بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

السبت، 5 مارس 2016

قراءة في القرار الخليجي

                       قراءة في القرار الخليجي
حسن ملاط
مقدمة
في ظل التوتير المتصاعد للخلافات المذهبية بين السعودية وحلفائها من جهة، وإيران وحلفائها، من جهة ثانية، قررت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية اعتبار ميليشيات حزب الله (من الحلف الإيراني)، بقادتها وفصائلها والتنظيمات التابعة لها والمنبثقة عنها، منظمة ارهابية.
كما وأعلن وزراء الداخلية العرب جماعة حزب الله اللبنانية جماعة إرهابية واتهموها بزعزعة الاستقرار في المنطقة العربية بينما تحفظ العراق والجزائرعلى ذلك.
أما ردود الفعل من أبرز المعنيين بهذين القرارين، فكانت على الشكل التالي:
1-   تحفظ وزير الداخلية نهاد المشنوق على فقرة تضمنها "إعلان تونس" الصادر عن وزراء الداخلية العرب وصفت "حزب الله" بأنه "إرهابي"، وذلك "صوناً لما تبقى من مؤسسات دستورية في البلد". (وليس لقناعته بعدم الصوابية).
2-   وصفت "كتلة الوفاء للمقاومة"، المعنية الأولى، القرار الصادر عن "مجلس التعاون الخليجي" الذي يصنف "ميليشيات حزب الله إرهابية" بـ"القرار الطائش والعدواني المُدان"، مُحمّلة "النظام السعودي مسؤولية صدوره وتبعاته، وهو يتلاقى في شكله ومضمونه مع توصيف العدو الاسرائيلي للحزب". ونددت الكتلة بـ"بيان مجلس وزراء الداخلية العرب حول وصف حزب الله بأنه إرهابي".
3-    الرئيس الحريري (غريم حزب الله المذهبي والسياسي)، قال إنه يريد الإبقاء على الحوار مع حزب الله. غير أنه عبر مجددا عن اعتقاده بأن مقاتلي الحزب في سوريا "ميليشيات إجرامية وغير قانونية". وقال إنها "متورطة في أعمال إرهابية في اليمن وسوريا".
الملاحظ أن هذه الردود الأفعال تعبر عن "إنعكاس شرطي"، أو كما عبر عنه العالم الروسي أو السوفياتي الشهير "Ivan PAVLOV" الحائز على جائزة نوبل للفيزيولوجيا، ب"réflexe pavlovien ou conditionné، لما قام به الإتحاد الخليجي ومجلس وزراء الداخلية العرب، أكثر منه "فعلاً سياسياً"، (acte politique). فجماعة "المستقبل" تؤيد أوتوماتيكياً ما يقرره المجلس الخليجي، في نفس الوقت الذي يعارضه "حزب الله".
إذا وضعنا هذه القرارات في إطارها الصحيح، نرى بأنه يمكن أن تحمل مدلولات خطيرة جداً تتطلب النظر إليها ببصيرة، وتتطلب بالتالي الرد عليها بإجراءات تنسجم مع دلالاتها ومع خطورة المرحلة.
المشهد الدولي
بعد الإنتصار على الإحتلال السوفياتي لأفغانستان، والذي شاركت فيه "القاعدة" بقيادة أسامة بن لادن، انقلبت هذه الأخيرة على تبعيتها لأمريكا، واعتبرت أنه يجب محاربة أمريكا في أي مكان في العالم. وفي أيلول 2011 اتُهمت القاعدة بتفجيرات أمريكا، وأهمها برجي نيويورك، وكانت نتيجة هذا العمل إعلان الإدارة الأمريكية حرباً لا هوادة فيها على المنظمات الجهادية الإسلامية. وكان فاتحتها إحتلال أفغانستان وإسقاط حكومة "طالبان" وتنصيب حكم عميل للإدارة الأمريكية. كما وأن هذه الأخيرة قد لاحقت العناصر الجهادية في الصومال والعراق وسوريا وخاصة في اليمن.
بعد احتلال العراق، ومساعدة الميليشيات العراقية التي تأسست في إيران للغزو الأمريكي، أخذ الجهاد الإسلامي طابعاً آخر، وذلك بمهاجمته للتجمعات الشيعية بحجة مساعدتها للإحتلال، بالإضافة إلى قتال قوات الغزو الأمريكي والبريطاني.
شاركت الكثير من الدول بإثارة النعرات المذهبية من أجل مصالحها، وكان بمقدمة هؤلاء السعودية وإيران وقطر.
تزامن ما اصطُلح على تسميته ب"الربيع العربي"، مع المفاوضات الإيرانية مع الدول الكبرى "5+ألمانيا" من أجل إيجاد الحلول للملف النووي الإيراني. هذه المفاوضات التي اضطُرت لها إيران بسبب العقوبات التي أثرت سلباً على معيشة كافة الشعب الإيراني، وكانت الغاية الإيرانية الأولى هو رفع هذه العقوبات وتنشيط الإقتصاد الإيراني المنهار.
نجحت هذه المفاوضات بعد أن مارست أمريكا وإيران شراكة في الملف العراقي وتغيير الأولويات الإيرانية بما يتوافق مع الإستراتيجية الأمريكية في منطقتنا. فقد أعلن المرشد الإيراني في أيار 2013 أن العدو الأول لإيران هم التكفيريون. وأن هؤلاء من يجب محاربتهم. و"هؤلاء" هم من أعلنت الحرب عليهم الإدارة الأمريكية منذ زمن بعيد. أما شعارات "الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل" فقد أصبحت للإستهلاك فقط.
أثبتت إيران مصداقيتها مع الولايات المتحدة في العراق وفي سوريا، ووصلت مفاوضات الملف النووي إلى نهايته السعيدة برفع العقوبات الدولية عن إيران.
المشهد الإقليمي
أدت الحروب الأهلية القائمة في سورية والعراق واليمن إلى تدخل معظم دول الإقليم بالإضافة إلى المجتمع الدولي بقيادة أمريكا وأخيراً روسيا التي باشرت حربها في 30 من أيلول الماضي.
حالياً، هناك اتفاق بين روسيا والإدارة الأمريكية على وقف العمليات القتالية في سوريا وبدء مفاوضات في التاسع من الشهر الحالي بين بعض الأطراف السورية المتقاتلة وبإشراف دولي.
الوقائع الحاكمة للمشهد العام
الإدارة الأميركية تريد مقاتلة "داعش" و"النصرة" وجميع المتطرفين من دون تحديد هوية هؤلاء. المنظمات المصنفة إرهابية أمريكياً هي "الدولة الإسلامية"، "النصرة" و"حزب الله". ولكنها تتعامل مع كل طرف تبعاً لما تراه مفيداً بالنسبة لسياستها. فهي تغض الطرف عن قتال "حزب الله" في سوريا، ولكنها تحاصره مالياً من أجل عدم السماح له بترجمة أو تفعيل وتشريع دوره لبنانياً نتيجة توسع دوره الإقليمي. ويكون بالتالي محاصراً سياسياً. ولا تمانع بإنهاء دوره العسكري لأنه انتصر على العدو الصهيوني في حربين متتاليتين.
روسيا تتحالف مع إيران وحزب الله في سوريا، في نفس الوقت التي تؤمن للعدو الصهيوني الأجواء المثالية للإعتداء على حزب الله وحلفائه. أو بصيغة أخرى، إن تحالف روسيا مع هذه الأطراف مرتبط بالضمانات المقدمة من الطرف الروسي للكيان الصهيوني بعدم "إعتداء" إيران أو حزب الله على هذا الكيان. وهذا هي الترجمة العملية لتغيير استراتيجية إيران من العداء لأمريكا والكيان الصهيوني إلى العداء لل"تكفيريين". وفي خطابه الأخير قال سماحة الأمين العام أن "مظلومية" الشعب اليمني هي أكبر من مظلومية الشعب الفلسطيني. وهذا تفسيره أن التناقض الرئيسي لأمتنا هو مع السعودية وليس مع الكيان الصهيوني. وهذا ما أعلنته إيران منذ أيار 2013.
هذه الإعلانات لا تغير قيد أنملة من عداء الكيان الصهيوني للحزب الذي مرغ أنف الجندي الصهيوني في التراب. ولكن تغيير اتجاه التناقضات يعطي دلالات أخرى.
عندما تكون دول المحور المتحالف مع أمريكا على تفاهم مع الكيان الصهيوني، بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر. وعندما تكون الدول المتحالفة مع روسيا على تفاهم (عدم اعتداء) مع هذا الكيان بشكل غير مباشر، ألا يعني أن هذا الكيان قد أصبح كياناً طبيعياً في المنطقة؟ أو بصيغة أخرى، ألا يصبح مشروعاً إقامة تفاهمات مشتركة على سياسات تخدم الأطراف المتحالفة في المنطقة؟ وهل هناك إعطاء شرعية أكبر من خوض معركة مشتركة من أجل القضاء على عدو مشترك؟
"حزب الله" أعلن الحرب على السعودية، والسعودية بدورها أعلنت حربها على الحزب من ضمن تحالف واسع. والكيان الصهيوني عدو تاريخي للحزب. أليس هذا هو التوقيت المثالي لإعلان حرب تصفية لحزب الله تقوم بها القوات الصهيونية بتغطية عربية وأمريكية (الأطراف التي تعتبر حزب الله منظمة إرهابية) وأوروبية، والتي تعتبر الجناح العسكري للحزب إرهابياً؟ حرب تقوم على البيئة الحاضنة للحزب، وتمنع مقاتلي الحزب المنتشرين في سوريا والعراق واليمن من العودة إلى ربوع الوطن.
هذا الكلام ينسجم مع ما تقوم به الدول الكبرى من إعادة تنظيم المنطقة تبعاً لمبدأ كيري-لافروف، بدلاً من سايكس-بيكو، وذلك بجعل لبنان بجيش شرعي واحد وليس بجيشين، تبعاً للتوصيف الجديد من الكيان الصهيوني لحزب الله.
إن التغطية السياسية التي يؤمنها القرار الخليجي والقرار العربي باعتبار حزب الله منظمة إرهابية يسمح لنا بالتفكير بهذا المنحى. أضف إلى أن عدواناً على لبنان بحجة القضاء على منظمة إرهابية من دون تجريم بيئتها الحاضنة يمكن أن يؤمن تغطية دولية لهذا العدوان. هذا ما توحي به ملاحظة النائب ياسين جابر: "الوفد النيابي اللبناني الذي زار واشنطن برئاسته، في النصف الثاني من شباط المنصرم، لمس تقبلاً أميركياً للأمر الواقع المتمثل بانخراط "حزب الله" في المعركة ضد التنظيمات الإرهابية على أرض ســوريا." أي على أرض سوريا، الحزب معاد للإرهاب ولكنه إرهابي على أرض لبنان. لذلك لا تناقض أمريكياً من الحرب على الحزب في لبنان وإعطاء الحرية له في سورية.
الوقائع توحي بأن شعار المرحلة القادمة هو تحويل حزب الله إلى حزب مدني من غير سلاح، يمارس السياسة في لبنان بالطريقة التقليدية التي تعودتها الطبقة السياسية اللبنانية.
                                                                  5 آذار 2016



الثلاثاء، 1 مارس 2016

لبنان والسعودية؟

                                             لبنان والسعودية؟
حسن ملاط
هي المرة الأولى التي تمر فيها العلاقات اللبنانية- السعودية بهذا التأزم الناتج عن تراكمات بسبب الحرب في سوريا التي يشارك فيها حزب الله في المعسكر المعادي للسعودية والموالي لإيران.
وللضغط على الحكومة اللبنانية، أقدمت الحكومة السعودية على تجميد الهبة المخصصة لمساعدة القوى العسكرية والأمنية ومقدارها 4 مليار دولار. ومن الجدير ذكره أن السعودية سبق وقدمت للبنان هبات ومنح مالية قدرها 70 مليار دولاراً على مدى ربع قرن من الزمان (معلومات عن موقع روسيا اليوم). وإذا أضفنا إلى هذا المبلغ كمية الدين والتي تزيد على 74 ملياراً من الدولارات، تكون المنهوبات من كل فرد لبناني هي ما يزيد على 37 ألف دولاراً، عليه تسديد نصفها كدين عليه لم يتصرف به.
هذه المليارات لم تغير شيئاً في أحوال المواطن اللبناني. فالآلاف من أصحاب الإختصاص بلا عمل، ونسبة كبيرة من السكان تحت خط الفقر (طرابلس هي المدينة الأفقر على حوض البحر المتوسط)، ولا بنى تحتية ولا كهرباء رغم المليارات التي أنفقت وما زالت تنفق عليها...
إن تأزم العلاقات مع السعودية يمكن أن يتضرر منه السياسيون الذين يستفيدون من الإنفاق السعودي في لبنان وليس المواطن العادي. أما بالنسبة للعاملين في الخليج، فهؤلاء يعملون لأن من يستخدمهم بحاجة إليهم.
ما سبب تأزم العلاقات؟
هناك أسباب عديدة تراكمت حتى أدت إلى هذا التطور الذي كان متوقعاً.
1-   تحسن العلاقات الأمريكية-الإيرانية الذي أدى إلى احترام المصالح الإقليمية الإيرانية من قبل الإدارة الأمريكية، والتي تراها السعودية متناقضة مع مصالحها في ظل التنافس القائم بين الدولتين الإقليميتين.
2-   عدم تمكن السلطة السعودية من تحقيق أهدافها في الساحة اليمنية الهامة جداً بالنسبة لها، بالإضافة إلى خذلانها من الباكستان ومصر.
3-   اتجهت السعودية إلى الساحة السورية للتعويض عن التعثر في اليمن، وذلك بالتحالف مع تركيا. ولكن أمريكا لم تتجاوب مع الثنائي التركي-السعودي.
4-   ترابط الساحة السورية مع الساحة اللبنانية جعل السعودية تربط بين تقدم النظام المدعوم من حزب الله وإيران وبين تراجع حظوظها بالموازنة بين تراجعها في الساحة اليمنية وإمكانية تعويضها في الساحة السورية من أجل المقايضات المستقبلية، عند البحث بترتيب الأوضاع في كافة ساحات الإقليم.
5-   عودة الرئيس الحريري إلى بيروت والتي كانت منسقة مع حزب الله، الذي فتح النار الإعلامية على السعودية منذ فترة، من قبل أمينه العام. فقد ارتفعت وتيرة التصعيد المذهبي كثيراً في الساحة اللبنانية التي أصبحت بحاجة إلى من يضبطها. ولا إمكانية لضبطها إلا من قبل الحريري وحزب الله. لذلك كان استدعاؤه، هذا أولاً. وثانياً، المصالح السياسية للرئيس الحريري والتي تتطلب تفاهماً مع حزب الله من دون المرجعية الإقليمية (السعودية)، التي خسرت الكثير من تأثيرها في الساحة اللبنانية. توجهات متناقضة للطرفين الداخلين يفرض عليهما تنسيقاً على أعلى المستويات.
6-   تصعيد الحريري ضد الحزب مضبوط من قبل الحريري نفسه. فهو يصعد كلامياً من دون السماح للقيام بأي إجراء يمكن أن يفسر كتوتير للأوضاع الأمنية القائمة. والتوتير الإعلامي مطلوب من أجل الإستثمار في الساحات المتناقضة، وهذا التناغم مطلوب ومضبوط من قبل الطرفين.
7-   الموقف العملي الذي أخذه وزير العدل أدى إلى قطيعة مع الحريري. وعندما هدد الوزير المشنوق بوقف الحوار مع الحزب، تراجع عنه الوزير في اليوم نفسه، بعد اتصال من الحريري.
8-   ما تقدم جعل السعودية تشعر أنه لا يمكنها أن توجه الساحة اللبنانية بشكل يخدم سياستها الإقليمية. فأقرب المقربين لها يلعب لعبته الخاصة بالإستقلال عنها بسبب ضعف تأثيرها في هذه الساحة. لذلك رأت ضرورة مراجعة حساباتها.
ما هي المآلات المتوقعة لهذا التصعيد السعودي؟
هناك احتمالات متناقضة، فإذا تركت السعودية الساحة اللبنانية، سيسمح هذا للحزب أن يزيد من فعاليته في الساحة السورية مما يؤثر سلباً على حلفاء السعودية في سوريا.
أما إذا اتجهت للمواجهة العنيفة في الساحة اللبنانية، فهذا الخيار غير ممكن بسبب عدم امكانيتها على بناء جيش يوازي معشار قوة الحزب العسكرية مضافاً إلى تجارب ميدانية تزيد على ثلاثة عقود.
أما خيار التوتير الأمني، وهو الأسهل، فقد يكون من الصعوبة بمكان استثماره سياسياً، لأنه يتوسل خراب البلد.
حزب الله لا ينوي تخفيف التوتر مع السعودية، بل هو في طريق تصعيده، حيث أن الأمين العام اعتبر مظلومية الشعب اليمني أكبر من مظلومية الشعب الفلسطيني. وهذا يعني أن قتال السعودية أصبح أولوية بالنسبة للحزب أكثر من قتال العدو الصهيوني. ولكنه لا يزال عند اقتراحه بالتقاتل مع أعدائه خارج الساحة اللبنانية، وهو اقتراح وجيه، فهل تقبل السعودية بمساعدة حلفائها على التنافس السلمي مع الحزب في لبنان ومحاربته خارج البلد، في الساحة التي تختارها: سورية، العراق أو اليمن؟
نقطة الضعف الوحيدة عند الحزب، هي أنه لا يمكنه الإستئثار بالسلطة السياسية لأن الولايات المتحدة لا تقبل بذلك. والنتيجة ستكون الإنهيار الإقتصادي. هو يعلم أنه يمكنه السيطرة العسكرية على البلاد ولكن ليس السيطرة الأمنية. من أجل ذلك، ليس من بديل عن التشارك. وهذا التشارك طرفه الآخر هو الحريري، الذي يعرف بدوره حاجة الحزب له. لذلك عاد متجاوزاً كل المخاوف الأمنية.
من هنا، نرى بأن كل ما يمكن للسعودية أن تفعله، هو العمل على دعم التحالف المنافس للحزب من أجل الضغط السلمي على هذا الأخير للإنسحاب من الساحات الخارجية حفاظاً على قوته في مواجهة العدو الصهيوني.
                                                                  1 آذار 2016
hassanmallat.blogspot.com




الجمعة، 12 فبراير 2016

ماذا عن سوريا "المفيدة"؟

                        ماذا عن سوريا "المفيدة"؟
حسن ملاط
بعد أن قضى على المعارضة الشعبية غير المسلحة، والتي لم يعد بإمكانها التحرك السلمي بعد انتشار السلاح والإفراج عن المجرمين المسجونين، واستخدام السلاح ضدها، لجأ النظام إلى تكتيكات أخرى. أفرج عن المتطرفين الإسلاميين على أن لا يقوموا بعمليات ضد قوات النظام، وراح يدعم قاعدته المذهبية والتي تضم أقليات متحالفة معه من ضمن سياسة حلف الأقليات، على أن تصبح المنطقة الساحلية هي المنطقة الآمنة، ثم تمددها على أن تشمل حمص ودمشق مع منطقة القلمون.
وبالرغم من تخلي النظام عن الجزء الأكبر من سورية، لم يتمكن من تأمين الحماية للجزء الذي اختاره من البلاد، حتى مع المساعدة غير المسبوقة من النظام الإيراني والذي أمده بالمال والرجال والعتاد، من دون أن نغفل عن إغداق الروس للنظام بالسلاح أيضاً.
في خطاب للرئيس الأسد بعد أن تمكنت "الدولة الإسلامية" من الإستيلاء على تدمر، قال بأن لا مانع لديه من التخلي عن بعض الأراضي من أجل حماية المناطق المفيدة. فتعبير سوريا "المفيدة" هو من اختراع الرئيس.
على كل حال، اضطُر الأسد والنظام الإيراني إلى اللجوء إلى الروس من أجل حماية النظام من الإنهيار.
كان التدخل الروسي من ضمن خطة عسكرية وسياسية واضحة ومدروسة. ذلك أن الروسي لا يمكنه المغامرة المسلحة لوقت طويل بسبب الأزمة الإقتصادية الخانقة التي يعانيها، يُضاف إليها التدهور الكبير لأسعار النفط والإنهيار بسعر الروبل الروسي والذي كان قبل المقاطعة الغربية 34 روبل للدولار والذي أصبح الآن 85 روبل للدولار الواحد. وقد حذر رئيس الوزراء الروسي مرات عدة من الوضع الإقتصادي المتدهور، حتى أنه استخدم عبارة "عدم الإمكانية على الصمود".
الخطة العسكرية التي استخدمها الروسي هي البدء بتأمين سورية المفيدة وهي اللاذقية وطرطوس وحمص ثم دمشق. وبعدها انتقل إلى التوسع باتجاه ريف حماه فحلب وريفها. كما واتجه إلى الجنوب في درعا.
هذا التوسع يجعل الروسي على تماس مع التركي شمالاً، ومع لبنان غرباً ومع الكيان الصهيوني والأردن جنوباً. وحدوده مفتوحة مع البحر من دون أي عائق.
ما هو المضمون السياسي لهذه الخريطة العسكرية التي تحدثنا عنها؟
إنطلاقاً مما صرح به الرئيس الروسي بأنه جاء إلى سوريا للدفاع عن روسيا من سوريا، وأنه جاء للدفاع عن الأقليات الدينية وخاصة المسيحيين، من أجل ذلك كان دعم الكنيسة الروسية له والتي أسمت هذه الحرب بال"مقدسة". نرى أن سوريا "المفيدة" تحمل المضامين التالية:
1-   هذه السوريا تضم الأقليات المسيحية والعلوية والإسماعيلية والشيعية والدرزية والكردية والتركمانية وغيرها من الإتنيات. وتضم أيضاً "الأقلية السنية المفيدة". الأقلية السنية التي تعاونت تاريخياً مع الرئيس حافظ الأسد كما وتعاونت مع خليفته بشار. في سوريا "المفيدة" يوجد عدد كبير من السنة المتعاونين تاريخياً مع النظام والذين يمثلون البورجوازيات المدينية، وخاصة حلب ودمشق.
2-   المنطقة الشرقية المحاذية للعراق والتي تضم الأكثرية السنية والتي لا يمكنها أن تكون فاعلة سياسياً، فلا بأس من تفاعلها مع غربي العراق لأنها لا يمكنها التأثير سياسياً في الإتجاه الغالب للسياسة السورية والذي سيقوم على حكم أقلوي بامتياز.
3-   إن حكماً كهذا لا يمكنه أن ينتج مواطنين، بل كائن مذهبي طوائفي، كل ما يتمناه من "وطنه" (هذا الكائن) هو ما يمكنه أن يحصل عليه من منافع خاصة.
4-   وبما أن هذا النمط من التكافل الطائفي المذهبي الإتني لا يخلق تضامناً وطنياً، فهو بحاحة إلى جهاز أمني لحمايته. من أجل ذلك نرى بأن الولايات المتحدة تحرص على المحافظة على كيان الجيش السوري حتى يلعب دوراً أمنياً في حماية التوازن الداخلي بين مختلف مكونات المجتمع السوري.
5-   وهذا النمط هو للتعميم في إقليمنا. ففي لبنان يوجد مجتمع طوائفي مذهبي، وفي العراق أيضاً. كذلك في اليمن والأردن وفلسطين. ودول الخليج لا تختلف عن أخواتها العربيات. أما السؤال فهو: هل تظل إيران وتركيا بعيدتان عن هذه الكأس السامة لأمد طويل.
6-   الإتفاق الأميركي الروسي يقوم على القضاء على الإرهاب الإسلامي وتفكيك المجتمعات وحماية الكيان الصهيوني. ما هو الحاصل الآن"؟
"حذر رئيس الوزراء الروسي دميتري ميدفيديف من "حرب عالمية جديدة" في حال حصول تدخل بري عربي في سوريا". التحذير هو من التدخل العربي! وماذا يعني التهديد بالتدخل البري؟
هذا التهديد الأمريكي لا يحمل إلا معنىً واحداً وهو: ضرورة احترام حدود الإتفاق. لا ننسى أن الإنبهار بنصر ما يُغري بتمدد ذي طابع ميكانيكي، إن لم يجر ضبطه، يساهم في تغيير موازين يؤدي بدوره إلى تعديل في التوافق. من هنا ضرورة ضبطه. لذلك كان التهديد بالتدخل البري والذي لن يحصل كما يبدو. فكما قلنا في البداية، الروسي لا يمكنه أن يخوض حرباً طويلة.
خلاصة
استراتيجية سوريا "المفيدة" هي الوصفة التي تجعل من الكيان الصهيوني دولة طبيعية في منطقتنا تحمل نفس مواصفات مختلف المجتمعات المحيطة. كما أن هذه الاستراتيجية تقضي على أي إمكانية مستقبلية لإنتاج مجتمع مواطنين في إقليمنا. هذه المواصفات هي التي تؤمن الظروف المثالية لاستنزاف خيرات بلادنا من الرأسمال المعولم. والإتجاه المستقبلي للعولمة النيوليبيرالية هو القضاء على جهاز الدولة القطرية، فكونفيديرالية الطوائف هي وصفة مثالية لعدم التمكن من إنتاج دولة.
                                                                 12 شباط 2016

hassanmallat.blogspot.com

الثلاثاء، 9 فبراير 2016

تأملات في الوضع الراهن

                                 تأملات في الوضع الراهن
حسن ملاط
هذا ليس تحليلاً سياسياً للأوضاع الراهنة، إنما تأملات.
1 – تسلمت أمريكا العراق دولة موحدة وحولته خلال سنوات قليلة إلى مصنع للتطرف الديني، الطائفي والمذهبي، ومصنع للتطرف العرقي: عرب، أكراد، تركمان، أشوريون، أيزيديون ووو...إلخ. ومصنعاً لحروب لا تنتهي. حروب أهلية، تدمر ولا تبني. أما آخر التقليعات هي بناء سور عازل يمنع تسلل عناصر من مذاهب مختلفة إلى بغداد. يدمرون مدن الأنبار، تحت الرعاية الأمريكية، ويمنعون الأهالي السنة من الدخول إلى بغداد، هرباً من الجحيم.
في ديالى، يحصل نفس الشيء، الإيرانيون يطردون الأكثرية السنية من هذه المحافظة العراقية لأنها محاذية لإيران. بيوت دُمرت وبيوت تغير ساكنوها، فأصبحوا إيرانيين بدلاً من أن يكونوا عرباً عراقيين. هذا ما دفع رئيس البرلمان العراقي إلى الذهاب إلى واشنطن لطلب المساعدة الأمريكية لطرد الإيرانيين وإعادة العراقيين المطرودين إلى ديارهم...
ما تفعله إيران والميليشيات الموالية لها في ديالى وبغداد وصلاح الدين، وما يفعله الجيش العراقي برعاية أمريكية مباشرة في محافظة الأنبار ليس مساعدة للشيعة أو دعماً لهم، إنما هو تدمير العراق وتفتيته، بحيث يصبح من المستحيل إعادة توحيده. وهذا ما يمكن الإدارة الأمريكية من الإستيلاء على ثرواته، مع توزيع بعض الفتات على المتعاونين معها.
من الذي سمح للآليات العسكرية بالدخول إلى الموصل واحتلالها، وتأسيس الدولة الإسلامية؟
2 – سوريا، وضعها لا يختلف عن جارتها العراق. طالب الناس بحقوقهم، فتحولت إلى حرب طائفية ومذهبية. هذا يدافع عن المزارات، وذلك يدافع عن أبناء الطائفة الموجودين في البلد المجاور. ومنهم من جاء يدافع عن الدين. المهم أن كلاً من المدافعين يتبع إلى جهة معينة تمده بالتمويل من أجل تدمير ممتلكات الشعب السوري، وتحويله إلى شعب لاجئين.
إيران رفعت شعار الدفاع عن الأقليات، ولكنها لم تتمكن من الإنتصار على الأكثرية، لذلك استنجدت بقوة غاشمة خارجية هي روسيا التي أعلنت حربها المقدسة (بتأييد من الكنيسة) دفاعاً عن المسيحيين والعلويين والنظام. ثم تطور الشعار فأصبح الدفاع عن الأقليات. وبذلك تكون قد انتزعت الشعار من إيران، لأنها هي الأقوى ويمكنها التدمير من دون أن تتوقع العقاب من أهل سوريا لأنها بعيدة.
3 – الملاحظ أن الحروب في سوريا والعراق تحصل في الأماكن حيث تتواجد الأكثرية السنية. وبما أن السنة هم الأكثرية في الإقليم، وبما أن هذا الإقليم يجب أن يكون إقليم الأقليات، لذلك وجب أن تتحول جميع مكونات هذا الإقليم إلى أقليات بحيث يصبح من المستحيل التعايش دون حمايات أو إشراف أجنبي.
4 – في لبنان يوجد أكثر من مليون ونصف مهجر سوري وحوالي نصف مليون فلسطيني سوري ولبناني. بدأت الأونروا بتقنين المساعدات للفلسطينيين، وهذا مؤشر خطر، بحيث تصبح مسؤولية هؤلاء على البلد المضيف. وبالنسبة للبنان، من المستحيل أن يتمكن من تأمين عمل لهؤلاء، خاصة إذا علمنا أن عدد المهاجرين السنوي من اللبنانيين هو حوالي 83 ألف لبناني لا يجدون عملاً في بلدهم.
تصوروا أن تبادر الدول التي تساعد المهجرين السوريين إلى توقيف المساعدات أو تقنينها. ما الذي سيحصل في لبنان؟
عندها ستبدأ بوادر التحلل المجتمعي بحيث لن تقدر أية قوة أن تحافظ على السلم الأهلي.
من بدأ بالفلسطينيين، ما الذي يمنعه من أن يكمل مهمته بالسوريين. إن المؤشرات توحي بأن الحلول المطروحة للمنطقة تقوم على تقطيع أوصال اللحمة القائمة بين مختلف مكونات أهالي المنطقة. المكونات هي خليط من المذاهب والطوائف والإتنيات... ففي الأردن، مثلاً، الحساسيات الأردنية الفلسطينية والتي سيضاف إليها السورية، إلى جانب النشاط الذي يقوم به بعض من من يسمى بالمسيحيين المشرقيين (بقايا اليسار الأردني والفلسطيني) من أجل القضاء على اللحمة المجتمعية خدمة لحلف الأقليات.
في لبنان 17 طائفة بالإضافة إلى الفلسطينيين والسوريين والعراقيين.
في سوريا، لا يختلف الوضع عنه في لبنان وفي العراق أيضاً. من يعيد اللحمة بين هذه المكونات، خاصة أنه لا يوجد أي تنظيم أو حزب يطرح شعارات العمل من أجل الوحدة المجتمعية.
في إيران، خليط من الإتنيات والمذاهب والأديان، وكذلك في تركيا.
هل يُعمم النموذج "الإسرائيلي" على جميع دول الإقليم، حيث أن الحصانة المجتمعية قد سقطت بعد أن تحولت بوصلة الحروب من العدو الصهيوني إلى "الأعداء" الداخليين. هذا النوع من الحروب الذي أنهك الأمة على امتداد تاريخها.
إن الآلية التي تتعامل بها القوى الفاعلة مع الأحداث التي تجري في إقليمنا لا تخدم إلا أعداء شعوب هذا الإقليم، سواء كانت هذه القوى دولاً أو أحزاباً أو منظمات.
تصوروا أن تتحول بلادنا إلى كانتونات: أربعة أو خمسة في تركيا، سبعة أو ثمانية في إيران، وكذلك في سوريا والعراق، إثنان في كل إمارة من إمارات الخليج. هل هذه هي الأمة الواحدة؟
نحن بحاجة إلى التفكر!
                                                                                    9 شباط 2016
hassanmallat.blogspot.com


السبت، 6 فبراير 2016

في الوضع السوري والجوار

                          في الوضع السوري والجوار
حسن ملاط
قبل التحدث عن اتجاهات الوضع السوري وتفاعلاته مع الجوار، علينا أن نحدد من يوجد في سوريا.
بدأت الأحداث في سوريا في آذار 2011 عندما كتب بعض الطلاب بعض العبارات التي تطالب بالحرية. فما كان من النظام القمعي إلا أن تعامل معهم بالعنف الوحشي. تظاهر الناس استنكاراً، فأطلق النظام عليهم النار. هذا الوضع أدى إلى احتجاجات سلمية في العديد من المدن السورية، كان النظام يجابهها بالعنف والقتل.
استغل أعداء الشعب السوري الوضع المتفجر في البلاد واستغل أعداء النظام الوضع المتفجر وأمدوا بعض المعارضات بالسلاح. أخاف هذا الوضع المستجد النظام فكانت المجابهة العنيفة منذ البداية. وأخرج النظام المساجين من جميع الفئات الإجرامية من السجون وسلحهم وتركهم يعيثون في المجتمع فساداً.
رغم هذه الأساليب اللاأخلاقية، لم يتمكن النظام من قمع الناس، فلجأ إلى المساعدة الإيرانية، ولجأت بعض المعارضات إلى المساعدات السعودية والقطرية والتركية.
لم يتمكن الإيرانيون وميليشياتهم من العديد من الجنسيات من الإنتصار على المعارضات المتعددة الجنسيات أيضاً، فما كان من النظام السوري ومن الإيرانيين إلا أن طلبوا المعونة الروسية للقضاء على المعارضة، والتي اصطُلح على تسميتها "التكفيريون".
لا بد من التذكير هنا بأن التحالف الغربي كان يشن الغارات الجوية على "التكفيريين" قبل التدخل الروسي. وجميع الإنتصارات التي حققتها الميليشيات المذهبية العراقية المؤتلفة تحت اسم "الحشد الشعبي"، وبقيادة الحرس الثوري الإيراني، كانت بمعونة التغطية الجوية الأمريكية وبتحضير الأرض من قبل الأميركيين لدخول هذه الميليشيات.
هذا لا يعني أن أمريكا تساعد الحكومة العراقية، ولكن يعني أن هذه الحكومة هي عميلة للإدارة الأميركية، فهي تستعين بالقوى الخارجية لقتال شعبها.
بالعودة إلى سوريا، القوات الغازية الروسية جاءت إلى الأراضي السورية لتدمير المدن والقرى السورية على رؤوس أهلها بطلب من الحكومة العميلة، والتي لا تمثل الشعب السوري لأنها استدعت قوات أجنبية لقتل شعبها. هذا يذكر بما فعلته حكومة سايغون في ما كان يُدعى فيتنام الجنوبية، عندما استدعت القوات الأمريكية الغازية للدفاع عنها وقتل الشعب الفيتنامي.
المقاومة الفيتنامية التي كانت الصين الشعبية والإتحاد السوفياتي يمدانها بالسلاح، لم تطلب منهما الدخول إلى أراضي فيتنام الشمالية للدفاع عنها أمام جبروت آلة القتل الأمريكية لأن حكومة فيتنام الشمالية لم تكن حكومة عميلة لا للصين ولا للإتحاد السوفياتي. حتى أنها لم تسمح لهاتين الدولتين الحليفتين بالتدخل في المفاوضات بينها وبين الحكومة الأمريكية.
أما في سوريا فالإنتصار، إن حصل، لن تحققه الحكومة السورية ولا الحكومة الإيرانية ولا ميليشياتهما، إنما ستحققه روسيا وجيشها الغازي.
على جبهة المعارضة، الوضع لا يختلف كثيراً. هذه المعارضات تستمد سلاحها من السعودية وقطر وتركيا، وهي مرتبطة بهذه الدول. وهذه مرتبطة بدورها بأمريكا، لذلك فإمدادات الأسلحة للمعارضة السورية المسلحة مرتبطة بقبول الولايات المتحدة بذلك.
دعونا نضع القضية في إطارها الصحيح، ابتداءً من الإطار الدولي فالإقليمي وصولاً إلى المحلي.
دولياً
لم تقبل الإدارة الأمريكية إعطاء روسيا صفة الدولة العظمى، وفرضت عليها حصاراً صاروخياً. ولكنها قبلت أن تعطيها صفة الدولة الإقليمية الكبرى. لذلك نرى الإدارة الأمريكية تتعامل مع الروس تبعاً للملفات بشكل منفصل، وليس تبعاً لتخطيط استراتيجي كما كانت تفعل مع الإتحاد السوفياتي السابق. فالملف الأوكراني منفصل عن الملف السوري على سبيل المثال. ودليلنا على ذلك هو التعاون مع روسيا وتأييدها لاحتلالها سوريا، في نفس الوقت التي تحاصر فيه روسيا أوروبياً. فقد قررت الإدارة الأميركية تخصيص حوالي ال4 مليار دولار كمعونة عسكرية لدول البلطيق (المعادية) لروسيا وبعض دول أوروبا الشرقية المحيطة بروسيا تحت قيادة حلف شمال الأطلسي. ولم تقبل بإزالة الدرع الصاروخي الذي يحاصر روسيا، مع أنها اتفقت مع إيران حول ملفها النووي (أمريكا كانت تدعي ىأن الدرع الصاروخي هو لحماية أوروبا من الإعتداآت الإيرانية المحتملة). كما أنها لا تزال تزيد من عقوباتها الاقتصادية على روسيا مما اضطُر هذه الأخيرة إلى رفع سعر الفائدة البنكية، حتى لا تنهار الروبل أكثر مما هي عليه من الإنهيار. وهناك اتجاه لبيع أصول الدولة الروسية شريطة أن لا يستدين الشاري من البنوك الروسية.
أما في سوريا، فالتعاون على أشده بين الإدارة الأمريكية وموسكو، وسنوضح هذه النقطة عندما نتحدث عن الوضع المحلي.
إقليمياً
الدول الإقليمية الناشطة والتي يمكن لها أن تلعب دوراً فعالاً هي إيران، تركيا، الكيان الصهيوني والسعودية تتدرج في هذا المضمار.
إيران وتركيا تتقاطع مصالحهما في ملفين اثنين على الأقل: الملف الكردي والملف الإقتصادي. علينا أن نتذكر بأن أول كيان كردي كانت عاصمته مهاباد في إيران، وأن المناطق المحاذية لتركيا والعراق هي مناطق كردية. لذلك فكل نمو للحركة الكردية باتجاه انفصالي سيؤثر على إيران (عدد أكرادها حوالي 10 مليون) كما تأثيره على تركيا والعراق وسوريا.
أما بالنسبة للملف الإقتصادي، فإن أسهل طريق لتصدير النفط والغاز الإيراني هي عبر تركيا. كما أن كل غاز أو نفط يُصدر إلى أوروبا يعد انتقاصاً من حصة روسيا في هذه المنطقة. لذلك الكلام عن بيع النفط الإيراني للشركات الروسية لا مستقبل له بسبب عدم إمكانيتهما على تأسيس احتكار منافس في السوق النفطية لأن توافر هذه المادة هو أكثر من حاجة السوق لها.
الإختلاف بينهما يتمثل في الملف السوري والملف العراقي. فكل منهما يمتلك رؤية مختلفة عن جاره. وهذا ما أدى إلى الموافقة الأمريكية على تسليم القضية السورية لروسيا. وتتولى الإدارة الأمريكية بنفسها الملف العراقي.
أما بالنسبة للكيان الصهيوني، فالظاهر أن جميع الأطراف ملتزمة بعدم التصارع مع الكيان الصهيوني ما دامت الملفات الأخرى لم تُحل بعد. وبدا ذلك جلياً بالتعمية على العدوان الصهيوني الذي أدى إلى استشهاد سمير القنطار الذي قامت به القوات الصهيونية بتغطية روسية وبصمت من جميع الأطراف.
الإدارة الأميركية تمكنت من إلزام جميع الأطراف بضرورة التقاتل فيما بينها. وهذا ما يحصل في سوريا والعراق واليمن والبحرين...
أما بالنسبة للسعودية، فقد أعلنت أخيراً أنها على استعداد لبعث قوات برية إلى سوريا لقتال داعش. وهذا الإعلان يدل على أن ولي ولي العهد قد وصل إلى يقين بعدم إمكانيته على تحقيق نصر في اليمن. وحتى لا يعلن انكفاءه، أعلن عن استعداده للحرب في سوريا.
الوضع المحلي
من يتطلع إلى كيفية قيادة الحرب من قبل روسيا في سوريا، يصل إلى يقين إلى أن هناك توافقاً بينها وبين الإدارة الأمريكية على استبعاد أية أدوار رئيسية لتركيا وإيران. القوات الروسية تركز على المناطق المحاذية لتركيا لتمنع التواصل معها. وهذا يعني تحجيماً لدورها. أما بالنسب لإيران وميليشياتها، فهي تعمل تحت الإدارة الروسية وضمن استراتيجيتها. وهذا يعني أن أي دور مستقبلي لإيران في سوريا تحدده الدولة الأكثر فعالية وهي روسيا. صحيح أن روسيا لا يمكنها أن تنفي أي دور لتركيا في سوريا لأن هناك 950 كلم من الحدود المشتركة، ولكن يمكنها تحجيم دورها. وبذلك تلعب روسيا الدور الأهم في سوريا وبرضى من الولايات المتحدة.
قامت الإدارة الأمريكية بتدريب عناصر سورية في الأردن وتركيا. والعمليات الروسية تتم على حدود هذين البلدين. أليس لافتاً أن الإدارة الأميركية لا تزود هذه المعارضات بأسلحة فعالة وتمنع حلفءها من السعوديين والقطريين والأتراك من تزويد هذه المعارضة بالأسلحة الفعالة. أمريكا تعلم أن ما هزم الإتحاد السوفياتي في أفغانستان هي الصواريخ المضادة للطائرات، هذه الصواريخ الممنوعة عن المعارضة السورية.
أمريكا لا تريد هزيمة روسيا في سوريا، لأن هناك تفاهماً على ملف الشرق الأوسط. والذي يتلخص بحماية أمن الكيان الصهيوني، تصفية الإرهاب السني، منع الدول الإقليمية من لعب دور رئيسي في الإقليم وأخيراً تنظيم شؤون استخراج الطاقة، بحيث لا يؤثر بشكل سلبي على الإقتصاد الروسي ولا على استخراج النفط الصخري الأمريكي المكلف.
سوريا باتجاه الحلول، ولكن بعد إنهاك جميع القوى المشاركة في الحرب بما فيها روسيا نفسها.
                                                  6 شباط 2016