بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الخميس، 28 فبراير 2019

قراءة لتقدير واقع الحال

                   
جوزف عبد الله
حسن ملاط
مقدمة
منذ مجيء ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية بدأت مرحلة جديدة تركت تأثيرها على مختلف بلدان العالم.
دولياً
أقدم ترامب على التلاعب بالقوانين التي تنظم التجارة العالمية، والتي كانت قد أرستها الولايات المتحدة نفسها. وكانت من أبرز أدواتها منظمة التجارة العالمية.
أعاد ترامب العمل ببعض إجراءات الحمائية بعد أن كانت التجارة حرة. فهو قد رأى أن مصلحة المواطن الأمريكي تتطلب الحمائية، ففرضها من دون احترام القوانين التي تحكم التبادل التجاري في العالم الرأسمالي المعولم .
كما أعاد ترامب صياغة الاتفاقات الدولية بين أمريكا وسائر بلدان العالم. إنسحب من بعض المعاهدات الدولية وخاصة الاتفاق النووي مع إيران.
لماذا فعل ترامب ذلك؟
المواطن الأمريكي الأبيض تأثر سلبياً من انتقال الانتاج الصناعي إلى خارج الولايات المتحدة مما أدى إلى أزمات متلاحقة، واهمها في ال. 2008 لذلك كان برنامج ترامب هو إعادة العمل إلى المصانع داخل أمريكا، بالرغم من أن هذا الإجراء يُعد سلبياً بالنسبة لأرباح كبار المستثمرين الأمريكيين. فأجر الساعة في أمريكا 9 دولارات، بينما أجر العامل السوري على سبيل المثال كان في 2010، 50 ليرة سورية ل8 ساعات عمل، أي ما كان يعادل دولاراً واحداً.
ولكن ما رآه ترامب أن المواطن الأمريكي عليه أن لا يخسر حياته إكراماً للحفاظ على قواعد العولمة التي أرستها الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ رونالد ريغان. وهذا ما جعله يضغط على أصحاب الاستثمارات بإعادة العمل في المصانع الأمريكية. وهذا ما جعله يمنع الهجرة إلى أمريكا لوقف منافسة العامل الأجنبي للعامل الأمريكي. وما إقفال الحدود مع المكسيك ومحاولة بناء الجدار إلا لمنع العمالة الرخيصة التي تنافس العامل الأمريكي الأبيض.
ليس هذا فحسب، بل ذهب ترامب إلى لعب دور البلطجي: على جميع الدول التي تريد حماية أمريكا لها، أن تدفع أجر هذه الحماية. هذا ما طلبه ترامب من دول حلف الناتو. وهذا ما طلبه من دول الخليج التي تتمتع بالحماية الأمريكية... إلخ
أوروبا
وهي ليست بعيدة عن الأزمات. ففي فرنسا وبلجيكا وهولاندا وإيطاليا وحتى ألمانيا، هناك تحركات تحت عناوين مختلفة، ومن أهمها المطالبة بالعودة إلى سياسات حماية وإعادة المكتسبات الاجتماعية ووقف الهجرة، والمحافظة على استقلالية القرارات الداخلية للدول الأوروبية. ولكن أهم هذه التحركات هي التحرك الفرنسي الذي بدأ أسبوعه السادس عشر.
إزاء مطالب ترامب، تداعى الرئيس الفرنسي والرئيسة الألمانية إلى دراسة هذه المطالب واقترحا تأسيس جيش أوروبي لحماية استقلال أوروبا عن الصين وروسيا وأمريكا نفسها. جاء هذا الطلب رداً على مطالبة الإدارة الأمريكية بمضاعفة المساهمات الأوروبية في مصاريف حلف الناتو. وقد بدأت المساهمات الأوروبية تتضاعف.
مطلب تأسيس قوة عسكرية أوروبية ليست جديدة. فقد تحدث عنها الجنرال ديغول منذ تأسيس السوق الأوروبية المشتركة لحماية أوروبا من الاتحاد السوفياتي واستقلالها عن الإدارة الأمريكية.
روسيا
جلي جداً، عدم رغبة روسيا في مجابهة  واسعة مع الولايات المتحدة في أي مكان في العالم باستثناء جوارها المباشر وحيث لها مصلحة حيوية كسورية حيث تسعى إلى تفاهمات قبل الذهاب إلى مجابهة مع الأدوات الأميركية، وهذه حال أميركا أيضاً. روسيا تريد منافسة غريمتها الأمريكية ببيع الأسلحة كما وتريد الحفاظ على تدفق الغاز والنفط إلى أوروبة من دون أية منافسة من أي من الأطراف. هنا لا بد من الإشارة أن أمريكا بعثت بشحنة غاز إلى أوروبا وباعت بسعر أرخص من مثيلاتها الروسية ولكنها لم تكرر المحاولة.
ومن الجدير ذكره أنه لا محاولات جدية لتهديد الدولار كعملة عالمية من روسيا أو من أوروبا أو من أي طرف آخر.
الصين
تقوم الصين بمحاولات جادة من أجل الاستقلال العلمي والتكنولوجي عن الولايات المتحدة.
ولكنها تعمل للمحافظة على توجيه منتجاتها إلى سوق الولايات المتحدة، أكبر سوق استهلاكية في العالم واحترام رغبات ترامب في سياساته الحمائية، كما تتجه المنتوجات الصينية إلى الأسواق العالمية، وتخضع لمقتضيات هذه الأسواق.
إشارة:  يظهر واضحاً عدم تفعيل دور محالفة البريكس أو محالفة شنغهاي للتصدي لهيمنة الدولار على السوق العالمية.
وعليه يمكننا الاستنتاج أن أمريكا لا تزال تهيمن على العالم بالرغم من تراجعها الفعلي. ذلك، أنه لم تتقدم أي قوة عالمية لتلعب دور البديل الفعلي، وعليه، لا تزال أمريكا تتبوأ زعامة العولمة النيوليبيرالية.
الإقليم
الدول الفاعلة في الاقليم هي: تركيا، إيران، السعودية والكيان الصهيوني. ولكن لا تعمل أي من هذه الدول بمفردها. أي لا توجد سياسة مستقلة لأي من هذه الدول. إيران تعمل مع روسيا وتركيا وتطمح لعلاقات مع أمريكا على شيء من التكافؤ. تركيا تعمل مع روسيا وأمريكا وإيران والكيان الصهيوني. السعودية تعمل مع أمريكا وروسيا والكيان الصهيوني. العدو الصهيوني يعمل مع أمريكا وروسيا وبعض الدول العربية وتركيا. أما الميدان الذي يعمل فيه الجميع فهو دولنا العربية وعلى الأخص: فلسطين، العراق، سورية، اليمن وليبيا.
العراق هو ملعب أمريكي، إيراني وتركي وصهيوني (الأكراد). أمريكا تريد تواجداً إيرانياً شريطة أن تكون فعاليته محدودة. الفعالية المحدودة تعني تهديداً لجارته السعودية من الحدود العراقية ومن الحدود اليمنية والخليج الذي يفصل بينهما. فاستيلاء أمريكا على خيرات شعب الحجاز تتطلب أن يكون النظام مهدداً... وهذا هو ما تريده أميركا من الدور الإيراني.
سورية تريدها أمريكا لروسيا ولها مع دور محدود لإيران وتركيا. وهي تريد الدور الإيراني مقتصراً على الاقتصاد فقط. لذلك نرى بأن مطلب انسحاب القوات الإيرانية هو على رأس أولويات الإدارة الأمريكية في سورية. وهذا المطلب هو مطلب صهيوني أيضاً يلحق به ضرورة انسحاب حزب الله من سورية أيضاً.
اليمن هو التهديد الأكبر للسعودية من حدودها الجنوبية، وهي لا يمكنها التغاضي عنه مطلقاً. وهذا ما جعل التدخل الإيراني في اليمن خطيراً جداً بالنسبة للنظام السعودي ولا يمكن تجاوزه. فالتعاون مع العدو الصهيوني أصبح معلناً لمجابهة إيران. كما وأن إيران تعتبر أن الأولوية هي لعدائها مع السعودية. وهذا جلي جداً في وسائل الإعلام الإيرانية.
فلسطين أصبحت منسية. التنافس بين السلطتين هو بحقيقته تنافس على السلطة وليس على كيفية تحرير الأرض. فالتحرير ليس من ضمن برنامج أي من المتنافسين. العدو الصهيوني يصول ويجول ويستولي على الأراضي ويبني المستوطنات ولا يجد من يجابهه إلا بعض الفتية  والأبطال من أبناء الشعب الفلسطيني المقاوم. أما الأنظمة فهي تلعب دوراً تخريبياً للحمة الشعب الفلسطيني في جميع الأماكن.
ملاحظة: السائد في الإقليم حالياً هو التقاتل البيني على أسس مذهبية تتغذى من الصراع السعودي (السنية السياسية الوهابية) الإيراني (الشيعية السياسية) هذه الأسس المذهبية التي تغذيها السعودية وإيران بالمستندات التاريخية المزورة وبالمال والسلاح. أما الفرق (وهو ليس أمراً عابراً، ولكنه يفقد أهميته لكون الصراع على وجه مذهبي) بين إيران والسعودية فهو أن الأولى تقاتل العدو الصهيوني في أنحاء سورية والعراق واليمن (أي خارج حضوره الفعلي، فلسطين المحتلة). أما السعودية فهي تتجه نحو تمتين العلاقة مع العدو الصهيوني لمجابهة إيران.
وهذا ما يجعلنا نؤكد أن تجهيل العدو الرئيسي لإقليمنا والذي يتمثل بالكيان الصهيوني وبالحضور الأميركي العسكري والسياسي والمقيم في سورية والعراق دون أي إزعاج من أحد، هو الذي جعل التقاتل الداخلي مشروعاً.
لبنان
إن تأخر تشكيل الحكومة لمدة تسعة أشهر ناتج عن عدم اليقين في الساحة السورية.
فأمريكا وروسيا تريدان انسحاب القوات الأجنبية من سورية. صرح الأمريكي ما عدا القوات الروسية، ولكن موسكو أصرت وقالت بما فيها الروسية. روسيا جاءت إلى سورية بناء لاتفاقات مدتها حوالي الخمسين سنة. ولكن ما هو المكسب الإيراني من إنفاق مليارات الدولارات في سورية؟
بعد توقيع اتفاقات إقتصادية متعددة الجوانب بين الجانب الإيراني والجانب السوري، أصبح تشكيل الحكومة ممكناً. وهذا ما حصل.
أما الانعكاسات على الساحة اللبنانية فهو مبشر باستقرار لمدة طويلة. خاصة وأن حزب الله يُشارك في الحكومة بفعالية كبيرة، ولكن، بشروط الطبقة السياسية. فالحزب يُشارك كطائفة، تنتصر على باقي الطوائف وتمد أصابعها إلى حصص الطوائف الأخرى. (هذا هو منطق الطوائف).
كما أن هذه الشروط لا تزعج الأمريكي، لأن الأمريكي لا يريد شعوباً في المنطقة إنما يريد محالفة طوائف ومذاهب، لا مكان للمواطن فيها.
نعود إلى لبنان ونؤكد أن لبنان سيكون مستقراً إذا فهمنا الاستقرار توافقاً بين القوى السياسية. ويمكننا التأكيد أن لا أحد ضد أحد، أللهم إلا التنافس على المكاسب.
هل هذا التوافق هو لصالح الطبقات المسحوقة من الشعب اللبناني؟ بالطبع لا! فهذا التوافق لم يكن على برنامج اقتصادي واجتماعي لإنقاذ الطبقات المسحوقة من الفقر المدقع والبطالة وإلخ
                                                              28 شباط 2019

الأربعاء، 13 فبراير 2019

توازن الرعب

                
حسن ملاط
ظهر مصطلح "توازن الرعب" إبان الحرب الباردة بين ما كان يُسمى "حلف وارسو" والذي كان يضم الاتحاد السوفياتي ودول المعسكر الاشتراكي سابقاً ودول "حلف الناتو" أو حلف الأطلسي. والحلف الأخير لا يزال قائماً ويتوسع أيضاً بانضمام بعض دول حلف وارسو السابق إليه.
هل صحيح استعارة هذا المصطلح لكل خلاف بين قوتين؟
علينا معرفة أن أمريكا بمفردها قادرة على تدمير الكرة الأرضية مرات عديدة. والأمر نفسه ينطبق على الاتحاد السوفياتي سابقاً وروسيا حالياً. ولكن هذا الأمر لا ينطبق على الكيان الصهيوني وإيران. كما وأنه لا ينطبق مطلقاً على حزب الله والعدو الصهيوني.
ما يُمكن أن يحصل بين إيران والعدو الصهيوني هو ما نسميه: عدم اعتداء أو هدنة أو لا حرب ولا سلام، ولكنه ليس حتماً توازن رعب.
ماذا يعني استخدام هذا المصطلح؟
إستخدام هذا المصطلح يعني التخلي النهائي عن الحرب مع العدو. فقد استخدمت الدول العربية مصطلح التوازن مع العدو للقول أنها لا تريد أن تحاربه. ولا بد من الإشارة أن جميع الحروب بين العرب والعدو الصهيوني كانت بمبادرة صهيونية. أما حرب ال73 التي أدت إلى جميع المآسي التي يعيشها إقليمنا، فهي الحرب "التحريكية" التي حركت المفاوضات مع العدو للوصول إلى الصلح معه كما فعلت مصر والأردن ومنظمة التحرير ومعظم الأنظمة العربية.
ف"التوازن مع العدو" يتطابق مع عدم الحرب. وحتى لا تضجر شعوبنا أضافوا مصطلحاً جديداً أسموه "التوازن الاستراتيجي". فقد ادعت هذه الأنظمة أنها توصلت إلى التوازن التكتيكي مع العدو، ولكن ينقصها التوازن الاستراتيجي. لذا، فهي ستحارب العدو عندما تصل إلى هذا النوع من التوازن. أما السؤال: ومن قال لكم أن العدو سيسمح لكم بالوصول إلى هذا النوع من التوازن؟
حالياً، الدولة التي تدعي عداءها للكيان الصهيوني تقوم بتكديس الأسلحة لمحاربة العدو. لذلك فهي لا ترد على اعتداءاته المتكررة. ولكن هذا الوضع لم يمنعها من المشاركة في جميع الحروب البينية. أي أن الأسلحة التي تكدسها تستخدمها فقط في الساحة الداخلية لشعوب الإقليم.
توازن الرعب الذي يتساوى مع مصطلح عدم الاعتداء يعني احتفاظ العدو بفلسطين. وتوازن الرعب هذا يعني الوداع للحروب مع العدو.
كيف يتم الانتصار على عدو مدجج بالسلاح ومتفوق استراتيجياً؟
يقول تبارك وتعالى: أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم...
وهناك عديد من الآيات بنفس المدلول تحث من يصله الخطاب إلى دراسة تجارب الآخرين لاستخلاص النتائج منها.
كما وأن منهج العلوم الإنسانية يسير في نفس الاتجاه لأنه لا يمكننا إقامة التجارب على المجتمعات في أي من المختبرات مهما كبرت مساحتها. من هنا لا يبقى أمامنا إلا دراسة التجارب الانسانية.
انتصر الشعب الفيتنامي على الجيوش الفرنسية رغم تفوق الأخيرة. كما وانتصر هذا الشعب على الجيش الأمريكي رغم تفوقه. انتصر لأن العسكري الأمريكي أو الفرنسي لم يتفوق يوماً على إيمان الفيتنامي بحقه بتحرير أرضه من الغزاة.
الأمر نفسه ينطبق على المقاتل الفلسطيني الذي انتصر على العدو الصهيوني في معركة الكرامة، مع بداية المقاومة الفلسطينية.
كما أن إجبار العدو على الانسحاب من مخيم الدهيشة في غزة، تاركاً قتلاه وأسراه، يسير في نفس الاتجاه.
أين كان التوازن بين المقاومة الاسلامية لحزب الله والعدو الصهيوني في انتصار ال97، يوم أجبر العدو على الاعتراف بحق المقاومة بمقاتلة جنوده وضرورة امتناعه عن قصف المدنيين؟
أين كان التوازن في انتصار ال2000 وإجبار العدو على الانسحاب من لبنان مخذولاً مدحوراً؟
أين كان التوازن في انتصار حزب الله على العدو الصهيوني في ال2006 ومجزرة الميركافا في وادي الحجير؟
الدراسة العلمية، غير المؤدلجة، تقول بأن الانتصار على العدو القوي لا يحققها إلا المقاتل المؤمن بحقه. وهذا ما حصل مع الفيتنامي والفلسطيني واللبناني. أما الحديث عن التوازن فقد سئمته شعوبنا لكثر ترداده من الأنظمة المتخاذلة.
في النهاية،
لا بديل لمصالحة المقاومة مع شعوبها حتى تتمكن من تحقيق الانتصارات على العدو الصهيوني.
كما وأنه لا بد من العمل على التكامل الإقليمي بين إيران، تركيا والدول العربية حتى تستقل شعوبنا في مأكلها ومشربها عن تبعيتها للمركز المعولم الذي ينهبها.
لا يمكن الانتصار على العدو عبر التقاتل البيني وكذلك عبر انتظار المصانع لانتاج الأسلحة لقتال الشعوب، شعوب إقليمنا.
                             13 شباط 2019




الأحد، 13 يناير 2019

التعاون الإقليمي كضرورة




حسن ملاط
                             للمناقشة
موضعة القضية
منذ سيطرة العولمة النيوليبيرالية على مختلف مفاصل الإقتصاد العالمي، بات العالم كله يخضع لنمط الإنتاج الوحيد والذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية. كما وأن وحدة النقد المعتمدة للتقييم والتبادل أصبحت واحدة وهي الدولار الأمريكي. وما اليورو الأوروبي والين الياباني والريميمبي الصيني إلا الأشكال التي تأخذها العملة الموحدة. ولعل انعكاس السوق العالمية الموحدة هي ما تجعل من الدولار يتميز بهذه الآحادية الإختيارية أو المفروضة.
إن أبرز الملاحظات التي تركتها أزمة الديون في الولايات المتحدة في ال2008 هي التالية: أزمة مالية أمريكية داخلية تركت انعكاساتها السلبية على جميع الإقتصادات الهامة من اليابان والصين والروسيا وألمانيا وفرنسا... إلخ وراحت كل من هذه الإقتصادات تحصي خسائرها.
وعندما أرادت الإدارة الأمريكية إيجاد الحلول لهذه الأزمة البنيوية التي أصابت الإقتصاد الأمريكي (العالمي)، لجأت إلى تمويل البنوك التي سببت الأزمة وذلك بسبب قيامها بعمليات مالية غير قانونية بشهادة من وزارة الخزانة الأمريكية. وقد علق على هذه المعالجة أحد أبرز الإقتصاديين الحائز على جائزة نوبل للإقتصاد بول كروغمان: خسر الناس ومولوا البنوك. نفس الملاحظة أوردها توماس بيكيتي صاحب كتاب رأسالمال في القرن الواحد والعشرين، قائلاً: الآلاف خسروا مدخراتهم جميعها وراحت الإدارة الأمريكية تمول البنوك بدلاً من تمويلها هؤلاء!
هذه الملاحظة فيها دلالة واضحة على وحدة السوق وارتباطها وخضوعها للأمريكي الذي يملك الدولار وحاملات الطائرات التي تحمي العملة العالمية.
إن أي تفكير بالتحرر من الهيمنة الأمريكية يتطلب إيجاد الشروط المادية له. وهذا يعني أن وجود كتلة منسجمة مع بعضها البعض تاريخياً وتتجه إلى توحيد سوقها وبناء إقتصادها الإنتاجي وفيها ما يكفي من البشر هو الشرط الضروري للتحرر.
تجمعات دولية
بريكس: وهو تجمع يضم روسيا، الصين، جنوب افريقيا، البرازيل والهند. وهذه هي أكبر الإقتصادات النامية. ومن الجدير ذكره أن هذا التجمع أنشأ مصرفاً للتنمية لمنافسة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهو برأسمال يصل إلى 100 مليار دولار. ولكن لا يزال تقدمه متعثراً رغم مرور عدة سنوات على إنشائه.
كما وأن الصين أنشأت مصرفاً للبنية التحتية برأسمال يصل إلى 50 ملياراً من الدولارات. وينطبق عليه ما ينطبق على البنك الأول.
دول معاهدة شنغهاي: وتضم روسيا والصين والهند وقيرغيزستان وكازاكستان وطاجيكستان والهند وباكستان ... وهذه المنظمة يميزها أنها تملك حدوداً مشتركة بين بعضها البعض وتقع في نفس المسطح الجغرافي. بينما البريكس تقع في اوروبا وآسيا وأمريكا وافريقيا.
هذان التجمعان اللذان ولدا من أجل التحرر من هيمنة الولايات المتحدة، لم يتمكنا من فعل ذلك لأنهما التزما بالقوانين التي فرضتها أمريكا من أجل السيطرة على العالم. فالتقييم والتبادل والإدخار يتم بالدولار. وهذا يكفي من أجل تأبيد الهيمنة الأمريكية.
ملاحظة: لم تكن تجربة الإتحاد الأوروبي ناجحة بسبب عدم امتلاكها للقوة العسكرية التي تعطيها إمكانية الإستغناء عن القوة الأمريكية. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، لم تقم بمشروع وحدوي غير مشروع الآرباص وكانت ولا تزال تعتمد على التقنية الأمريكية بالنسبة للتكنولوجيا المتطورة، مما يعطي الأمريكي الحق بالفيتو على بعض المبيعات.
وعلينا الإشارة أخيراً أن ظروف إقليمنا لا تتشابه مع الدول الأوروبية.

هل بإمكان دول الإقليم أن تقيم تعاوناً فعالاً يحررها من الهيمنة الأمريكية؟
1-  إيران، تركيا والدول العربية متواصلة جغرافياً وتاريخها المشترك يمتد لمئات السنين، بل لآلاف السنين، منذ ما قبل الإسلام وما بعده.
2-  إتنياته ودياناته تعيش مع بعضها البعض. والكثير من هذه الإتنيات كان لها الحظ بقيادة معظم دول الإقليم في مرحلة من مراحل التاريخ.
3-  التعاون والتكامل فيما بين الدول القائمة لا يفرض على أي من القوميات عدم التعبير عن نفسها.
4-  هناك شرط سياسي لا بد من توافره لإمكانية التعاون وهو الرغبة في التحرر من السيطرة الأمريكية وهيمنتها.
5-  وهناك شرط قومي وهو الرغبة لكل من هذه القوميات بالتعبير عن نفسها بحرية تامة ومن دون وصاية من أية دولة.
6-  إن شرط تعاون هذه الدول فيما بينها هو العداء للكيان الصهيوني الذي اغتصب أرض فلسطين ويريد أن يتوسع في أراضي الغير ويمنع أي تطور حر لشعوب المنطقة. ليس هذا فحسب، بل ويجب أن يكون هناك استعداد للقضاء على الصهيونية واستئصالها من جذورها.
7-  توفر مثل هذه الشروط هو مصلحة لشعوب الإقليم وليس لطغمه الحاكمة. من هنا، نرى بأن التفكير بالعمل على توفر هذه الشروط يتطلب وجود حركة شعبية ضاغطة على حكامها من أجل إقامة مشاريع إقتصادية تكاملية توفر شروط الحياة المادية الآمنة لمختلف طبقات شعوب هذا الإقليم. والأمثلة على ذلك عديدة: تزريع السودان (حيث النيلان الأزرق والأبيض، بالمحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والذرة بشكل يؤمن الغذاء لمختلف شعوب الإقليم)، تخصيص بلد معين من البلدان المنتجة للنفط بالصناعات البيتروكيميائية لتأمين حاجات شعوب الإقليم...
عل كل حال، لا ضرورة للتعداد لأن هذا عمل يختص بالخبراء. ولكن ما علينا التركيز عليه هو الإجابة على الأسئلة التالية:
أ‌-     هل شعوب الإقليم تحتاج لهذا المشروع التكاملي؟
ب‌-                      هل شعوب الإقليم ونخبها المثققفة مستعدة للنضال من أجل تنفيذه؟
ت‌-                      هل الظروف الإقليمية والدولية والمحلية مؤاتية للنضال من أجل تحقيقه؟
ث‌-                      ... إلخ
جميع ما ورد يحتاج إلى نقاش جدي ويحتاج أيضاً إلى تعميم نشره من أجل استحلاب الآراء لما يساعد على تأمين مصالح شعوبنا بالتحرر من التبعية السياسية والإقتصادية والعلمية والفكرية...