوال اعتبار المجتمع المدني هو الليبرالية عينها فقط ....
خامساً: إن المجتمع المدني بهياكله الاقتصادية، وانقساماته الطبقية والفئوية، وتبايناته الاجتماعية وتكويناته السياسية والنقابية، الذي تحكمه مبادىء المواطنة، والمساواة السياسية والقانونية بين الأفراد في الحقوق والواجبات، والمشاركة السياسية من خلال الانتخابات التشريعية، والبلدية والمحلية، لانتخاب الممثلين عنه للاضطلاع بأعباء السلطة في الدولة البرجوازية، باعتبار أن الشعب أو الأمة، هو مصدر السلطات، الذي لا يتحقق كمبدأ، إلا في ظل سيادة الديمقراطية، بوصفها أيضاً الساحة التي يتقاطع فيها المجتمع المدني مع الدولة، فإن هذا المجتمع المدني عينه، هو مجتمع الاختلاف، والتعدد، والتعارض، والتناقض، داخل بنيانه، وهياكله الاجتماعية والسياسية.
سادساً: وعندما نؤكد على الجوانب الايجابية والتقدمية للمجتمع المدني، علينا أن نعترف بأن أوروبا الغربية، كانت لحظة تاريخية مهمة كبيرة وحاسمة، وحيوية، في التبلور التاريخي لهذا المجتمع المدني بعمقه العالمي، وإن كان هذا الاعتراف ليس مقترناً بالنزعة التماثلية، أو بالتبعية للمركزية الأوروبية، بقدر ما هو نابع من منهج نظري، يتخذ من الجدل ركيزة أساس في بنيانه الداخلي. (ياسر و غليون بتصرف)
ماركس والمجتمع المدني:
ان الماركسية، التي ترعرعت في موروث الفلسفة الليبرالية الكلاسيكية الأوروبية، شكلت تحولاً تاريخياً على نحو متواصل، وقفزة ثورية وفق نمط مترابط منطقياً، حيث أبدعت جدلاً نوعياً جديداً في غمار النضال الثوري (كذا! ح.م). كان الاقتصاد السياسي الانكليزي، والاشتراكية الفرنسية، والفلسفة الكلاسيكية الألمانية، هي المصادر النظرية الأساسية للفلسفة الماركسية بما فيها منجزات هيغل الجدلية.
يستخدم ماركس مصطلح المجتمع المدني بطريقتين، الأولى وردت في " المسألة اليهودية" حيث المجتمع المدني، هنا، كحياة مادية خاصة مقابلة للحياة العامة والمجردة للدولة الحديثة، حيث يتم التحديد، هنا، بالتقابل (التعريف بالنقيض)، والمجتمع المدني هذا هو المجتمع البرجوازي. أما في " الايديولوجيا الالمانية " فإن ماركس يماثل بين المجتمع المدني وعلاقات الانتاج التي تشمل العلاقات الاقتصادية (علاقات السوق) والعلاقات الاجتماعية، أي علاقات الملكية الخاصة.
وفي المؤلفات اللاحقة وخاصة في " رأس المال "، يستغني ماركس عن مصطلح المجتمع المدني كبنية تحتية ويبقي على مفهوم علاقات الانتاج الاجتماعية – الاقتصادية كمسرح للتاريخ. أي على اعتبار أن التاريخ أساسا هو الانتقال من شكل سائد للملكية الخاصة الى شكل جديد. هذا التخلي عن المفهوم جاء على أساس التحضير النظري لقلب السلطة البرجوازية وتحطيم سلطتها ومعها مجتمعها المغترب – مجتمعها المدني.
ترتبط مفاهيم " المجتمع المدني " و " الديمقراطية " بسياق محدد وهو الذي يسمح ببروز مفهوم " المواطن " أو "الفرد ". هذا السياق هو الذي " يختزل الانسان الى عضو في المجتمع البرجوازي " والى الفرد الأناني المستقل من جهة، والمواطن، الشخص المعنوي من جهة اخرى، على حد تعبير ماركس. وليس هذا السياق التاريخي غير العصر الذي يصبح فيه الفرد متساويا (من الناحية الحقوقية على الاقل) مع كل فرد وآخر، فينزل الى حلبة الحياة مجردا من انتمائه الى العشيرة أو الطائفة، أو الملة.
كتب ماركس في مقدمة كتاب: " مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي "، يقول"... وساقتني أبحاثي إلى النتيجة التالية، وهي أن العلاقات الحقوقية، شأنها بالضبط شأن أشكال الدولة لا يمكن فهمها، لا بحكم ذاتها، ولا بحكم ما يسمى التطور العام للروح البشرية، وإنما على العكس، تمد جذورها في العلاقات الحياتية المادية التي يسمي هيغل، مجموعها "بالمجتمع المدني" على غرار ما فعل الكتاب الانجليز والفرنسيون من القرن الثامن عشر، وأنه ينبغي البحث عن تشريح المجتمع المدني" . بينما ماكس ڤيبر MAX WEBER يرجع ظهور الفكر الرأسمالي إلى الخلفيات الدينية والبروتستانتية، ومن ثم يدافع ماكس ڤيبر عن العوامل الروحية والدينية في تحريك المادية التاريخية، وهذه النظرية هي تماما نقيض نظرية ماركس.(علينا تذكر بوش والمسيحية المتصهينة المميزة لادارته). أنا لا أوافق ماكس فيبر فأقول أن الحركة البروتستاتية ما هي الا تعبير ايديولوجي لصعود الطبقة البورجوازية. فالبورجوازية حاربت الكنيسة الاقطاعية ومارتن لوثر قام بالاصلاح الديني أي حارب الكنيسة ايديولوجيا كدعم للبورجوازية الصاعدة. علينا ملاحظة أن الاصلاح الديني بدأ في ألمانيا وأول من تبنى رسميا البروتستانتية كانت بريطانيا، ذلك انها أول دولة انتقلت من الاقطاعية الى البورجوازية.
إن مفهوم المجتمع المدني قد اكتسب في الرؤية الماركسية معنىً مادياً نأى به عن المفهوم المعرفي البحت، ومعنىً ثورياً ليتحول في العمل اليومي الى سلاح سياسي ضد السلطة الاستبدادية. ويقطع كل من ماركس وانجلز بالمفهوم شوطاً جديداً في الايديولوجية الالمانية (1864) حين يصبح مفهوماً تاريخياً عالمياً مرتبطاً بالمجتمع الرأسمالي، ومتطوراً بتطور طبقة البرجوازية، وإنتقال قاعدتها الانتاجية من درجة الى درجة أخرى أكثر تقدماً.
ففي نظر ماركس إن مشروع التحرير السياسي الذي قامت به البرجوازية بالفعل عندما نقلت المجتمعات من النظام القديم إلى النظام الحديث ليس في العمق إلا مشروع استلاب جديد. بل إن السياسة هي في قلب هذا الاستلاب وهي تجسد أعظم أشكال هذا الاستلاب (اغتراب أو aliénation ). ففي اللحظة ذاتها التي خلقت فيها برجوازية الدولة كمجال للعام، خلقت أيضاً مجال الخاص. وبذلك قضت على الفرد بالتصدع أو الانشقاق في ذاته وهويته نفسها بين ماهيتين متنابذتين ولا يمكن التوفيق بينهما، ماهيته كمواطن، وماهيته كمنتج. فالعام (المواطنية وما تعنيه من حق المساواة) فيه يعيش حالة صدام ونزاع مستمر مع الحقيقة الانتاجية الاجتماعية الفعلية ( اي كعامل مستغل من قبل رب العمل) التي تعني التفاوت والتباين الشديدين في شروط الحياة والعيش والممارسة. لذلك سوف يقول إن الحرية التي تعكسها المواطنية التسووية هنا شكلية تماماً، ولن يكون هناك تحرر حقيقي للفرد إلا عندما تتوافق شروط الحرية السياسية مع شروط الحرية الاجتماعية (أي القضاء على الاستغلال).
ومن جهة اخرى لابد من الاشارة الى أن النتيجة التي توصل إليها ماركس في نقده فلسفة الحق العام عند هيغل، هي مسألة الانفصال بين المجتمع المدني والدولة السياسية، الذي يتم في العالم البرجوازي، المترافق مع تأكيد سلطة البرجوازية كطبقة مسيطرة.
المجتمع المدني عند غرامشي:
في النصف الأول من القرن العشرين تم تطوير مفهوم المجتمع المدني. وغرامشي هو الذي ترك أكبر الأثر على المفهوم كما يستخدم اليوم.
غرامشي وطرح موضوع المجتمع المدني في اطار نظرية السيطرة والهيمنة:
على الصعيد المفاهيمي اعتبر غرامشي المجتمع المدني أحد مكونات البنية الفوقية. ففي أحد النصوص الهامة في "دفاتر السجن" كتب غرامشي قائلاً: " ما نستطيع أن نفعله حتى هذه اللحظة، هو تثبيت مستويين فوقيين أساسيين، الأول يمكن أن يدعى المجتمع المدني، الذي هو مجموع التنظيمات التي تسمى (خاصة) والثاني هو المجتمع السياسي أو الدولة. هذان المستويان ينطويان من جهة أولى على وظيفة الهيمنة حيث إن الطبقة المسيطرة تمارس سيطرتها على المجتمع، ومن جهة ثانية تمارس الهيمنة المباشرة أو دور الحكم من خلال الدولة أو الحكومة الشرعية ".
ويضيف في مكان آخر قائلاً: " ينبغي الانتباه الى أن في مفهوم الدولة العام عناصر ينبغي ردها الى المجتمع المدني، إذ أن الدولة تعني: المجتمع السياسي + المجتمع المدني، أي الهيمنة المدرعة بالعنف " . ويضيف " لا ينبغي أن يفهم بكلمة دولة جهاز الحكم فحسب، بل جهاز الهيمنة الخاص أو المجتمع المدني " .
الدولة، حسب رأي غرامشي، هي المجتمع السياسي (سلطة الدولة) زائداً المجتمع المدني (الحقل الايديولوجي أو الاجهزة الاعلامية والتربوية للدولة البرجوازية الحديثة).
ومن جهة ثانية أدخل غرامشي قطيعة جديدة في المضمون الدلالي sémantique
لمفهوم المجتمع المدني، بإعتباره فضاءً للتنافس الايديولوجي. فإذا كان المجتمع السياسي حيزاً للسيطرة بواسطة سلطة الدولة، فإن المجتمع المدني فضاء للهيمنة Hégémonie الثقافية الايديولوجية، ووظيفة الهيمنة، هي وظيفة توجيهية للسلطة الرمزية التي تُمارس بواسطة التنظيمات التي تدعي أنها خاصة مثل النقابات والمدارس ودور العبادة والهيئات الثقافية المختلفة.
بهذا يكون غرامشي أول من استعمل مفهوم الهيمنة بمعنى القيادة، وايجاد سياسة ثقافية تهدف الى تنسيق وتوحيد مواقف الفئات والطبقات الاجتماعية كمقدمة لا بد منها لتحقيق السيادة، وذلك من خلال فاعلية الحزب "المثقف الجمعي"، كما يسميه غرامشي، وقدرته على حشد وتعبئة كل أصحاب المصلحة في التغيير تحت قيادته، وذلك لأنه يحمل لواء الاصلاح والتغيير، ويسعى لنشر آليات هيمنته الثقافية والسياسية على كامل المجتمع. هكذا يرى غرامشي على غرار ابن خلدون أن المطاولة الثقافية هي أساس وشروط المطاولة السياسية. (برهان غليون)
ويقول إنه في مثل هذه الأوقات، ابتعاد أفق الثورة الاجتماعية ، لا تكون هنالك معارك مباشرة بين الطبقات، ويتحول الصراع الطبقي الى "حرب مواقع"، وتصبح " الجبهة الثقافية " هي الميدان الرئيسي للنزاع .
وبالنسبة لغرامشي سواء كان ذلك في كتابه " الأمير الحديث " أو " دفاتر السجن " هناك مجالان رئيسيان يضمنان استقرار سيطرة البرجوازية ونظامها. المجال الأول هو مجال الدولة وما تملكه من أجهزة، وفيه تتحقق السيطرة المباشرة، أي السياسية، والمجال الثاني هو مجال المجتمع المدني وما يمثله من أحزاب ونقابات وجمعيات ووسائل إعلام ومدارس ومساجد أو كنائس إلخ، وفيه تتحقق وظيفة ثانية لا بد منها لبقاء أي نظام هي الهيمنة الايديولوجية والثقافية. ولذلك لا يكفي للوصول إلى السلطة، في نظر غرامشي، والاحتفاظ بها السيطرة على جهاز الدولة ولكن لا بد من تحقيق الهيمنة على المجتمع، ولا يتم ذلك إلا من خلال منظمات المجتمع المدني وعبر العمل الثقافي بالدرجة الرئيسية.. ففي مقابل استراتيجية الانقلاب العسكري أو شبه العسكري يقترح غرامشي عملية التربية والتعبئة الشاملة للمجتمع، أي السيطرة التدريجية والفكرية على الأطر التي تنظم علاقاته اليومية. ففي منظور غرامشي المجتمع المدني هو المجال الذي تتجلى فيه وظيفة الهيمنة الاجتماعية مقابل المجتمع السياسي أو الدولة الذي تتجلى فيه وتتحقق وظيفة السيطرة أو القيادة السياسية المباشرة. ولأن الهيمنة مرتبطة بالايديولوجية فإن المثقفين هم أداتها. ومن هنا جاءت حاجة غرامشي لإعادة تعريف المثقف وتحليل دوره والرهان الكبير الذي وضعه عليه في التحويل الاجتماعي.
لكن المراهنة على المجتمع المدني لم تلغ عند غرامشي دور الدولة ولا أهمية السيطرة عليها. فالعمل في إطار المجتمع المدني هو جزء من العمل في إطار الدولة وسياسة التحويل الدولوية (étatique ). لذلك لا قيمة للمثقف عند غرامشي ولا ضمانة لفاعليته إلا إذا كان عضوياً، أي إذا ارتبط بمشروع سياسي لطبقة ما، تماماً كما أن الهيمنة لا قيمة لها إلا كجزء أو مستوىً من مستويات العمل لتحقيق السيطرة الاجتماعية. إنها ليست منافيةً للسياسة ولكن مكملةً لها، وإن كانت متميزةً عنها. فالمجتمع المدني والمجتمع السياسي أو الدولة يسيران جنباً إلى جنب ويجمع بينهما في كل نظام وحدة ديناميكية السيطرة الاجتماعية.
يضيف غرامشي فيقول : تبنى الهيمنة، كما يعاد انتاجها، ضمن شبكة من المؤسسات يسميها بالمجتمع المدني تميزاً لها عن الجانب القمعي للدولة. المجتمع المدني، إذن، هو تلك التنظيمات ذات الطابع غير الحكومي : النقابات، المدرسة، الأحزاب .... الخ، وهذه تنظيمات طوعية تفعل فعلها عن طريق الاقناع أي من خلال الايديولوجيا. وبخلاف هذه التنظيمات، تشكل مؤسسات الدولة : الادارات، الجيش، الشرطة، القضاء، ما يسمى بالمجتمع السياسي، الذي يفعل فعله عن طريق القهر (السيطرة).
المجتمع المدني في المفهوم المعاصر:
ان الاستخدام المعاصر لمفهوم المجتمع المدني قد مر بثلاث فترات رئيسية.
الفترة الأولى: هي فترة الانفتاح على المجتمع المدني من قبل الأحزاب والقوى والنظم السياسية بهدف ضخ دم جديد في السياسة وإضفاء طابع شعبي عليها بدأت تفقده مع بقرطتها (من بيروقراطية) وتقنرطتها (من تكنوقراطية).
أما الفترة الثانية: فهي فترة التعامل مع المجتمع المدني بوصفه منظمات مستقلة موازية للدولة ومشاركة في تحقيق الكثير من المهام التي تهم هذه الأخيرة بالتراجع عنها. وهذا المفهوم يتوافق مع انتشار مفهوم العولمة والانتقال نحو مجتمع يحكم نفسه بنفسه ويتحمل هو ذاته مسؤولية إدارة معظم شؤونه الأساسية. وقد استخدمت " الدول الديمقراطية " مفهوم المجتمع المدني في هذه الحالة للتغطية على عجزها المتزايد عن الايفاء بالوعود التي كانت قد قطعتها على نفسها وتبرير الانسحاب من ميادين نشاط بقيت لفترة طويلة مرتبطةً بها لكنها أصبحت مكلفةً، ولا يتفق الالتزام بالاستمرار في تلبيتها على حساب الدولة مع متطلبات المنافسة التجارية الكبيرة التي يبعثها الاندراج في سوق عالمية واحدة والتنافس على التخفيض الأقصى لتكاليف الانتاج.
أما الفترة الثالثة: فهي فترة طفرة المجتمع المدني إلى قطب قائم بذاته ومركز لقيادة وسلطة اجتماعية، على مستوى التنظيم العالمي بشكل خاص، في مواجهة القطب الذي تمثله الدولة- الدول المتآلفة في إطار سياسات العولمة والنازعة إلى الخضوع بشكل أكبر فأكبر في منطق عملها للحسابات التجارية والاقتصادية.(ياسر و غليون –بتصرف)
ملاحظة حول الدولة القومية: جاء عند الدكتور برهان غليون وهو استاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر، السوربون، باريس وكاتب سياسي مشهور ما يلي: . فالمواطنية التي تمثل في نظري أساس وروح الفكرة القومية الحديثة كانت الثمن الضروري والحتمي لتكوين ولاء جديد يمحو الولاءات العصبوية السابقة ويسمح بإقامة مجتمعات مدنية كبرى قادرة على خلق شروط تطور الحضارة الصناعية والتقنية. وهذه المجتمعات أو الجماعات الجديدة المشتركة في ولاء واحد والمتضامنة في إطار الدولة وليس الكنيسة أو العصبية القروية والعشائرية ليست سوى الأمة بالمعنى الحديث للكلمة. وقد نجحت الأمة من حيث هي تجديد لقواعد الاجتماع المدني البشري في تكوين كيانات سياسية وبشرية كبيرة ومستقرة لا تخضع في استمرارها لقوة الشوكة ولا تحتاج من أجل ضمان استمرارها و أو توسعها إلى شن الحروب الدائمة واستنزاف موارد المجتمع. وفي ظل هذه الكيانات السياسية الجديدة، أعني الدول القومية، سوف تتحقق أكبر عملية تراكم اقتصادي وتقني وعلمي وثقافي في التاريخ، وذلك بالرغم من الحروب والنزاعات العديدة التي سوف ترافق تكوين النظام القومي العالمي واستقراره.
نقول بأن السياق التاريخي يكذب ما جاء عند الأستاذ غليون. فالدولة القومية نشأت كتلبية لحاجات توسع المجتمع البورجوازي الناشىء وهذا واضح في نشوء الوحدة الايطالية والوحدة الألمانية ، هذا أولاً أما ثانياً كيف يفسر الدكتور غليون اتجاه الدول الكبيرة حتى ذات القوميات المختلفة الى التوحد (الاتحاد الأوروبي، مؤتمر شنغهاي وفيه أكبر دول العالم قاطبةً الصين والهند وروسيا، ونشير أيضاً الى حركة هوغو شافيز في أمريكا اللاتينية وأخيراً لماذا لم تتوحد الدول العربية).
دور المثقف حسب ماركس:
يعتبر ماركس بأن الطبقة المنوط بها تحرير المجتمع هي البروليتاريا. (البروليتاري هو العامل الذي قطع الخيط السري الذي يربطه بالأرض حسب تعبير انجلز في كتابه أنتي- دوهرينغ). و حيث أن هذه الطبقة (البروليتاريا) ليس بامكانها فهم تناقضات المجتمع البورجوازي، فالمثقف الثوري هو الذي عليه القيام بهذه المهمة التاريخية. والمثقف ينتمي الى الطبقة البورجوازية ( الصغيرة)، من هنا فهو يتنكر لطبقته ويناضل مع البروليتاريا للوصول الى تملك المجتمع لوسائل الانتاج.
وهناك مثقفون ينتمون الى الطبقة التي تم القضاء عليها (الاقطاعية) يلعبون دوراً تقدمياً بشكل أو بآخر. جاء في البيان الشيوعي: “وجدت الأرستقراطية الفرنسية نفسها محكوماً عليها ، بحكم وضعها التاريخي ذاته، بأن تهجو المجتمع البورجوازيّ الحديث. فأمام هذا الوصولي الكريه ( المقصود البورجوازي) خسرت مرة أخرى معركتها في ثورة 1830 الفرنسية وفي الحركة الإصلاحية الإنكليزية 1831، وبما أن النضال السياسي الجدي لم يعد، بالنسبة إليها وارداً، فلم يبق أمامها غير ميدان المعركة الأدبية. وحتى في ميدان الأدب كان إنشاء عهد الردة الملكية قد غدا مستحيلاً. كان على الأرستقراطية، لكي تحرك مشاعر التعاطف معها، أن تتخلى ظاهرياً عن مصالحها الخاصة، وأن تصوغ قرار اتهامها للبورجوازية دفاعاً عن مصالح الطبقة العاملة المستَغلّة فقط. وهكذا وفرت لنفسها لذة إنشاد هجاء سيدها الجديد في أغان مقذعة، ولذة الهمس في أذنيه بنبوءات مفعمة إلى حد قليل أو كثير بالتشاؤم". و من أهم هؤلاء كان بلزاك.
دور المثقف حسب غرامشي :
”القديم يحتضر والجديد لا يستطيع أن يولد بعد. في هذا الفاصل تظهر أعراض مرضية كثيرة وعظيمة في تنوعها”
"بوسعنا القول ان كل الناس مثقفون، ولكن لايقوم كل الناس داخل المجتمع بتلك الوظفية، وظيفة المثقف".
يتحدث غرامشي عن المثقف العضوي. فالمثقف العضوي عند غرامشي هو المثقف الذي تخلى نهائياً عن طبقته وارتبط عضوياً بطبقة ما أخرى.
جاء ما تقدم في "كراسات السجن". كانت الكراسات استمراراً لنضال غرامشي الثوري، وكانت كما وصفها غرامشي نفسه: “بؤرة حياتي الداخلية”.
المثقفون ينفصلون عن الطبقة السائدة لكي يتحدوا بها اتحاداً أوثق، لكي يكوّنوا بنية فوقية حقيقية، لا مجرد عنصر غير عضوي، وغير متمايز من البنية الاقتصادية، إنها حركة استيعاب الاقتصادي وتجاوزه أو رفعه إلى مستوى السياسي، إلى مستوى المهمة التاريخية للطبقة المعنية.
العضويّة تعني التمايز عن البنية الاقتصادية والارتباط بها من الجهة الثانية. وكلمة عضو organe تعني لسان حال كالجريدة أو المجلة تكون ناطقة بلسان حزب أو جماعة. وكلمة عضو تعني أيضاً تميز العضو في وظيفته داخل الكلية العضوية. إن سمة العضوية تماثل تماماً علاقة الفكر بالدماغ البشري والأعضاء الأخرى.
يأتي استقلال المثقفين العضويين النسبي عن الطبقة التي ينتظمون بها، من دور المثقفين الضروري كمنظمين ومربين وعلماء وباحثين ومحققي تجانس الطبقة في المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويأتي استقلالهم أيضاً من أن المنظمة التي تربط المثقف بالطبقة هي ذات المنظمة التي تفصله عنها، وتعطيه نوعاً من الاستقلالية.
الصفة العضوية للمثقف منوطة بدرجة ارتباط التنظيم الذي ينتمي إليه مع الطبقة التي يمثلها هذا التنظيم، لكن هذه العلاقة العضوية منوطة بأمر آخر وهو المكانة التي يشغلها المثقف في المنظمات الطبقية للمجتمع المدني )منظمات الهيمنة أو المنظمات الاقتصادية / الحرفية) والمجتمع السياسي (أجهزة الدولة).
فمعلم المدرسة أقل عضوية من عضو في حزب النظام . وزعيم هذا الحزب أكثر عضوية في تعبيره عن مصالح طبقته السياسية من عضو طارئ وعادي.
تراتب المثقفين:
لدينا أربعة أنماط من المثقفين: 1- الباحث (العالم)، منتج العلم أو منتج معرفة جديدة. 2- المربي، المنظر أو الداعية لفكرة بعينها أو لمذهب بعينه ويسميه غرامشي بـ عضو الحزب الأيديولوجي 3- منظم الهيمنة، عضو الحزب السياسي 4- منظم الإكراه، أو عضو الدولة بالمعنى الإداري والعسكري. ويوجد نوع خامس من المثقفين الاقتصاديين / الحرفيين وهم التقنيون.
توجد ضرورة رصد التراتب الذي يربط المثقفين من نمط واحد: مثلاً تقوم فوارق في نظام التربية الحديثة ملموسة بين أساتذة الجامعات من جهة وبين المدرسين في المدارس ما قبل الجامعية من جهة أخرى. المدرسون بحكم قربهم من الجماهير الشعبية يمكنهم بسهولة أن ينشدّوا إلى القوى التقدمية في المراحل الثورية أو فترات الأزمة العامة للطبقة المسيطرة. بينما تتعزز الميول الرجعية لدى أساتذة الجامعات بشكل إجمالي. هذا لا ينفي ظهور حالات فردية مفارقة. بالطبع ليس كل من يعمل في المدرسة مثقفاً، وليس كل من يعمل في الجامعة مثقفاً أيضاً.
يعارض غرامشي المثقفين الذين تنتجهم البورجوازية الصغيرة الريفية بالمثقفين الذين تنتجهم البورجوازية الصغيرة المدينية. فهؤلاء الأخيرون هم تقنيو الصناعة، وبصفتهم هذه هم المثقفون العضويون للبورجوازية الصناعية .
غرامشي يعرف العضويّة بالارتباط مع الطبقة المعنية بذاتها، ويعود ليعرف العضويّة بالتقابل بين مثقفي طبقة صاعدة تاريخياً وأخرى في طور انحطاط لهيمنتها التاريخية ولمشروعها الإنساني المستقبلي (كما جاء في البيان الشيوعي).
يقول غرامشي في سياق الحديث عن رجال الدين كمثقفين تقليديين في العصر البورجوازي: “يمكن الربط بسهولة بين الفلسفة المثالية ككل، ووضع التركيبة الاجتماعية للمثقفين . ويمكن تعريف الفلسفة المثالية بأنها تعبير عن تلك اليوتوبيا (الخيالية أو الغير واقعية أو المثالية Utopie (الاجتماعية التي تصور فيها المثقفون أنهم “مستقلون” ومتميزون، وأن لهم شخصيتهم الخاصة أو ما يسمى “روح الفريق” الخ..” . المثالية بهذا المعنى فكر شطح وفشل في العودة إلى الواقع الذي جُرّد على أساسه، والفكر المثالي تضخيم لجانب من جوانب واقع معقد. يكتب لينين في دفاتر حول الديالكتيك: “المثالية الفلسفية ليست سوى حماقة من وجهة نظر مادية فظة، مبسطة، ميتافيزيقية. فبالعكس، من وجهة نظر الديالكتيك الماديّ ، المثالية الفلسفية هي إنماء أحادي الجانب، مبالغ فيه “مفرط، فوق الحد، فياض” (على حد تعبير ديتسغن)، تضخم ، تورم، لإحدى العلامات الصغيرة، لأحد الجوانب، لأحد وجوه المعرفة، الذي يصبح على هذا النحو مطلقاً، مفصولاً عن المادة، عن الطبيعة، مؤلهاً”.
في تحديده للمثقفين ينبّه غرامشي إلى أن التحديد ليس باطنياً أو بذاته، ليس في الطبيعة الجوهرية لأنشطة المثقفين، التي هي النشاط الذهني. بل في نسق العلاقات الاجتماعية الذي تجري فيه هذه الأنشطة. فالعامل أو البروليتاري لا يميز بأنه يقوم بجهد أو عمل عضلي “وإنما في أدائه لهذا العمل في ظل ظروف معينة وعلاقات اجتماعية محددة”. المثقف يتميز بوظيفته كمثقف في مجتمع محدد. كل عمل مهما كان بدائياً، يوجد فيه إلى حد ما، شيء من النشاط الذهني. ولكن ليس كل نشاط ذهني يقوم بوظيفة المثقف. يقول غرامشي: "عندما نميز بين المثقفين وغير المثقفين فإننا في الحقيقة نشير فقط إلى الوظيفة الاجتماعية المباشرة” . إذا كان بإمكاننا الحديث عن المثقفين، فإنه لا يمكننا الحديث عن غير المثقفين لأنه لا وجود لهم.
“ لم يعد أسلوب المثقف الجديد يعتمد على البلاغة التي هي محرك خارجي مؤقت للمشاعر والعواطف، بل أصبح يعتمد على المشاركة الإيجابية في الحياة العملية كبان ومنظم لها”. “إن أهم ما يميز أية جماعة تتجه إلى السيطرة، هو نضالها من أجل استيعاب المثقفين التقليديين وإخضاعهم أيديولوجياً. غير أن هذا يتحقق على نحو أسرع وأفعل إذا ما نجحت في الوقت نفسه في إعداد مثقفيها العضويين”.
إن ظاهرة أمريكا اللاتينية تؤكد ملاحظة غرامشي التي تشير إلى وجود ثلاث مراتب أو درجات ضمن الدين الواحد: كبار رجال الدين، رجال الدين اليساريين، والشعب كأفراد متدينين. يكتب غرامشي: ويصل هذا الاختلاف في شرقي آسيا إلى حد لا يصدقه عقل، حيث لا علاقة البتة لدين الشعب بدين الكتب وإن حملا ذات الاسم.
الاسلام والمثقف:
أنا أعتبر أن أفضل من فهم المجتمع المدني على الاطلاق هو أنطونيو غرامشي، كما وأنه أفضل من فهم دور المثقف في المجتمع. وليس من مفهوم أسمى وأرفع من مفهوم غرامشي حسب زعمي الا المفهوم الاسلامي للمثقف و دوره .
ينطلق ديننا الحنيف من أنه "لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". كما وأنه ينطلق أيضا من أنه "انما يخشى الله من عباده العلماء". وانطلاقاً من أنه "وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون"، نصل الى الأساس، الى الاسلام الذي يعلمنا العبادة التي توصلنا الى حيث نحب ان نصل، الى الخلد. الى الجنة . من هنا "اعلم أنه لا اله الا الله". فلا اله الا الله علم نتعلمه. ما من شيء في هذه الأرض والسماء الا ويؤكد هذه المسلمة لا اله الا الله.
والثنائية تسيطر في هذه الأرض، وحدة التناقض كما يقول ماركس. الخير والشر الجنة والنار وحتى الخلد له طريقان: الطريق الشيطاني والطريق الالهي. ومما لا شك فيه أن الخلود الرباني مختلف في طبيعته عن الخلود الشيطاني: جاء ابليس الى آدم ليدله على "شجرة الخلد وملك لا يبلى". "فاكلا منها وبدت لهما سوآتهما وراحا يخصفان عليهما من ورق الجنة" "وعصى آدم ربه فغوى". وكانت النتيجة أن "اهبطا منها جميعا". و"بعضكم لبعض عدو" "ولا نزال مختلفين". ووصل آدم الى الخلود الابليسي وهو التكاثر التي يشترك فيه الانسان والحيوان والنبات. فالخلود هو عبر النوع وليس للانسان الفرد.
لنعد الى صورة المثقف في ديننا الحنيف. من المؤكد أن هذه الصفة لم تأت كما نلفظها نحن. فاللغة كائن حي تتطور كما يتطور من يستعملها لذلك نتحدث عن المعنى المعجمي والمعنى الدلالي. وحسب زعمي فان صفة الشاهد التي يستعملها القرآن يمكن أن تتطابق مع مفهوم المثقف الذي أريده. يقول رب العزة : "هذا بلاغ للناس وهدىً وموعظة للمتقين". الى ان يقول "لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا". الشهداء على الناس هم القادة ، الذين بامكانهم قيادة الناس لما فيه خيرهم أي خير الناس وخير الشهداء من ناحية ثانية. لأن الخير الذي يريده الله للناس ليس ذلك الذي نفتش عنه في الشهوة الخفية أو غيرها من الغوايات التي أرادها الشيطان للانسان كما في قصة آدم عليه السلام الذي عصى فغوى. الله تبارك وتعالى يريد من الانسان أن يحقق انسانيته، لذلك ما على هذا الانسان الا النظر الى أعلى، الى المعاني السامية الى الرسالات. يقول تبارك وتعالى "انا عرضنا الأمانة على السماوات والجبال والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان"... فالانسان الذي يطيع الله، الذي يقود الناس، الشاهد، المثقف العضوي حسب تعبير غرامشي هو حامل الرسالة، هو من يريد ان يغير الواقع الكفري الى واقع ايماني، الواقع الذي يحقق مصالح الناس في الدنيا والآخرة. فالدين ما هو الا معطىً الهي فيه تتحقق سعادة الانسان في الحال والمآل. ومن ذا الذي عليه ارشاد الناس الى مصالحهم ان لم يكن المثقف الذي وعى رسالة الاسلام واستوعب السنن الالهية، السنن الاجتماعية التي من خلالها ومن خلالها فقط تكون سعادة الانسان.
لن أطيل في هذا الموضوع. انما أريد أن أسأل ما الذي علينا فعله في مجتمعاتنا الصغيرة التي ننتمي اليها سواء كنا ملتزمين ايمانياً أو كنا ملتزمين فكرياً أ و كنا نريد أن نحقق انسانيتنا كما أراد الله للانسان أي انسان، كافراً كان او مؤمناً، فالله تبارك وتعالى لم يعط الخير للمؤمن فقط انما أعطاه لكل الناس لأنهم جميعهم من خلقه "كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظورا".
في هذا المجال أتذكر ما قالته لي احدى الأخوات هل نحقق ذواتنا بالأكل والشرب ؟ وهل هذا ما يميزنا عن سائر المخلوقات؟ أرسطو يقول العقل وديكارت يقول التفكير وماركس يقول قوة العمل وديننا الحنيف يقول حمل الأمانة.
في هذا الصدد أرى ما كتبه الأستاذ محمود صبري مهماً وحيوياً يقول: "المثقف ينبغي ان يدخل معترك العمل السياسي لا كسياسي محترف يهتم بالثقافة، بل كمثقف محترف يهتم بالسياسة، وهكذا يستطيع ان يحرر نفسه من خدمة (مراكز القوى)، انتماؤه الأساسي،الذي هو أوسع وأهم من أي انتماء أخر، هو الى الفكر والثقافة وليس الى السياسة بل انه يستطيع أن يقلب الآية ويفرض على السياسة أن تنتمي بتبني رؤيته".
وأضيف فأقول: مشكلتان رئيسيتان تواجهان المواطن(هذه المفردة لها معنىً محدد على صعيد علم الاجتماع أو الاقتصاد السياسي ولا أعنيه في هذا المجال) أو لنقل الانسان العربي والمسلم هما مشكلة الانتماء ومشكلة التموضع. فالانتماء بالنسبة للانسان العربي أو المسلم عو انتماء "براني". فهو لا يفعل فعله في هذا الانسان. ولو أنه كذلك لأصبحت حركاته وسكناته تنطلق من فعل انتمائه. ودليلنا على ذلك واضح وضوح الشمس اذا ما أخذنا مثالاً عليه ممارسة الأحزاب القومية أو الحركات القومية منها والاسلامية. فحزب البعث كان يسيطر على الحكم في سوريا والعراق وأعدى كيانان لبعضهما البعض كانا سوريا والعراق. واذا أخذنا بعين الاعتبار بأنهما ينطلقان من نفس المنطلقات العقائدية ويطرحان نفس الشعارات القومية فلا نجد امكانية للخلاف بينهما الا أن الانتماء ليس حقيقياً. هذا اذا لم نعرج على الانقسامات بين الحركات التي تطرح نفس الشعارات ولها نفس المنطلقات. حركة القوميين العرب التي انقسمت أكثر من مرة على نفسها؛ وأنتجت على المستوى الفلسطيني الجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية والقيادة العامة. ولا يمكن تفسير ذلك الا بما رحنا الى تسميته الانتماء البراني. أما التفسيرات الايديولوجية التي استخدمتها الأطراف المختلفة تبريراً لانقساماتها فلا تساوي، حسب اعتقادي، ثمن الورق الذي صرف لتأكيد هذه التبريرات.
نأتي على الجبهة الاسلامية، و علينا أن نتنبه هنا الى أن الكلام يتناول الاعتقادات ذات الطابع السياسي والالتنزام على صعيد السياسة العملية وليس على طاعة الله عز وجل من وجهة نظر عقائدية أو ايمانية، "فانما الأعمال بالنيات، وانما لكل امرىء ما نوى....". نقول بأن هناك العديد من الحركات الاسلامية التي تنطلق من نفس المنطلقات وتعود فقهيا الى نفس العلماء ومع ذلك نراهم على صعيد الممارسة السياسية أو الدعوية مختلفين أو متعادين، ولا نرتكب معصية ان قلنا متحاربين. الام يعود هذا؟ لا يمكن تفسير ذلك الا بأن الالتزام لم يفعل فعله بعد في النفوس حتى يتمكن هؤلاء من ممارسة عقيدتهم بالشكل الذي يحقق أهدافهم ويقربهم الى الله عز وعلا أكثر؛ وهذا نتيجةً لما أسميته الانتماء البراني. فالانتماء الحقيقي يجعل امكانية التناقض في الوحدة ممكنة أو متيسرة. فالتناقض على ما نعلم، يمكن أن يختلف كمياً ونوعياً. فتناقضنا مع اسرائيل هو تناقض عدائي لا يمكن حله الا بازالة أحد طرفي التناقض أو بتغيير فعلي للصفة المميزة لأحد طرفي هذا التناقض. فهذا النوع من التناقض هو تناقض نوعي. أما التناقض بين الحركات الاسلامية فهو تناقض من نوع آخر، لنسمه كمياً، و حله لا يكمن بازالة أحد طرفي التناقض كما في حالة اسرائيل والأمة الاسلامية، انما يتم بالتفاهم فيما بين هذه الحركات على حل التناقض فيما بينها، حبياً، أي بالتفاهم وايجاد نقاط اتفاق يمكن العمل عليها وتكبير مساحة العلاقة المشتركة والعمل المشترك؛ وذلك يساهم مساهمةً فعالةً في القضاء على مثل هذا التناقض. أما في حال عدم التمكن من ايجاد الوحدة ضمن التناقض، فانما يدل ذلك على ما قلناه آنفاً: أعني ضعف الانتماء الجواني، الذي يمكن أن يفعل فعله في تغيير النفوس وبالتالي ترشيد الممارسة الايمانية. لن أطيل في هذا المجال، انما سوف أضرب مثلاً واحداً يليق بهذا المقام (الانتماء الحقيقي الجواني). ورد في السيرة المشرفة أن أبا سفيان بن حرب و أبا سفيان بن الحارث قد أشهرا اسلامهما في نفس اليوم، عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم على مشارف مكة يريد أن يفتحها. وبعد فتح مكة بعدة أيام كانت غزوة حنين، حيث مني المسلمون بهزيمة في بدايتها. وقد صمد مع النبي عليه السلام قلة من المسلمين ومن بينهم أبو سفيان بن الحارث، بينما كان زميله أبو سفيان الآخر يدعو على النبي ويتمنى له الهزيمة. هكذا ورد في السيرة. نقول أن انتماء أحدهما كان برانياً وشكلياً بينما انتماء الآخر كان جوانياً. أو كما قال تبارك وتعالى "انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون ".
أما بالنسبة لمسألة التموضع فنأخذ المثال التالي: (كيف تموضع أتاتورك غربياً وتخلى عن عثمانية الدولة التركية). أقام مصطفى كمال الملقب "أتاتورك" الجمهورية التركية. وكان لابد له أن يعطي هذه الجمهورية الوليدة صفات تميزها عن الدولة التي أقيمت على أنقاضها. راح يفتش عن هوية جديدة غير هويتها الاسلامية. ودعا الى التتريك. هذه الخطوة كانت قفزةً كبيرةً قام بها الحاكم الجديد، ولكنها لم تكن مدروسةً ما يكفي. فالتتريك كان الخطوة الأولى لانبثاق مشاكل كثيرة لم يقم لها مصطفى كمال حساباً. فالأكراد الذين قبلوا بالانضواء تحت راية الدولة العثمانية، قد قبلوا ذلك انطلاقاً من أنها دولة اسلامية وليست دولة قومية. وهذا هو العامل الأساس والحاسم الذي جعل تركيا لا تعاني من هذه المشكلات ابان عثمانيتها. المهم أن أتاتورك أخذ قراراً حاسماً بالتوجه غرباً. ونفذ ما وعد به. غير الحرف التركي من العربي الى اللاتيني، وخفف علاقاته مع جيرانه المسلمين ما أمكنه ذلك. وكان لما قام به انعكاسات سلبية في الجوار العربي. علماً أنه لا يمكننا انكار انبثاق طبقة بورجوازية وطنية ساهمت في بناء اقتصاد تركي. ولكن القضايا الخلافية التي أثارها انتقال أتاتورك الى الغرب على البنية الداخلية التركية على الصعيد الايديولوجي كانت كبيرة، وكذلك الأمور التي ظهرت ولم يكن لها وجود سابقاً، منها قضية لواء الاسكندرون بين سوريا وتركيا، قضية اقتسام مياه دجلة والفرات والعاصي ما بين تركيا، سوريا والعراق وجزئياً لبنان، القضية الكردية التي تتوزعها تركيا، العراق، سوريا وايران....
كما وأنه أثار قضية ذات طابع أوروبي أيضاً هي العلمانية. وهذه قضية ليس لها مكان في عالمنا اذ أنه ليس عندنا كنيسة تتدخل في السياسة وليس "لرجال الدين" أن يحكموا. حيث أنه لم يمر في تاريخ الدول الاسلامية أن حكم الفقهاء أو من يسمون برجال الدين. ومع أنها ليست قضية فعلية، ولكن التركيز عليها من قبل أتاتورك قد زاد الطين بلة بالنسبة للقضايا التي أشرنا اليها سابقاً.
ان ما قام به أتاتورك يدخل ضمن نطاق ما أسميته" التموضع والانتماء". فأتاتورك هذا كان خياره الغرب "فتموضع" مع الغرب وصارت نظرته، وخلفاؤه، نظرة غربية. لذلك لم يجد الحكام الأتراك غضاضة في الاعتراف باسرائيل. علماً أنها قامت على أرض اسلامية، كل مسلم مأمور بالدفاع عنها والجهاد من أجل الدفاع عن حياضها. وكانت تركيا "المنتمية" و "المتموضعة" مع الغرب الكيان المسلم الوحيد الذي اعترف باسرائيل؛ الى أن قررت بعض الدول "الاسلامية" الالتحاق بالغرب واعترفت باسرائيل أيضاً مثال مصر والأردن وسلطة محمود عباس.
قبل أن أختم أريد أن أذكركم بالتفاتة أراها رائعة لجان بول سارتر جاءت في روايته "سن الرشد" "L'âge de raison " يقول أحد الشخصيات لصاحبه أنه انتسب للحزب الشيوعي. فيقول له صاحبه لقد انتهيت كموجود. والمعني بالوجود هنا هو existence الوجود وليس être الكينونة كما في التعابير الفلسفية. فحسب سارتر عملية الاختيار تكون مستمرة وليست لمرة واحدة. كانت الآيات تزيد المؤمنين ايماناً على ايمانهم. "يا أيها الذين آمنوا آمنوا".
يقول كامل الدلفي رئيس مركز الآن للثقافة الديمقراطية:
ان البوليتكا (السياسة) بشقيها النظري والعملي تحتاج الى ان تصدر عن وعي مجتمعي وبراديغما (خلفية أو مثال) (paradigme ) حضارية من أجل أن تتمكن للوصول الى علة المشكلات وارتفاع ورقي في الأداء في مواجهة المعضلة .
لقد تعرضت قدسية المعنى في بلادنا الى التشيؤ (أي جعلها شيئاً) والتسعير فان كل شيء بسعر وبثمن وفق انماط الحسابات الرأسمالية الجديدة.
ان المفهوم الاخلاقي (الضمير) حقق تراجعاً في مؤشره الطبيعي ونجد ذلك خاصةً في مجالات نهب الثروة العامة والفساد الاداري والتملق والزيف والتزوير الخ.
وعليه ننبه أن قوة الخلاص هي بأيدينا في بناء مجتمع مدني متطور ، وليس بيد الدولة أو حلفائها الرأسماليين الدوليين لأنهم طالما بحثوا عن خراب هذا المجتمع وابادته ومازالوا .
ان انتاج المثقف العضوي وصلابة عود قوى المجتمع المدني واستمرار تحالفاتها والتنسيق فيما بينها وانهاء حالات الشللية والأنانية في مرافقها والتمسك بروح العمل الجماعي وممارسة النقد الذاتي، والايمان بدور هذه المنظمات وبطابعها التطوعي سينتج لا محالة كتلةً كبيرةً ذات تأثيرات ضاغطة وانتاج سلوكية المراقبة على المؤسسات الحكومية والأحزاب السياسية، حينها يمكن الكلام بطلاقة عن نهاية جدية لما نحن فيه.
(في الأصل محاضرة ألقيت في أحد المنتديات اللبنانية)
حسن محمد ملاط
الناس ثلاثة أصناف ، فمنهم من يعمل انطلاقا من قناعة نظرية أو لنقل فكرية، ومنهم من يعمل لتحقيق مصالحه الخاصة ومنهم من يعمل بدافع غريزي. و مما لا شك فيه أن الثقافة تلعب دورا في تعديل قناعات الانسان و تبديلها. فما الثقافة و ما المثقف وما دوره في هذا المجتمع؟
يقول محمد الدلفي و هو مفكر عراقي : ان الثقافة هي البيان الأول لأنسنتنا.
متى أصبح بامكاننا الاشارة الى أن الانسان كائن مثقف ؟
أشار شتراوس الى صعوبة الوصول الى التحديد الجازم في ذلك "ان لغز ظهور الثقافة سيظل مستعصيا فهمه على الانسان ما لم يتوصل على المستوى البيولوجي الى تحديد التغيرات البنيوية او الوظيفية التي حدثت في الدماغ ، وكانت الثقافة ، نتيجتها الطبيعية". و لكن العامل الأول الذي يحدد تلك القفزة ظهور اللغة المنطوقة. ان اللغة شكلت المعلم الوظيفي الرمزي والنموذج الراقي لتمايز الانسان عن المخلوقات.
العامل الثاني حسب شتراوس هو تحريم الزواج من الأقارب "الذي يؤسس الخطوة الرئيسة التي تحقق بفضلها وبالأخص من خلالها الانتقال من الطبيعة الى الثقافة".
الثقافة معجميا:
جاء في القاموس المحيط في معنى كلمة “ثَقُف”: ثقُف، ثقفاً، ثقافة، صار حاذقاً خفيفاً فطناً. فهو ثِقف كـ حِبر. والِثقاف ما تسوّى به الرماح .
هكذا تكون الثقافة حصيلة ما تكتسبه الجماعة تاريخياً، حيث تصقل وتتهذب عاداتها وتقاليدها. ويفهم من كلمة ثقافة كل فعل للتاريخ في تهذيب الجماعة البشرية، كل فعل للتاريخ في الطبيعة. فهي الثقافة ضد الطبيعة الأولية الخام والخشنة، “المتوحشة”. المشغول بفعل التاريخ، والمصقول بهذا الفعل هو المثقف. والثقافة هي المتولدة بالخبرة والمكتسبة بالتربية المديدة.
جاء في المورد في معنى كلمة culture: حِراثة، تثقيف، تهذيب، حضارة أو مرحلة معينة من مراحـــل التقدم الحضاري… المستنبت أو نتاج عملية الاستنبات.
الثقافة: هي الحِراثة، أي هي تهذيب الأرض من الحجارة والأعشاب الضارة، مع إحداث طبقة ترابية جديدة عبر قلب الوضع القائم. ( أي يدخل فيها فعل الانسان ح.م)
أما تايلور E.B.Tylor فيعرف الثقافة فيقول: "الثقافة هي ذلك المركب الكلي الذي يشتمل على المعرفة، والمعتقدات، والفن، والادب، والأخلاق، والقانون والأعراف، والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الانسان بوصفه عضوا في المجتمع".
دور المثقف:
في المجتمعات القديمة:
اذا اطلعنا على التاريخ القديم، عن بلاد ما بين النهرين مثلا، نرى بأن "الملوك الآلهة" يبينون لشعبهم مدى حرصهم وسعة علمهم من خلال المشاريع المائية التي تساهم في تأمين الري للمزروعات. وهذا يتم طبعا عن طريق أهل العلم. لذلك كانت هذه الطبقة من الأهمية بمكان، في بلاد ما بين النهرين، على تغير الحكام.
عندما طلب سليمان عليه السلام من مجالسيه: من يأتيني بعرشها قبل أن تأتي سبأ الى مجلسه: قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك هذا. قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك. فلما رآه مستقرا ......
فالعلماء كانوا مقدمين عند الملوك.
قصة موسى عليه السلام و فرعون. أتى فرعون بالسحرة لمباراة موسى لأن السحرة هم الذين يمثلون المجتمع المتعلم المثقف وبهم يقتدي العامة ولو كان خلاف ذلك ما طلب فرعون من جميع الناس حضور هذه المباراة حتى يروا الهزيمة الشنعاء التي سوف تحل بموسى لادعائه بوجود اله لفرعون.
وكانت النتيجة أن سجد السحرة لله الواحد القهار رب موسى وهارون وعجب فرعون من ايمانهم مباشرة. ذلك أنهم فهموا الآية الالهية التي يملكها موسى وما مكنهم من فهمها أنهم علماء: "انما يخشى الله من عباده العلماء". وأعظم ما استوقفني في هذه القصة العبارة التي استعملها السحرة: أننا نطمع أن يغفرالله خطايانا أن كنا أول المؤمنين. أي أنهم فهموا أن ما كانوا يقومون به من السحر هو حرام لأنه يغش الناس وأنهم بحاجة للمغفرة. كما وأنها دلالة على عمق ايمانهم رغم حداثته.
في المجتمع المعاصر:
علينا أن نعي أنه لا يمكن فهم دور المثقف في المجتمع بمعزل عن مفاهيم عديدة وأهمها على الاطلاق مفهوم المجتمع المدني.
كتب الدكتور صالح ياسر: المجتمع المدني هو عبارة عن مجتمع يتألف من مواطنين أحرار ( و في هذا اشارة الى المجتمع البورجوازي لأنه في المجتمعات ﴿ أو لنقل التشكيلات الاجتماعية﴾ السابقة على هذا المجتمع كانت صفة الانسان الحر تنطبق على أناس محددين فقط ح.م)، يستطيعون وقادرين على العيش سوية وبشكل مشترك، بحسب القواعد التي اختطوها، والتي أصبحت عادات لا يمكن تجاوزها.
مفهوم المجتمع المدني في القرنين السابع عشر والثامن عشر:
بدأنا من القرن السابع عشر لأن الثورة البورجوازية الانكليزية تحققت في هذا القرن، وفي القرن الثامن عشر كانت الثورة الفرنسية، و قد انتقلت أوروبا تباعا الى البورجوازية .
لقد كانت المشكلة الرئيسية المطروحة على مثقفي القرن السابع عشر والثامن عشر الذين رافقوا تحلل النظام الاجتماعي التقليدي وتطور البرجوازية كطبقة جديدة تطمح إلى إعادة بنائه من منظورات مختلفة تلغي التراتبية الجامدة ( و الاشارة هنا الى طبقات الشعب في التشكيلة الاقطاعية) وتفتح المجال أمام هيمنة سياسية حديثة، هي إعادة بناء السياسة على أسس غير دينية وغير ارستقراطية، أي لا ترتبط بتكليف إلهي ولا بإرث عائلي، ولكن بالمجتمع نفسه، تنبع منه وتصب فيه. ومن هذه النقطة سوف ننتقل تدريجيا من نظرية لا سلطة ممكنة إلا إلهية أو ملكية وراثية ( وهنا اشارة الى المجتمعات الاقطاعية، أو الرق)، إلى النظرية المناقضة تماما وهي لا سلطة شرعية إلا تلك التي تعبر عن السيادة الشعبية والإرادة الجمعية. وهذا هو أصل الانتقال نحو الحداثة السياسية.
هيجل و المجتمع المدني:
إن المجتمع المدني، حسب هيغل، هو الوسيط بين العائلة والدولة. انه نظام الحاجات أو مكان التبادل والانتاج الخاص الذي لا يمكن أن يولد أو يتطور الا في، وبواسطة الدولة المجسدة للمصلحة العامة، حسب تعبيره. ومن هنا كانت العلاقة بين الاثنين علاقة تكامل وتعارض في الوقت ذاته.
وبقدر تعلق الأمر بهيغل لابد من الاشارة هنا الى أمرين أساسيين في فهمه للمجتمع المدني:
يماثل هيغل بين مدني وبرجوازي وهو يستعرض المفهوم على محورين:
الأول تاريخي (عمودي) عبر الانتقال من الاسلوب الاقطاعي للملكية الخاصة وعلاقاتها، الى الأسلوب الرأسمالي للملكية الخاصة، حيث يشير الى الانتقال من الجماعة الطبيعية (العائلة والاسرة) الى الجماعة السياسية (الاقتصادية الاجتماعية وتنظيمها في الدولة الحديثة). يرافق هذا التحول تحول في الدساتير والقوانين فيظهر القانون المدني (البرجوازي) لحماية هذا الحق، حق الملكية الخاصة للافراد.
المحور الثاني في تناول هيغل للمجتمع المدني هو المحور البنيوي (الافقي)، أي دراسة المجتمع المدني من حيث هو المسافة الاجتماعية – الاقتصادية بين الفرد والدولة، التي هي سلطة سياسية ولحظة اكراه. وعلى هذا فالمجتمع المدني عند هيغل يشتمل على علاقات الانتاج الاجتماعية- الاقتصادية والنقابات الحرفية والمنظمات الدينية والاهلية والنقابات العمالية والاحزاب السياسية، ويشمل الاجهزة الايديولوجية والتربوية للدولة الحديثة (المدارس والجامعات والمؤسسات التربوية الاخرى) باستثناء القضاء والبرلمان والحكومة التي تشكل كأجهزة إكراه بأشكال مختلفة، اللحظات الثلاث للسلطة السياسية من حيث هي سلطة.
فالمجتمع يظل على مستوى المجتمع المدني مجتمع المصالح الفردية والمشاريع الخصوصية، أي مجتمع الانقسام والتملك الفردي والصراع، ولا يجد خلاصه إلا في الدولة.
والخلاصة التي يمكن التوصل اليها من خلال العرض المكثف السابق هو أن الأساس التاريخي لمفهوم المجتمع المدني ضمن ارتباطه بالواقع البرجوازي، وضمن الشروط التاريخية التي تشكل فيها، يقوم على ما يلي:
أولاً: على أساس مضمون الحياة المدنية الحديثة والمعاصرة، الذي جوهره التحرر السياسي، وعلى التمييز بين الإنسان المطلق والإنسان الديني، أو بالأحرى على انفصال واستقلال الإنسان الديني، عن مواطن الدولة المدنية، باعتبار هذا التمييز، أو هذا الاستقلال هو البذرة العقلية للتحرر السياسي بالذات. ولكن علينا أن نؤكد أن تحرر الدولة السياسي من الدين، لا يعني بأي حال تحرر الإنسان الفعلي من الدين، فالدولة تستطيع أن تتحرر تماماً من الدين، حتى حين لا تزال أغلبية الشعب أو الأمة متدينة، علماً أن بقاء هذه الأغلبية دينية لا يعدو أن يكون بقاء دينياً خاصاً. إن عملية الانتقال هذه، هي التي كانت أساس ولادة العلمانية للدولة السياسية من ناحية، وللمجتمع المدني من ناحية أخرى.
ثانيا : ينجم عن الملاحظة السابقة أن التحرر السياسي، قلما يقضي على التدين الفعلي للإنسان، مثلما لا تعني العلمانية الإلحاد. ومن هذا المنظار، تصبح العلمانية روح المجتمع المدني، ولا يمكن تحقيقها إلا في درجة جذرية من انفصال السياق الديني عن الدولة، وبالقدر الذي تبرز فيه الدرجة المعنية من تطور الروح البشري للإنسان، حيث أن التحرر السياسي، هو التعبير عنها، لكي تبني نفسها به في شكل دنيوي. وهذا ما لا يمكن حدوثه إلا في ظل سيادة العقلانية، واستقلال المجتمع المدني عن السلطة الدينية، واستقلال السلطة الدينية عن السلطة الزمنية، وفي ظل سيادة الدولة الديمقراطية الحديثة والمعاصرة، حيث أن كل إنسان مطلق بمفرده، مؤمناً كان أم متديناً، متعصباً لدينه وأصولياً أم غير ذلك، ظلامياً أم عقلانياً، يكون فيها كائناً إنسانياً نوعياً سائداً.
ملاحظة: من الجدير ذكره في هذا المجال أن الدولة الدينية لم تظهر في بلادنا. فمنذ قيام الدولة الأموية انفصل الديني عن السياسي . و لم يكن مسموحا للفقهاء أو العالمين في أمور الدين والمشهود لهم بذلك، التدخل في الشؤون السياسية الا بالحدود الذي يريدها الحاكم. لذلك كان الفقيه الذي لا يمالىء السلطان مغضوبا عليه من السلطة ويلاحق ويسجن. و يمكن الاشارة أيضا أن تعبير "فقهاء السلاطين" ظهر فقط للدلالة على أنه لم يكن هناك من سلطة لرجال الدين على الحكام. فرجل الدين اما أن يخدم السلطان، اما أن ينزوي، فيصبح مطوبا شعبيا على حد تعبير المسيحيين. وهناك الكثير من الأمثلة على ذلك. نكتفي بذكر أحمد بن حنبل وابن تيمية والعز بن عبد السلام. بينما في أوروبا كانت الكنيسة تمارس السلطة بكل تفاصيلها. فالامبراطور لا يطوب أو يمارس صلاحياته الا بموافقة البابا كما وأن للبابا الحق بعزله عندما يرى ذلك ضروريا، كما وأن الكنيسة كانت أكبر الاقطاعيين؛ ربما هذا ما أعطاها السلطات التي ذكرناها. وعلينا أن نشير الى أن الكنيسة في بلادنا لم تكن على نمط الكنيسة الأوروبية. من هنا فالكلام عن العلمانية أو فصل الدين عن الدولة كلام لا يستهوي الا أولئك المتأثرين بالفكر الغربي أو الذين يعيشون مشاكل المجتمع الغربي في بلادنا و ذلك لغربتهم عن مجتمعاتهم. (ح.م)
ثالثاً: يقوم المجتمع المدني على أساس احترام حقوق الإنسان، وهي جزئياً الحقوق السياسية، ومضمونها يكمن في المشاركة السياسية في الدولة. ومن هذا المنظار، فهي تدخل في مقولة الحرية السياسية. وحقوق الإنسان هي حقوق عضو المجتمع المدني المتحرر سياسياً، أي حقوق الإنسان الأناني، أو الفرد البرجوازي. أما مرتكزات إعلان حقوق الإنسان، فتتمثل في المساواة السياسية والقانونية، والحرية والملكية الخاصة، والأمن. من الناحية التاريخية، والسياسية، والأخلاقية، إن حق الإنسان في الحرية يعني فعلياً وعملياً حق الإنسان في الملكية الخاصة. يقول ماركس معلقاً على هذا الموضوع، "ومن هنا ينجم أن حق الإنسان في الملكية الخاصة هو حقه في الانتفاع بملكه والتصرف به على هواه (à son gré) دون أي علاقة بالناس الآخرين، بصورة مستقلة عن المجتمع، أنه حق المصلحة الشخصية" .
رابعا: إذا كان المجتمع المدني ببعده التاريخي العالمي، يشكل الأساس الطبيعي للدولة البرجوازية الحديثة والمعاصرة، فإنه لا يعني بأي حال من الأحوال اعتبار المجتمع المدني هو الليبرالية عينها فقط ....
خامساً: إن المجتمع المدني بهياكله الاقتصادية، وانقساماته الطبقية والفئوية، وتبايناته الاجتماعية وتكويناته السياسية والنقابية، الذي تحكمه مبادىء المواطنة، والمساواة السياسية والقانونية بين الأفراد في الحقوق والواجبات، والمشاركة السياسية من خلال الانتخابات التشريعية، والبلدية والمحلية، لانتخاب الممثلين عنه للاضطلاع بأعباء السلطة في الدولة البرجوازية، باعتبار أن الشعب أو الأمة، هو مصدر السلطات، الذي لا يتحقق كمبدأ، إلا في ظل سيادة الديمقراطية، بوصفها أيضاً الساحة التي يتقاطع فيها المجتمع المدني مع الدولة، فإن هذا المجتمع المدني عينه، هو مجتمع الاختلاف، والتعدد، والتعارض، والتناقض، داخل بنيانه، وهياكله الاجتماعية والسياسية.
سادساً: وعندما نؤكد على الجوانب الايجابية والتقدمية للمجتمع المدني، علينا أن نعترف بأن أوروبا الغربية، كانت لحظة تاريخية مهمة كبيرة وحاسمة، وحيوية، في التبلور التاريخي لهذا المجتمع المدني بعمقه العالمي، وإن كان هذا الاعتراف ليس مقترناً بالنزعة التماثلية، أو بالتبعية للمركزية الأوروبية، بقدر ما هو نابع من منهج نظري، يتخذ من الجدل ركيزة أساس في بنيانه الداخلي. (ياسر و غليون بتصرف)
ماركس والمجتمع المدني:
ان الماركسية، التي ترعرعت في موروث الفلسفة الليبرالية الكلاسيكية الأوروبية، شكلت تحولاً تاريخياً على نحو متواصل، وقفزة ثورية وفق نمط مترابط منطقياً، حيث أبدعت جدلاً نوعياً جديداً في غمار النضال الثوري (كذا! ح.م). كان الاقتصاد السياسي الانكليزي، والاشتراكية الفرنسية، والفلسفة الكلاسيكية الألمانية، هي المصادر النظرية الأساسية للفلسفة الماركسية بما فيها منجزات هيغل الجدلية.
يستخدم ماركس مصطلح المجتمع المدني بطريقتين، الأولى وردت في " المسألة اليهودية" حيث المجتمع المدني، هنا، كحياة مادية خاصة مقابلة للحياة العامة والمجردة للدولة الحديثة، حيث يتم التحديد، هنا، بالتقابل (التعريف بالنقيض)، والمجتمع المدني هذا هو المجتمع البرجوازي. أما في " الايديولوجيا الالمانية " فإن ماركس يماثل بين المجتمع المدني وعلاقات الانتاج التي تشمل العلاقات الاقتصادية (علاقات السوق) والعلاقات الاجتماعية، أي علاقات الملكية الخاصة.
وفي المؤلفات اللاحقة وخاصة في " رأس المال "، يستغني ماركس عن مصطلح المجتمع المدني كبنية تحتية ويبقي على مفهوم علاقات الانتاج الاجتماعية – الاقتصادية كمسرح للتاريخ. أي على اعتبار أن التاريخ أساسا هو الانتقال من شكل سائد للملكية الخاصة الى شكل جديد. هذا التخلي عن المفهوم جاء على أساس التحضير النظري لقلب السلطة البرجوازية وتحطيم سلطتها ومعها مجتمعها المغترب – مجتمعها المدني.
ترتبط مفاهيم " المجتمع المدني " و " الديمقراطية " بسياق محدد وهو الذي يسمح ببروز مفهوم " المواطن " أو "الفرد ". هذا السياق هو الذي " يختزل الانسان الى عضو في المجتمع البرجوازي " والى الفرد الأناني المستقل من جهة، والمواطن، الشخص المعنوي من جهة اخرى، على حد تعبير ماركس. وليس هذا السياق التاريخي غير العصر الذي يصبح فيه الفرد متساويا (من الناحية الحقوقية على الاقل) مع كل فرد وآخر، فينزل الى حلبة الحياة مجردا من انتمائه الى العشيرة أو الطائفة، أو الملة.
كتب ماركس في مقدمة كتاب: " مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي "، يقول"... وساقتني أبحاثي إلى النتيجة التالية، وهي أن العلاقات الحقوقية، شأنها بالضبط شأن أشكال الدولة لا يمكن فهمها، لا بحكم ذاتها، ولا بحكم ما يسمى التطور العام للروح البشرية، وإنما على العكس، تمد جذورها في العلاقات الحياتية المادية التي يسمي هيغل، مجموعها "بالمجتمع المدني" على غرار ما فعل الكتاب الانجليز والفرنسيون من القرن الثامن عشر، وأنه ينبغي البحث عن تشريح المجتمع المدني" . بينما ماكس ڤيبر MAX WEBER يرجع ظهور الفكر الرأسمالي إلى الخلفيات الدينية والبروتستانتية، ومن ثم يدافع ماكس ڤيبر عن العوامل الروحية والدينية في تحريك المادية التاريخية، وهذه النظرية هي تماما نقيض نظرية ماركس.(علينا تذكر بوش والمسيحية المتصهينة المميزة لادارته). أنا لا أوافق ماكس فيبر فأقول أن الحركة البروتستاتية ما هي الا تعبير ايديولوجي لصعود الطبقة البورجوازية. فالبورجوازية حاربت الكنيسة الاقطاعية ومارتن لوثر قام بالاصلاح الديني أي حارب الكنيسة ايديولوجيا كدعم للبورجوازية الصاعدة. علينا ملاحظة أن الاصلاح الديني بدأ في ألمانيا وأول من تبنى رسميا البروتستانتية كانت بريطانيا، ذلك انها أول دولة انتقلت من الاقطاعية الى البورجوازية.
إن مفهوم المجتمع المدني قد اكتسب في الرؤية الماركسية معنىً مادياً نأى به عن المفهوم المعرفي البحت، ومعنىً ثورياً ليتحول في العمل اليومي الى سلاح سياسي ضد السلطة الاستبدادية. ويقطع كل من ماركس وانجلز بالمفهوم شوطاً جديداً في الايديولوجية الالمانية (1864) حين يصبح مفهوماً تاريخياً عالمياً مرتبطاً بالمجتمع الرأسمالي، ومتطوراً بتطور طبقة البرجوازية، وإنتقال قاعدتها الانتاجية من درجة الى درجة أخرى أكثر تقدماً.
ففي نظر ماركس إن مشروع التحرير السياسي الذي قامت به البرجوازية بالفعل عندما نقلت المجتمعات من النظام القديم إلى النظام الحديث ليس في العمق إلا مشروع استلاب جديد. بل إن السياسة هي في قلب هذا الاستلاب وهي تجسد أعظم أشكال هذا الاستلاب (اغتراب أو aliénation ). ففي اللحظة ذاتها التي خلقت فيها برجوازية الدولة كمجال للعام، خلقت أيضاً مجال الخاص. وبذلك قضت على الفرد بالتصدع أو الانشقاق في ذاته وهويته نفسها بين ماهيتين متنابذتين ولا يمكن التوفيق بينهما، ماهيته كمواطن، وماهيته كمنتج. فالعام (المواطنية وما تعنيه من حق المساواة) فيه يعيش حالة صدام ونزاع مستمر مع الحقيقة الانتاجية الاجتماعية الفعلية ( اي كعامل مستغل من قبل رب العمل) التي تعني التفاوت والتباين الشديدين في شروط الحياة والعيش والممارسة. لذلك سوف يقول إن الحرية التي تعكسها المواطنية التسووية هنا شكلية تماماً، ولن يكون هناك تحرر حقيقي للفرد إلا عندما تتوافق شروط الحرية السياسية مع شروط الحرية الاجتماعية (أي القضاء على الاستغلال).
ومن جهة اخرى لابد من الاشارة الى أن النتيجة التي توصل إليها ماركس في نقده فلسفة الحق العام عند هيغل، هي مسألة الانفصال بين المجتمع المدني والدولة السياسية، الذي يتم في العالم البرجوازي، المترافق مع تأكيد سلطة البرجوازية كطبقة مسيطرة.
المجتمع المدني عند غرامشي:
في النصف الأول من القرن العشرين تم تطوير مفهوم المجتمع المدني. وغرامشي هو الذي ترك أكبر الأثر على المفهوم كما يستخدم اليوم.
غرامشي وطرح موضوع المجتمع المدني في اطار نظرية السيطرة والهيمنة:
على الصعيد المفاهيمي اعتبر غرامشي المجتمع المدني أحد مكونات البنية الفوقية. ففي أحد النصوص الهامة في "دفاتر السجن" كتب غرامشي قائلاً: " ما نستطيع أن نفعله حتى هذه اللحظة، هو تثبيت مستويين فوقيين أساسيين، الأول يمكن أن يدعى المجتمع المدني، الذي هو مجموع التنظيمات التي تسمى (خاصة) والثاني هو المجتمع السياسي أو الدولة. هذان المستويان ينطويان من جهة أولى على وظيفة الهيمنة حيث إن الطبقة المسيطرة تمارس سيطرتها على المجتمع، ومن جهة ثانية تمارس الهيمنة المباشرة أو دور الحكم من خلال الدولة أو الحكومة الشرعية ".
ويضيف في مكان آخر قائلاً: " ينبغي الانتباه الى أن في مفهوم الدولة العام عناصر ينبغي ردها الى المجتمع المدني، إذ أن الدولة تعني: المجتمع السياسي + المجتمع المدني، أي الهيمنة المدرعة بالعنف " . ويضيف " لا ينبغي أن يفهم بكلمة دولة جهاز الحكم فحسب، بل جهاز الهيمنة الخاص أو المجتمع المدني " .
الدولة، حسب رأي غرامشي، هي المجتمع السياسي (سلطة الدولة) زائداً المجتمع المدني (الحقل الايديولوجي أو الاجهزة الاعلامية والتربوية للدولة البرجوازية الحديثة).
ومن جهة ثانية أدخل غرامشي قطيعة جديدة في المضمون الدلالي sémantique
لمفهوم المجتمع المدني، بإعتباره فضاءً للتنافس الايديولوجي. فإذا كان المجتمع السياسي حيزاً للسيطرة بواسطة سلطة الدولة، فإن المجتمع المدني فضاء للهيمنة Hégémonie الثقافية الايديولوجية، ووظيفة الهيمنة، هي وظيفة توجيهية للسلطة الرمزية التي تُمارس بواسطة التنظيمات التي تدعي أنها خاصة مثل النقابات والمدارس ودور العبادة والهيئات الثقافية المختلفة.
بهذا يكون غرامشي أول من استعمل مفهوم الهيمنة بمعنى القيادة، وايجاد سياسة ثقافية تهدف الى تنسيق وتوحيد مواقف الفئات والطبقات الاجتماعية كمقدمة لا بد منها لتحقيق السيادة، وذلك من خلال فاعلية الحزب "المثقف الجمعي"، كما يسميه غرامشي، وقدرته على حشد وتعبئة كل أصحاب المصلحة في التغيير تحت قيادته، وذلك لأنه يحمل لواء الاصلاح والتغيير، ويسعى لنشر آليات هيمنته الثقافية والسياسية على كامل المجتمع. هكذا يرى غرامشي على غرار ابن خلدون أن المطاولة الثقافية هي أساس وشروط المطاولة السياسية. (برهان غليون)
ويقول إنه في مثل هذه الأوقات، ابتعاد أفق الثورة الاجتماعية ، لا تكون هنالك معارك مباشرة بين الطبقات، ويتحول الصراع الطبقي الى "حرب مواقع"، وتصبح " الجبهة الثقافية " هي الميدان الرئيسي للنزاع .
وبالنسبة لغرامشي سواء كان ذلك في كتابه " الأمير الحديث " أو " دفاتر السجن " هناك مجالان رئيسيان يضمنان استقرار سيطرة البرجوازية ونظامها. المجال الأول هو مجال الدولة وما تملكه من أجهزة، وفيه تتحقق السيطرة المباشرة، أي السياسية، والمجال الثاني هو مجال المجتمع المدني وما يمثله من أحزاب ونقابات وجمعيات ووسائل إعلام ومدارس ومساجد أو كنائس إلخ، وفيه تتحقق وظيفة ثانية لا بد منها لبقاء أي نظام هي الهيمنة الايديولوجية والثقافية. ولذلك لا يكفي للوصول إلى السلطة، في نظر غرامشي، والاحتفاظ بها السيطرة على جهاز الدولة ولكن لا بد من تحقيق الهيمنة على المجتمع، ولا يتم ذلك إلا من خلال منظمات المجتمع المدني وعبر العمل الثقافي بالدرجة الرئيسية.. ففي مقابل استراتيجية الانقلاب العسكري أو شبه العسكري يقترح غرامشي عملية التربية والتعبئة الشاملة للمجتمع، أي السيطرة التدريجية والفكرية على الأطر التي تنظم علاقاته اليومية. ففي منظور غرامشي المجتمع المدني هو المجال الذي تتجلى فيه وظيفة الهيمنة الاجتماعية مقابل المجتمع السياسي أو الدولة الذي تتجلى فيه وتتحقق وظيفة السيطرة أو القيادة السياسية المباشرة. ولأن الهيمنة مرتبطة بالايديولوجية فإن المثقفين هم أداتها. ومن هنا جاءت حاجة غرامشي لإعادة تعريف المثقف وتحليل دوره والرهان الكبير الذي وضعه عليه في التحويل الاجتماعي.
لكن المراهنة على المجتمع المدني لم تلغ عند غرامشي دور الدولة ولا أهمية السيطرة عليها. فالعمل في إطار المجتمع المدني هو جزء من العمل في إطار الدولة وسياسة التحويل الدولوية (étatique ). لذلك لا قيمة للمثقف عند غرامشي ولا ضمانة لفاعليته إلا إذا كان عضوياً، أي إذا ارتبط بمشروع سياسي لطبقة ما، تماماً كما أن الهيمنة لا قيمة لها إلا كجزء أو مستوىً من مستويات العمل لتحقيق السيطرة الاجتماعية. إنها ليست منافيةً للسياسة ولكن مكملةً لها، وإن كانت متميزةً عنها. فالمجتمع المدني والمجتمع السياسي أو الدولة يسيران جنباً إلى جنب ويجمع بينهما في كل نظام وحدة ديناميكية السيطرة الاجتماعية.
يضيف غرامشي فيقول : تبنى الهيمنة، كما يعاد انتاجها، ضمن شبكة من المؤسسات يسميها بالمجتمع المدني تميزاً لها عن الجانب القمعي للدولة. المجتمع المدني، إذن، هو تلك التنظيمات ذات الطابع غير الحكومي : النقابات، المدرسة، الأحزاب .... الخ، وهذه تنظيمات طوعية تفعل فعلها عن طريق الاقناع أي من خلال الايديولوجيا. وبخلاف هذه التنظيمات، تشكل مؤسسات الدولة : الادارات، الجيش، الشرطة، القضاء، ما يسمى بالمجتمع السياسي، الذي يفعل فعله عن طريق القهر (السيطرة).
المجتمع المدني في المفهوم المعاصر:
ان الاستخدام المعاصر لمفهوم المجتمع المدني قد مر بثلاث فترات رئيسية.
الفترة الأولى: هي فترة الانفتاح على المجتمع المدني من قبل الأحزاب والقوى والنظم السياسية بهدف ضخ دم جديد في السياسة وإضفاء طابع شعبي عليها بدأت تفقده مع بقرطتها (من بيروقراطية) وتقنرطتها (من تكنوقراطية).
أما الفترة الثانية: فهي فترة التعامل مع المجتمع المدني بوصفه منظمات مستقلة موازية للدولة ومشاركة في تحقيق الكثير من المهام التي تهم هذه الأخيرة بالتراجع عنها. وهذا المفهوم يتوافق مع انتشار مفهوم العولمة والانتقال نحو مجتمع يحكم نفسه بنفسه ويتحمل هو ذاته مسؤولية إدارة معظم شؤونه الأساسية. وقد استخدمت " الدول الديمقراطية " مفهوم المجتمع المدني في هذه الحالة للتغطية على عجزها المتزايد عن الايفاء بالوعود التي كانت قد قطعتها على نفسها وتبرير الانسحاب من ميادين نشاط بقيت لفترة طويلة مرتبطةً بها لكنها أصبحت مكلفةً، ولا يتفق الالتزام بالاستمرار في تلبيتها على حساب الدولة مع متطلبات المنافسة التجارية الكبيرة التي يبعثها الاندراج في سوق عالمية واحدة والتنافس على التخفيض الأقصى لتكاليف الانتاج.
أما الفترة الثالثة: فهي فترة طفرة المجتمع المدني إلى قطب قائم بذاته ومركز لقيادة وسلطة اجتماعية، على مستوى التنظيم العالمي بشكل خاص، في مواجهة القطب الذي تمثله الدولة- الدول المتآلفة في إطار سياسات العولمة والنازعة إلى الخضوع بشكل أكبر فأكبر في منطق عملها للحسابات التجارية والاقتصادية.(ياسر و غليون –بتصرف)
ملاحظة حول الدولة القومية: جاء عند الدكتور برهان غليون وهو استاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر، السوربون، باريس وكاتب سياسي مشهور ما يلي: . فالمواطنية التي تمثل في نظري أساس وروح الفكرة القومية الحديثة كانت الثمن الضروري والحتمي لتكوين ولاء جديد يمحو الولاءات العصبوية السابقة ويسمح بإقامة مجتمعات مدنية كبرى قادرة على خلق شروط تطور الحضارة الصناعية والتقنية. وهذه المجتمعات أو الجماعات الجديدة المشتركة في ولاء واحد والمتضامنة في إطار الدولة وليس الكنيسة أو العصبية القروية والعشائرية ليست سوى الأمة بالمعنى الحديث للكلمة. وقد نجحت الأمة من حيث هي تجديد لقواعد الاجتماع المدني البشري في تكوين كيانات سياسية وبشرية كبيرة ومستقرة لا تخضع في استمرارها لقوة الشوكة ولا تحتاج من أجل ضمان استمرارها و أو توسعها إلى شن الحروب الدائمة واستنزاف موارد المجتمع. وفي ظل هذه الكيانات السياسية الجديدة، أعني الدول القومية، سوف تتحقق أكبر عملية تراكم اقتصادي وتقني وعلمي وثقافي في التاريخ، وذلك بالرغم من الحروب والنزاعات العديدة التي سوف ترافق تكوين النظام القومي العالمي واستقراره.
نقول بأن السياق التاريخي يكذب ما جاء عند الأستاذ غليون. فالدولة القومية نشأت كتلبية لحاجات توسع المجتمع البورجوازي الناشىء وهذا واضح في نشوء الوحدة الايطالية والوحدة الألمانية ، هذا أولاً أما ثانياً كيف يفسر الدكتور غليون اتجاه الدول الكبيرة حتى ذات القوميات المختلفة الى التوحد (الاتحاد الأوروبي، مؤتمر شنغهاي وفيه أكبر دول العالم قاطبةً الصين والهند وروسيا، ونشير أيضاً الى حركة هوغو شافيز في أمريكا اللاتينية وأخيراً لماذا لم تتوحد الدول العربية).
دور المثقف حسب ماركس:
يعتبر ماركس بأن الطبقة المنوط بها تحرير المجتمع هي البروليتاريا. (البروليتاري هو العامل الذي قطع الخيط السري الذي يربطه بالأرض حسب تعبير انجلز في كتابه أنتي- دوهرينغ). و حيث أن هذه الطبقة (البروليتاريا) ليس بامكانها فهم تناقضات المجتمع البورجوازي، فالمثقف الثوري هو الذي عليه القيام بهذه المهمة التاريخية. والمثقف ينتمي الى الطبقة البورجوازية ( الصغيرة)، من هنا فهو يتنكر لطبقته ويناضل مع البروليتاريا للوصول الى تملك المجتمع لوسائل الانتاج.
وهناك مثقفون ينتمون الى الطبقة التي تم القضاء عليها (الاقطاعية) يلعبون دوراً تقدمياً بشكل أو بآخر. جاء في البيان الشيوعي: “وجدت الأرستقراطية الفرنسية نفسها محكوماً عليها ، بحكم وضعها التاريخي ذاته، بأن تهجو المجتمع البورجوازيّ الحديث. فأمام هذا الوصولي الكريه ( المقصود البورجوازي) خسرت مرة أخرى معركتها في ثورة 1830 الفرنسية وفي الحركة الإصلاحية الإنكليزية 1831، وبما أن النضال السياسي الجدي لم يعد، بالنسبة إليها وارداً، فلم يبق أمامها غير ميدان المعركة الأدبية. وحتى في ميدان الأدب كان إنشاء عهد الردة الملكية قد غدا مستحيلاً. كان على الأرستقراطية، لكي تحرك مشاعر التعاطف معها، أن تتخلى ظاهرياً عن مصالحها الخاصة، وأن تصوغ قرار اتهامها للبورجوازية دفاعاً عن مصالح الطبقة العاملة المستَغلّة فقط. وهكذا وفرت لنفسها لذة إنشاد هجاء سيدها الجديد في أغان مقذعة، ولذة الهمس في أذنيه بنبوءات مفعمة إلى حد قليل أو كثير بالتشاؤم". و من أهم هؤلاء كان بلزاك.
دور المثقف حسب غرامشي :
”القديم يحتضر والجديد لا يستطيع أن يولد بعد. في هذا الفاصل تظهر أعراض مرضية كثيرة وعظيمة في تنوعها”
"بوسعنا القول ان كل الناس مثقفون، ولكن لايقوم كل الناس داخل المجتمع بتلك الوظفية، وظيفة المثقف".
يتحدث غرامشي عن المثقف العضوي. فالمثقف العضوي عند غرامشي هو المثقف الذي تخلى نهائياً عن طبقته وارتبط عضوياً بطبقة ما أخرى.
جاء ما تقدم في "كراسات السجن". كانت الكراسات استمراراً لنضال غرامشي الثوري، وكانت كما وصفها غرامشي نفسه: “بؤرة حياتي الداخلية”.
المثقفون ينفصلون عن الطبقة السائدة لكي يتحدوا بها اتحاداً أوثق، لكي يكوّنوا بنية فوقية حقيقية، لا مجرد عنصر غير عضوي، وغير متمايز من البنية الاقتصادية، إنها حركة استيعاب الاقتصادي وتجاوزه أو رفعه إلى مستوى السياسي، إلى مستوى المهمة التاريخية للطبقة المعنية.
العضويّة تعني التمايز عن البنية الاقتصادية والارتباط بها من الجهة الثانية. وكلمة عضو organe تعني لسان حال كالجريدة أو المجلة تكون ناطقة بلسان حزب أو جماعة. وكلمة عضو تعني أيضاً تميز العضو في وظيفته داخل الكلية العضوية. إن سمة العضوية تماثل تماماً علاقة الفكر بالدماغ البشري والأعضاء الأخرى.
يأتي استقلال المثقفين العضويين النسبي عن الطبقة التي ينتظمون بها، من دور المثقفين الضروري كمنظمين ومربين وعلماء وباحثين ومحققي تجانس الطبقة في المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويأتي استقلالهم أيضاً من أن المنظمة التي تربط المثقف بالطبقة هي ذات المنظمة التي تفصله عنها، وتعطيه نوعاً من الاستقلالية.
الصفة العضوية للمثقف منوطة بدرجة ارتباط التنظيم الذي ينتمي إليه مع الطبقة التي يمثلها هذا التنظيم، لكن هذه العلاقة العضوية منوطة بأمر آخر وهو المكانة التي يشغلها المثقف في المنظمات الطبقية للمجتمع المدني )منظمات الهيمنة أو المنظمات الاقتصادية / الحرفية) والمجتمع السياسي (أجهزة الدولة).
فمعلم المدرسة أقل عضوية من عضو في حزب النظام . وزعيم هذا الحزب أكثر عضوية في تعبيره عن مصالح طبقته السياسية من عضو طارئ وعادي.
تراتب المثقفين:
لدينا أربعة أنماط من المثقفين: 1- الباحث (العالم)، منتج العلم أو منتج معرفة جديدة. 2- المربي، المنظر أو الداعية لفكرة بعينها أو لمذهب بعينه ويسميه غرامشي بـ عضو الحزب الأيديولوجي 3- منظم الهيمنة، عضو الحزب السياسي 4- منظم الإكراه، أو عضو الدولة بالمعنى الإداري والعسكري. ويوجد نوع خامس من المثقفين الاقتصاديين / الحرفيين وهم التقنيون.
توجد ضرورة رصد التراتب الذي يربط المثقفين من نمط واحد: مثلاً تقوم فوارق في نظام التربية الحديثة ملموسة بين أساتذة الجامعات من جهة وبين المدرسين في المدارس ما قبل الجامعية من جهة أخرى. المدرسون بحكم قربهم من الجماهير الشعبية يمكنهم بسهولة أن ينشدّوا إلى القوى التقدمية في المراحل الثورية أو فترات الأزمة العامة للطبقة المسيطرة. بينما تتعزز الميول الرجعية لدى أساتذة الجامعات بشكل إجمالي. هذا لا ينفي ظهور حالات فردية مفارقة. بالطبع ليس كل من يعمل في المدرسة مثقفاً، وليس كل من يعمل في الجامعة مثقفاً أيضاً.
يعارض غرامشي المثقفين الذين تنتجهم البورجوازية الصغيرة الريفية بالمثقفين الذين تنتجهم البورجوازية الصغيرة المدينية. فهؤلاء الأخيرون هم تقنيو الصناعة، وبصفتهم هذه هم المثقفون العضويون للبورجوازية الصناعية .
غرامشي يعرف العضويّة بالارتباط مع الطبقة المعنية بذاتها، ويعود ليعرف العضويّة بالتقابل بين مثقفي طبقة صاعدة تاريخياً وأخرى في طور انحطاط لهيمنتها التاريخية ولمشروعها الإنساني المستقبلي (كما جاء في البيان الشيوعي).
يقول غرامشي في سياق الحديث عن رجال الدين كمثقفين تقليديين في العصر البورجوازي: “يمكن الربط بسهولة بين الفلسفة المثالية ككل، ووضع التركيبة الاجتماعية للمثقفين . ويمكن تعريف الفلسفة المثالية بأنها تعبير عن تلك اليوتوبيا (الخيالية أو الغير واقعية أو المثالية Utopie (الاجتماعية التي تصور فيها المثقفون أنهم “مستقلون” ومتميزون، وأن لهم شخصيتهم الخاصة أو ما يسمى “روح الفريق” الخ..” . المثالية بهذا المعنى فكر شطح وفشل في العودة إلى الواقع الذي جُرّد على أساسه، والفكر المثالي تضخيم لجانب من جوانب واقع معقد. يكتب لينين في دفاتر حول الديالكتيك: “المثالية الفلسفية ليست سوى حماقة من وجهة نظر مادية فظة، مبسطة، ميتافيزيقية. فبالعكس، من وجهة نظر الديالكتيك الماديّ ، المثالية الفلسفية هي إنماء أحادي الجانب، مبالغ فيه “مفرط، فوق الحد، فياض” (على حد تعبير ديتسغن)، تضخم ، تورم، لإحدى العلامات الصغيرة، لأحد الجوانب، لأحد وجوه المعرفة، الذي يصبح على هذا النحو مطلقاً، مفصولاً عن المادة، عن الطبيعة، مؤلهاً”.
في تحديده للمثقفين ينبّه غرامشي إلى أن التحديد ليس باطنياً أو بذاته، ليس في الطبيعة الجوهرية لأنشطة المثقفين، التي هي النشاط الذهني. بل في نسق العلاقات الاجتماعية الذي تجري فيه هذه الأنشطة. فالعامل أو البروليتاري لا يميز بأنه يقوم بجهد أو عمل عضلي “وإنما في أدائه لهذا العمل في ظل ظروف معينة وعلاقات اجتماعية محددة”. المثقف يتميز بوظيفته كمثقف في مجتمع محدد. كل عمل مهما كان بدائياً، يوجد فيه إلى حد ما، شيء من النشاط الذهني. ولكن ليس كل نشاط ذهني يقوم بوظيفة المثقف. يقول غرامشي: "عندما نميز بين المثقفين وغير المثقفين فإننا في الحقيقة نشير فقط إلى الوظيفة الاجتماعية المباشرة” . إذا كان بإمكاننا الحديث عن المثقفين، فإنه لا يمكننا الحديث عن غير المثقفين لأنه لا وجود لهم.
“ لم يعد أسلوب المثقف الجديد يعتمد على البلاغة التي هي محرك خارجي مؤقت للمشاعر والعواطف، بل أصبح يعتمد على المشاركة الإيجابية في الحياة العملية كبان ومنظم لها”. “إن أهم ما يميز أية جماعة تتجه إلى السيطرة، هو نضالها من أجل استيعاب المثقفين التقليديين وإخضاعهم أيديولوجياً. غير أن هذا يتحقق على نحو أسرع وأفعل إذا ما نجحت في الوقت نفسه في إعداد مثقفيها العضويين”.
إن ظاهرة أمريكا اللاتينية تؤكد ملاحظة غرامشي التي تشير إلى وجود ثلاث مراتب أو درجات ضمن الدين الواحد: كبار رجال الدين، رجال الدين اليساريين، والشعب كأفراد متدينين. يكتب غرامشي: ويصل هذا الاختلاف في شرقي آسيا إلى حد لا يصدقه عقل، حيث لا علاقة البتة لدين الشعب بدين الكتب وإن حملا ذات الاسم.
الاسلام والمثقف:
أنا أعتبر أن أفضل من فهم المجتمع المدني على الاطلاق هو أنطونيو غرامشي، كما وأنه أفضل من فهم دور المثقف في المجتمع. وليس من مفهوم أسمى وأرفع من مفهوم غرامشي حسب زعمي الا المفهوم الاسلامي للمثقف و دوره .
ينطلق ديننا الحنيف من أنه "لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". كما وأنه ينطلق أيضا من أنه "انما يخشى الله من عباده العلماء". وانطلاقاً من أنه "وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون"، نصل الى الأساس، الى الاسلام الذي يعلمنا العبادة التي توصلنا الى حيث نحب ان نصل، الى الخلد. الى الجنة . من هنا "اعلم أنه لا اله الا الله". فلا اله الا الله علم نتعلمه. ما من شيء في هذه الأرض والسماء الا ويؤكد هذه المسلمة لا اله الا الله.
والثنائية تسيطر في هذه الأرض، وحدة التناقض كما يقول ماركس. الخير والشر الجنة والنار وحتى الخلد له طريقان: الطريق الشيطاني والطريق الالهي. ومما لا شك فيه أن الخلود الرباني مختلف في طبيعته عن الخلود الشيطاني: جاء ابليس الى آدم ليدله على "شجرة الخلد وملك لا يبلى". "فاكلا منها وبدت لهما سوآتهما وراحا يخصفان عليهما من ورق الجنة" "وعصى آدم ربه فغوى". وكانت النتيجة أن "اهبطا منها جميعا". و"بعضكم لبعض عدو" "ولا نزال مختلفين". ووصل آدم الى الخلود الابليسي وهو التكاثر التي يشترك فيه الانسان والحيوان والنبات. فالخلود هو عبر النوع وليس للانسان الفرد.
لنعد الى صورة المثقف في ديننا الحنيف. من المؤكد أن هذه الصفة لم تأت كما نلفظها نحن. فاللغة كائن حي تتطور كما يتطور من يستعملها لذلك نتحدث عن المعنى المعجمي والمعنى الدلالي. وحسب زعمي فان صفة الشاهد التي يستعملها القرآن يمكن أن تتطابق مع مفهوم المثقف الذي أريده. يقول رب العزة : "هذا بلاغ للناس وهدىً وموعظة للمتقين". الى ان يقول "لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا". الشهداء على الناس هم القادة ، الذين بامكانهم قيادة الناس لما فيه خيرهم أي خير الناس وخير الشهداء من ناحية ثانية. لأن الخير الذي يريده الله للناس ليس ذلك الذي نفتش عنه في الشهوة الخفية أو غيرها من الغوايات التي أرادها الشيطان للانسان كما في قصة آدم عليه السلام الذي عصى فغوى. الله تبارك وتعالى يريد من الانسان أن يحقق انسانيته، لذلك ما على هذا الانسان الا النظر الى أعلى، الى المعاني السامية الى الرسالات. يقول تبارك وتعالى "انا عرضنا الأمانة على السماوات والجبال والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان"... فالانسان الذي يطيع الله، الذي يقود الناس، الشاهد، المثقف العضوي حسب تعبير غرامشي هو حامل الرسالة، هو من يريد ان يغير الواقع الكفري الى واقع ايماني، الواقع الذي يحقق مصالح الناس في الدنيا والآخرة. فالدين ما هو الا معطىً الهي فيه تتحقق سعادة الانسان في الحال والمآل. ومن ذا الذي عليه ارشاد الناس الى مصالحهم ان لم يكن المثقف الذي وعى رسالة الاسلام واستوعب السنن الالهية، السنن الاجتماعية التي من خلالها ومن خلالها فقط تكون سعادة الانسان.
لن أطيل في هذا الموضوع. انما أريد أن أسأل ما الذي علينا فعله في مجتمعاتنا الصغيرة التي ننتمي اليها سواء كنا ملتزمين ايمانياً أو كنا ملتزمين فكرياً أ و كنا نريد أن نحقق انسانيتنا كما أراد الله للانسان أي انسان، كافراً كان او مؤمناً، فالله تبارك وتعالى لم يعط الخير للمؤمن فقط انما أعطاه لكل الناس لأنهم جميعهم من خلقه "كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظورا".
في هذا المجال أتذكر ما قالته لي احدى الأخوات هل نحقق ذواتنا بالأكل والشرب ؟ وهل هذا ما يميزنا عن سائر المخلوقات؟ أرسطو يقول العقل وديكارت يقول التفكير وماركس يقول قوة العمل وديننا الحنيف يقول حمل الأمانة.
في هذا الصدد أرى ما كتبه الأستاذ محمود صبري مهماً وحيوياً يقول: "المثقف ينبغي ان يدخل معترك العمل السياسي لا كسياسي محترف يهتم بالثقافة، بل كمثقف محترف يهتم بالسياسة، وهكذا يستطيع ان يحرر نفسه من خدمة (مراكز القوى)، انتماؤه الأساسي،الذي هو أوسع وأهم من أي انتماء أخر، هو الى الفكر والثقافة وليس الى السياسة بل انه يستطيع أن يقلب الآية ويفرض على السياسة أن تنتمي بتبني رؤيته".
وأضيف فأقول: مشكلتان رئيسيتان تواجهان المواطن(هذه المفردة لها معنىً محدد على صعيد علم الاجتماع أو الاقتصاد السياسي ولا أعنيه في هذا المجال) أو لنقل الانسان العربي والمسلم هما مشكلة الانتماء ومشكلة التموضع. فالانتماء بالنسبة للانسان العربي أو المسلم عو انتماء "براني". فهو لا يفعل فعله في هذا الانسان. ولو أنه كذلك لأصبحت حركاته وسكناته تنطلق من فعل انتمائه. ودليلنا على ذلك واضح وضوح الشمس اذا ما أخذنا مثالاً عليه ممارسة الأحزاب القومية أو الحركات القومية منها والاسلامية. فحزب البعث كان يسيطر على الحكم في سوريا والعراق وأعدى كيانان لبعضهما البعض كانا سوريا والعراق. واذا أخذنا بعين الاعتبار بأنهما ينطلقان من نفس المنطلقات العقائدية ويطرحان نفس الشعارات القومية فلا نجد امكانية للخلاف بينهما الا أن الانتماء ليس حقيقياً. هذا اذا لم نعرج على الانقسامات بين الحركات التي تطرح نفس الشعارات ولها نفس المنطلقات. حركة القوميين العرب التي انقسمت أكثر من مرة على نفسها؛ وأنتجت على المستوى الفلسطيني الجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية والقيادة العامة. ولا يمكن تفسير ذلك الا بما رحنا الى تسميته الانتماء البراني. أما التفسيرات الايديولوجية التي استخدمتها الأطراف المختلفة تبريراً لانقساماتها فلا تساوي، حسب اعتقادي، ثمن الورق الذي صرف لتأكيد هذه التبريرات.
نأتي على الجبهة الاسلامية، و علينا أن نتنبه هنا الى أن الكلام يتناول الاعتقادات ذات الطابع السياسي والالتنزام على صعيد السياسة العملية وليس على طاعة الله عز وجل من وجهة نظر عقائدية أو ايمانية، "فانما الأعمال بالنيات، وانما لكل امرىء ما نوى....". نقول بأن هناك العديد من الحركات الاسلامية التي تنطلق من نفس المنطلقات وتعود فقهيا الى نفس العلماء ومع ذلك نراهم على صعيد الممارسة السياسية أو الدعوية مختلفين أو متعادين، ولا نرتكب معصية ان قلنا متحاربين. الام يعود هذا؟ لا يمكن تفسير ذلك الا بأن الالتزام لم يفعل فعله بعد في النفوس حتى يتمكن هؤلاء من ممارسة عقيدتهم بالشكل الذي يحقق أهدافهم ويقربهم الى الله عز وعلا أكثر؛ وهذا نتيجةً لما أسميته الانتماء البراني. فالانتماء الحقيقي يجعل امكانية التناقض في الوحدة ممكنة أو متيسرة. فالتناقض على ما نعلم، يمكن أن يختلف كمياً ونوعياً. فتناقضنا مع اسرائيل هو تناقض عدائي لا يمكن حله الا بازالة أحد طرفي التناقض أو بتغيير فعلي للصفة المميزة لأحد طرفي هذا التناقض. فهذا النوع من التناقض هو تناقض نوعي. أما التناقض بين الحركات الاسلامية فهو تناقض من نوع آخر، لنسمه كمياً، و حله لا يكمن بازالة أحد طرفي التناقض كما في حالة اسرائيل والأمة الاسلامية، انما يتم بالتفاهم فيما بين هذه الحركات على حل التناقض فيما بينها، حبياً، أي بالتفاهم وايجاد نقاط اتفاق يمكن العمل عليها وتكبير مساحة العلاقة المشتركة والعمل المشترك؛ وذلك يساهم مساهمةً فعالةً في القضاء على مثل هذا التناقض. أما في حال عدم التمكن من ايجاد الوحدة ضمن التناقض، فانما يدل ذلك على ما قلناه آنفاً: أعني ضعف الانتماء الجواني، الذي يمكن أن يفعل فعله في تغيير النفوس وبالتالي ترشيد الممارسة الايمانية. لن أطيل في هذا المجال، انما سوف أضرب مثلاً واحداً يليق بهذا المقام (الانتماء الحقيقي الجواني). ورد في السيرة المشرفة أن أبا سفيان بن حرب و أبا سفيان بن الحارث قد أشهرا اسلامهما في نفس اليوم، عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم على مشارف مكة يريد أن يفتحها. وبعد فتح مكة بعدة أيام كانت غزوة حنين، حيث مني المسلمون بهزيمة في بدايتها. وقد صمد مع النبي عليه السلام قلة من المسلمين ومن بينهم أبو سفيان بن الحارث، بينما كان زميله أبو سفيان الآخر يدعو على النبي ويتمنى له الهزيمة. هكذا ورد في السيرة. نقول أن انتماء أحدهما كان برانياً وشكلياً بينما انتماء الآخر كان جوانياً. أو كما قال تبارك وتعالى "انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون ".
أما بالنسبة لمسألة التموضع فنأخذ المثال التالي: (كيف تموضع أتاتورك غربياً وتخلى عن عثمانية الدولة التركية). أقام مصطفى كمال الملقب "أتاتورك" الجمهورية التركية. وكان لابد له أن يعطي هذه الجمهورية الوليدة صفات تميزها عن الدولة التي أقيمت على أنقاضها. راح يفتش عن هوية جديدة غير هويتها الاسلامية. ودعا الى التتريك. هذه الخطوة كانت قفزةً كبيرةً قام بها الحاكم الجديد، ولكنها لم تكن مدروسةً ما يكفي. فالتتريك كان الخطوة الأولى لانبثاق مشاكل كثيرة لم يقم لها مصطفى كمال حساباً. فالأكراد الذين قبلوا بالانضواء تحت راية الدولة العثمانية، قد قبلوا ذلك انطلاقاً من أنها دولة اسلامية وليست دولة قومية. وهذا هو العامل الأساس والحاسم الذي جعل تركيا لا تعاني من هذه المشكلات ابان عثمانيتها. المهم أن أتاتورك أخذ قراراً حاسماً بالتوجه غرباً. ونفذ ما وعد به. غير الحرف التركي من العربي الى اللاتيني، وخفف علاقاته مع جيرانه المسلمين ما أمكنه ذلك. وكان لما قام به انعكاسات سلبية في الجوار العربي. علماً أنه لا يمكننا انكار انبثاق طبقة بورجوازية وطنية ساهمت في بناء اقتصاد تركي. ولكن القضايا الخلافية التي أثارها انتقال أتاتورك الى الغرب على البنية الداخلية التركية على الصعيد الايديولوجي كانت كبيرة، وكذلك الأمور التي ظهرت ولم يكن لها وجود سابقاً، منها قضية لواء الاسكندرون بين سوريا وتركيا، قضية اقتسام مياه دجلة والفرات والعاصي ما بين تركيا، سوريا والعراق وجزئياً لبنان، القضية الكردية التي تتوزعها تركيا، العراق، سوريا وايران....
كما وأنه أثار قضية ذات طابع أوروبي أيضاً هي العلمانية. وهذه قضية ليس لها مكان في عالمنا اذ أنه ليس عندنا كنيسة تتدخل في السياسة وليس "لرجال الدين" أن يحكموا. حيث أنه لم يمر في تاريخ الدول الاسلامية أن حكم الفقهاء أو من يسمون برجال الدين. ومع أنها ليست قضية فعلية، ولكن التركيز عليها من قبل أتاتورك قد زاد الطين بلة بالنسبة للقضايا التي أشرنا اليها سابقاً.
ان ما قام به أتاتورك يدخل ضمن نطاق ما أسميته" التموضع والانتماء". فأتاتورك هذا كان خياره الغرب "فتموضع" مع الغرب وصارت نظرته، وخلفاؤه، نظرة غربية. لذلك لم يجد الحكام الأتراك غضاضة في الاعتراف باسرائيل. علماً أنها قامت على أرض اسلامية، كل مسلم مأمور بالدفاع عنها والجهاد من أجل الدفاع عن حياضها. وكانت تركيا "المنتمية" و "المتموضعة" مع الغرب الكيان المسلم الوحيد الذي اعترف باسرائيل؛ الى أن قررت بعض الدول "الاسلامية" الالتحاق بالغرب واعترفت باسرائيل أيضاً مثال مصر والأردن وسلطة محمود عباس.
قبل أن أختم أريد أن أذكركم بالتفاتة أراها رائعة لجان بول سارتر جاءت في روايته "سن الرشد" "L'âge de raison " يقول أحد الشخصيات لصاحبه أنه انتسب للحزب الشيوعي. فيقول له صاحبه لقد انتهيت كموجود. والمعني بالوجود هنا هو existence الوجود وليس être الكينونة كما في التعابير الفلسفية. فحسب سارتر عملية الاختيار تكون مستمرة وليست لمرة واحدة. كانت الآيات تزيد المؤمنين ايماناً على ايمانهم. "يا أيها الذين آمنوا آمنوا".
يقول كامل الدلفي رئيس مركز الآن للثقافة الديمقراطية:
ان البوليتكا (السياسة) بشقيها النظري والعملي تحتاج الى ان تصدر عن وعي مجتمعي وبراديغما (خلفية أو مثال) (paradigme ) حضارية من أجل أن تتمكن للوصول الى علة المشكلات وارتفاع ورقي في الأداء في مواجهة المعضلة .
لقد تعرضت قدسية المعنى في بلادنا الى التشيؤ (أي جعلها شيئاً) والتسعير فان كل شيء بسعر وبثمن وفق انماط الحسابات الرأسمالية الجديدة.
ان المفهوم الاخلاقي (الضمير) حقق تراجعاً في مؤشره الطبيعي ونجد ذلك خاصةً في مجالات نهب الثروة العامة والفساد الاداري والتملق والزيف والتزوير الخ.
وعليه ننبه أن قوة الخلاص هي بأيدينا في بناء مجتمع مدني متطور ، وليس بيد الدولة أو حلفائها الرأسماليين الدوليين لأنهم طالما بحثوا عن خراب هذا المجتمع وابادته ومازالوا .
ان انتاج المثقف العضوي وصلابة عود قوى المجتمع المدني واستمرار تحالفاتها والتنسيق فيما بينها وانهاء حالات الشللية والأنانية في مرافقها والتمسك بروح العمل الجماعي وممارسة النقد الذاتي، والايمان بدور هذه المنظمات وبطابعها التطوعي سينتج لا محالة كتلةً كبيرةً ذات تأثيرات ضاغطة وانتاج سلوكية المراقبة على المؤسسات الحكومية والأحزاب السياسية، حينها يمكن الكلام بطلاقة عن نهاية جدية لما نحن فيه.
(في الأصل محاضرة ألقيت في أحد المنتديات اللبنانية)
حسن محمد ملاط
الجمعة، 11 ديسمبر 2009
المقاومة تقليد من تقاليد شعبنا
"المقاومة" تقليد من تقاليد شعبنا
حسن ملاط
لقد تمكن جيش العدو الاسرائيلي من أن يحظى بلقب "الجيش الذي لا يقهر" من خلال تجاربه مع الجيوش النظامية العربية. فهو قد انتصر على جميع هذه الجيوش في جميع معاركه. ولكن هذا الجيش "الجبار" قد انهزم في جميع معاركه مع المقاومة. فقد انهزم في لبنان في 2000 وهرب أمام المقاومين وسحب قواته من معظم الأراضي اللبنانية من غير قيد أو شرط. وفي معركة تموز وآب 2006 حيث حارب ليسترد "كرامته" كأعتى قوة في الشرق الأوسط، فكان نصيبه شر هزيمة مرة أخرى. وراح إلى غزة عله يستعيد شيئاً من ماء الوجه، فكان أن علمته غزة المحاصرة درساً لن ينساه.
لقد تبين لنا من خلال دراستنا أن شعبنا قد تمرس على المقاومة الشعبية عبر التاريخ. ففي كتاب "الموسوعة الشاملة للحروب الصليبية" للأستاذ سهيل زكار، في الجزء الأول نقرأ ما يلي: "لقد قدم أبو عمرو في كتابه سير الثغور وصفاً رائعاً مفصلاً للحياة العسكرية في الثغور وكان أروع وصف ذاك الذي تناول به هذه الحياة في مدينة طرسوس، كبرى مدن الثغور وأبعدها شهرة: لقد كان غلمان طرسوس يدفعون قبل بلوغهم الحلم إلى بعض الشيوخ الأساتذة الثقات من أهل المدينة، فيقوم هؤلاء بتصنيف الغلمان إلى فئات ثم يأخذون في تدريبهم على الشؤون العسكرية، ويستمر ذلك حتى يبلغ هؤلاء الغلمان سن الرجولة حيث يلتحق آنذاك كل فتى منهم بسرية من سرايا الجهاد والدفاع عن الثغر". نحن نترك شأن تربية أولادنا إما للتلفزيون أو للألعاب الكومبيوترية التي تعلم أطفالنا قيم العولمة الليبيرالية التي تجعل من أولادنا مستهلكين غير منتجين وفاعلين.
ثم يضيف الأستاذ زكار قائلاً: "إنه لمن المتصور والحالة السياسية كما وصفت من حيث الاضطراب، وتجارب العواصم العسكرية كما بينت، أن قام أهالي كل مدينة وبلدة في الشام بتشكيل منظمات عسكرية شعبية لأغراض الدفاع. ثم إن الاضطراب السياسي مع التبدل السريع في الدول التي شهدته المنطقة لا بد وقد جعل بعض العسكريين الذين فقدوا مناصبهم مع قيام كل دولة جديدة يلتحقون بمثل هذه المنظمات. وهكذا أعاروها خبراتهم وساعدوا على تطويرها وزيادة صبغتها العسكرية، إلى أن غدت نوعاً من "الميليشيا الشعبية"،...".
وقد كان اسم هذه المنظمة في دمشق "منظمة الأحداث". ثم يضيف الآستاذ زكار أن نشاط هذه المنظمة قد بدا ناشطاً في القرنين الرابع والخامس للهجرة أي العاشر والحادي عشر للميلاد. وكان نشاط هذه المنظمات رئيسياُ في مدينتي دمشق وحلب. ويقول الأستاذ زكار أن الفاطميين اصطدموا مع منظمة الأحداث عندما حاولوا الاستيلاء على جنوبي بلاد الشام "ولم يتمكنوا من دمشق إلا بعض القضاء بشكل مبرم على غالبية أفراد منظمة الأحداث. ورغم ذلك فقد بقي للأحداث قوتهم في شمالي بلاد الشام وخاصة في حلب. وعندما قدم السلاجقة إلى الشام وألحقوه بإمبراطوريتهم... قاموا بتصفية منظمة الأحداث". وهذا ما مكن الصليبيين من الاستيلاء على بلاد الشام.
ثم يصف لنا الأستاذ زكار كيف دافعت دمشق عن نفسها عندما انهزم حكامها ولم يقبل أهل دمشق بهذه الهزيمة. "ونظم الدمشقيون أمور الدفاع عن مدينتهم بأن أغلقوا أبوابها، وأوقفوا الرماة على شرفات الأسوار. وأقاموا الحواجز داخل المدينة، وكسروا قني الماء، وحفروا الخنادق. وقد اشترك الرجال والنساء والصبية في الاعداد للدفاع عن دمشق. وكاد أهالي دمشق من صد قوات الفاطميين عندما هاجمت مدينتهم لولا أن جماعة من التجار والأشراف قامت فشكلت وفداً قام بالتوسط لدى جعفر بن فلاح, وأخذ يبث التخاذل بين المدافعين (وهذا دأب هذه الطبقة "ح.م.) مما سبب وقف المقاومة".
ولكن منظمة الأحداث عادت للتشكل من جديد ولم تسمح لأي غاز بالدخول إلى المدينة إلا بشروط كانت تفرضها.
ثم يضيف الأستاذ زكار: "ويبدو أن مدن الشام الأخرى قد وجدت فيها هذه الفترة تنظيمات مشابهة للأحداث لها قوتها.... ففي صور تزعم الأحداث رجل اسمه العلاقة الملاح. وثار هذا الملاح أيضاً بالفاطميين وطردهم من صور..."
ثم يختم الأستاذ زكار قائلاً: "إن القضاء على الأحداث وإزالتهم من مدن الشام قد حرم هذه المدن من هيئة إجتماعية كان – ربما لو كتب لها الحياة والاستمرار – وضع المجتمع والمدينة في الشام مخالف لما عليه الآن بشكل كبير".
المقاومة في بلادنا هو تقليد شعبي تاريخي ولو أن الفاطميين لم يتمكنوا من القضاء على هذه المقاومات بمؤامرات دنيئة لما تمكن الصليبيون من الفتك في بلادنا.
ومن المخزي ما سمعناه من المناقشات في البرلمان اللبناني من بعض النواب الذين يريدون أن تتخلى المقاومة عن سلاحها. المقاومة التي لولاها لما كان لا برلمان ولا مناقشات. وقد مر معنا من الذي تآمر على المقاومة في دمشق وأكثر من مرة. فلا عجب مما رأيناه في البرلمان اللبناني. ألا يقول المثل "أن ملة الكفر واحدة".
الشواهد من الصفحات 79 حتى 85 .
حسن ملاط
لقد تمكن جيش العدو الاسرائيلي من أن يحظى بلقب "الجيش الذي لا يقهر" من خلال تجاربه مع الجيوش النظامية العربية. فهو قد انتصر على جميع هذه الجيوش في جميع معاركه. ولكن هذا الجيش "الجبار" قد انهزم في جميع معاركه مع المقاومة. فقد انهزم في لبنان في 2000 وهرب أمام المقاومين وسحب قواته من معظم الأراضي اللبنانية من غير قيد أو شرط. وفي معركة تموز وآب 2006 حيث حارب ليسترد "كرامته" كأعتى قوة في الشرق الأوسط، فكان نصيبه شر هزيمة مرة أخرى. وراح إلى غزة عله يستعيد شيئاً من ماء الوجه، فكان أن علمته غزة المحاصرة درساً لن ينساه.
لقد تبين لنا من خلال دراستنا أن شعبنا قد تمرس على المقاومة الشعبية عبر التاريخ. ففي كتاب "الموسوعة الشاملة للحروب الصليبية" للأستاذ سهيل زكار، في الجزء الأول نقرأ ما يلي: "لقد قدم أبو عمرو في كتابه سير الثغور وصفاً رائعاً مفصلاً للحياة العسكرية في الثغور وكان أروع وصف ذاك الذي تناول به هذه الحياة في مدينة طرسوس، كبرى مدن الثغور وأبعدها شهرة: لقد كان غلمان طرسوس يدفعون قبل بلوغهم الحلم إلى بعض الشيوخ الأساتذة الثقات من أهل المدينة، فيقوم هؤلاء بتصنيف الغلمان إلى فئات ثم يأخذون في تدريبهم على الشؤون العسكرية، ويستمر ذلك حتى يبلغ هؤلاء الغلمان سن الرجولة حيث يلتحق آنذاك كل فتى منهم بسرية من سرايا الجهاد والدفاع عن الثغر". نحن نترك شأن تربية أولادنا إما للتلفزيون أو للألعاب الكومبيوترية التي تعلم أطفالنا قيم العولمة الليبيرالية التي تجعل من أولادنا مستهلكين غير منتجين وفاعلين.
ثم يضيف الأستاذ زكار قائلاً: "إنه لمن المتصور والحالة السياسية كما وصفت من حيث الاضطراب، وتجارب العواصم العسكرية كما بينت، أن قام أهالي كل مدينة وبلدة في الشام بتشكيل منظمات عسكرية شعبية لأغراض الدفاع. ثم إن الاضطراب السياسي مع التبدل السريع في الدول التي شهدته المنطقة لا بد وقد جعل بعض العسكريين الذين فقدوا مناصبهم مع قيام كل دولة جديدة يلتحقون بمثل هذه المنظمات. وهكذا أعاروها خبراتهم وساعدوا على تطويرها وزيادة صبغتها العسكرية، إلى أن غدت نوعاً من "الميليشيا الشعبية"،...".
وقد كان اسم هذه المنظمة في دمشق "منظمة الأحداث". ثم يضيف الآستاذ زكار أن نشاط هذه المنظمة قد بدا ناشطاً في القرنين الرابع والخامس للهجرة أي العاشر والحادي عشر للميلاد. وكان نشاط هذه المنظمات رئيسياُ في مدينتي دمشق وحلب. ويقول الأستاذ زكار أن الفاطميين اصطدموا مع منظمة الأحداث عندما حاولوا الاستيلاء على جنوبي بلاد الشام "ولم يتمكنوا من دمشق إلا بعض القضاء بشكل مبرم على غالبية أفراد منظمة الأحداث. ورغم ذلك فقد بقي للأحداث قوتهم في شمالي بلاد الشام وخاصة في حلب. وعندما قدم السلاجقة إلى الشام وألحقوه بإمبراطوريتهم... قاموا بتصفية منظمة الأحداث". وهذا ما مكن الصليبيين من الاستيلاء على بلاد الشام.
ثم يصف لنا الأستاذ زكار كيف دافعت دمشق عن نفسها عندما انهزم حكامها ولم يقبل أهل دمشق بهذه الهزيمة. "ونظم الدمشقيون أمور الدفاع عن مدينتهم بأن أغلقوا أبوابها، وأوقفوا الرماة على شرفات الأسوار. وأقاموا الحواجز داخل المدينة، وكسروا قني الماء، وحفروا الخنادق. وقد اشترك الرجال والنساء والصبية في الاعداد للدفاع عن دمشق. وكاد أهالي دمشق من صد قوات الفاطميين عندما هاجمت مدينتهم لولا أن جماعة من التجار والأشراف قامت فشكلت وفداً قام بالتوسط لدى جعفر بن فلاح, وأخذ يبث التخاذل بين المدافعين (وهذا دأب هذه الطبقة "ح.م.) مما سبب وقف المقاومة".
ولكن منظمة الأحداث عادت للتشكل من جديد ولم تسمح لأي غاز بالدخول إلى المدينة إلا بشروط كانت تفرضها.
ثم يضيف الأستاذ زكار: "ويبدو أن مدن الشام الأخرى قد وجدت فيها هذه الفترة تنظيمات مشابهة للأحداث لها قوتها.... ففي صور تزعم الأحداث رجل اسمه العلاقة الملاح. وثار هذا الملاح أيضاً بالفاطميين وطردهم من صور..."
ثم يختم الأستاذ زكار قائلاً: "إن القضاء على الأحداث وإزالتهم من مدن الشام قد حرم هذه المدن من هيئة إجتماعية كان – ربما لو كتب لها الحياة والاستمرار – وضع المجتمع والمدينة في الشام مخالف لما عليه الآن بشكل كبير".
المقاومة في بلادنا هو تقليد شعبي تاريخي ولو أن الفاطميين لم يتمكنوا من القضاء على هذه المقاومات بمؤامرات دنيئة لما تمكن الصليبيون من الفتك في بلادنا.
ومن المخزي ما سمعناه من المناقشات في البرلمان اللبناني من بعض النواب الذين يريدون أن تتخلى المقاومة عن سلاحها. المقاومة التي لولاها لما كان لا برلمان ولا مناقشات. وقد مر معنا من الذي تآمر على المقاومة في دمشق وأكثر من مرة. فلا عجب مما رأيناه في البرلمان اللبناني. ألا يقول المثل "أن ملة الكفر واحدة".
الشواهد من الصفحات 79 حتى 85 .
الاثنين، 30 نوفمبر 2009
قراءة في وثيقة "حزب الله"
قراءة في وثيقة "حزب الله" السياسية
هذه الوثيقة ترتدي أهمية كبيرة نظراً لصدورها عن حزب تتسم ممارسته بالجدية المطلقة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالوثيقة تعتبر متقدمة على ما عداها من وثائق صدرت عن أحزاب يمكن اعتبارها هرمة بالنسبة لشباب "حزب الله".
وفي هذه العجالة سوف نتحدث عن بعض النقاط فقط.
في الفصل الثاني وتحت عنوان "الوطن" تقول الوثيقة: "ونريده واحداً موحَّداً (الوطن اللبناني)، أرضاً وشعباً ودولةً ومؤسسات، ونرفض أي شكل من أشكال التقسيم أو "الفدرلة" الصريحة أو المقنَّعة. ونريده سيداً حراً مستقلاً عزيزاً كريماً منيعاً قوياً قادراً، حاضراً في معادلات المنطقة، ومساهماً أساسياً في صنع الحاضر والمستقبل كما كان حاضراً دائماً في صنع التاريخ".
"ومن أهم الشروط لقيام وطن من هذا النوع واستمراره أن تكون له دولةٌ عادلةٌ وقادرةٌ وقويةٌ، ونظامٌ سياسيٌ يمثّل بحق إرادة الشعب وتطلعاته الى العدالة والحرية والأمن والإستقرار والرفاه والكرامة، وهذا ما ينشده كل اللبنانيين ويعملون من أجل تحقيقه ونحن منهم".
نقول بأن ما تقدم لا ينشده جميع اللبنانيين. إن من يريد أن يحافظ على الطائفية السياسية من أجل مصالحه الضيقة لا يريد لهذه الدولة أن تكون موحدة. كما وأن من يريد أن يتآمر على سلاح المقاومة التي حررت الأرض، أرض الوطن، ويقضي على التوازن مع العدو لصالح العدو وضد مصلحة الوطن، لا يريد للبنان لا الحرية ولا الأمن... وهؤلاء معروفون ويمكننا أن نعددهم، فهم غير مستورين ولا يستحيون من انتمائهم المعادي للوطن.
تحت عنوان "المقاومة" تقول الوثيقة: " فانتهاج خيار المقاومة حقّق للبنان تحريراً للأرض واستعادةً لمؤسسات الدولة وحمايةً للسيادة وإنجازاً للإستقلال الحقيقي. في هذا الإطار فإنّ اللبنانيين بقواهم السياسية وشرائحِهم الإجتماعية ونُخَبِهم الثقافية وهيئاتِهم الإقتصادية، معنيون بالحفاظ على هذه الصيغة والإنخراط فيها، لأنّ الخطر الإسرائيلي يتهدّد لبنان بكل مكوناته ومقوماته، وهذا ما يتطلّب أوسع مشاركة لبنانية في تحمّل مسؤوليات الدفاع عن الوطن وتوفير سبل الحماية له".
هذا الكلام مهم جداً، ففيه دعوة صريحة للانخراط بالمقاومة لأي كان. إن حماية المقاومة تكمن بتجاوزها للحدود المذهبية والطائفية. وهذا ما يسعى إليه كل من يريد مصلحة هذا الوطن ومقاومته.
تحت عنوان "الدولة والنظام السياسي" تقول الوثيقة: " وإلى أن يتمكن اللبنانيون ومن خلال حوارهم الوطني من تحقيق هذا الإنجاز التاريخي والحساس - نعني إلغاء الطائفية السياسية - وطالما أنّ النظام السياسي يقوم على أسس طائفية فإنّ الديمقراطية التوافقية تبقى القاعدة الأساس للحكم في لبنان، لأنها التجسيد الفعلي لروح الدستور ولجوهر ميثاق العيش المشترك".
نقول: 1 – لا وجود لحوار بين اللبنانيين، إنما الحوار هو بين الذين تحميهم الصيغة الطائفية القائمة. وهؤلاء لايمكن أن يتخلوا عن سبب قوتهم.
2 – الديموقراطية التوافقية تعني إعادة انتاج الصيغة الطائفية القائمة. ولا يكمن فيها أية مصلحة للفئات الشعبية. إن التمسك بهذه الصيغة يعني التمسك بالرموز التي تؤمن الاستغلال والفقر للشعب اللبناني.
و"حزب الله" لا يحتاج الى التمسك بهذه الصيغة لأن وجوده في السلطة السياسية يؤمنه امتداده الشعبي الحقيقي، وليس الصيغة التي تؤمن وجود أعداء الشعب اللبناني في مؤسسات السلطة السياسية.
ثم تضيف الوثيقة: " إنّ الديمقراطية التوافقية تشكّل صيغةً سياسيةً ملائمةً لمشاركة حقيقية من قِبَل الجميع، وعامل ثقة مطَمْئِن لمكونات الوطن، وهي تُسهم بشكل كبير في فتح الأبواب للدخول في مرحلة بناء الدولة المطَمْئِنة التي يشعر كل مواطنيها أنها قائمة من أجلهم".
كلمة "الجميع" هنا تؤدي إلى التعمية. عندما يتحرك الناس على أنهم "مواطنون" يختلف عن تحركهم بانتمائهم الطائفي والمذهبي. فالصيغة التي تتحدث عنها الوثيقة هي التي تنزع عن اللبناني صفته المواطنية وتعطيه الصفة المذهبية والطائفية وهذا ما لا يريده الحزب. فالحزب يريد الانسان الذي ينخرط في ورشة بناء الوطن على أنه مواطن أو مقاوم.
هناك تناقض بيِّن بين السياق العام للوثيقة والصيغة المتخلفة "للديموقراطية التوافقية".
أما الصفات التي توردها الوثيقة للدولة التي يريدها الحزب فهي صفات تستأهل النضال من أجل تحقيقها.
ثم تتحدث الوثيقة عن العلاقات العربية والاسلامية. نسجل هنا الملاحظة التالية: في ظل العولمة النيو ليبيرالية التي تفرض وجودها عبر الاقتصاد والسياسة والعسكر، كما تورد الوثيقة محقة، لا إمكانية للتحرر إلا بالتكتلات الكبرى. فالعلاقات العربية أو الاسلامية لا معنى للتحدث عنها إن لم تقرن بروزنامة تعبر عن علاقات مختلفة عما هو قائم اليوم. إن العرب والمسلمين بامكانهم إقامة تكتل يمكنه أن يتحرر من التبعية في هذا العصر الذي لم يعد بإمكان الولايات المتحدة أن تكون قطباً منفرداً في هذا العالم. وهذا ما أشارت إليه الوثيقة. من هنا ضرورة التحدث عن علاقات اقتصادية بينية ليس لها أية علاقة بالخلافات السياسية أو العقائدية ما بين الدول العربية أو الاسلامية. إن الخطاب العقائدي له أهمية ولكن ليس بإمكانه وحده أن يغير الواقع.
هذه الوثيقة تستدعي دراسة متأنية فهي أهم وثيقة تصدر عن حزب فاعل في وطننا العربي وفي لبنان أيضاً. هذه الوثيقة تثبت بأن "حزب الله" قد قفز خطوة كبيرة إلى الأمام، نتمنى أن تكون ناجحة. إن اقتران نجاح الحزب بتبنيه لخيار المقاومة هو ما يجعلنا نطمئن إلى مستقبل الحزب والمقاومات.
حسن ملاط
هذه الوثيقة ترتدي أهمية كبيرة نظراً لصدورها عن حزب تتسم ممارسته بالجدية المطلقة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالوثيقة تعتبر متقدمة على ما عداها من وثائق صدرت عن أحزاب يمكن اعتبارها هرمة بالنسبة لشباب "حزب الله".
وفي هذه العجالة سوف نتحدث عن بعض النقاط فقط.
في الفصل الثاني وتحت عنوان "الوطن" تقول الوثيقة: "ونريده واحداً موحَّداً (الوطن اللبناني)، أرضاً وشعباً ودولةً ومؤسسات، ونرفض أي شكل من أشكال التقسيم أو "الفدرلة" الصريحة أو المقنَّعة. ونريده سيداً حراً مستقلاً عزيزاً كريماً منيعاً قوياً قادراً، حاضراً في معادلات المنطقة، ومساهماً أساسياً في صنع الحاضر والمستقبل كما كان حاضراً دائماً في صنع التاريخ".
"ومن أهم الشروط لقيام وطن من هذا النوع واستمراره أن تكون له دولةٌ عادلةٌ وقادرةٌ وقويةٌ، ونظامٌ سياسيٌ يمثّل بحق إرادة الشعب وتطلعاته الى العدالة والحرية والأمن والإستقرار والرفاه والكرامة، وهذا ما ينشده كل اللبنانيين ويعملون من أجل تحقيقه ونحن منهم".
نقول بأن ما تقدم لا ينشده جميع اللبنانيين. إن من يريد أن يحافظ على الطائفية السياسية من أجل مصالحه الضيقة لا يريد لهذه الدولة أن تكون موحدة. كما وأن من يريد أن يتآمر على سلاح المقاومة التي حررت الأرض، أرض الوطن، ويقضي على التوازن مع العدو لصالح العدو وضد مصلحة الوطن، لا يريد للبنان لا الحرية ولا الأمن... وهؤلاء معروفون ويمكننا أن نعددهم، فهم غير مستورين ولا يستحيون من انتمائهم المعادي للوطن.
تحت عنوان "المقاومة" تقول الوثيقة: " فانتهاج خيار المقاومة حقّق للبنان تحريراً للأرض واستعادةً لمؤسسات الدولة وحمايةً للسيادة وإنجازاً للإستقلال الحقيقي. في هذا الإطار فإنّ اللبنانيين بقواهم السياسية وشرائحِهم الإجتماعية ونُخَبِهم الثقافية وهيئاتِهم الإقتصادية، معنيون بالحفاظ على هذه الصيغة والإنخراط فيها، لأنّ الخطر الإسرائيلي يتهدّد لبنان بكل مكوناته ومقوماته، وهذا ما يتطلّب أوسع مشاركة لبنانية في تحمّل مسؤوليات الدفاع عن الوطن وتوفير سبل الحماية له".
هذا الكلام مهم جداً، ففيه دعوة صريحة للانخراط بالمقاومة لأي كان. إن حماية المقاومة تكمن بتجاوزها للحدود المذهبية والطائفية. وهذا ما يسعى إليه كل من يريد مصلحة هذا الوطن ومقاومته.
تحت عنوان "الدولة والنظام السياسي" تقول الوثيقة: " وإلى أن يتمكن اللبنانيون ومن خلال حوارهم الوطني من تحقيق هذا الإنجاز التاريخي والحساس - نعني إلغاء الطائفية السياسية - وطالما أنّ النظام السياسي يقوم على أسس طائفية فإنّ الديمقراطية التوافقية تبقى القاعدة الأساس للحكم في لبنان، لأنها التجسيد الفعلي لروح الدستور ولجوهر ميثاق العيش المشترك".
نقول: 1 – لا وجود لحوار بين اللبنانيين، إنما الحوار هو بين الذين تحميهم الصيغة الطائفية القائمة. وهؤلاء لايمكن أن يتخلوا عن سبب قوتهم.
2 – الديموقراطية التوافقية تعني إعادة انتاج الصيغة الطائفية القائمة. ولا يكمن فيها أية مصلحة للفئات الشعبية. إن التمسك بهذه الصيغة يعني التمسك بالرموز التي تؤمن الاستغلال والفقر للشعب اللبناني.
و"حزب الله" لا يحتاج الى التمسك بهذه الصيغة لأن وجوده في السلطة السياسية يؤمنه امتداده الشعبي الحقيقي، وليس الصيغة التي تؤمن وجود أعداء الشعب اللبناني في مؤسسات السلطة السياسية.
ثم تضيف الوثيقة: " إنّ الديمقراطية التوافقية تشكّل صيغةً سياسيةً ملائمةً لمشاركة حقيقية من قِبَل الجميع، وعامل ثقة مطَمْئِن لمكونات الوطن، وهي تُسهم بشكل كبير في فتح الأبواب للدخول في مرحلة بناء الدولة المطَمْئِنة التي يشعر كل مواطنيها أنها قائمة من أجلهم".
كلمة "الجميع" هنا تؤدي إلى التعمية. عندما يتحرك الناس على أنهم "مواطنون" يختلف عن تحركهم بانتمائهم الطائفي والمذهبي. فالصيغة التي تتحدث عنها الوثيقة هي التي تنزع عن اللبناني صفته المواطنية وتعطيه الصفة المذهبية والطائفية وهذا ما لا يريده الحزب. فالحزب يريد الانسان الذي ينخرط في ورشة بناء الوطن على أنه مواطن أو مقاوم.
هناك تناقض بيِّن بين السياق العام للوثيقة والصيغة المتخلفة "للديموقراطية التوافقية".
أما الصفات التي توردها الوثيقة للدولة التي يريدها الحزب فهي صفات تستأهل النضال من أجل تحقيقها.
ثم تتحدث الوثيقة عن العلاقات العربية والاسلامية. نسجل هنا الملاحظة التالية: في ظل العولمة النيو ليبيرالية التي تفرض وجودها عبر الاقتصاد والسياسة والعسكر، كما تورد الوثيقة محقة، لا إمكانية للتحرر إلا بالتكتلات الكبرى. فالعلاقات العربية أو الاسلامية لا معنى للتحدث عنها إن لم تقرن بروزنامة تعبر عن علاقات مختلفة عما هو قائم اليوم. إن العرب والمسلمين بامكانهم إقامة تكتل يمكنه أن يتحرر من التبعية في هذا العصر الذي لم يعد بإمكان الولايات المتحدة أن تكون قطباً منفرداً في هذا العالم. وهذا ما أشارت إليه الوثيقة. من هنا ضرورة التحدث عن علاقات اقتصادية بينية ليس لها أية علاقة بالخلافات السياسية أو العقائدية ما بين الدول العربية أو الاسلامية. إن الخطاب العقائدي له أهمية ولكن ليس بإمكانه وحده أن يغير الواقع.
هذه الوثيقة تستدعي دراسة متأنية فهي أهم وثيقة تصدر عن حزب فاعل في وطننا العربي وفي لبنان أيضاً. هذه الوثيقة تثبت بأن "حزب الله" قد قفز خطوة كبيرة إلى الأمام، نتمنى أن تكون ناجحة. إن اقتران نجاح الحزب بتبنيه لخيار المقاومة هو ما يجعلنا نطمئن إلى مستقبل الحزب والمقاومات.
حسن ملاط
الاثنين، 23 نوفمبر 2009
حول اليسار وحزب الله والمقاومة
حول "االيسار وحزب الله والمقاومة"
كتب السيد "سلامة كيلة" في "السفير" تاريخ 21 – 11 – 2009 مقالة رد فيها على مقالة كتبها صديقه قاسم عز الدين. وحيث أن هذه المقالة قد نشرت فقد أصبحت ملك القارئين مما يسمح لنا بالتعليق عليها من غير حرج.
سوف أبدأ من حيث انتهى الأستاذ "سلامة" حيث يقول: "ربما كانت هناك مشكلات كثيرة يعاني منها اليسار، وهو يعيش أزمة عميقة، لكن سنلمس بأن أحد أسباب أزماته هو هذه النظرة التي لا زال الصديق قاسم يتمسك بها، لا أقصد طبعاً دعم المقاومة بل أقصد الانسياق إلى الدعم المطلق، ورفض كل نقد، وتبرير كل سياسة. فقدسية المقاومة لا يجب أن تحجب كل المشكلات التي تعيشها القوى التي تمارس المقاومة".
ليت أن مشكلة اليسار هي كما عبر عنها الأستاذ"سلامة"، ولكن مشكلته الحقيقية أنه يعيش في عالم صاغه لنفسه وراح يقنع الناس أن هذا العالم هو العالم الواقعي. وهذا يذكرنا بكلام جميل ل"فريد زكريا" في أحد مقالاته حيث يتساءل "ما العمل؟ فيجيب: العالم الجديد يملي علينا خياراتنا". محق "فريد زكريا" فيما قاله ولكن اليسار لم يفقه أن العالم قد تغير وأن تغيره يفرض علينا خياراتنا.
يقول السيد "كيلة": "ثم إن كل الأمور المطروحة الآن في مواجهة حزب الله لم تكن مطروحة من قبل اليسار قبل سنة 2000، وحتى 2004 ربما، حيث كانت المقاومة هي الممارسة الأساس للحزب، وكانت مؤيدة من قبل هذا اليسار. لكن اختلف الأمر بعد أن بات الحزب يشارك في السلطة، ولديه أجندة داخلية، وهو الأمر الذي فرض تناول البرنامج الاقتصادي للحزب. وهنا كانت سياسته تقوم على دعم البرنامج الليبرالي للحريري الأب، وفي الحكومات التي شارك فيها. وهذا ليس مستغرباً على حزب يتبنى أيديولوجية شيعية تلتزم ولاية الفقيه، لأن السياسة الاقتصادية التي تمارس في إيران هي سياسة ليبرالية بامتياز، وهي ككل الليبراليات التي نعرفها في الوطن العربي. وهذا أمر طبيعي لأن تلك الأيديولوجية تنطلق من التحرر الاقتصادي".
ثم يضيف: "هذه مسائل هي جزء من تكوين الحزب، ولا نقولها من موقع الإدانة، فهو حق وتعبير عن مصالح طبقية لفئات اجتماعية، وبالتالي لا ينتقص من الدور المقاوم للحزب. وما دامت المقاومة مستمرة فمن الضروري أن تكون أساس العلاقة تنسيق نشاط المقاومة. لكن حين يصبح النشاط هو الصراع في إطار الدولة اللبنانية، ومن أجل خيارات مختلفة، لا يعود التوافق على المقاومة هو محدِّد العلاقة، لأننا هنا إزاء تناقضات طبقية، وخيارات طبقية، لا يلغيها التوافق على المقاومة ضد الاحتلال. وهذا أمر «طبيعي» كذلك، حيث أن القوى المتوافقة على المقاومة هي مختلفة حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، وحول طبيعة السلطة".
فهمنا مما تقدم أن ما يضير اليسار هو الفئات الطبقية التي يمثلها "حزب الله". فاليسار يؤيد مقاومة الحزب ويلوم الحزب على أنه يؤيد ولاية الفقيه التي تتبع برنامجاً ليبيرالياً في ايران.
من هنا فان الصراع الطبقي يحتم علينا أن نتخذ موقفاً طبقياً من حزب الله. وحيث أن الشيء بالشيء يذكر أنا لم أجد في مقالة قاسم عز الدين ما يوحي بضرورة تأييد موقف حزب الله الاقتصادي الاجتماعي لأن الحزب لم يبلور برنامجاً اقتصادياً اجتماعياً متكاملاً.
أما الحديث عن الصراع الطبقي فهو حديث ليس له علاقة في الواقع الذي تعيشه بلادنا. السيد كارل ماركس يتحدث عن التناقضات ويحدد أن هناك دائماً تناقضاً رئيسياً تخضع له (لمقتضياته) التناقضات الثانوية. ففي مرحلة التحرر الوطني رأينا الحزب الشيوعي الصيني يتحالف مع الكيومنتانغ لمحاربة الاستعمار الياباني مع علم ماو تسي تونغ أن هذا الحزب يمثل الرأسمالية المعادية للحزب الشيوعي ومن يمثل. فهو اعتبر أن التناقض مع الرأسمالية الوطنية هو ثانوي إزاء الاستعمار الياباني المفروض محاربته. وفي لبنان يعتبر حزب الله أن التناقض مع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني هو التناقض الرئيسي. لذلك يُخضع جميع التناقضات الأخرى لهذا التناقض. وهو محق في هذه النظرة.
أما إذا أحببنا أن ننظر إلى بلادنا وهي تعيش في ظل العولمة الليبيرالية أو النيوليبيرالية فالنظرة تختلف نسبياً. ففي ظل هذه العولمة لا حياة إلا للكتل الكبرى. فالتحدث عن المجتمع اللبناني أو المجتمع المصري أو الايراني هو كما التحدث عن نقطة في بحر. من هنا ضرورة التحدث عن التحرر من الخضوع لهذه العولمة بصيغة تتناسب مع مقتضيات النضال ضد هذه العولمة. أي أن من شروط التحرر هو الاتجاه نحو تشكيل كتلة كبرى تملك إمكانية الحياة في هذا العالم: كتلة تتألف من الدول العربية وتركيا وايران، كتلة تملك جميع مقومات الحياة بمعزل عن العالم بأسره. كتلة تفكر بمقايضة الطاقة بالتقنية وليس بالدولار. فالعولمة تخضعك إما بالدولار وإما بالسلاح. لذلك نحن لانرى بأن الاتحاد الأوروبي يمكنه أن يشكل كتلة من دون روسيا. فروسيا تملك الطاقة والقوة والاتحاد الأوروبي يملك التقنية والمال... كما ويمكننا أن نتصور أن العالم لن يكون آحادي القطبية، بل هناك امكانية لتشكل عدة كتل كبرى: أمريكا، الصين واليابان، الهند، أمريكا الجنوبية والوسطى، الاتحاد الأوروبي وروسيا والبلاد العربية والاسلامية...
في ظل العولمة النيو ليبرالية هناك أمم مضطهدة بجميع طبقاتها. سوف نجد بعض الأفراد في الطبقات البورجوازية من يخدم العولمة لارتباطه بها ولكن ليس الطبقة بمجموعها. من هنا فالصراع الطبقي يأخذ مظهراً آخر، مظهر شبيه بذلك الذي تحدثنا عنه في مرحلة التحرر الوطني.
تبعاً لما تقدم نرى أن من الضرورة بمكان أن نولي حزب الله كامل دعمنا لمحاربته إسرائيل بالنيابة عن اليسار وبالنيابة عن الأمة العربية والاسلامية، ونناضل بالاشتراك معه لبلورة مشتركة لبرنامج اقتصادي اجتماعي يأخذ بعين الاعتبار جميع ما تقدم. ونقول للأستاذ "كيلة" أن الممارسة هي التي تفيد وليس إملاء الدروس مهما كانت بليغة. يُروى أنه في صلح الحديبية الذي أمضاه النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين، طلب النبي من الصحابة أن يحلقوا رؤوسهم، فلم يستجيبوا له. راح محزوناً إلى زوجه أم سلمة وروى لها ما حصل. قالت له أخرج واحلق أمامهم. فما أن فعل حتى فعلوا جميعاً.
حسن ملاط
كتب السيد "سلامة كيلة" في "السفير" تاريخ 21 – 11 – 2009 مقالة رد فيها على مقالة كتبها صديقه قاسم عز الدين. وحيث أن هذه المقالة قد نشرت فقد أصبحت ملك القارئين مما يسمح لنا بالتعليق عليها من غير حرج.
سوف أبدأ من حيث انتهى الأستاذ "سلامة" حيث يقول: "ربما كانت هناك مشكلات كثيرة يعاني منها اليسار، وهو يعيش أزمة عميقة، لكن سنلمس بأن أحد أسباب أزماته هو هذه النظرة التي لا زال الصديق قاسم يتمسك بها، لا أقصد طبعاً دعم المقاومة بل أقصد الانسياق إلى الدعم المطلق، ورفض كل نقد، وتبرير كل سياسة. فقدسية المقاومة لا يجب أن تحجب كل المشكلات التي تعيشها القوى التي تمارس المقاومة".
ليت أن مشكلة اليسار هي كما عبر عنها الأستاذ"سلامة"، ولكن مشكلته الحقيقية أنه يعيش في عالم صاغه لنفسه وراح يقنع الناس أن هذا العالم هو العالم الواقعي. وهذا يذكرنا بكلام جميل ل"فريد زكريا" في أحد مقالاته حيث يتساءل "ما العمل؟ فيجيب: العالم الجديد يملي علينا خياراتنا". محق "فريد زكريا" فيما قاله ولكن اليسار لم يفقه أن العالم قد تغير وأن تغيره يفرض علينا خياراتنا.
يقول السيد "كيلة": "ثم إن كل الأمور المطروحة الآن في مواجهة حزب الله لم تكن مطروحة من قبل اليسار قبل سنة 2000، وحتى 2004 ربما، حيث كانت المقاومة هي الممارسة الأساس للحزب، وكانت مؤيدة من قبل هذا اليسار. لكن اختلف الأمر بعد أن بات الحزب يشارك في السلطة، ولديه أجندة داخلية، وهو الأمر الذي فرض تناول البرنامج الاقتصادي للحزب. وهنا كانت سياسته تقوم على دعم البرنامج الليبرالي للحريري الأب، وفي الحكومات التي شارك فيها. وهذا ليس مستغرباً على حزب يتبنى أيديولوجية شيعية تلتزم ولاية الفقيه، لأن السياسة الاقتصادية التي تمارس في إيران هي سياسة ليبرالية بامتياز، وهي ككل الليبراليات التي نعرفها في الوطن العربي. وهذا أمر طبيعي لأن تلك الأيديولوجية تنطلق من التحرر الاقتصادي".
ثم يضيف: "هذه مسائل هي جزء من تكوين الحزب، ولا نقولها من موقع الإدانة، فهو حق وتعبير عن مصالح طبقية لفئات اجتماعية، وبالتالي لا ينتقص من الدور المقاوم للحزب. وما دامت المقاومة مستمرة فمن الضروري أن تكون أساس العلاقة تنسيق نشاط المقاومة. لكن حين يصبح النشاط هو الصراع في إطار الدولة اللبنانية، ومن أجل خيارات مختلفة، لا يعود التوافق على المقاومة هو محدِّد العلاقة، لأننا هنا إزاء تناقضات طبقية، وخيارات طبقية، لا يلغيها التوافق على المقاومة ضد الاحتلال. وهذا أمر «طبيعي» كذلك، حيث أن القوى المتوافقة على المقاومة هي مختلفة حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، وحول طبيعة السلطة".
فهمنا مما تقدم أن ما يضير اليسار هو الفئات الطبقية التي يمثلها "حزب الله". فاليسار يؤيد مقاومة الحزب ويلوم الحزب على أنه يؤيد ولاية الفقيه التي تتبع برنامجاً ليبيرالياً في ايران.
من هنا فان الصراع الطبقي يحتم علينا أن نتخذ موقفاً طبقياً من حزب الله. وحيث أن الشيء بالشيء يذكر أنا لم أجد في مقالة قاسم عز الدين ما يوحي بضرورة تأييد موقف حزب الله الاقتصادي الاجتماعي لأن الحزب لم يبلور برنامجاً اقتصادياً اجتماعياً متكاملاً.
أما الحديث عن الصراع الطبقي فهو حديث ليس له علاقة في الواقع الذي تعيشه بلادنا. السيد كارل ماركس يتحدث عن التناقضات ويحدد أن هناك دائماً تناقضاً رئيسياً تخضع له (لمقتضياته) التناقضات الثانوية. ففي مرحلة التحرر الوطني رأينا الحزب الشيوعي الصيني يتحالف مع الكيومنتانغ لمحاربة الاستعمار الياباني مع علم ماو تسي تونغ أن هذا الحزب يمثل الرأسمالية المعادية للحزب الشيوعي ومن يمثل. فهو اعتبر أن التناقض مع الرأسمالية الوطنية هو ثانوي إزاء الاستعمار الياباني المفروض محاربته. وفي لبنان يعتبر حزب الله أن التناقض مع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني هو التناقض الرئيسي. لذلك يُخضع جميع التناقضات الأخرى لهذا التناقض. وهو محق في هذه النظرة.
أما إذا أحببنا أن ننظر إلى بلادنا وهي تعيش في ظل العولمة الليبيرالية أو النيوليبيرالية فالنظرة تختلف نسبياً. ففي ظل هذه العولمة لا حياة إلا للكتل الكبرى. فالتحدث عن المجتمع اللبناني أو المجتمع المصري أو الايراني هو كما التحدث عن نقطة في بحر. من هنا ضرورة التحدث عن التحرر من الخضوع لهذه العولمة بصيغة تتناسب مع مقتضيات النضال ضد هذه العولمة. أي أن من شروط التحرر هو الاتجاه نحو تشكيل كتلة كبرى تملك إمكانية الحياة في هذا العالم: كتلة تتألف من الدول العربية وتركيا وايران، كتلة تملك جميع مقومات الحياة بمعزل عن العالم بأسره. كتلة تفكر بمقايضة الطاقة بالتقنية وليس بالدولار. فالعولمة تخضعك إما بالدولار وإما بالسلاح. لذلك نحن لانرى بأن الاتحاد الأوروبي يمكنه أن يشكل كتلة من دون روسيا. فروسيا تملك الطاقة والقوة والاتحاد الأوروبي يملك التقنية والمال... كما ويمكننا أن نتصور أن العالم لن يكون آحادي القطبية، بل هناك امكانية لتشكل عدة كتل كبرى: أمريكا، الصين واليابان، الهند، أمريكا الجنوبية والوسطى، الاتحاد الأوروبي وروسيا والبلاد العربية والاسلامية...
في ظل العولمة النيو ليبرالية هناك أمم مضطهدة بجميع طبقاتها. سوف نجد بعض الأفراد في الطبقات البورجوازية من يخدم العولمة لارتباطه بها ولكن ليس الطبقة بمجموعها. من هنا فالصراع الطبقي يأخذ مظهراً آخر، مظهر شبيه بذلك الذي تحدثنا عنه في مرحلة التحرر الوطني.
تبعاً لما تقدم نرى أن من الضرورة بمكان أن نولي حزب الله كامل دعمنا لمحاربته إسرائيل بالنيابة عن اليسار وبالنيابة عن الأمة العربية والاسلامية، ونناضل بالاشتراك معه لبلورة مشتركة لبرنامج اقتصادي اجتماعي يأخذ بعين الاعتبار جميع ما تقدم. ونقول للأستاذ "كيلة" أن الممارسة هي التي تفيد وليس إملاء الدروس مهما كانت بليغة. يُروى أنه في صلح الحديبية الذي أمضاه النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين، طلب النبي من الصحابة أن يحلقوا رؤوسهم، فلم يستجيبوا له. راح محزوناً إلى زوجه أم سلمة وروى لها ما حصل. قالت له أخرج واحلق أمامهم. فما أن فعل حتى فعلوا جميعاً.
حسن ملاط
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)