بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الأربعاء، 27 نوفمبر 2019

في الوضع اللبناني

مر على انتفاضة الشعب اللبناني أكثر من أربعين يوماً. كما ومر على استقالة الحكومة حوالي الشهر. وكما هو معلوم لم تبدأ الاستشارات الملزمة لاختيار رئيس لمجلس الوزراء، والتي يُجريها رئيس البلاد. ما هي الأسباب الكامنة وراء التسيب القائم في الوضع اللبناني على مستويات متعددة؟ 1- كانت الانتفاضة الشعبية التي قام بها الناس تطرح مطالب عادلة بالنسبة لغالبية الشعب اللبناني، وخاصة الاقتصادية منها. أما المطالب السياسية فلم يكن هناك توافق عليها من جميع الساحات، وخاصة السياسية منها والتي لا بد منها كمدخل للاصلاح الحقيقي على البنية السياسية اللبنانية. 2- هذا الحدث السياسي، كما كل حدث، يمكن أن يفيد منه أطراف مختلفة سياسياً. وليس من الضروري المشاركة فيه حتى يحصل على هذه الاستفادة. فخلاف القوات اللبنانية مع التيار الوطني معروف. والمظاهرات ضد الحكومة، خاصة بعد استقالة وزراء القوات، يُعد إيجابية بالنسبة للقوات. وليس القوات بمفردها إنما أطراف أخرى ايضاً. 3- القوة الأهم في الساحة اللبنانية هو حزب الله. أين هو من هذا الحراك؟ أ‌- إعتبر الحزب على لسان أمينه العام أن المطالب التي يرفعها الحراك هي مطالب مُحقة. ولكن الحزب لم يشارك المنتفضين في حراكهم. إنما وقف مراقباً. ب‌- جاء الموقف الايراني من الحراك القائم في العراق وأضاف إليه الحراك اللبناني مشككاً بدوافعه واعتبر أن هذه الحراكات موجهة ضد الحزب وضد إيران. كما وأضاف بأنه موحى به من الادارة الأمريكية. وأعلن أن تحقيق المطالب المحقة للناس تمر عبر الآليات القانونية. ت‌- بما أن هذا الموقف صدر عن أعلى مرجعية بالنسبة للحزب، رأى الأخير أن عليه التزام هذا الموقف. ث‌- هنا بدأ التشكيك بالانتفاضة وبدوافعها وبدأت المحاولات لشيطنتها. ولكن حيث أنه لا فائدة من الهجوم النهائي عليها قبل وضوح الرؤية بالنسبة للوضع العراقي، بعد أن حُسم الوضع الايراني حسب المصادر الرسمية الايرانية، كانت هناك مناوشات ولا تزال. علماً أنه يُمكن وضع هذه المناوشات ضمن إطار التحضير لمحاولة ضرب الانتفاضة. هل ما حصل على الرنغ هو خارج السياق؟ الجواب هو النفي. فبعد صدور الموقف الايراني الواضح بالنسبة للانتفاضة، أصبح لزاماً على الحزب التحضير للتخلص منها. أما العوامل المستجدة والتي تحمل أهمية خاصة فهي التالية: 1- القوات والكتائب والمستقبل والاشتراكي المشاركون في الحراك لم يطرحوا أية مطالب مستفزة للحزب. فهم لم يتحدثوا أبداً عن سلاح الحزب منعاً لاستفزاز الحزب. 2- تبين من هذا الحراك أن تيار باسيل لا يملك القوة الشعبية التي تُغطي الحزب في البيئة المسيحية والتي يتحجج فيها الحزب في تحالفه مع التيار. 3- كما وتبين أن الساحة الدرزية موكلة عملياً إلى جنبلاط، وأن حلفاء الحزب لا يملكون القوة التي تمكنهم من مؤازرة الحزب في حال احتاج إلى ذلك. 4- أما على الساحة السنية، فالحزب يريد الحريري لأنه الوحيد الذي يمكنه تغطية الحزب وسلاحه سنياً، وهذا صحيح حالياً. 5- لذلك كان لا بد للحزب من الهجوم على الحراك، ليس بنية التخريب ولكن من أجل استدعاء الأطراف إلى طاولة المفاوضات من أجل إنتاج توافق جديد بدلاً من القديم الذي تبين عدم صلاحيته راهناً. ما معنى التمسك بالعهد وبتحالف الحزب مع التيار الوطني؟ الحزب لا تنقصه الدراية في متطلبات المفاوضات مع مختلف الأطراف. فهو لا يمكن أن يذهب لمفاوضة القوات أو استدعائها للمفاوضات إلا وتحالفه مع التيار الوطني في جعبته. كما وأنه يفاوض جنبلاط ومعه أرسلان ووهاب. أما الحريري فيبدو أن التفاهم بينهما لا تشوبه شوائب كبرى سوى تمسك الحريري بحليفيه المسيحي والدرزي. وبما أن الانتفاضة يضعها الحزب في جعبة هذه الأطراف، لذلك يرى أن عليه إخراجها من جعبة المتفاوضين. هل يُمكن للوضع أن يتوتر أكثر مما هو حاصل حالياً؟ نحن نرى أن الاجابة على هذا السؤال مرتبطة بوضع الانتفاضة العراقية ومآلها وبانعكاساتها على الوضع السوري والايراني. لذلك سنبقى في حال الانتظار متأملين بأن تسفر المفاوضات المرتقبة بين الأطراف اللبنانية إلى نتائج إيجابية تُعفي لبنان من التوترات المُحتملة. أين أمريكا من الحراك؟ أمريكا كمؤثرة على الأوضاع في جميع البلاد يُمكنها الاستفادة من الحراك بمحاولة فرض قيود على حركة الحزب، وخاصة الاقليمية. ولكنها ليست فاعلة في الحراك حالياً. كما وأن الحزب يمكنه أن يمنع الادارة الأمريكية من الافادة من الحراك بتأييد المطالب المحقة، المطلبية منها والسياسية وأخذ زمام المبادرة. لا يضير الحزب محاربة الفساد. كما ولا يضير الحزب الانتخابات من دون قيد طائفي. كما ولا يضير الحزب الانتخابات المبكرة... إلخ كما وأن الحزب كأهم قوة فاعلة في الساحة اللبنانية يمكنه حسن اختيار الحلفاء وتحييد غير الحلفاء، وذلك بربط سياسته بمطالب القوى الشعبية: الضمانات الاجتماعية، المباشرة فوراً بالتزريع والتصنيع الزراعي وتصنيف الأراضي حتى لا تتحول الأرض إلى سلعة بدلاً من أن تكون وسيلة إنتاج. إضافة إلى أن من يكون جاداً في قتال العدو، عليه أن لا يربط مأكله ومشربه بالعدو، إنما بالاعتماد على نفسه وعلى شعبه... إلخ 26 تشرين الثاني 2019

السبت، 9 نوفمبر 2019

محور الممانعة

                    
                   كيف ينتصر؟
مقدمة
إذا سلمنا جدلاً بأن المحور الذي تقوده إيران والذي يضم العراق وسورية وحزب الله اللبناني والحوثيين اليمنيين وغزة، قائم فعلاً، يصبح السؤال عن كيفية انتصاره جائزاً.
1-  منذ انتصار أمريكا على العراق الموحد الذي كان يرأسه الرئيس صدام حسين، تحول هذا البلد إلى بلد مفكك يتألف من تآلف طوائف تقوده رجالات جعلت منه البلد الأكثر فساداً. العراق من البلدان الغنية بموارده، ورغم ذلك يعيش شعبه حياة الكفاف. هذا ما أدى إلى الثورة القائمة اليوم بالرغم من عظم الشحن المذهبي. فقد اعتبر معظم شيعة العراق أن من يقود الدولة من الشيعة المرتبطين بإيران، هم المسؤولون عن الفساد القائم. وقد مارس النظام أسوأ أنواع القمع مع شعبه، ما أدى إلى سقوط أكثر من 250 قتيلاً بسبب استخدام القوى الأمنية الرصاص الحي. أما إيران فقد أيدت علناً هذا القمع. فقد استَعدت ايران جميع مكونات الشعب العراقي من غير الشيعة وهاهي الآن تستعدي معظم الشيعة العراقيين أيضاً.
2-  سورية لا يختلف وضعها عن جارها العراقي. غير أن عدة ملايين من شعبها أصبحوا خارج البلاد. وبما أنها تحت وصايات مختلفة ومتناقضة، لا يمكنها حالياً لعب أي دور ايجابي في المحالفة القائمة. فالمحالفة تقوم على محاربة الإيرانيين وحلفائهم دفاعاً عن النظام الطائفي القائم. أما عن اتهام النظام القائم بأنه مقاوم فهذا لا يحمل من الجدية قيد أنملة. فهو لم يطلق رصاصة واحدة على الكيان الصهيوني.
3-  حزب الله هو الوحيد من غير الفلسطينيين، في محالفة "المقاومة والممانعة" الذي حارب العدو فعلاً. ولكن هذا الحلف منع الحزب من قتال العدو وأصبح يقاتل دفاعاً عن الأنظمة القائمة بسبب محالفة إيران لها. وهذا الدفاع عن الأنظمة لا يحمل أي مدلول إيجابي بالنسبة لشعوب هذه البلدان ولا بالنسبة للتعجيل في القضاء على كيان العدو.
4-  حوثيو اليمن يحاربون السعوديين ولا وقت لديهم لقتال العدو. فالمقاومة والممانعة تبدو نظرية فقط، بالرغم من اتهام العدو لهم بأنهم يستعدون لقصفه بواسطة الصواريخ الإيرانية.
5-  غزة حماس تُعتبر من الحلف لأن إيران تمدها بالسلاح.
6-  إيران هي التي تُشرف على هذه المحالفة. وهي أيضاً لم تقاتل العدو مطلقاً بالرغم من قصف العدو لها في سورية عشرات المرات. يبدو أن همها في مكان آخر!
إعتماداً على هذه الصورة، هل يُمكن لمحور الممانعة الانتصار على العدو؟
إطلالة تاريخية
أ‌-     تشكل الاتحاد السوفياتي من عدة جمهوريات ذات حكم ذاتي. ولكن السياسة التي فُرضت على هذه الجمهوريات هي تلك التي كانت تخدم جمهورية روسيا، الجمهورية القائدة للإتحاد السوفياتي. وبما أن مصالح المجتمعات المختلفة لا يمكن أن تتماهى، فقد انتهى المطاف بانهيار الاتحاد السوفياتي مع أنه كان الأقوى عالمياً بعد الولايات المتحدة!
ب‌-                      شكل الاتحاد السوفياتي محالفة من عدد من الدول كانت تُسمى دول المعسكر الاشتراكي، وتُدعى أيضاً دول الكوميكون.
لم يكن تعامل روسيا مع دول الكوميكون يختلف عن تعامل هذه الجمهورية مع الجمهوريات المكونة للاتحاد السوفياتي. فقد كان المعيار في جميع العلاقات هو مصلحة قيادة روسيا وليس مصلحة كل دولة من الدول المشكلة لهذه المحالفة.
لذلك ما أن انهار الاتحاد السوفياتي، حتى انهار الكوميكون ولحق به حلف وارسو الذي كانت مهمته حماية المعسكر الاشتراكي.
بقي ملاحظة لا بد منها وهي أن روسيا كانت تضع جالية روسية مهمة في كل جمهورية من الجمهوريات التي تشكل الاتحاد السوفياتي.
حلف الممانعة
     تُعتبر إيران القلب النابض لهذا المحور. لذلك تقوم بتخطيط سياساته تبعاً لما يخدم مصالح نظامها القائم.
ففي العراق، كان النظام الايراني يؤيد الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق بعد أن أسقط الأمريكي البشع حكم الرئيس صدام حسين. وكانت الميزة المشتركة لهذه الحكومات الفساد ونهب خيرات الشعب العراقي وتدمير العراق شعباً واقتصاداً. ولا زالت إيران حتى اللحظة تدافع عن النظام الفاسد في العراق بسبب سيطرة "شيعتها" على الحكم. وعندما ثارت جماهير الشيعة على الحكومة القائمة، أصبح الثائرون متهمين بانتمائهم الشيعي حسب صحيفة كيهان، كما وأنهم متهمون بأنهم ينفذون أوامر أمريكا وكيان العدو الصهيوني وبتمويل من السعودية بحسب مختلف المواقع الاخبارية الإيرانية؟
أما في سورية، فقد ثار أهالي درعا على محافظها الذي اضطهد أبناءهم بكل وحشية، وشكوه إلى الرئيس الذي تجاوب معهم بعزله. ولكن بعض الأطراف التي لم تعد مجهولة "نصحت" الرئيس بعدم الاذعان للأهالي ووصلت سورية إلى ما هي عليه حالياً من مدن مدمرة وشعب مدمر. وأصبح السوريون شعوباً وقبائل للتقاتل. وكل ذلك "بفضل" التدخل الخليجي بضفتيه وبرعاية أمريكية وروسية!
أما في اليمن، فبدلاً من بذل الأموال لبنائه، فقد كان بذل الأموال لهدمه. وذلك من قبل السعودية والإمارات وإيران. من بإمكانه أن يُسعِّر الحرب، بإمكانه أن يطفئها أيضاً.
في غزة، الأفق مسدود أمام الشعب الفلسطيني لأن قياداته مشغولة بتسجيل النقاط على بعضها البعض. وذلك لغياب البرنامج السياسي الذي يقود نضال الشعب الفلسطيني نحو مستقبله. أسلحة وصواريخ ومتفجرات لا تكفي لقيام مقاومة. المقاومة هي برنامج سياسي باتجاه التحرير. النشاط العسكري هو جزء من الممارسة السياسية في اتجاه تحقيق الهدف المرحلي المعلن. النشاط العسكري من دون برنامج سياسي واضح تتبناه الجماهير يصبح مظاهرة صاخبة لتحية من أعطى هذا السلاح. وليس له علاقة بالتحرير.
أما في لبنان، فقد تطورت الممارسة السياسية للحزب، بعد تدخله في سورية بناءً للرغبات الإيرانية، باتجاه سلبي مطلق.
عند قتال العدو الصهيوني، كانت الساحة الشعبية اللبنانية موحدة وداعمة بمجملها للمقاومة. أما بعد التدخل في سورية والذي يراه معظم الشعب اللبناني غير عادل، فقد أصبح الحزب معزولاً عن الشعب باستثناء بيئته المذهبية.
أما حالياً، وبسبب موقفه من التحركات الشعبية، فقد أصبح الحزب محشوراً حتى ضمن بيئته.
ما السب في ذلك؟ هو بسبب اعتبار دوره الاقليمي الداعم للنظام الايراني مقدماً على الدور الداخلي الذي عليه لعبه لتقدم المجتمع اللبناني حتى يبقى مهيئاً، وباستمرار لمقاومة العدوان الصهيوني، ليس بالسلاح المتطور، إنما بالوعي السياسي لجماهير شعبنا إلى أي فئة مذهبية انتمى، بحسب رغبة البعض بنسبة اللبناني إلى مذهبه وليس إلى انتمائه الوطني...
إنطلاقاً من هذه الصورة السوداوية، نطرح السؤال: هل يمكن ل"محور الممانعة" أن ينتصر؟
الجواب على هذا السؤال هو نعم! إذا التزم المحور بالعداء الفعلي للعولمة النيوليبيرالية ولكيان العدو الصهيوني.
كيف ذلك؟
إذا اُريد لهذا المحور أن يعيش ويستمر، فعليه الالتزام بالمبادىء التالية:
1-  أن يكون مفتوحاً بحيث يُتيح الحرية لأي دولة من دول الإقليم الانضمام إليه إذا التزمت بالعداء للعولمة النيوليبيرالية والكيان الصهيوني.
2-  الدولة القائدة للمحور لا تفرض سياستها التي تُعبر عن مصالحها على دول المحور. لا يوجد في هذه الدنيا مصالح متماهية لكيانين مختلفين. إنما يوجد تقاطع مصالح فقط.
3-  التخطيط الاقتصادي المشترك لجميع هذه الدول بحيث يكون نموها متوازياً. ولا بأس في هذا المجال من التخصص، سواء زراعياً او صناعياً. فالمشاريع الزراعية والصناعية الكبيرة تمكن من إنتاج سلعة رخيصة توزع الغنى على أهل هذا المحور وليس المجاعة.
4-  السؤال المركزي عند الانسان البسيط سيكون حتماً: ما الفائدة من الانضمام إلى هذا المحور؟ ولكن عندما يرى مصالحه تتأمن من خلال هذا المحور سيعمل جهده على حمايته.
5-  ...
خلاصة
شعبنا في لبنان، كما شعوب الاقليم، لا يمكنها أن تتحرر من تبعيتها للعولمة النيوليبيرالية ولا يمكنها أن تحرر فلسطين من العدو الصهيوني الذي تحميه الدول الكبرى إلا ببناء تكامل اقتصادي يتحول عبر الممارسة الشعبية المشتركة إلى تآلف سياسي يحول الأهداف المشتركة إلى واقع عملي.
عندما نتحدث عن واقعنا المأساوي بهذه الصراحة الفجة، نتحدث لأن التغيير يفرض رسم الواقع على حقيقته من دون أية محسنات من ديكور أو غيره.
"إن نريد إلا الإصلاح ما استطعنا، وما توفيقنا إلا بالله".


الجمعة، 16 أغسطس 2019

تحليل سياسي


                         
د. جوزيف عبد الله
الشيخ ابراهيم الصالح
حسن ملاط
مقدمة
منذ الثلاثين من حزيران الفائت والوضع اللبناني متوتر إلى حد جعل الكثير يستذكر عشية الحرب الأهلية. والجهود المضنية لم تُفد بلجم التوتر، إلى أن حصل اجتماع بعبدا بين الرؤساء الثلاثة ووليد جنبلاط وطلال أرسلان.
في الوقائع
لم يتمكن الوزير باسيل من الافصاح عما يختلج في قلبه بحضور جنبلاط وشهيب وأبو فاعور في كنيسة سيدة التلة في دير القمر، لذا وجد أنه من الأفضل أن يقوم بزيارة إلى الجبل من دون حماية ملائكة وليد جنبلاط. قرر الدخول إلى الجبل هذه المرة بمواكبة من أنصار أرسلان، الزعيم الدرزي الذي يريده باسيل أن ينافس جنبلاط. ورافقه مستطلعاً الوزير الغريب.
كانت الكحالة هي المحطة الأولى. هنا كان الخطاب الأول لباسيل الذي أثار فيه جميع مآسي الحرب الأهلية. سمع هذا الخطاب أنصار جنبلاط ، الطرف الخصم في حرب الجبل التي استذكرها باسيل. فما كان منهم إلا أن قطعوا الطرقات رافضين زيارة باسيل إلى بعض القرى التي قدمت ضحايا في حرب الجبل.
في هذه الأثناء، اتصل الوزير شهيب بالوزير أبو صعب وأخبره بأنه مرحب بهم في الجبل وسأله عن سر الخطاب المتشنج. في نفس الوقت كان الوزير الغريب يستطلع الطريق التي سيسلكها باسيل. فوجد أن الطرقات مقطوعة من قبل الأهالي. إقتحم موكبه حاجز قبر شمون بعد أن أطلق مرافقوه النار باتجاهات مختلفة. وهذا ما عبر عنه النائب أرسلان بالقول: من الطبيعي أن يطلق النار مرافقو الوزير الغريب من أجل فتح الطريق.
المهم أن باسيل قرر عدم اتمام الزيارة. وهذا ما أبلغه الوزير أبو صعب للوزير شهيب.
نتج عن هذه المغامرة خسائر بشرية ومادية.
طالب أرسلان ومن يسانده بالمجلس العدلي بعد أن اتفقوا فيما بينهم أن هناك كميناً لاغتيال الوزير الغريب.
الحزب الاشتراكي طلب من القضاء القيام بالتحقيق بالأحداث وسلم عدداً من المطلوبين. في المقابل، لم يسلم الطرف الآخر أحداً من الذين شاركوا في اطلاق النار للقضاء.
القراءة
انقسمت القوى السياسية حول ما جرى تبعاً لمصالحها. أيد أرسلان في روايته حول الكمين المعد لصالح الغريب: حزب الله، التيار الوطني الحر ووئام وهاب.
أما القوى التي رفضت هذه الرواية، فهي إلى جانب جنبلاط، الرئيس بري والرئيس الحريري والقوات اللبنانية والكتائب.
قبل أن نتحدث عن أسباب هذا الاصطفاف، لا بد من الاشارة إلى أن الجهة الأمنية التي أشرفت على التحقيقات وهي فرع المعلومات أنكر نظرية الكمين جملة وتفصيلا.
جنبلاط يُشكل قوة ثابتة في الجبل تمتد لعشرات السنين. ونحن نعلم أنه بوجود كميل شمعون كقوة مارونية لها قوتها وتأثيرها وكرئيس للجمهورية، لم يتمكن من إزاحة كمال جنبلاط عن زعامة الجبل. أما السبب فيعود للعصبية الدرزية المتجذرة أكثر من العصبية المارونية. كان الموارنة يشكلون الطائفة الأكثر عدداً والمسيطرين على الدولة. وهذا ما خفف الرابطة العصبية لشعورهم بالقوة وبامساكهم بالسلطة. أما الدروز فقد ظلت الرابطة العصبية كأقلية مستهدفة، نتيجة الحروب الطائفية المتكررة ، قوية وحاسمة. وقد بدا هذا جلياً بعد أحداث أيار في لبنان وذلك بالتفاف الدروز حول جنبلاط بمجموعهم. وبما يحصل حالياً. فالدروز، على المستوى الشعبي، يصطفون إلى جانب جنبلاط. ولم يتمكن أرسلان ووهاب من استقطاب كتلة درزية إلى جانبهما.
الحزب وكذلك التيار الحر لا يناسبهما وجود تكتل لا يمكن اختراقه، لذلك كان وقوفهما بمواجهة جنبلاط.
أما بري والحريري وجعجع والجميل، فقد عرفوا جميعاً أن استهداف جنبلاط فهو اختراق للقلعة الأقوى عصبياً، وانهيارها سيعني انهيار تكتلاتهم جميعاً، مع قليل من الاستثناءات لأسباب غير داخلية.
بعد فشل رواية استهداف الغريب بالكمين الجنبلاطي المزعوم، تقدم الرئيس برواية تقول أن المستهدف بالكمين كان جبران باسيل.
إستهداف باسيل يعني فتنة مسيحية درزية لا يمكن لأحد أن يعرف نتائجها. ولكن الأكيد أن الأمن في لبنان سيكون مهدداً.
هنا، انكفأ حزب الله عن تأييد هذه الرواية، مدركاً خطورة نتائجها على الوضع اللبناني برمته. وكذلك فعلت السفارة الأمريكية عندما أعلنت أنها لا تقبل بأن يتحول لبنان إلى ساحة للتقاتل الطائفي لما يشكله هذا الوضع من خطر على الكيان الصهيوني.
جميع الوطنيين لم يرحبوا ببيان السفارة الأمريكية لأنه يعني تدخلاً في الشؤون الداخلية اللبنانية.
بعد هذا الموقف الحاسم من حزب الله الرافض للفتنة الطائفية، تجددت المساعي التوفيقية، وكان اجتماع بعبدا.
النتيجة
إن اعتماد الصيغ الطائفية والمذهبية هو طريق لعدم الوصول إلى حلول للأزمات اللبنانية المستمرة. فالصيغ الطائفية والمذهبية هي ولادة حروب بينية بسبب طبيعتها.
من هنا، فان الاتفاق الذي حصل هو محطة بانتظار تجميع القوى لهجوم من احدى الطوائف على طائفة أخرى من أجل تحسين ظروف زعمائها.
إشارة أخيرة إلى أن هذه الحروب بين الطوائف لا يمكن إضفاء صفة الوطنية عليها. وما يحصل في اقليمنا هو الدليل الواضح على ذلك. فجميع القوى من دون استثناء تتحالف مع الدول الاستعمارية ضد شعوبنا.
أما على الصعيد المحلي، فلننتظر معركة التعيينات!
                         13 آب 2019


السبت، 6 يوليو 2019

تيار الوسطية

السبت، 21 فبراير 2009


بمناسبة انعقاد المؤتمر الثاني للوسطية في طرابلس - لبنان تيار الوسطية - حسن ملاط


2009-02-20

خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية





ظروف نشأة ما يسمى ب"تيار الوسطية"
ان نشوء تيار الوسطية كان لأسباب سياسية بامتياز، ولم يكن لتذكر البعض أن الدين الاسلامي هو دين الوسطية. فهذا "الابتكار أو الابداع والخلق" قد عرفه المتقدمون من العلماء المسلمين، حيث أنهم نالوا حظ قراءة القرآن الكريم وتدبره وقرأوا الآية الكريمة التي تقول بأن الله تبارك وتعالى قد جعلنا أمةً وسطاً، ولم تكن أمتنا بحاجة للانتظار حتى عام 2002 حتى تعلم أن الاسلام هو دين الوسطية. فبدلاً من العمل بمقتضيات الآية الكريمة رأينا البعض يسارع الى انشاء تيار يسمى "بتيار الوسطية" وغايته العمل بما يناقض مقتضيات الآية الكريمة وبما يناقض كل ما أمر به الله عز وجل، أللهم الا الرسوم والأشكال على ما جاء عند شيخ الاسلام ابن القيم الجوزية. فالذين يوالون الشيطان ويقومون بحركات الصلاة أو يمتنعون عن الأكل والشراب لا يمكن تسميتهم بمقيمي الصلاة أو بالصائمين طاعةً لله. لأنه من غير المقبول طاعة الله في أمر ما ومخالفته في أمر آخر مع معرفتك بأنك تخالفه. وبذلك تصبح الصلاة هي أقرب لاقامة الحركات منها لاقامة الصلاة كما أمر بها ربنا تبارك وتعالى، الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر. وموالاة المستعمرين والمستكبرين هي فحشاء ومنكر. ومن"لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فليست بصلاة"
بعد انهيار برجي نيويورك، طلبت أمريكا من الدول الاسلامية تغيير مناهجها التعليمية: أي اقصاء الاسلام عن نفوس الناشئة. وأصبح الارهاب والاسلام لهما نفس الدلالة في الغرب نتيجة الضخ الاعلامي الأمريكي بشكل خاص والغربي بشكل عام. وهذه عينة من الرؤية الغربية لقضايانا العادلة وكيفية تجاوب قادة الغرب معها:
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في العقد الأخير من القرن الماضي ، أعلن الرئيس الأمريكي "بوش الأول" أن عدو الغرب أصبح ”الاسلام“.
انتقد بريجنسكي ، رئيس مجلس الأمن القومي سابقا، الرئيس الأميركي جورج بوش على خلفية تشبيه الأخير الأصولية الاسلامية بالشيوعية. وهذا النقد هو على خلفية الممارسة السياسية السيئة وليس على خلفية احترام المسلمين.
ولا تزال خلفيات الحروب الصليبية أيضا تحرك العديد من الأوساط والجهات في العالم الغربي ضد الإسلام والمسلمين (على حد تعبير أحد المفكرين الذي أشاطره الرأي) ومن ذلك تصريح الرئيس الأمريكي "بوش الثاني" بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 عندما أشار إلى الحروب الصليبية ثم تراجع عن التصريح وليس عن المضمون إضافة إلى تصريح برلسكوني (رئيس وزراء ايطاليا الحالي) الشهير الذي اعتبر أن الحضارة العربية الإسلامية حضارة هجينة وكذلك الإساءة للقرآن الكريم في معتقلات باغرام وغوانتانامو إضافة إلى منع المسلمين من أداء الصلاة في المسجد الأقصى الأسير...وغيرها كثير.
جاء بوش "الصغير" الى فلسطين لتهنئة الصهاينة باغتصابها.
قال بوش إنّ : ”أسفي الوحيد يكمن في أنّ أحد قادة إسرائيل الكبار ليس هنا لمشاركتنا هذه اللحظة... صلوات الشعب الأميركي لأرييل شارون“.
وأضاف : ”نجتمع للاحتفال بمناسبة مهمة، فقبل ستين عاماً أعلن ديفيد بن غوريون استقلال إسرائيل، مؤسساً بذلك الحق الطبيعي للشعب اليهودي بتقرير مصيره، وكان ذلك التزاماً بالوعد القديم لإبراهيم وموسى وداوود، بمنح الشعب المختار وطناً له“.
ورأى بوش أنّ : ”القاعدة وحزب الله وحماس ستلحق بهم الهزيمة حيث يدرك المسلمون في كل مكان بعدم عدالة قضيتهم“.
وأضاف: ”ستكون للفلسطينيين دولتهم المستقلة وسينتهي حزب الله وحركة حماس“.
وأكد بوش أنّ : ”التحالف بين الحكومتين الأميركية والإسرائيلية لا يمكن تحطيمه“.

قال «دعوني أكن واضحا... أمن إسرائيل مقدس. هذا أمر غير قابل للتفاوض. الفلسطينيون بحاجة إلى دولة مترابطة وذات تواصل، وهذا سيسمح لهم بالازدهار، ولكن أي اتفاق مع الشعب الفلسطيني يتعين أن يحفظ هوية إسرائيل كدولة يهودية ذات حدود آمنة معترف بها ويمكن الدفاع عنها. وستظل القدس عاصمة لإسرائيل، ويتعين أن تظل موحدة».
أما أوباما عندما جاء الى اسرائيل ليقدم أوراق اعتماده كمرشح للرئاسة الأمريكية فقد قال: إن «إيران تشكل أكبر تهديد لإسرائيل وللسلام والاستقرار في المنطقة. هذا التهديد خطير وحقيقي، وسيكون هدفي هو القضاء على ذلك التهديد». وأضاف «سأفعل كل شيء بوسعي لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي... كل شيء». وصفق له الحضور وقوفا.
قال اوباما «هذا ما أتعهد بالقيام به كرئيس للولايات المتحدة. إن التهديدات لإسرائيل قريبة منها، لكنها لا تنتهي هناك. سوريا تواصل دعم الإرهاب والتدخل في لبنان، وقد قامت سوريا بخطوات خطيرة للحصول على أسلحة الدمار الشامل، ولهذا يمكن تبرير العمل الذي قامت به إسرائيل (الإغارة على سوريا) لإنهاء هذا التهديد».
أما ساركوزي رئيس فرنسا فقد قال: اكتمالاً لوعد تناقلته الأجيال، منذ التشتت، بالعودة إلى مكان ولادة الشعب اليهودي. (احتلال فلسطين وطرد أهلها).
لا توجد أية دولة في العالم أثارت في لحظة ولادتها ذلك الأمل الذي أثارته إسرائيل في صفوف أولئك الذين لم يكلوا عن معارضة البربرية بقوة الروح. (تعظيمه الصهاينة لقتلهم الفلسطينيين أصحاب الأرض، أما دفاع الفلسطينيين عن أرضهم فهو ارهاب).
أريد أن أندد بكل قوة بأسر مواطننا جلعاد شاليت، وأوجه نداءً جديداً لخاطفيه: يجب إطلاق سراح جلعاد. (أسر في حضن أمه).

لم تنجح أمريكا في جميع معاركها الاستئصالية للاسلام: الصومال، أفغانستان، باكستان، لبنان، فلسطين والعراق. فما كان منها الا أن لجأت الى "أصدقائها" (عفواً على التعبير: لأن ليس لها أصدقاء في بلادنا) لاتمام هذه المهمة. فطلبت من هؤلاء المسارعة الى تجفيف كل مصادر المساعدات التي تصل الى المعوزين من المسلمين في جميع أنحاء العالم. وقد تعرض للعقوبات كل من تجرأ وخالف هذا الأمر. وقد تبين لأمريكا وحلفائها أن هذا الاجراء لم يقض على مقاومة الشعوب الاسلامية لها (الارهاب)، فما كان منها الا أن سارعت الى اعطاء الأمر بضرورة تغيير المناهج التعليمية. ونحن نعلم أن القرآن والسنة يحضان على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد المعتدين أي الارهاب حسب التعبير الأمريكي، فما عليها الا أن تمنع هذا التعليم! وحيث أن ما من أحد مهما علا شأنه بامكانه منع تعليم القرآن أو تحريفه فقد لجأ "الأصدقاء" المطيعون الى العمل على تشويه المفاهيم الاسلامية، وكان نشوء "تيار الوسطية" باشراف ودعم من الملك الوسطي عبد الله الثاني. وقد شكل هذا الانجاز فتحاً للمسبحين بحمد أمريكا على امتداد الوطن العربي والبلاد الاسلامية حيث يوجد ما يسمى "الاسلام الجهادي".
هذه هي ظروف نشأة هذا التيار فلنتحدث الآن عن مضمون دعوته.
بعد أن تمكن النظام السعودي من تطويع الشيخ سلمان بن فهد العودة (عارض وجود القوات الأمريكية في السعودية وتأمين ملاذ آمن لها عند غزو العراق) أصبح شيخنا من المؤيدين لتيار الوسطية.يقول في هذا المجال: "والأزمات الحالية تساعد على صناعة المناخ الذي يولد فيه التطرف ويتكاثر، كالأزمات التي يعانيها المسلمون في فلسطين والعراق ولبنان، فهي تشحن النفوس بالغضب والانفعال والشعور بالقهر، مما يجعله أكثر استعداداً للتطرف وأقرب قابلية له".
ثم يردف فيقول: "إن مسؤوليتنا جميعاً أن نشيع الأجواء الهادئة المعتدلة، وننشر القراءة الموضوعية للأشياء، وللعلماء والمصلحين والمؤثرين دورٌ بارزٌ في نشر الوسطية، وصناعة القدوة في التعامل مع الأحداث والأشخاص والأشياء والأفكار، دون تنابز، ولا سخرية، ولا خصام، ولا اتهام".
لقد اعتبر دكتورنا العزيز موضوعة الصدام مع العدو الصهيوني أو الادارة الأمريكية المحتلين تطرفاً كما اعتبر الصدام معهما وكأنه مسألة شخصية، وهذا ما يلجأ اليه البعض حتى يسهل عليه التلفيق. في فلسطين شعب طرده اليهود الصهاينة بمعاونة الغرب من أرضه، عليه أن لا يخاصم وأن يكون وسطياًً. عليه أن يقنع اليهود بالتي هي أحسن اعادة أرضه! وفي العراق حيث الاحتلال الأمريكي يرزح، هل على الشعب العراقي أن لا يحارب الاحتلال حتى لا يكون ارهابيا! وفي لبنان، كذلك رأينا الاحتلال كيف خرج بواسطة الاقناع والوساطة الأمريكية! أليس كذلك؟ لقد اعتبر النبي صلى الله عليه و سلم من يموت دون أرضه شهيداً، وصاحبنا الشيخ يعتبره متطرفاً.
ويجهد "الوسطيون" "الى الدعوة الى قيام شراكة انسانية قويمة، قوامها التبادل العادل للمصالح، والسعي الجاد لخفض أصوات الغلاة من الطرفين". والطرفان اللذان يعنيهما هذا الممثل للوسطية هما اما نحن والغرب، اما نحن واسرائيل أما بالنسبة للغرب فنقول بأن الشراكة القويمة والتبادل العادل للمصالح في عصر العولمة لا تكون الا بين الأقوياء. والمراقب لانعكاسات الأزمة الاقتصادية الحالية يدرك ما نذهب اليه. أما مع العدو الصهيوني فنقول بأن من يقاتل دون أرضه ودون حقه لا يكون مغاليا. انما يقوم بواجبه. ويكون بالتالي وسطياً تبعاً لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وللدلالة على صحة توجههم "الاقناعي" يقول هؤلاء أن الضمير الغربي قد تأثر مما يحصل في فلسطين! جاء كيري عضو الكونغرس الأمريكي الى غزة ورئيس لجنة الشؤون الخارجية ووقف على أطلال هذه المدينة الصامدة يرثي اسرائيل، نعم اسرائيل، وصعوبة ما تتحمله من اعتداء حماس والشعب الفلسطيني عليها. فما تريده الادارة الأمريكية أن تتخلى حماس والمنظمات المقاومة الأخرى عن سلاحها حتى يتسنى لاسرائيل أن تقضم ما تبقى من فلسطين وتساعدنا أمريكا والغرب باقامة مجلس عزاء "ضخم" للبكاء على ضياع فلسطين. وهم مستعدون لذرف الدموع كدلالة على تأثر ضميرهم مما يحصل في فلسطين. ما يسر الغرب والادارة الأمريكية هو ما فعله الملك الأردني بتخليه عن الأرض للعدو الصهيوني في اتفاقية "وادي عربة"، ولا شيء سوى ذلك.
ويتحدث منظرو الوسطية عن الأمن والسلام و الدعوة الى ما يسمونه "التساكن الحضاري". لا أريد أن أتهمهم بأنهم يريدون القول أن من يقاوم المحتل يكون همجياً أو لاحضارياً، انما أريد القول أن التساكن الحضاري لا يمكن أن يكون بين المحتل والمغتصبة أرضه. هؤلاء يكون بينهم القتال وهذه شريعة الهية ودولية. أما عن الأمن والسلام فما من أحد الا ويعمل من أجل الأمن والسلام ولكن شرطهما مع الغرب هو اعادة الحقوق المسلوبة لشعوبنا، الحقوق السياسية والاقتصادية والأخلاقية (باعتذارهم عن جرائمهم) وغيرها. وبذلك نصل الى ما نصبو اليه. أما من يتخلى عن حقوقه فيكون مرذولاً في الدنيا والآخرة.
ويضيف منظرو الوسطية قائلين: "ولعل ظاهرة التعصب والعنف التي تعصف بالمجتمعات البشرية في عصرنا الحديث، ومنها المجتمعات الإسلامية، يحتم علينا الرجوع إلى مفهوم الإسلام الصحيح القائم على وسطية الحق والعدل".
نقول: التعصب والعنف هي الممارسات التي يقوم بها الغرب والصهاينة ضد المجتمعات الاسلامية، سواء في فلسطين أو العراق أو الصومال... ومجابهة هذا العنف يكون كما قال ربنا تبارك وتعالى :“وأعدوا لهم ما استطتم من قوة“.
وشرح ”الخطيب“ (أحد المنظرين) مختتما كلمته:" الوسطية ليست تساهلاً في الحياة ولا تنازلاً، ونحن بأمس الحاجة للمحافظة على قيمنا وأخلاقنا لكي تستمر الحضارة. والإسلام يدعو الى الحلول الوسط مع شرط التمسك بحقوق الإسلام كاملة والتحضّر جيدا للجهاد لمنع الأذى والعدوان عن الأمة".‏
لولا أننا لا نعلم تمام العلم أنهم يعتبرون من يدافع عن العدو ويتنازل عن حق بلاده لهذا العدو اماماً لهم لما كان بامكاننا القول "هذا كلام حق يراد به باطل".
هذه اطلالة سريعة على ما يدعو اليه هؤلاء، والتي اعتبرتها ضرورية لخطورة التشويه الذي يدخلونه الى المفاهيم الصحيحة. كما وأنه من الضروري ملاحقة طروحاتهم للرد عليها في أوقاتها، لأن هذا التيار هو من التيارات الأكثر نشاطاً على الصعيد التبشيري تبعا ًلخطورة المهمة المنوط به القيام بها.

الأربعاء، 26 يونيو 2019

صفقة القرن


                  
الشيخ ابراهيم الصالح
الدكتور جوزيف عبدالله
حسن ملاط
أحب الرئيس الأمريكي ترامب وصهره كوشنير أن يُعطيا تصفية القضية الفلسطينية اسماً مخففاً لا يُخيف من يُريد الانخراط فيها، فكان هذا الاسم: صفقة القرن.
أولاً
أعلن الكيان الصهيوني أنه يريد أن تكون القدس من ضمن منهوباته. وكان له ما أراد بهبة علنية من ترامب.
وهذا ما حصل أيضاً بالنسبة للمستعمرات التي أقامها في الضفة الغربية المحتلة.
أما بالنسبة لهضبة الجولان السورية فقد كانت هبة (على البيعة) من الرئيس الأمريكي.
ثانياً
صفقة القرن ما هي إلا شرعنة المنهوبات، أي إعطاء اغتصاب القدس و"المستوطنات"، صفة الشرعية القانونية الدولية بموافقة الفلسطينيين وبشهادة المسؤولين العرب وغيرهم من الذين سيشاركون في هذه المسرحية.
ثالثاً
ما يريده المسؤولون الصهاينة أصبح ملك أيديهم باستثناء التوقيع الفلسطيني والعربي.
كيف تتم مواجهة صفقة القرن حالياً؟
أ – السلطة الفلسطينية، وعلى لسان رئيسها عباس، قالت أنها ترفض صفقة القرن ولكنها على استعداد لمفاوضة العدو الصهيوني. علماً أنها لم توقف التنسيق الأمني مع العدو لمجابهة مقاومة الشعب الفلسطيني في الضفة المحتلة. وهذا يعني أن عباس يريد المفاوضة من أجل المفاوضة كما حصل فعلاً منذ اتفاق أوسلو حتى اليوم.
ب – أما سلطات غزة فهي تريد مفاوضة العدو عبر مصر من أجل هدنة طويلة مشروطة برفع الحصار عن غزة... إلى جانب شروط أخرى ليس من ضمنها انسحاب العدو من فلسطين.
إستدراك
لا داعي للتكرار أن العدو يُهَوِّد القدس ويُهَجِّر أهلها وأن الاستيطان لم يتوقف.
السؤال الأول: إذا وافق العدو على مفاوضة عباس، فهل يكون العدو قد تخلى عن القدس والمستوطنات وأعاد أراضي ال67 للسلطة الفلسطينية؟
السؤال الثاني: في حال نجحت المفاوضات الحمساوية الصهيونية برعاية مصرية، ما هو التقدم الايجابي بالنسبة للقضية الفلسطينية التي تقوم على تحرير فلسطين من البحر إلى النهر؟
السؤال الثالث: في حال نجاح التحركات القائمة حالياً ضد صفقة القرن، ما هو الأمر الإيجابي الذي يكون قد حصل عليه الشعب الفلسطيني؟
الأجوبة على هذه الأسئلة معروفة!
من هنا يمكننا القول أن التحركات القائمة حالياً ضد صفقة القرن هي فولكلورية فقط.
كيف نجابه صفقة القرن؟
ما كان مطروحاً دائماً هو ايجاد حل للقضية الفلسطينية. أما ما قبلت به منظمة التحرير الفلسطينية والمنظمات غير المنضوية في إطارها، فهو إقامة سلطة "وطنية" على ما تبقى من أراضي ال67 سواء في الضفة الغربية أو غزة. ولكن صفقة القرن هي تصفية قضية الشعب الفلسطيني، مرة وإلى الأبد. لذلك، لا يمكن أن تكون مجابهة هذا الأمر بنفس الطريقة التي تمت فيها مجابهة محاولات تقاسم أراضي فلسطين التاريخية بين العدو من جهة والمنظمات الفلسطينية من جهة أخرى.
ما يجب القيام به حالياً هو خربطة جميع الحلول التصفوية المطروحة، خربطة تُعيد مسألة استعادة فلسطين التاريخية من قبل الشعب الفلسطيني، موضوعاً راهناً.
الشعار الذي يُحقق استعادة الفلسطيني لحقه هو "حق المواطنة" في فلسطين لكل فلسطيني وعودته إلى وطنه وبيته.
إن حق المواطنة هو التطبيق العملي لحق العودة الذي تضمنه القرار 194 الصادر عن المنظمة الدولية والذي يكفل للفلسطيني، كفرد، حق الحصول على التعويض لإعادة بناء مسكنه الذي هدمته العصابات الصهيونية.
العمل على هذا الشعار ينقل قضية الشعب الفلسطيني من التصفيات على مراحل إلى النضال، داخل فلسطين، بين من يريد فلسطين وطناً نهائياً له ولأولاده وبين من يريد اعتبار فلسطين "مستعمرة" أو "مغتصبة" يتم استنزافها وتركها بعد ذلك والتفتيش مجدداً عن مكان إقامة جديد يليق به كمنتم إلى عصابة تضرب حيث ترى امكانية للنهب.
ختاماً
لم يعد بإمكان الشعب الفلسطيني أن يكون حقل تجارب لمختلف القوى التي تريد أن تستثمره من أجل تحقيق مشاريعها الخاصة، القومية منها أو الاستعمارية. آن لهذا الشعب أن يتوجه إلى هدفه من غير لف ودوران. آن لهذا الشعب أن يكون في مجابهة مع عدوه المباشر. مجابهة تكون نتيجتها عودته وإقامته في وطنه التاريخي.
لا يمكن لمن يستثمر في الحروب البينية أن يكون صادقاً في دعمه لقضية الشعب الفلسطيني. كما لا يمكن القول أن الكيان الصهيوني هو العدو ومقاتلة غيره.
 مجابهة التصفية النهائية للقضية الفلسطينية تتم بنقض جميع الحلول التي لا تتضمن العودة الفورية للفلسطيني إلى أرضه والتمتع بحق المواطنة المنجز. وهذا الأمر يتطلب التخلي عن السلطة في الضفة وغزة واعتبار العدو مسؤولاً عن إدارة كل شيء تبعاً للمواثيق الدولية بمسؤولية المحتل، والانصراف إلى المقاومة بجميع أشكالها. أو الانصراف إلى القتال مع الاحتفاظ بمناطق محررة (إن أمكن) دون الدخول في تفاوض وتنسيق مع العدو.

السبت، 16 مارس 2019

كلام هادىء عن المجزرة


         
حسن ملاط
المجزرة التي حصلت في نيوزيلاند صبيحة يوم الجمعة والتي ذهب ضحيتها 50 شهيداً وأكثر من 20 جريحاً، كان لها صدىً في جميع أنحاء العالم.
من الملاحظ أن جميع الشهداء لا ينتمي أحد منهم إلى أهل البلاد الأصليين. فجميعهم من المهاجرين. وأكثرهم من الدول العربية وجنوب شرق آسيا المسلم.
ما هي الملاحظات التي تبدو فاقعة في هذا الحدث الإجرامي؟
1-          الدول العربية هي بيئات طاردة لمواطنيها. ويشترك معها الدول الإسلامية الأسيوية.
2-          الكيان الصهيوني كان فاعلاً في المجزرة التي حصلت. فقد كان المدرب للمجرم وواهبه السلاح. وهذا يعني أن ذهاب هذا المجرم إلى جهنم يمكن استبداله بغيره من المجرمين ما دام هذا الكيان في الوجود.
3-          نظام العولمة النيوليبيرالية، ونتيجة سيطرته المطلقة على الإنتاج العالمي، يستثمر في الأطراف من دون أن يكون لمواطني هذه الأطراف القدرة على استهلاك ما ينتجون. فالاستهلاك هو حق للعالم الأول فقط. وهذا ما يحصل في الصين واندونيسيا وبنغلاديش ووو...
4-          الهجرة إلى الدول الصناعية والتي يرى المواطن من بلادنا وبلدان شرق آسيا الأخرى، وكأنها الحلول الناجعة لعوزهم، هي في حقيقتها، خسارة بلادنا لشبابها.
5-          أما الأسوأ فهو اليقين أن بلاد المهجر هي بحاجة ماسة لليد العاملة الأجنبية وذلك بسبب هرم مجتمعاتها وبسبب عدم الانجاب. ولكن حيث أن بيئة بلادنا طاردة، وبما أن أوروبا بحاجة لليد العاملة تستقبل المهاجرين على أنها تقوم بإيجاد الحلول لهم وليس لمصانعها التي ستتوقف إذا لم يأت هؤلاء المهاجرون. فبدلاً من أن يكون العامل الوافد معززاً مكرماً بسبب الحاجة إليه، يُصبح وكأن أوروبا أو أمريكا أو أوستراليا، تمننه لاستقبالها له.
6-          إضافة لما تقدم، يظل المهاجر مهاجراً وكذلك أولاده وأحفاده لأن البيئة المستقبلة للمهاجرين لا تتقبلهم على أنهم مواطنون مكتملو المواطنة. ويمكننا ملاحظة هذا من أن تعداد الشهداء أعادهم إلى جنسياتهم الأصلية.
7-          أما اللافت أن المصلين لم يتمكنوا من استقطاب أحد من السكان الأصليين في البلاد. وهذا ما يعطي انطباعاً أن هذه المساجد مخصصة للمهاجرين (الأغراب) وليس لأهل البلاد.
هذه الملاحظة على أهميتها تعني أن المسلمين الوافدين إلى هذه البلاد لم يتمكنوا من جعل التدين على الطريقة الاسلامية مقبولاً، أي طبيعياً. وهذا يطرح السؤال عن الفائدة من بناء مساجد في بيئة معادية أو حتى محايدة؟
والملاحظة الأخيرة، وهي أن من يخلق العداء بين الشعوب هي الطريقة المتوحشة التي تقوم بها العولمة النيوليبيرالية باستغلال الخيرات والسيطرة عليها وحرمان الشعوب منها. وهذا ما يجعل التنافس بين هذه الشعوب على الفتات، ومن ثم يُغذي العداء بينها.
ألم يعتبر ترامب أن مشاكل الأبيض الأمريكي تأتي من منافسة المهاجرين على الوظائف، سواء من البلاد الإسلامية أو من المكسيك؟ كم من العمليات الاجرامية حصلت بعد ذلك؟ علماً أن أمريكا هي من أكثر الدول تقبلاً للمهاجرين بسبب شعبها الهجين المؤلف من مهاجرين فقط.
في النهاية، إن تمسك دولنا بشبابها الذين تحتاجهم الدول الصناعية، تجعل الأخيرة مجبرة على معاملتهم باحترام. وهذا ما يتطلب تنسيقاً باتجاه التكامل الاقتصادي بين مختلف دول إقليمنا حتى تعود الكرامة لشعوبنا، ولا نتخوف من عمليات إجرامية متكررة بحق شبابنا في بلاد المهجر القسري، كما هو حاصل حالياً.
16 آذار 2019