بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

السبت، 4 سبتمبر 2010

المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية

المفاوضات الفلسطينية الصهيونية الأخيرة

" ولو أرادوا الخروح (الجهاد) لأعدوا له عدة"

"قرآن كريم"

الثالث من أيلول 2010 كان يوماً مشهوداً في تاريخ الأمة العربية والاسلامية. فقد شهد هذا اليوم حدثين بارزين. أولهما يوم القدس العالمي الذي أطلقه الإمام الخميني، زعيم الثورة الإسلامية الإيرانية، تأكيداً على عروبة وإسلامية القدس وتأكيداً على مسؤولية الأمة جمعاء عن تحريرها من رجس الإحتلال الإسرائيلي البغيض، هي وما حولها من الأرض المحتلة في فلسطين والقضاء على الكيان الغاصب.

وثانيهما هو انطلاق المفاوضات الأخيرة ما بين محمود عباس وجماعته من جهة وممثلي الكيان الغاصب وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو من جهة ثانية، وتحت رعاية من باراك أوباما الرئيس الأمريكي، فرعون العصر، وشاهدي الزور حسني مبارك رئيس النظام المصري وعبد الله الثاني ملك الأردن. ولا نبالغ إذا قلنا أن عباس ومبارك وعبد الله قد جاءوا بناء لمذكرة جلب من أوباما. عباس ليوقع على صك التنازل عن معظم فلسطين لإسرائيل، بمباركة الرئيس والملك.

ما قصة هذه المفاوضات؟

المفاوضات تكون عادة بين طرفين على الأقل أو أكثر، ويكون القاسم المشترك بين مختلف الأطراف هو حاجتهم لإجراء مثل تلك المفاوضات. إذا طرحنا السؤال عن حاجة رئيس وزراء العدو للتفاوض، سيكون الجواب هو عدم حاجته للتفاوض. إذ أن إسرائيل تقوم بجميع ما تراه مناسباً لها ولمستوطنيها ضاربة عرض الحائط بعباس وجماعته غير عابئة حتى بتأمين أي مصداقية له أمام جماهير فلسطينيي الضفة الغربية الذين يرأسهم. فلماذا يفاوض نتنياهو إذن؟ إنه يفاوض لسببين. الأول حاجة الراعي أوباما لهذا التفاوض بقصد تأمين الفوز في الانتخابات النصفية التي سوف تجري بعد شهر في الولايات المتحدة الأمريكية. والثاني إمكانية حصوله على صك تنازل من قبل محمود عباس عن معظم حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين.

لماذا يفاوض عباس؟

إذا أهملنا عامل نهاية ولاية عباس منذ مدة كرئيس للسلطة الفلسطينية، نجد بأنه لا وجود لأي سبب يجعل عباس يسارع إلى التفاوض مع نتنياهو. فهو رئيس منتهية ولايته أولاً ولا يملك أياً من أسباب القوة التي تساعده على التفاوض ثانياً وبوجود إنقسام حاد ما بين الفلسطينيين سواء على الصعيد الشعبي أو على صعيد المنظمات. وحكومته برئاسة فياض تقوم باضطهاد كل مقاوم لإسرائيل (أسباب القوة). فلماذا يفاوض وعلام يفاوض. إذا وضعنا ميزان القوى ما بين عباس ونتنياهو على الطاولة ( والقرارات أو الاتفاقات تكون دائماً تعبيراً عن موازين القوى) ماذا نستنتج؟ الاستنتاج هو أن عباس ليس أمامه إلا التنازل. فلماذا يفاوض إذن؟

سوف نجيب عن هذا السؤال ولكن بعد أن نستعرض ماجرى.

أبو عمادالرفاعي، قائد منظمة الجهاد الإسلامي في لبنان، وهي منظمة مقاومة، وفي حديثه لـقناة "المنـار"، اعتبر أن " ما يجري الآن في المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والاسرائيليين تأكيد لسياسية التهويد والإستيطان اليهودي في القدس"، لافتا الى أنَّ "ما يهدد القضية الفلسطينية هو استمرار اعطاء التنازلات لإسرائيل من خلال المفاوضات المباشرة من الجانب الفلسطيني".

وشدد الرفاعي على أن الجانب الصهيوني ليس في وارد أي حل، والمفاوضات الحالية لن تؤدي الى نتيجة ومصيرها الفشل والسقوط، والحل الوحيد أمام رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس "أبو مازن" هو حل السلطة والتخلص من نتائج وافرازات اوسلو، والعودة الى الخيار الشعبي المتمثل بالمقاومة، والتمسك بالحقوق الفلسطينية دون أي تنازلات، مستغرباً اقتناع رئيس السلطة الفلسطينية بأن تحقق العملية التفاوضية مكاسب للشعب الفلسطيني، وسأل ماذا وراء هذه المفاوضات، هل هي تواطؤ من عباس وبعض الانظمة العربية للتغطية على تهويد القدس ومحاصرتها والتنازل عن الثوابت الفلسطينية، أم أن الاموال الغربية التي تأتي للسطة مهددة بالقطع في حال رفض عباس المفاوضات.

وأكد الرفاعي أن نتائج العملية التفاوضية لا تلزم الشعب الفلسطيني بشيء، وجميع فصائل المقاومة الفلسطينية تؤيد هذا الموضوع، لا سيما أن المقاومة هي الخيار الوحيد للدفاع والتصدي للعدوانية الصهيونية، ودعا شعوب العالم العربي والاسلامي الى دعم خيار المقاومة ومساندة الشعب الفلسطيني في همومه ومعاناته.

أكد عضو المكتب السياسي لحركة "حماس"، أسامة حمدان، أن موقف الحركة واضح في رفض التسوية بإعتبارها عملية تصفية للقضية الفلسطينية وتنازل عن حقوق الفلسطينيين، مشيراً الى أنَّ توقيت هذه المفاوضات أسوأ من أي وقت مضى، إذ أنها تمس أهم القضايا الاساسية والجوهرية من حقوق الشعب الفلسطيني فيما يتعلق بالقدس والارض والشعب وفي شكل السلطة الفلسطينية وطبيعيتها وسيادتها، ولفت الى أن مصير المفاوضات إما الفشل أو الاستسلام.

حمدان، وفي حديث لـ"الانتقاد"، جريدة إلكترونية تعبر عن رأي المقاومة الإسلامية في لبنان، أوضح أن المفاوضات خيانة سياسية ووطنية هدفها تحقيق مزيد من المكاسب على حساب الحقوق والثوابت الفلسطينية، مشدداً على أنَّ المفاوضات جاءت لحفظ ماء وجه الادارة الاميركية التي تفشل في المنطقة، سواء أكان في العراق أو أفغانستان، لا سيما انها لم تستطع إلزام رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو تجميد الاستيطان، فضلاً عن فشلها في المفاوضات غير المباشرة، وأكد أن "الاسرائيلي وجد فرصة جديدة للضغط على طرف مستعد للتنازل، خصوصاً بعدما أبدى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس "ابو مازن" إستعداده للذهاب الى التفاوض، ولو حصل على واحد في المئة من حقوق الشعب الفلسطيني.

وقال نتنياهو، رئيس وزراء العدو، مخاطبا عباس: "ارى فيك شريكا للسلام، ونحن قادرون معا على قيادة شعبينا الى مستقبل تاريخي يضع حدا للمطالب وللنزاع". وشدد على ان السلام الحقيقي والدائم يتطلب "تنازلات مشتركة ومؤلمة من الطرفين"، وانه مستعد "للسير على هذا الطريق الطويل، خلال فترة قصيرة... وكما تتوقعون منا ان نعترف بالدولة الفلسطينية وطنا للشعب الفلسطيني، فاننا نتوقع منكم ان تكونوا مستعدين للاعتراف باسرائيل وطنا قومياً للشعب اليهودي".
وتناول نتنياهو المتغيرات في المنطقة منذ ان كان رئيسا للوزراء قبل 12 سنة، فتحدث بقلق عن "بروز قوى جديدة في منطقتنا، فقد شهدنا بروز ايران والذين يعملون لمصلحتها وبروز حروب الصواريخ". وخلص الى ان اي اتفاق سلام يجب ان يأخذ في الاعتبار التدابير الامنية ضد هذه الاخطار.

وأما محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته، فقد قال ان المفاوضات ستتطرق الى جميع القضايا المحورية مثل القدس والمستوطنات والحدود والامن والمياه وكذلك الافراج عن المعتقلين "كي ننهي الاحتلال الذي بدأ عام 1967... لنضع نهاية للصراع ونهاية للمطالب التاريخية". وطالب بالحل العادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفقا لقرارات الشرعية الدولية التي نتمسك بها". وكرر التزام الفلسطينيين تطبيق التزاماتهم "واننا ندعو الحكومة الاسرائيلية ايضا الى تنفيذ التزاماتها بوقف كل النشاطات الاستيطانية ورفع الحصار بشكل كامل عن قطاع غزة ووقف كل اشكال التحريض".
ورد على طروحات نتنياهو الخاصة بالاعتراف بـ"يهودية" دولة اسرائيل قائلا انه في 1993 وقع ياسر عرفات واسحق رابين ما يسمى الاعتراف المتبادل بين الفلسطينيين واسرائيل "ووقعت هذه الوثيقة، واعتقد ان فيها الكافي من أجل ان تعرفوا نياتنا الطيبة، نياتنا في ما يتعلق بالاعتراف بدولة اسرائيل".

وافتتحت كلينتون، وزيرة خارجية أمريكا، الجلسة ( جلسة التفاوض بين عباس ونتنياهو) بتذكير المشاركين، وبينهم مفاوضون مخضرمون شاركوا في مفاوضات سابقة، باننا "عبرنا هذا الطريق من قبل، وانتم تعلمون كم هو صعب هذا الطريق امامنا، ومما لا شك فيه اننا سنواجه العقبات والنكسات". وقالت ان معارضي قضية السلام سيحاولون بمختلف الوسائل تخريب المفاوضات، واشارت في هذا السياق الى الهجوم على المستوطنين الاسرائيليين في الخليل. وكررت ما قاله اوباما قبل يومين من ان الولايات المتحدة "لن تفرض الحل"، وان المتفاوضين وحدهم قادرون على اتخاذ القرارات الضرورية للتوصل الى اتفاق. واضافت انه اذا تم التقدم بايمان جيد وحسن نية "فاننا سنكون قادرين على حل كل القضايا الجوهرية في غضون سنة واحدة".
وفي خطوة لافتة، اختتمت كلينتون كلمتها بقولها: "اود ان اتحدث مباشرة الى شعوب المنطقة. قادتكم قد يجلسون الى طاولة المفاوضات، لكنكم انتم الذين ستقررون في نهاية المطاف المستقبل. انتم تحملون مستقبل عائلاتكم وشعوبكم والمنطقة في ايديكم. وكي تنجح هذه الجهود، فاننا نحتاج الى دعمكم والى صبركم". ودعت شعوب المنطقة "الى الوقوف وراء قضية السلام الذي يحتاج الى ابطال في كل شارع وفي كل زاوية... انا ادرك كليا خيبات الماضي، وانا اشارك في ذلك، لكنني اعرف ايضا اننا قادرون على التقدم الى الامام لتحقيق مستقبل مختلف".

وبعد انتهاء جلسة التفاوض الأولى، كشف ميتشل ان الطرفين اتفقا على أن "الخطوة التالية هي في بدء العمل على التوصل الى اتفاق اطار للوضع النهائي". وقال ان هدف هذا الاتفاق هو "وضع التسويات الجوهرية الضرورية للتوصل الى تحقيق الاتفاق الشامل الذي سينهي النزاع ويقيم السلام الدائم بين اسرائيل والفلسطينيين". وبعدما أشار الى ان الطرفين هما اللذان اقترحا هذا الهدف الأولي ووافقا عليه، أوضح ما يعنيه بعبارة "اتفاق اطار"، انه "ليس اتفاقا موقتا، وهو أكثر تفصيلا من اتفاق اعلان مبادىء لكنه أقل من اتفاق سلام كامل...".
وأفاد ان ممثلين للأطراف الثلاثة اجتمعوا في قاعة أخرى تحضيرا للجلسة الثانية في 14 ايلول، وأن الاتصالات في هذا الشأن ستستمر في واشنطن وفي المنطقة خلال الفترة الفاصلة بين الجلستين الاولى والثانية. ووافق ميتشل على ما قاله نتنياهو عن دور ايران السلبي في المنطقة، قائلا ان لسياسات ايران تاثيرا على المفاوضات، ورأى ان الدور الايراني يجب ان يكون حافزاً اضافيا للتوصل الى حل. وجدد التزام واشنطن تحقيق السلام الشامل الذي يشمل سوريا ولبنان.

ومن الجدير ذكره أن محمود عباس قد أكد أنه لن يخسر شيئاً بالتفاوض إذا لم تنجح المفاوضات. في الوقت نفسه أكد الرئيس أوباما أنه في حال انسحب عباس من المفاوضات فسوف يكون هو الخاسر الوحيد.

هذه هي الصورة التي عكسها الإعلام للمفاوضات المباشرة بين عباس وفريقه ونتنياهو رئيس وزراء العدو.

كان الإنعكاس الأول لهذا التفاوض هو اجتماع الفصائل المقاومة في غزة وتوصلها إلى قرار توحيدي: وأكد أبو عبيدة المتحدث باسم كتائب القسام أن اجتماعا عقد في غزة قبل يومين ضم 13 من الأذرع العسكرية لفصائل فلسطينية تم الاتفاق من خلاله على تنسيق الأنشطة العسكرية ضد إسرائيل بهدف افشال المفاوضات.

وقال أبوعبيدة في مؤتمر صحفي في غزة إن هذه الفصائل وحدت صفوفها لشن هجمات أكثر فعالية ضد إسرائيل، ولدى سؤاله هل يشمل ذلك تفجيرات انتحارية قال "كل الخيارات مفتوحة".

من ناحية ثانية استهجن ابو عبيدة في البيان المشترك الذي تلاه في المؤتمر الصحفي "حملة الاعتقالات التي تقوم بها السلطة في رام الله" وأضاف "لن نقف مكتوفي الايدي امام هذه الممارسات" وتابع "ندعو السطة لوقف هذه الحملة قبل فوات الاوان".

وقامت حماس بعمليتين في الضفة الغربية، الأولى بالقرب من الخليل قضت فيها على أربعة مستوطنين والثانية بالقرب من رام الله. وقد اعتقلت سلطات فياض حوالي 450 مقاوماً.

أما في الأرض المحتلة (إسرائيل) فقد شدد منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية اللواء ايتان دانغوت على أهمية استمرار العزلة بين قطاع غزة والضفة الغربية وأعلن في الوقت ذاته أن إسرائيل لن توافق على توسيع الصادرات من غزة من دون إعادة أجهزة أمن السلطة الفلسطينية إلى المعابر بين القطاع وإسرائيل.

ومن جهة ثانية، كشف النقاب امس في تل ابيب عن انّه بالتزامن مع انطلاق قمة واشنطن لاطلاق المفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية بمدينة رام الله المحتلة وبين حكومة بنيامين نتنياهو، صادَقَت ما تسمى بلجنة تخليد ضحايا الاعمال العدوانيّة في بلديّة الاحتلال في القدس على انشاء مقرّ قطري جديد لمنظّمة زاكا (التي تُعْنَى بانتشال ضحايا الكوارث الطّبيعيّة والسياسية، والعاملة بموازاة شرطة اسرائيل ونجمة داود الحمراء) في حيّ الشّيخ جرّاح، بحيث سيشتمل المقرّ على قاعة ضخمة لتبريد وحفظ جثث الضحايا، اضافة الى انشاء متحف يخلّد من وصفهم موقع صحيفة 'يديعوت احرونوت' على الانترنت بضحايا عمليّات الارهاب، على حدّ تعبير اللجنة.
يأتي هذا القرار ليوسّع من النّفوذ الاستيطانيّ المتفشّي في الاحياء العربيّة في القدس، ضمن مخطّط بلدية الاحتلال الواسع لتهويد القدس، ومحو معالمها العربيّة.

أما عن سبب المفاوضات فقد قالت أوساط إسرائيلية " لم يأت بيبي ولايته الثانية لصنع السلام بل لمنع المشروع الذري الايراني. في مقابلة الاستعدادات العسكرية التي تجري طوال الوقت، يجب عليه ان ينشىء وضعا يكون من الممكن معه انشاء تحالف دولي على ايران، أو يكون من الممكن في وقت ما تجنيد الامريكيين لذلك، او استخلاص موافقة منهم على الأقل على عملية اسرائيلية. يحتاج من أجل ذلك الى مسيرة سياسية ويحتاج من أجل ذلك الى تفاوض". معاريف

أما في الأردن فقد اكد حزب "جبهة العمل الإسلامي" في بيان تنديده بـ'انطلاق المفاوضات التفريطية بمشاركة اطراف عربية في واشنطن' داعيا الى 'دعم المقاومة لاسقاط نهج التنازلات'، على حد تعبيره. ونقل البيان عن حمزة منصور، أمين عام الحزب، قوله ان 'المفاوضات السابقة خلال عشرين سنة ومنذ مؤتمر مدريد اثبتت عقمها وعدم جدواها فلسطينيا وعربيا'.
ورأى أن 'المستفيد الوحيد منها هو العدو الصهيوني الذي نجح في شق الصف الفلسطيني وانتزاع تنازلات جديدة في كل محطة من محطات التفاوض، وشكلت المفاوضات غطاء لمزيد من الاستيطان والتوسع ونهب الأرض وايجاد واقع يصعب تجاوزه'.
وطالب منصور 'النظام الرسمي العربي بسحب ما سمي بالمبادرة العربية التفريطية والتوقف عن اسباغ الشرعية على المفاوضات العبثية' مؤكدا أن 'السبيل الوحيد أمام الشعب الفلسطيني لانتزاع حقوقه هو العودة بكل فصائله ومكوناته الى خيار المقاومة'.

وأما في لبنان حسب وكالة رويترز: قال لاجئون فلسطينيون في لبنان امس الخميس انهم يخشون ان تؤدي محادثات السلام المباشرة التي ستبدأ بين الفلسطينيين واسرائيل في واشنطن الى حرمانهم من بعض الحقوق.

هذه هي الأجواء التي رافقت المفاوضات وانطلاقتها. ولكن هل أن هذه المفوضات جاءت من دون مقدمات؟ وهل المنظمات المعادية لنهج عباس قد هيأت الأجواء المؤاتية لمجابهة هذه المفاوضات؟ أين معادلة الشعب الفلسطيني في مجابهة هذه المفاوضات؟ علماً أن الشعب الفلسطيني سيكون الخاسر الأكبر من هذه المفاوضات.

كلنا يعلم أن إسرائيل تجند جميع يهود العالم وحلفائهم للوصول إلى قرار معين. كما وأن المنظمات الصهيونية في العالم تتنافس لخدمة الكيان الصهيوني (إيباك وجي ستريت)، وقد رحب العرب بوجود "جي ستريت" لأنها تنافس ايباك، ربما سجلوا ذلك في سجل انتصاراتهم على الصهيونية العالمية!

بالمقابل ماذا نفعل نحن كعرب أو كفلسطينيين؟ يقسم الشعب الفلسطيني إلى الأقسام التالية:

1- اللاجئون في لبنان

2- اللاجئون في سوريا

3- اللاجئون في الأردن ( نحن نعلم أن ظروفهم مختلفة في كل من هذه البلدان الثلاثة)

4- اللاجئون في الخليج

5- اللاجئون في مصر وشمال أفريقيا

6- اللاجئون في الشتات

7- اللاجئون في غزة والضفة الغربية

8- فلسطينيو غزة

9- فلسطينيو الضفة

و أخيراً فلسطينيو 48 .

في حال كانت المنظمات الفلسطينية جادة بمجابهتها لإسرائيل فسوف يكون لكل فئة من هذه الفئات دور تلعبه. ما هو الدور التي تلعبه منظمة التحرير الفلسطينية في مسيرة التحرير منذ إتفاق أوسلو السيء الذكر؟ ماهو الدور الذي يلعبه اللاجئون في المخيمات اللبنانية كمساهمة في التحرير. ويمكننا طرح العديد من الأسئلة. ولكن أصبح واضحاً اتجاه الأسئلة.

إن كياناً كالكيان الصهيوني يتمتع بتأييد كل المجتمع الدولي لا يمكن مجابهته إلا بتجميع جميع قوانا والحلفاء لمجابهته. الانتصار على هذا الكيان يستدعي ذلك. نحن نعلم أن ظروف الجبهات المؤيدة للعمل المقاوم هي صعبة وصعبة جداً. ولكن هذا لا يعفيها من إبتداع أساليب للمقاومة تتناسب مع ظروفها الخاصة. الأنواع العشرة من الفلسطينيين تكاد تكون طاقات معطلة، لا نقول نهائياً ولكن تكاد تكون نهائياً.

المقاومة لا تكون رد فعل على فعل قام به العدو. المقاومة هي فعل وليس رد فعل. لأن الفعل هو الخلاق والمبدع ورد الفعل يكون تابعاً. جميع المنظمات المقاومة كانت تعلم حق العلم أن مسيرة عباس سوف تؤدي إلى التنازل عن معظم حقوق الشعب الفلسطيني. ماهو الفعل الذي قامت به حتى تمنع على عباس إمكانية القيام بذلك. هل نظمت الشعب الفلسطيني لإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية على الأقل. هناك الكثير من المنظمات النقابية الفلسطينية، هل فعلت دورها؟ المقاومة منذ فترة وجيزة كانت ممنوعة في غزة، لماذا سمح بها الآن؟ رد فعل، أليس كذلك.

المقاومة، مقاومة المشاريع الإستعمارية تكون متناسبة مع المشروع الإستعماري نفسه. هل ما تقوم به المنظمات الفلسطينية المؤيدة للمقاومة يتناسب مع قوة المشروع الإستعماري الإسرائيلي؟ بالطبع لا!

لن نسأل جميع الأسئلة التي يجب طرحها، إنما نريد أن نصل إلى نتيجة تمكننا من مجابهة العدو، ونحن جميعاً معنيون بمجابهته. على المنظمات المقاومة أن تبتدع منذ الآن الأساليب التي تمكنها من تجنيد جميع طاقات مختلف فئات الشعب الفلسطيني في مجابهة العدو، وهذا لا يعني المقاومة المسلحة. فالمقاومة لها اتجاهات عديدة وممارسات لامتناهية. إنما لا بد من أن يكون برنامج عمل جميع من يريد أن يجابه العدو هو استنهاض جميع طاقات الشعب الفلسطيني أولاً والشعوب العربية والاسلامية ثانياً.

إن القيام بالعمليات الجهادية المسلحة ضد العدو تستدعي تغطية شعبية تمكنها من الاستمرار ليس بمنحى تكتيكي، إنما بمنحى استراتيجي يوصل إلى التحرير، ويبعث المتخاذلين أمثال عباس وزبانيته إلى الأمكنة المخصصة لهم حيث يزوي من يبيع مصالح شعبه لصالح العدو.

لماذا يفاوض عباس؟

بكل بساطة، حتى يرضي راعيه الأمريكي بالدور الذي حدده له: التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني.

حيث يعلم حق العلم أنه قد أصبح خارج التاريخ، فهو يجاهد للبقاء حتى في مكان ما من أحد يختاره. وهذا مصير من يتخلى عن مصالح شعبه.

hassanmallat.blogspot.com 4 أيلول 2010 حسن ملاط








الخميس، 2 سبتمبر 2010

التعيينات في تيار المستقبل

"دعسة ناقصة" أم خطوة بالاتجاه الخاطىء؟

نحن لا نتحدث عن تعيينات "المستقبل" لأهميتها على صعيد الساحة المحلية، ولكن لأنها ربما تكون مؤشراً لحركة الرئيس سعد الحريري على صعيد سياسته الداخلية. نعني علاقاته مع مختلف الأطراف الفاعلة في الساحة الداخلية اللبنانية. هذا من جهة، ومن جهة ثانية علاقاته مع المحيط العربي، وخاصة سوريا.

لقد فعل الرئيس الحريري خيراً عندما أشاد بسلفه الرئيس السنيورة واعتبره خطاً أحمر. فنحن نوافق على هذا التوصيف، لأن الرئيس السنيورة قد دخل التاريخ، حيث أنه لا دور له في المستقبل كرئيس لوزراء لبنان. فرئيس الوزراء في لبنان يحمل مواصفات لا ولن تنطبق على الرئيس السنيورة. من هنا نحن نعتقد أن لا دور سياسياً له في المستقبل، من هنا ضرورة الإشادة به.

أما بالنسبة للتعيينات في تيار المستقبل، فما يهمنا نحن تعيين منسق مدينة طرابلس. حيث أن هذه المدينة مهمة جداً من حيث أنها الحاضنة الكبرى لتيار الرئيس الحريري ومن حيث أنها عاصمة "السنة" في لبنان، كما وأنها الجارة الكبرى لسوريا. فهل كان تعيين الدكتور مصطفى علوش منسقاً لتيار المستقبل في طرابلس نتيجة دراسة متأنية من الرئيس الحريري أم أنه جاء عشوائياً. فالسيد علوش معروف عنه أن سياسته تتطابق مع سياسات الرئيس السنيورة وليس مع سياسات الرئيس الحريري. فهو حتى الآن لم يتمكن من هضم ذهاب الرئيس الحريري إلى سوريا وصياغته علاقات جيدة مع رئيسها الرئيس بشار الأسد. وهو لكثرة جلوسه مع القوات اللبنانية تكاد تصريحاته تعبر عن سياسات سمير جعجع وليس عن سياسات سعد الحريري. فكيف يمكن لهذا الشخص أن يمثل تيار المستقبل بحلته الجديدة؟

هناك ثلاث إمكانات للجواب على هذا السؤال:

الأولى: أن الرئيس الحريري قد دعس دعسة ناقصة في هذا التعيين. فهناك الكثير من الأسماء كان بإمكانها التعبير عن توجه الرئيس الحريري الجديد، والذين لا يحمل تاريخهم أي تهجم على سوريا أو حزب الله والمقاومة. أضف إلى ذلك أنهم معروفون بولائهم للرئيس رفيق الحريري سابقاً وللرئيس سعد الحريري لاحقاً. هل إرضاء علوش أهم من إرضاء طرابلس؟

الثانية: أن هذا التعيين هو خطوة بالاتجاه الخاطىْ. أي أن الرئيس الحريري يعتبر أن الدكتور مصطفى علوش سوف يتخلى عن غلوائه ويلتزم بالسياسات المستجدة للرئيس الحريري. ولكن لم يظهر أي مؤشر من السيد علوش يبين ذلك.

وأخيراً، ربما أن الرئيس الحريري سوف يعتبر تيار المستقبل نوعاً من الديكور. بمعنى أنه سوف يترك لجميع الناس أن تتحرك ضمن هذه المؤسسة و بالاتجاه الذي يريدونه، من دون أن يكون لهذه المؤسسة أي تأثير على السياسة المتبعة من قبل الرئيس الحريري.

من هنا نرى بأن تيار المستقبل لن يتطور قيد أنملة إلى الأمام في طرابلس إلا إذا عاد الدكتور مصطفى علوش إلى رشده والتزم بخيار عائلته الوطني. رحم الله محمد علوش، أبا مصطفى.

27 آب 2010 حسن ملاط

الموضوع الاقتصادي - الاجتماعي

"حزب الله" ومقاربة المسألة الاقتصادية-الاجتماعية؟
معظم حركات التحرر الوطني في العالم، كانت تطرح المسألة الوطنية والمسألة الاقتصادية-الاجتماعية بشكل متزامن. وممارستها هذه لم تكن عشوائية، إنما كانت تعبيراً عن واقع البلاد التي كانت تعمل فيها. فمن البديهي أن الناس الذين يملكون المصلحة بالتغيير كانوا في معظم الأحيان، إن لم يكن في جميع الأحايين الغالبية المسحوقة من المستضعفين من العمال والفلاحين وصغار المزارعين وجيش العاطلين عن العمل. فخطاب الامام الخميني مثلاً، كان في معظمه موجهاً للمستضعفين. كان المستضعفون مداد الثورة الذي لا ينضب. علماً أن الثورة الاسلامية كانت تتميز عن غيرها باسلاميتها. والاسلام دين لجميع الناس، وإن كان للمستضعفين ميزة. فلذلك وجدنا عدداً لا بأس به من الميسورين من عداد الثورة الاسلامية في إيران.
في الصين كان جل المنتمين إلى الثورة هم من الفلاحين والمزارعين الفقراء. ووجود الميسورين كان نادراً. لذلك رأينا هذه الثورة تطرح مسألة تحرير الصين من الغزو الياباني وتحرير الفلاحين من المرابين والاقطاعيين بشكل متزامن. وكذلك فعلت الثورة الفييتنامية فقد زاوجت ما بين تحرير الأرض من الأمريكان وتحرير العمال والفلاحين من مستغليهم. أما الثورة الجزائرية، الثورة المغدورة، فقد فشلت بسبب فصلها ما بين العمل على تحرير الانسان وتحرير الأرض في نفس الوقت من الاستعمار الفرنسي البغيض.
هذه الاطلالة وجدتها ضرورية لأن "حزب الله" يعمل على أن يكون حركة تحرر وطني، يعمل على تحرير الأرض اللبنانية من الاحتلال الصهيوني. كما أنه لا يملك وهم إمكانية الصلح مع العدو الاسرائيلي في يوم من الأيام ما دام هذا العدو يحتل الأرض الفلسطينية. فالثورة إذن مستمرة حتى زوال الكيان الاستعماري في فلسطين. من هنا ضرورة فرز القوى ولو على المستوى النظري. أي أن السؤال "من هي القوى التي تملك المصلحة في التغيير" سوف يطرحه الحزب على نفسه. حيث أن هذا السؤال لا يمكن تجاوزه. ربما لم يجد الحزب نفسه مضطراً لطرحه حتى الآن وذلك لعوامل عديدة. منها على سبيل المثال لا الحصر أن المسألة الوطنية كانت ولا تزال طاغية على ما عداها منذ مدة طويلة. مدة أوحت للناس إمكانية تناسيها (المسألة الاقتصادية-الاجتماعية) لمصلحة المسألة الوطنية. هذه كانت ممارسة جميع المجموعات والأحزاب الوطنية الذين عملوا مع المقاومة الفلسطينية. فالمسألة الفلسطينية غطت على ما عداها حتى بدا الحديث عن المشاكل التي يعاني منها الناس وكأنه خارج السياق. و "حزب الله" كان وريث هذه الحالة. فقد ورث المقاومة الفلسطينية في جهاد الصهاينة. وورث الأحزاب الوطنية بضرورة إعطاء الأولوية للمسألة الوطنية. فهو لم يكن بدعاً من العمل الحزبي. إنما ما ميز "حزب الله" هو تمكنه من نسج علاقات ود لا ينفصم ما بينه وبين قاعدته الأساسية.
ومنها (العوامل) أيضاً أن معظم الكوادر الأساسية العاملة في الحزب متفرغة للعمل الحزبي. وهذا العامل هو إيجابي من حيث الانتاجية وسلبي من حيث أن الكادر لا يملك جميع نبض الناس. فهو المؤثر فيهم وليس المتأثر بهم. وهذا أساسي وخاصة إذا أعطينا هذا العامل جميع أبعاده. فعلى سبيل المثال كان إبن الجنوب يحمل معه أينما كان هموم التبغ، لأن معظم الجنوبيين كانوا يعملون في زراعة التبغ. فالجنوبي الوطني كان يشارك في جميع التحركات التي كانت تعمل على زيادة المساحات المزروعة بالتبغ أو على زيادة أسعاره. هذه المسائل كانت تأكل معه في صحنه كما يقول المثل. أين هذه التحركات؟ لم نسمع بها منذ ستينات القرن الماضي! هذا الكلام ليس بقصد انتقاد الحزب، إنما للتأكيد أن تغير الظروف يجبر العاملين في الحقل العام، السياسي وغيره، على نمط معين من النشاط.
لقد أثلج صدرنا كثيراً السيد حسن نصر الله عندما بشرنا في خطابه بمناسبة الانتصار في بنت جبيل، بشرنا أن الحزب سوف يهتم بالقضايا الاقتصادية-الاجتماعية. ولكن لم يتمكن الحزب من تخصيص وقت كاف لهذا الموضوع. على كل حال ففي إطلالته الأخيرة تحدث عن مشكلة الكهرباء والماء. هل هذا يعني أن الانعطافة قد وُضعت على جدول الأعمال؟ نحن نتمنى ذلك!
من أين تأتي أهمية الموضوع؟
علينا أن نتذكر أن الوثيقة السياسية التي أصدرها الحزب كانت خطوة مهمة إلى الأمام. نقصد بأن الحزب كان يريد من خلال الوثيقة التأكيد على انتمائه لحركات التحرر الوطني. كما وأنه كان يؤكد أن أمريكا ومعسكر النيو ليبرالية هو المعسكر الذي علينا محاربته. من هنا بالذات تأتي أهمية الانفتاح على المسألة الاقتصادية – الاجتماعية. فانطلاقاً من هذه المسألة سيكون صدامنا مع المعسكر الغربي. وإذا طرحنا الموضوع من خلال العمل على محاربة إسرائيل وحلفائها، فسوف يكون صدامنا مع المعسكر الغربي. من هنا فإن المسألة الوطنية والمسألة الاقتصادية – الاجتماعية مترابطتان موضوعياً. إذن، عندما نهمل أي عامل من العوامل المترابطة، فهذا سوف يساهم بإعاقة النصر.
إن طرح السيد حسن نصر الله لمشكلة الكهرباء والماء على أنه (أي الحزب) هو جزء من الحكومة هو ما لم نكن نتمناه. إنما كانت منيتنا أن يُطرح الموضوع على أنه جزء لا يتجزأ من الحركة الشعبية المناهضة للطرح الحكومي في تخصيص الكهرباء والماء على مراحل. لأن التخصيص نهايته عولمة الماء والكهرباء. أي بيع القطاع العام للرأسمال المعولم، كما سوليدير مثلاً. لماذا لم يهتم أحد بطرح السفير الإيراني بأنه يحل مشكلة الكهرباء خلال ستة أشهر. ذلك أن الاتجاه الذي يتحدث فيه السفير الإيراني لا يصب في تخصيص الكهرباء وتسليمها ما من أحد يدري لمن. لأن الكهرباء عندما تعرض للبيع، يشتري صاحب رأس المال سواء كان وطنياً أو معادياً لأنه ما من أحد يمكنه معرفة هوية الرأسمال في الظروف الحالية. فحربنا ضد الصهاينة والمعسكر الغربي المؤيد لهم يستدعي محاربة هذا المعسكر على جميع الصعد، ومنها الصعيد الاقتصادي. نحارب الصهاينة عسكرياً، ونسمح لهم بالانفتاح على اقتصادنا من خلال الخصخصة.
هذه جهة هامة تتعلق بالخارج. أما الجهة التي تتعلق بالداخل والتي ترتدي أهمية كبيرة جداً، فهي ضرورة انفتاح الناس، الجماهير، على ترابط الحرب الوطنية والمسألة الاقتصادية – الاجتماعية. من هنا ضرورة العودة إلى النضالات الشعبية التي كنا نراها في ستينات وأوائل سبعينات القرن الماضي. إن هذه النضالات تساعد حتماً على دفن ما يسمى بالقضية الطائفية والمذهبية. إن ارتباط الجماهير بقضاياها الحقيقية سوف يؤكد قوة الروابط الداخلية فيما بينها. إن إحياء المذهبية وجعلها راهنة تجعل من أصحاب الرأسمال المعولم ممثلين لجماهير الكادحين من مذهبهم. هل هناك كذب ورياء أكثر من هذا الكذب والرياء. ما الذي يربط الكادحين والمستضعفين بأصحاب رؤوس الأموال؟ المصالح المشتركة؟ هموم الغذاء والدواء والكساء؟!
إن عدم انفتاحنا، كقوى مقاومة أو مؤيدة للمقاومة على المسألة الاقتصادية – الاجتماعية سوف يؤخر وعي الجماهير بارتباط هذه المسألة بمعركتنا ضد الاحتلال الاسرائيلي. كما أنه يساهم بارتباط هذه الجماهير بمراجعها الطائفية والمذهبية المعادية لها، بدل ارتباطها بالمقاومة التي سوف تحررها من قيودها، من فقرها ومن عوزها.
إن المعارك الجزئية التي تضطر المقاومة إلى خوضها في الساحة الداخلية سوف تصبح من اختصاص غيرها في حال أصبحت القضايا المطلبية حية في أذهان اصحاب المصلحة من جماهير الكادحين من أبناء شعبنا الذين يفضلون الحياة الكريمة على أخذ الحصص الغذائية من هذا المتاجر بدمائها أو ذاك.
1 أيلول – سبتمبر – 2010 حسن ملاط

الخميس، 26 أغسطس 2010

أحداث بيروت

قراءة مختلفة لأحداث "برج أبي حيدر" في بيروت

أحداث فردية على ما وصفها سواء مصادر "حزب الله" أو "جمعية المشاريع" المعروفة "ألأحباش". "صدر عن قيادتي جمعية المشاريع الاسلامية وحزب الله بيانا مشتركا جاء فيه:"على أثر الحادث الفردي المؤسف الذي وقع عصر هذا اليوم الثلاثاء بين شباب من حزب الله وجمعية المشاريع الخيرية الاسلامية، تداعت قيادتا الطرفين لاجتماع عاجل في فرع مخابرات بيروت، وجرى التأكيد أن الحادث المؤسف هو فردي ولا خلفيات سياسية أو مذهبية وراءه، وقد تم الاتفاق على محاصرته وانهائه فورا ومنع أي ظهور مسلح بغية عودة المياه إلى مجاريها الطبيعية كما كانت، ومعالجة كافة التداعيات الناجمة عنه. "كما تقرر فتح تحقيق عاجل من قبل قيادة الجيش اللبناني ورفع الغطاء عن كل من يحاول المس بمسيرة الأمن والاستقرار، الذي هو أولوية لدى الطرفين وكل الأطراف الوطنية. وتم الاتفاق على ابقاء الاجتماعات مفتوحة لتفويت الفرصة على كل المصطادين في الماء العكر.

وقد استدعت هذه الأحداث "الفردية" الكثير من ردود الفعل. اخترنا منها ما يلي، مع ملاحظة أن الإختيار كان عشوائياً.

"وصف النائب قاسم هاشم في تصريح اليوم، ما حدث في برج ابي حيدر امس بـ"الخطير"، وأسف "لسقوط الدماء في الوقت الذي مازال العدوالإسرائيلي يستهدف وطننا ويفتش عن كل الأساليب والثغرات لتخريب واقعنا الوطني"، لافتا الى أن "ما جرى يستدعي من الجميع الإرتقاء الى مستوى المسؤولية الوطنية والإبتعاد عن الخطاب السياسي المتشنج والتحريضي الذي يترك آثارا سلبية في كثير من الأحيان".
"واعتبر أن التطورات والتحديات التي تعصف بلبنان والمنطقة تتطلب مزيدا من الحكمة والوعي والعقلانية، بعيدا عن بعض الأصوات التي تجد فرصتها في الأزمات والملمات لتعبث مع العابثين والناعقين، لافتا الى أن "المصلحة الوطنية تتطلب توسيع مساحة التلاقي بين الأفرقاء اللبنانيين لحماية الوطن من كل خطر وتفويت الفرصة على المصطادين في الماء العكر داخليا وخارجيا".

"ألغى رئيس مجلس النواب نبيه بري مواعيده اليوم متابعا اتصالاته التي بدأها مساء امس لوأد الفتنة التي ظهرت بوادرها باستغلال حادثة الامس من اجل توسيعها، ولحصر الذي جرى ضمن اطاره الضيق. واكد "ضرورة اجراء تحقيق سريع وشفاف وتسليم المتسببين في ما جرى الى الجهات المعنية والقضاء".

"رأى رئيس الحكومة الأسبق سليم الحص في تصريح اليوم باسم "منبر الوحدة الوطنية"، أن "ما وقع أمس من حوادث عنيفة مدمرة مرفوض رفضا قاطعا، ولقد لقي إدانة صارمة من الناس جميعا، وهم الذين يرون مصلحتهم الوطنية بطبيعة الحال في استتباب الهدوء وتوطيد أسباب العيش المشترك بين أبناء الشعب الواحد". ورأى أنه "كان بمثابة الكفر بقيمة الانسان في هذا المجتمع، وبالقيم الخلقية والدينية التي آمن بها الشعب اللبناني منذ أن كان".
وقال: "إننا نضم صوتنا الى أصوات الذين دانوا ويدينون مثل هذه الاعمال التخريبية التي تنفذ على حساب أماني هذا الشعب النيبل وهنائه وسلامة حاضره ومستقبله".

"اسفت "جبهة العمل الاسلامي في لبنان" بسبب "الحوادث الاليمة التي جرت مساء امس في بعض مناطق العاصمة بيروت، وادت الى سقوط عدد من الضحايا بين قتيل وجريح". وحذرت في بيان، من "الوقوع في فخ وشباك الاستدراج الى الفتنة، ومن وجود طابور خامس يسعى الى توتير الاجواء عبر تأجيج الشحن والاحتقان المذهبي والطائفي، ونشر الفوضى والذعر بين المواطنين".
ودعت الجبهة المسؤولين والحكماء الى "التحلي بروح الوعي والحكمة والمسؤولية، والى وأد كل عوامل الفتنة في مهدها وقطع الطريق على المصطادين في الماء العكر"، مشيدة بـ"البيان المشترك الصادر عن "حزب الله" وجمعية المشاريع، الداعي الى التهدئة، وحصر الخلاف في اطاره الفردي، بعيدا عن اية خلفية سياسية او مذهبية، وكذلك في رفع الغطاء عن المخلين بالامن لاي جهة انتموا".

"ودعا الحريري إلى التهدئة، قائلاً «هذا الإشكال كان فرديا! هذا أخطر من الحقيقة. ألا نرى ما يحصل من مؤامرات حولنا؟». وأكد أن «هذا الاحتقان ناتج عن الخطاب السياسي الذي يصدر عن بعض الأقلام ومحطات التلفزة». وأشار إلى أن الكل ملام، من سياسيين أو إعلاميين أو محطات تلفزة. تصعيد الخطاب السياسي في البلد وتصرفات البعض تؤدي إلى ما حدث".

"رفض مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني «ظاهرة الشغب المسلح التي طالت الأحياء السكنية الآمنة في العاصمة بيروت». واعتبر «أن اللبنانيين الذين ينشدون قيام الدولة العادلة الآمنة القوية، ويتطلعون اليوم إلى تقوية الجيش اللبناني بتسليحه تحصينا للبنان في وجه العدو الإسرائيلي، قد ضاقوا ذرعا من تقديم الضحايا من المدنيين الأبرياء في الأحياء الداخلية لبيروت ثمنا لخصومة الأفراد الذين يستقوون خلف سلاح الأحزاب التي ينتمون إليها".

"كان لافتا للانتباه قول رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد إن «الحادثة كشفت سيناريوهات وبروفات»، مشيراً إلى أن «الله أراد على ما يبدو أن ينبّه الناس جميعا إلى مخاطر الاستدراج والاندفاع".

**********

إن ما حصل في بيروت مؤسف حقاً وخطير أيضاً، ولكن المؤسف أكثر، والأخطر أكثر أنما حصل هو مرشح للحصول مرات أخرى، نتيجة للشحن المذهبي الذي لا يتوقف، ونتيجة عدم التصدي لهذا الشحن من أولئك المنوط بهم التصدي لهذا الشحن. وللبيان أؤكد أنني لا أبرىء أحداً.

أتساءل أحياناً أن الكثير من الذين كانوا يعملون في الأحزاب أو التجمعات القومية أو الماركسية أصبحوا من الناشطين ضمن الحركات المقاومة أو المؤيدة للمقاومة. كانوا علمانيين، أي أن المذهبية كانت بعيدة عنهم. هل أنهم أصبحوا مذهبيين بعد أن أصبحوا مسلمين أي بعد أن أصبحوا مأمورين بأن يعقلوا الكون. هل أصبحوا عاجزين عن استيعاب الوضع اللبناني؟ شيء لا يصدق!

إن العلاقات ما بين "حزب الله" والقوى المؤيدة للمقاومة في الساحة السنية، عمرها من عمر الحزب. وجميعنا يعلم أن الفوارق المذهبية لم تكن يوماً فاقعة كما هي منذ مدة. وهذه المدة ليست مرتبطة باغتيال الرئيس رفيق الحريري. إن حادثة الإغتيال قد أضافت عاملاً إلى عوامل أخرى. كما أن التحريض المذهبي أصبح من المستويات المتدنية جداً لأن من يقوم به لا يتصف بأي نوع من الأخلاقية، وهذه الصفة المميزة لمن يتخلق بأخلاق الغرب أو توابعه. ما أردت أن أقوله أن الفوارق المذهبية التي ظهرت قبل اغتيال الرئيس الحريري لم يكن لها وظيفة، إنما كانت رواسب فقط. أما ما يقوم به المكلفون بالتحريض المذهبي هو تحريض وظيفي fonctionnel . تحريض يريدون استثماره بعدة أهداف منها:

1 - انقسام جمهور المقاومة على بعضه البعض.

2 – إرتداد الجمهور السني عن تأييده للمقاومة، خاصة وأن تأييد السنة للمقاومة كان طبيعياً، أي أن المقاومة لم تحتج يوماً للدعاية في المناطق السنية.

3 – تحويل العداء لإسرائيل إلى عداء ما بين الجمهور السني والجمهور الشيعي. هذا ما تريده إسرائيل والإدارة الأمريكية.

4 – الفتنة ما بين السنة والشيعة. وهذا ما يعمل عليه بوتيرة متسارعة. ولكن ما منع الفتنة السنية الشيعية حتى الآن هو تمنع حزب الله عن الدخول في هذه الفتنة، حيث أن عملاء الأمريكان قد تمكنوا من تحضير الأرضية المؤاتية لهذه الفتنة. ونحن عندما نقول أن هذه الفتنة لن تقع، لمعرفتنا بأن الحزب لن ينجر لها.

5 – نزع سلاح حزب الله. وهذا من الأهداف الرئيسية لهذا التحريض.

نحن لا ندعي أن هذه هي جميع الوظائف للتحريض المذهبي. فربما هناك أهداف أخرى غابت عن أذهاننا.

إن أخطر أمر بالنسبة للموضوع المذهبي مضافاً إليه التحريض المذهبي، أن القوى المنوط بها التصدي لهذا الخطر لا تملك تصوراً واضحاً لكيفية التصدي له. لا يكفي عدم قبول حزب الله الدخول بالفتنة. لأنه بإمكان الأعداء التفتيش عن قوى أخرى. صحيح أنها ليست موجودة على الساحة حتى الآن، ولكن لا يوجد مانع نظري لعدم وجودها. من هنا لا تكفي المقاومة السلبية.

إن عدم استجابة حزب الله للفتنة تستدعي وجود قوة موازية له في الساحة السنية لها القدرة على التصدي لهذه الفتنة. هل هذه القوة موجودة؟ كلا حتى الآن. هل هناك من مانع سياسي أو نظري لوجودها ؟ كلا! إذن، هناك تقصير.

إن أسوأ ميزة لأحداث بيروت أنها بين أصدقاء! نحن جميعاً نحزن لكل قطرة دم تراق خارج القتال مع إسرائيل أو حلفائها، فكيف بين أصدقاء. أصدقاء بالسياسة، أي أنهم متفقون على أن العدو هي إسرائيل وحلفاؤها.

أن هذا الأمر يستدعي وقفة موضوعية للحدث.

نحن مع السيد حسن نصر الله أن حزب الله غير مخترق أمنياً. ولكن ما حدث في بيروت يبين أن هناك إختراق من نوع آخر سواء عند الحزب أو عند جمعية المشاريع الإسلامية. وهذا لا تتحمل مسؤوليته، سابقاً، لا الجمعية ولا الحزب. أما لاحقاً فسوف يتحملان المسؤولية. الإختراق الذي أتحدث عنه هو ذاك الإختراق الذي سمح للحزب والجمعية أن يتقاتلا بهذا الشكل العنيف، والعنيف جداً. أي أن لحظة القتال قد أنست الطرفين أنهما كانا أصدقاء وسيعودان أصدقاء لأنه ما من أحد منهما يؤيد العدو الصهيوني أو أتباعه.

إن العصبية المذهبية هي نوع من الإنتماء الغريزي. إنها تمنع العقل والمنطق من العمل. هذا العامل الهام لم يتنبه له الحزب في علاقاته الداخلية ولم تتنبه له الجمعية أيضاً. إن الخطورة تأتي من حيث أن الساحة مخترقة من قوى عديدة مهمتها التحريض الطائفي مع أي كان ولأي جهة انتمى.

إن حساسية الأمر تأتي من أن المعادلات العقلية لا تكفي وحدها حتى تمنع إمكانية الغريزة المذهبية عن العمل. إن التصدي للتحريض الطائفي مسألة ممارسة عملية. وهذه الممارسة العملية لا تكون على صعيد الفكر فقط، إنما تكون ايضاً على الصعيد العملي. هناك الكثير من العوامل التي يمكن أن تساعد في التصدي للتحريض المذهبي، وأهميتها أنه لا يمكن إهمالها. بل يجب أن تكون حية باستمرار. يقول تبارك وتعالى في الكتاب الكريم: "إعملوا آل داوود شكراً". فالشكر عند الله تبارك وتعالى هو عمل. وكذلك التصدي للمرض المذهبي هو عمل، عمل مستمر. لنتخيل أن شباب المشاريع والحزب يتدربون على الألعاب الرياضية سوية، أو ألفوا فريقاً مشتركاً، أو قاموا برحلات مشتركة، أو تزاوجا فيما بينهم، أو قاتلوا العدو في خندق واحد، أو قاموا بعمليات مقاومة مشتركة...الخ، هل بإمكان أي منهم أن يطلق النار على الآخر؟ سيكون الجواب بالنفي.

إن العدو يملك الحرية التامة في التحريض في جميع الساحات لأننا لانأخذ هذا الموضوع بالأهمية التي يملكها. لذلك لا نتصدى لهذا الموضوع بالشكل الجدي الذي يمكن أن يعطي النتائج المتوخاة.

إن ما حصل في بيروت مرشح للحصول في كل آن إذا لم نعمل منذ اللحظة للتصدي لهذه الظاهرة. وليس التصدي الإعلامي (التبويس والضحكات..) إنما بالعمل الجدي للحياة المشتركة بين الذين يتبنون الإتجاه السياسي الواحد. إن إسرائيل وأمريكا تريد أن تنزع سلاح المقاومة من هذا الطريق: فتنة طائفية تجعل من سلاح حزب الله سلاح مذهبي أي سلاح الفتنة.

من هنا يجب أن يكون كلام المسؤولين كلام واضح لا يتحمل التأويل. إن تصريح الحاج محمد رعد أبرزه الإعلام لأنه يحتمل التأويل. لذلك نرى بأن التصريح الجيد هو الذي يعبر بوضوح عما نريد. حزب الله لا يريد الفتنة أولاً و يريد التصدي لها ثانياً وبجميع الوسائل، التربوية والعملية. نحن على ثقة من ذلك وهذا ما نراهن عليه لدرء الفتنة. أما اللجان والتحقيق وغيره من الخطوات التي لا تساهم في تغيير الواقع القائم فلا أعتقد بأنها سوف تكون منتجة.

إن التصدي للفتنة المذهبية هي مسألة حياة. دعونا نحياها. تستدعي التضحية نعم ولكن تكاليفها أقل من الفتنة بكثير. ونتيجتها النصر على العدو.

26 آب 2010 حسن ملاط

الأحد، 22 أغسطس 2010

التغيير الحكومي في لبنان

هل تتحمل الساحة السنية التغيير الحكومي؟

منذ مدة تلوح في الأفق ملامح عمل على تغيير حكومي مرتقب. علماً أن الخطوات التي جرت في هذا المضمار لم تكن، في أحسن الأحوال، أكثر من تهديد بالإمكانية للاتجاه إلى إجراء تغيير حكومي. والدليل على ذلك أن الطرف المعني بهذا الموضوع لم يغير نمط تعاطيه مع المواضيع المطروحة التي تعتبر الذريعة للتغيير الحكومي نتيجة الكيفية في التعاطي معها.

ما هو الدافع إلى هذا النمط من التعاطي؟

الإجابة على هذا السؤال تستدعي العودة إلى الوراء. ففي العام 2000 ، بعد الإنتصار الذي حققته المقاومة الإسلامية على العدو الصهيوني، لم تطلب المقاومة ترجمة انتصارها على صعيد السلطة في لبنان. ويمكن تبرير ذلك بأن الرئيس رفيق الحريري كان يحسن التعاطي مع المقاومة، نتيجة العلاقات التي كانت تربطه بسيد المقاومة، السيد حسن نصر الله. فالعلاقات ما بين الشخصين لم تصل يوماً إلى القطيعة حتى في ذروة توترها. وهذا ما ساهم بالحفاظ على نوع من التعاطي يرضي الطرفين في معظم الأحيان. ولكن بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 2005 ، وتبوء السفارة الأمريكية قيادة "العمل الوطني" في لبنان تغيرت العلاقات التي كانت تربط سيد المقاومة برئيس حكومة لبنان. وهذا ما كان يتطلب التغيير في نمط التعاطي مع الرئيس الجديد. فالرئيس رفيق الحريري كان زعيماً شعبياً محبوباً، وهذا الوصف لا ينطبق على الرئيس فؤاد السنيورة. فهذا الأخير ليس زعيماً شعبياً، ولم يكن يوماً رئيساً أصيلاً لمجلس الوزراء. فالنظرة إليه كانت على أنه رئيس مؤقت ريثما يتهيأ الأصيل (سعد الحريري) لتبوء هذا المنصب. لذلك فالحسابات التي كان يقوم بها الرئيس السنيورة تختلف عن تلك التي كان يقوم بها الرئيس الأصيل الأول رفيق الحريري. فالرئيس السنيورة كان عليه أرضاء المايسترو الموجود في عوكر مضافاً إلى جوقة المطبلين لهذا المايسترو، نعني أطراف 14 آذار. ولم يكن في حسبانه إرضاء الناس، لأنه لا شيء يربطه بالناس. والمقاومة لم تأخذ هذا التغير في الحسبان.

بعد انتصار تموز 2006 ، والذي كان له وقع الزلزال في الكيان الصهيوني، كان هم أطراف 14 آذار البرهان على أن المقاومة الإسلامية لم تنتصر على إسرائيل، وكان هم الرئيس السنيورة العمل على ترجمة ما ذهبت إليه أطراف 14 آذار وذلك بطرحه النقاط السبع التي تنص في إحدى موادها على نزع سلاح المقاومة. حتى القرار 1701 والذي كان نسخة معدلة عن النقاط السبع كان يرمي بشكل أو بآخر إلى نزع سلاح المقاومة. ما نريد أن نقوله أن تعاطي الرئيس فؤاد السنيورة مع المقاومة لم يكن تعاطي الصديق الذي كانه تعاطي الرئيس رفيق الحريري مع المقاومة. ودعونا نستذكر اتفاق ال96 الذي شرعن عمل المقاومة المسلح ومنع إسرائيل من ضرب المدنيين.

هل تعاطت المقاومة مع الحكومة اللبنانية بشكل يؤمن حمايتها(حماية المقاومة) بعد انتصارها في آب 2006 ؟ الجواب هو كلا! لم تطلب المقاومة أن ينعكس انتصارها على العدو الصهيوني على صعيد السلطة السياسية في لبنان. وكان أهم انعكاس على هذا الوضع هو وصول المقاومة إلى أزمة 2008 في السابع من أيار. إن ما مكن أطراف الرابع عشر من آذار من التطاول على المقاومة هو زهد المقاومة بالسلطة السياسية وكأن المقاومة جمعية خيرية تتخلى عن انتصارها للآخرين. فعندما أهدي الانتصار للبنانيين، كانت ترجمته انتصاراً لأطراف 14 آذار. والدليل على ذلك هو القرارين التصفويين بحق المقاومة اللذين صدرا في الخامس من أيار 2008 . دعونا نتخيل أن المقاومة قد استثمرت انتصار 2006 على صعيد السلطة السياسية في لبنان، هل كان بإمكان الحكومة اللبنانية برئاسة السنيورة أو غير السنيورة أخذ القرارات التي أُخذت في 5 أيار 2008. الجواب كلا!

هل استفادت المقاومة من عدم تعاطيها المتقن في 2006 ؟ نقول كلا!

أحبطت المقاومة الإسلامية المؤامرة التصفوية التي دبرتها أطراف 14 آذار مع المايسترو القائد، في السابع من أيار 2008 نتيجة تحركها السريع. لن نتحدث عن جميع انعكاسات هذا الحدث. ولكننا سوف نشير فقط إلى كيفية استثمار المقاومة لهذا الحدث على صعيد السلطة السياسية.

بعد إحباط المؤامرة التصفوية، دعت الأطراف العربية إلى إجتماع الدوحة. وكان الطرف الوحيد في هذه الجمهرة من الناس الذي بإمكانه استخدام حق النقض (الفيتو) هو المقاومة، لأنها الوحيدة التي انتصرت بإحباطها للمؤامرة التصفوية. هل استعملت المقاومة هذا الحق في اختيار الأطراف التي سوف تشارك في إجتماع الدوحة؟ إن مجرد تمثيل الطرف السني بالرئيس السنيورة وبالرئيس سعد الحريري(الذي لم يكن رئيساً بعد) هو دليل على أن المقاومة لم تستخدم أوراقها المنتصرة في تسمية أطراف الحوار. إن الطرف الوحيد الذي تضرر من تحرك السابع من أيار 2008 هي المعارضة السنية. والطرف الوحيد الذي كان خارج الحوار في الدوحة هو المعارضة السنية المؤيدة لحزب الله. فعندما يكون هناك طرفان حليفان، فانتصار أحدهما يكون انتصاراً للآخر. ولكن هذه المعادلة لم تترجم في الدوحة. حتى في هذه المعركة التي كانت أخطر من العدوان الصهيوني في ال2006 ، آثرت المقاومة التخلي عن انتصارها للأطراف اللبنانية حتى المعادية لها!!

ما هو الوضع الراهن؟

إن التغير الذي طرأ داخل الساحة السنية لا يمكن اعتباره انتصاراً للطرف المعارض لتيار المستقبل بجناحيه المتغرب والمتطرف بقيادة الرئيس السنيورة ومن أبرز رموزه النائب الحالي والوزيرالسابق أحمد فتفت الذي افتخر منذ يومين، في حديث إذاعي، لاستضافته جنود الاحتلال الاسرائيلي في 2006 ، والنائب السابق مصطفى علوش. أما الاتجاه الآخر هو ذاك الذي يمثله الرئيس سعد الحريري والذي يفضل الارتباط بمحيطه العربي (السعودي والسوري) على الارتباط بالمايسترو الأمريكي، ومن أبرز رموزه النائب الحالي والوزير السابق الأستاذ سمير الجسر. إن البلديات التي نجحت كانت تتبارى للتحرر من المستقبليين المسيطرين على الساحات المحلية وليس للتحرر من الرئيس سعد الحريري. والمتابع يعرف صحة ما نذهب إليه في هذا التحليل.

أما ظاهرة الاختلاف ما بين الوزير الحالي محمد الصفدي و تيار المستقبل، لن تخلق انقساماً ضمن الساحة السنية، ذلك أن الناس المرتبطين بالوزير الصفدي يرتبطون في نفس الوقت بالرئيس الحريري، أعني الشريحة الكبرى من هؤلاء. أي أن الاستقطاب هنا ليس بالاتجاه المعاكس لتيار الرئيس الحريري. وأعتقد أن نفس الكلام، وإن كان بنسبة أقل يصح على جمهور الرئيس نجيب ميقاتي. فالرئيس ميقاتي قد عمل معظم وقته على استقطاب مستقل عن تيار المستقبل، وليس كما فعل الوزير الصفدي. ومع ذلك فهو لا يملك قاعدة يمكنها أن تنافس قاعدة الرئيس الحريري.

نعتقد أنه لا منافس جدي للرئيس الحريري خارج الساحة الطرابلسية، اي أنه لايمكن طرح الأستاذ عبد الرحيم مراد كرئيس للحكومة في هذه الظروف.

إن عدم طرحنا للرئيس عمر كرامي كخيار للتغيير الحكومي هو لاعتقادنا أن الرئيس عمر كرامي لن يقدم على خطوة كهذه من دون تفاهم مع الرئيس الحريري نفسه.

إن الخطورة في طرح التغيير الحكومي في الظروف الحالية يحمل محاذير منها أن تكون الحكومة الجديدة كتلك التي ألفها الرئيس أمين الحافظ وأجبر على الاستقالة لأنها لم تملك تغطية شعبية سنية. فإذا حصل ذلك فإن خطة التغيير الحكومي تصبح خطوة ناقصة. وربما تكون سلبياتها أكثر من إيجابياتها. كما أن التغيير الحكومي لن يحظى بتأييد سعودي، كما أنني أزعم أنه لن يلقى تأييداً سورياً، مع التأييد الجدي السوري للمقاومة. ولكن هذا لا يمنع من رؤية سورية مختلفة للوضع الحكومي اللبناني عن تلك التي ترى ضرورة للتغيير الحكومي. لأنني أعتقد أن الرئيس الحريري لا يغرد وليس على استعداد للتغريد خارج السرب السوري وخاصة في الظروف الحالية والتي ترتدي قدراً كبيراً من الحساسية.

أما الأخطر من ذلك جميعاً هو أن يؤدي العمل على التغيير الحكومي إلى النتائج التالية

1 - اصطفاف مذهبي أخطر من كل ما حصل حتى الآن. وهذا يحمل أخطر المحاذير. فإعادة اللحمة إلى الساحة السنية سوف يكون على حساب الاتجاه المؤيد للمقاومة والاتجاه المعارض ضمن الساحة السنية.

2 – إزدياد قوة الاتجاه التغريبي داخل تيار المستقبل.

3 – انكسار الجرة ما بين حزب الله والرئيس سعد الحريري.

هل وصلت الأمور بين حزب الله والرئيس الحريري إلى طريق مسدود؟

صحيح أن الأمور شديدة الحساسية ولكنها لم تصل حتى الآن إلى طريق مسدود. لقد تحمس الوزير الصفدي كثيراً، عندما وجد تلميحات للتغير الحكومي وراح يصرح من دون تحفظ. علماً أن التلويح بالتغيير لا يعني بالضرورة تغييراً. لم يتدخل السوري في هذه الأزمة القائمة مابين حزب الله والرئيس الحريري والسوري لديه القدرة على حلها من دون تدخل السعودي. ومن الممكن أن يتمكن الطرفان المعنيان من حلها حتى من دون تدخل الأصدقاء المشتركين. إن الحفاظ على الاستقرار الداخلي هو مطلب حريري بقدر ما هو ضرورة لحزب الله وخاصة في ظروف التهديدات الاسرائيلية اليومية. ولكن ليس من العدل أن يضغط الرئيس الحريري في هذه الورقة لأنها ورقة العدو المشترك. أما بالنسبة للمحكمة الدولية فالرئيس الحريري يعلم حق المعرفة أنه لن يكون فاعلاً فيها إذا تناقضت رغباته مع المتطلبات التي يريدها المجتمع الدولي من خلال المحكمة الدولية. هذا يعني أن التفاهم الداخلي سوف يحمل الكثير من الايجابيات للرئيس الحريري أكثر من تلك التي يستجلبها الخضوع للمتطلبات التي يريدها المجتمع الدولي وأقلها القضاء على الاستقرار التي تنعم به بلادنا. فالتفاهم إذن ممكن ولكن لايمكن الوصول إليه من غير تواصل على مستويات رفيعة.

إذا لم يكن التغيير الحكومي ممكناً الآن فما هو المطلوب؟

إن الساحة السنية حبلى بالإمكانات الجدية للعمل الوطني، فاغترابها عن العمل المقاوم كان استثناء ولم يكن يوماً من بنيتها. ولكنها ساحة متروكة للتجارب. فالمعارضة لم تخلق يوماً عملاً جاداً يمكن أن يتصدى لأولئك الذين عملوا على نقل الساحة من المعسكر الوطني إلى المعسكر المضاد. وقيادات العمل الوطني لا تقوم بأي ممارسة جدية. إن الولائم لا تخلق عملاً، إنما تعطي انطباعاً أن اتجاهات الرياح قد تغيرت. أما الساحة فهي بحاجة إلى عمل جدي. إن معيار النجاح في هذه الساحة هو انقسامها العمودي بين الاتجاه الوطني والمؤيد للمقاومة من جهة والاتجاه المعادي لكل ما هو وطني والذي يعمل للارتباط بالغرب وتلقي الأوامر من السفارات.

عندما يصبح الأمر كذلك تنتفي المحاذير لأي طرح يبدو ضرورياً وفي مختلف الظروف.

22 آب 2010 حسن ملاط