بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2008

المجتمع الاستهلاكي

المجتمع الاستهلاكي
"ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين"، قرآن كريم

يكاد المتبصر يرى بأن قيم المجتمع الاستهلاكي مناقضة تماما لقيم مجتمعاتنا الشرقية بصورة عامة، ولقيم المجتمع الإسلامي بصورة خاصة. إن الميزة الأساسية للمجتمع الاستهلاكي هي استحداثه لمتطلبات جديدة ومتجددة باستمرار. والأهم، أن هذه المتطلبات ليست من الحاجات أو الضرورات. بل إن الأساليب التي يتبعها القائمون على الترويج لها يجعلوها أو يصوروها وكأنها من الضرورات أو الحاجات. يقول تبارك وتعالى في كتابه العزيز، مخاطبا آدم وجميع الناس في آن: "اسكن أنت وزوجك الجنة". ويقول أيضا: "إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، ولا تظمأ ولا تضحى". كما ويقول أيضا: "اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم". إن ما تقدم يحدد الضرورات التي لا يمكن للإنسان أن يستغني عنها حتى يستمر في حياته في المجتمع. وهي: المسكن والملبس والمأكل والمشرب والعلم.

إذا كان الإنسان يريد أن يعيش حياة مستقرة فما عليه الا أن يبدأ بتأمين الضرورات، فالحاجات ومن ثم الكماليات. وأما خلاف ذلك، فيعني أن هناك خللا يتطلب المعالجة. ان ما يحصل اليوم، حتى في البيئات الأكثر فقرا أن زجاجة المشروبات الغازية تسبق الى طاولة الطعام ما هو ضروري للتغذية. وهذه الزجاجة تكون بيبسي أو كوكا تبعا لجمال الدعاية وجاذبيتها. ولا حاجة للتذكير بأن وجود هذه الزجاجة على الطاولة لا ضرورة له اطلاقا.

أما الأخطر مما تقدم هو تلك الدراسة التي أجريت في بعض الدول الإفريقية الأكثر فقرا. فقد تبين من هذه الدراسة أن المزارع الإفريقي يبيع الحليب الذي ينتجه من أجل شراء زجاجة المشروب الغازي. أي أنه يستبدل الذي أدنى بالذي هو خير. فكلنا يعلم أن الحليب ضروري لصحة المزارع الذي باعه، كما وأنه كذلك لأولاده. فنراه قد تخلى عنه من أجل شيء سوف يسبب المرض بدل الصحة.

ما علينا فعله هو دراسة الأسباب التي جعلت هذا المزارع وأمثاله التصرف على النحو الذي تقدمنا به. وبعدها علينا اقتراح الحلول التي تخلص هؤلاء من هذه الآفات.

إن استمرار آلة النهب والسلب في الدوران يتطلب الاسراع بما يسمى "دورة الرأسمال". أي عندما يتحول رأسمال إلى سلعة، يجب أن يعود الى وضعه السابق، أي أن يتحول مجددا الى رأسمال، ولكن بسرعة كبيرة. وهذا بالتالي يتطلب جهازا كبيرا يقوم على بث الدعاية والإعلان حتى يتم استهلاك هذه السلع لتعود عجلة الانتاج الى الحركة.

يذهب الطفل الى المخزن لشراء بعض الحاجيات لوالدته، فيجد أمامه على طاولة البائع عشرات الأنواع من العلكة والشوكولاته والمشروبات، فان لم يعجبه هذا النوع فسوف يعجبه آخر. فلديه الكثير الكثير من الخيارات. فسوف يكون واعيا ان اشترى ما تريده والدته بدلا من أن يشتري ما تريده الدعاية والإعلان منه. والأغلب أنه يشتري ما يضره وما لا ينفعه. ليس الطفل وحده من يفعل ذلك، فالإنسان الراشد يفعل الشيء نفسه. فشراء سلعة ما، عندما تسود قيم المجتمع الاستهلاكي، لا يرتبط بمدى الحاجة إليها، إنما هو مرتبط بشكل عرض هذه السلعة في الدعاية والإعلان، أو بطريقة عرضها أو تقديمها للجمهور. أما مدى الحاجة اليها فمكانه يأتي في المؤخرة.

ما تقدم يذكرنا بما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الجنة محفوفة بالمكاره وأن جهنم قد حفت بالشهوات. أي بصيغة أخرى فان المجتمع الاستهلاكي الذي لا يقوم الا على خلق شهوات لا حصر لها، سوف يسهل الدخول الى جهنم لمن أراد.

هل من سبيل الى مجابهة ذلك؟ نقول نعم. و"نعم" هذه مرتبطة بإرادة الإنسان وإرادة المجتمع. فهي مرتبطة بإرادة الإنسان الذي يرى بأن خلاصه مما هو فيه لا يمكن أن يكون فرديا. لأن الانسان لا يعيش وحيدا في المجتمع. انما هو جزء من جسم أكبر. أي عندما يحدد الفرد موضعه في هذا الكون، عندها يمكنه أن يختار النهج الذي عليه أن يسير فيه حتى يتمكن من تأمين سعادته. فالانسان مفطور على الاتجاه نحو تأمين سعادته. ولكن ما يختلف فيه الناس هو كيفية تأمين هذه السعادة. فقيم المجتمع الغربي الرأسمالي ترى بأن تأمين السعادة يكون فرديا. أي لا يهم ان انت دست على جميع القيم الاجتماعية، ان كان ذلك يؤمن منفعة لك. أما في مجتمعاتنا فالقيم لها الدور الرئيس في اختيار الفرد للمنهج الحياتي الذي سوف يسير عليه.

مر المسلمون بحالة من البؤس الشديد عندما كان هؤلاء يعملون على بناء مجتمعهم الخاص بهم. فهم تخلوا عن الكثير الكثير مما كانوا ينعمون به حتى يتمكنوا من اشاعة القيم الجديدة، قيم الاسلام. فهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يعيش حياة الكفاف. بل لنقل أنه كان يطلب ذلك. جاء في الحديث الشريف: "أللهم اجعل رزق آل محمد قوتا"، وفي رواية أخرى "كفافا". وهذه أم المؤمنين عائشة تروي عن بيت النبوة كيف كانوا يعيشون فيه. قالت: "ان كنا آل محمد صلى الله عليه وسلم نمكث شهرا ما نستوقد بنار ان هو الا التمر والماء". وتقول أيضا: "ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض".

نحن نعلم أن الله تبارك وتعالى قد أمرنا بالتأسي برسول الله: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر". وقد فعل الكثير من المسلمين ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإلا ما كان لهم أن ينتصروا. إليكم هذا الهدي النبوي الذي يعلم الانسان الرضا بما هو فيه في الوقت الذي يعمل فيه على تغيير الواقع: "إذا نظر أحدكم الى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه". فالانسان المطلوب منه بناء مجتمع جديد لا يمكنه أن يكون عدميا. انما عليه أن يكون متفائلا. فهو ينظر الى الجانب المليء من الكوب وليس إلى الجانب الفارغ. كما وأن الإنسان الذي أنعم الله عليه ليس ممنوعا عليه التمتع. كلا. فحياة الانسان يجب أن تكون متوازنة. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا في إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يد الله وأن تكون في ثواب المصيبة اذا أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك". ما هذه الروعة! ان من لا يثق بالله لا يمكنه البذل والعطاء، لذلك على الانسان أن يبذل بغير خوف ولا وجل، أن يبذل في سبيل الله لأن الله هو الذي يعطي ويمنع. كما وأنه عليه الثقة بالله عز وجل، فان أصابته مصيبة فعليه أن يثق بأن الله ما أراد به الا الخير. لذا عليه أن يقبل بها وعن رضى.

ويتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم تربيته لأصحابه حتى يتمكنوا من بناء المجتمع الذي يؤمن سعادة الانسان في الدنيا والآخرة، ويخلص الناس من عبادة بعضهم بعضا أو عبادة الشهوات، فيقول: "ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك". أما عن علاقة الميسورين بالمحرومين فيقول صلى الله عليه وسلم: "أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون".

متى يتمكن الإنسان أن يبذل من غير وجل ولا خوف؟ بالطبع عندما يثق بأن مآله آمن. وان ترك أهلا بعد رحيله فهم أيضا في مقام آمن. لذلك رأينا المسلمين يندفعون الى الجهاد بحماسة قل نظيرها. يقول أحدهم في احدى الغزوات: أين أنا ان قتلت يا رسول الله؟ يجيبه النبي: "في الجنة". فألقى السائل تمرات كن في يده وقاتل حتى قتل. وهل بالإمكان الانتصار على جبروت الاستكبار الأميركي والإسرائيلي ومن والاهم إن لم يكن ايماننا بالنصر كايمان ذلك الذي ألقى التمرات التي كن في يده؟

ولكن هل يستمر المجتمع على نفس الوتيرة؟ بالطبع لا.

لقد تمكن النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه أن يبنوا مجتمعا يرضي الله. ولكن بذور التغيير والتبديل تكمن دائما في المجتمع سواء كان صالحا أم خلاف ذلك . قال رسول الله واصفا حال المسلمين عندما يبتعدون عن أخلاق وقيم الإسلام: تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها. وسألوا النبي إن كانوا قليلين أم كثر فيجيب النبي بأنهم كثر ولكنهم غثاء كغثاء السيل. لماذا؟ بسبب حب الدنيا وكراهية الموت. أي البعد عن الجهاد.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم محدثا أصحابه: "ما الفقر أخشى عليكم. ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم". صدقت يا رسول الله.

وقف معاوية خطيبا في الناس وبعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه قال: يقول الله عز وجل في محكم تنزيله: وما من شيء الا وعندنا خزائنه... ثم قال معاوية فعلى ما تلومونني ان أقصرت في عطاياكم. فقال له الأحنف يا معاوية اننا لا نلومك على ما في خزائن الله ولكن نلومك على ما أنزله الله عز وجل في خزائنه فجعلته في خزائنك وحلت بيننا وبينه.

لقد اعتمد معاوية منهاج قارون الريعي لذلك كان يجبي الأموال لتصرف معظمها على الجند. وان ولاء الجند للسلطان لا للوطن. وهذا يؤسس للاستبداد الاقتصادي ويتحول الترف إلى حالة امتياز، تتحكم بأرزاق الناس وتحتكر معيشتهم. وبهذا يكون معاوية قد جدد دور فرعون وقارون في البلاد العربية والإسلامية وأسس للاستبداد الاقتصادي دعائمه وتعاقب على تفعيله وتأصيله من جاء من الحكام من بعده حتى يومنا هذا، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم.

أما الأخطر مما تقدم هو أن فقهاء السلاطين قد شرعنوا هذا المنهاج حتى أنهم اعتبروه أمرا من الله. حين لعب هؤلاء دورا في تدجين الناس وتهيئتهم لقبول كل شيء. تحول الجهاد الى جهاد النفس ضد الهوى وأصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضربا من ضروب السخرية. وحول فقهاء السلاطين مشروعية الحاكم الى مشروعية إلهية، وأطلقوا يده، وأعطوه صلاحيات غير محدودة. وقد اعتمد هؤلاء أسلوبا خطيرا في تعمية الناس وإلغاء قانون التغيير الاجتماعي وفق السنن الربانية التي تقتضي: الحرية، وسطية الرزق ومواجهة الترف بتضييق ظاهرة الاستهلاك.

إليكم ما جاء في العقد الفريد: من تعرض للسلطان أرداه ومن تطامن له تخطاه واذا زادك السلطان اكراما فزده اعظاما وإذا جعلك عبدا فاجعله ربا، (ج1 ص18 ).

سلطان تخافه الرعية خير للرعية من سلطان يخافها، ( عيون الأخبار ج 1 ص 2).

إن الإسلام الذي يدعو اليه فقهاء السلاطين وخدمتهم يلغي الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم.

ولننهي حديثنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أخاف على أمتي الشرك أما اني لست أقول يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية".

علينا أن نعلم أن الله تبارك وتعالى هو أغنى الشركاء عن الشرك.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
حسن ملاط
العرب والعولمة العدد 38

ابو حسان

أبو حسان
حسن ملاط
لم يرض أبو حسان الا أن يعيش حياته كلها. تمسك بها لأنه يعمل لآخرته كأنه يموت غدا. حاول المرض أن يقعده، ولكن أبا حسان رفض. يدخل "الكوما" (الغيبوبة) وعندما كان يستفيق ويقوى على المشي، يسير حتى يلتقي من يدعوهم الى تقوى الله والتخلي عن عبادة العباد. انه يحفظ جيدا قول الله تبارك وتعالى "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". فالدعوة الى الله، والدعوة إلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل، والدعوة إلى منع الظلم وإقامة العدل هي من لب العبادة عند أبي حسان. كان يقوم بجميع الفرائض، كان لا يحتكر العلم. قليلون جدا هم الذين لم يتحدث اليهم أبو حسان داعيا اياهم للتمسك بأهداب الدين. كان شعاره "أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"، "وجادلهم بالتي هي أحسن". وهذا الشعار كان يرتبط لديه بمقولة أخرى على نفس القدر من الأهمية: "ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين باذن ربها". فهو عندما كان يدعو يكون على يقين أن الزرع الذي يزرعه سوف يثمر يوما ما. فهو مسؤول عن الزراعة أولا ويتمنى الإنتاج ثانيا، ولكن الإنتاج ليس ملك يمينه، انما الدعوة هي ما يقوى عليه.

كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويؤمن بالله. كان يقول أن الظلم ظلمات يوم القيامة. لذلك كان يحرص أن لا يظلم أحدا وكان يحب أن يحشر مع المظلومين في الآخرة. كان ينصح باياك والظلم . علينا أن نحارب الظلم انى وجد. فما بالك والظلم بين ظهرانينا؟ هذه إسرائيل ترتع وتلعب في ملعبنا. تقصف وتقتل وتعربد متى شاءت وأنى شاءت. ولولا خوفها من تلك العصابات المؤمنة التي تجعلها تفكر مليا قبل أن تستمر بظلمها لرأينا منها الويلات. ولكن رغم بغضه الشديد لإسرائيل كان يرى بأن ما جعل اسرائيل تستمر بوجودها حتى الآن هو نحن، وليس العدو فحسب. فالعيب فينا وليس بعدونا. والعجب العجاب أن العدو يدافع عن جوره باستماتة منقطعة النظير أما نحن فلا ندافع عن حقنا؟

ما سبق لم يدفعه للتهاون بعدائه لعدو أمتنا وشعبنا وجميع الشعوب المستضعفة، إنما كان يقول بأن اسرائيل عدو وعلينا التعامل معها كعدو مغتصب كما أمر الله تبارك وتعالى. أي قد بدت العداوة والبغضاء بيننا إلى يوم يزول الكيان الغاصب.

أما العدو الآخر لأبي حسان فقد كانت الظالمة الأولى، الظالمة الأكبر أمريكا. فهي التي تمد اسرائيل بالسلاح لتقتيل الشعب الفلسطيني واللبناني وكل من تحدثه نفسه بمساعدتهما. هذا قبل أن تبدأ احتلالها الفعلي للعراق. فكيف الآن؟ عداءنا أصبح اكبر. كان الحديث عن عداء أمريكا للاسلام يكاد يكون نظريا. لأنه كان علينا البرهان على أن العدو الأكبر لأمريكا هو الإسلام، حتى وإن صرح بوش الأب بذلك. فمن أبناء شعبنا المرتبطين ببعض الزعامات المتسلقة والمرتبطة بالسفارات الأجنبية على تنوعها، لا يقتنعون الا بما يصرح به الزعيم. فمنهم من صرح على رؤوس الأشهاد أن أمريكا صديق حتى وهي تسلم إسرائيل القنابل الذكية لقتل شعبنا، أي قتلنا نحن. لم يكن أبو حسان ليرضى بالتهاون بهذا الأمر الخطير حتى وإن قام به هؤلاء المغرر بهم كرمى لعيون زعمائهم. فأمريكا هي التي تقتل المسلمين في أفغانستان وهي التي تقتل المسلمين في الصومال، وهي التي تبعث بالموت الى الفلسطينيين. ولنختصر فهي عدوة جميع الشعوب المستضعفة من دون استثناء. فما علينا، حسب ما كان يرى أبو حسان، إلا أن نتخذ أمريكا عدوا. ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا.

كان أبو حسان يبشرنا بالانتصار على أمريكا وإسرائيل لأنهما يمثلان شياطين هذا العصر، والله تبارك وتعالى قد أخبرنا أن كيد الشيطان كان ضعيفا. لذلك علينا أن نكون على ثقة بالنصر اذا ما التزمنا بسنن النصر التي علمنا اياها ربنا عز وجل.

وأكثر ما يحز في قلب أبي حسان، كان تفرق صفوف المؤمنين. فهو لا يرى أي مسوغ لهذا التفرق. فالعدو لا يفرق بين مؤمن وآخر. والاستكبار بعدائه للشعوب ملة واحدة. فلماذا لا يكون المستضعفون ملة واحدة بمجابهة أعدائهم؟ كان أبو حسان يعلم حق المعرفة أن ما تقدم هو أبرز سمات التخلف. ولكن لا بد من التبشير بالوحدة والتوحيد. ولا بد من أن نرتفع الى المستوى الذي أرادنا عليه الاسلام الحنيف. أي أن نكون خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله. وهذا ما يمكننا من القضاء على التخلف والانتصار على أعدائنا كافة.

لا يمكنني أن أصدق أن هذه الكتلة التي كانت تضج بالحياة قد توقفت عن الحركة. لقد تخيلت مرارا أن أوراق النعوة سوف تتخلص من وجودها على الحيطان وتغادرها وتبشر الناس بالنصر على أعداء الله وأعدائها إن هي لم ترهب اسرائيل وأمريكا. سوف تترك الحيطان لأن أبا حسان لا يمكنه أن يبقى ساكنا بلا حراك.

في أحد الأيام، ومنذ فترة ليست ببعيدة جئت لزيارة ابي حسان، ولكني لم أجده. ذهبت لأفتش عنه فوجدت اصحابه يساعدونه على الجلوس. لأنه لا يقوى على الجلوس وحده. جئته وتباوسنا وأخبرني أنه قد استفاق من الغيبوبة التي دامت عدة أيام منذ حوالي الساعة، ولكنه لم يسترسل بالحديث عن نفسه بل بادرني بالسؤال عن فلسطين وحماس والعراق والمقاومة العراقية، وأخبرني بأن النصر هو من نصيب المقاومين أينما وجدوا في لبنان والعراق وفلسطين وفي كل مكان... ألم أقل لكم أن أبا حسان قد عاش كل أيامه؟

يموت ابن آدم فينقطع عمله الا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له. إني أشهد بأن أبا حسان قد علمنا جميعا.
العرب والعولمة العدد 38

تعليق

الشيخ خلدون عريمط و"حزب الله"
حسن ملاط

في عدد "النهار" 22954 الصادر يوم الجمعة في 23- 3- 2007، وفي زاوية "قضايا النهار" كتب الشيخ خلدون عريمط حفظه الله مقالة تناول فيها حزب الله. وحيث أن المقالة موجهة لجميع القراء لذلك يحق لنا التعليق عليها.
آن لنا أن نفرح، فقد أصبحنا لا نكتب رأيا الا بعد أن نقوم بالاحصاءات التي تثبت صحة رأينا. لذا فالاحصاءات تقول "بأنه لم يخطر ببال أحد من اللبنانيين والعرب وحتى المسلمين، أن الحركة السياسية التي ولدت من "حركة أمل"... يمكن أن تتحول بفعل الجاذبية الإيرانية الوافدة إلى لبنان وسورية... إلى حركة سياسية وعسكرية عقائدية مقاومة جديدة تسمى "حزب الله"..." (الكلام بين المزدوجين هو لفضيلة الشيخ). بقي أن نستعلم عن شيئين اثنين. الأول هو إن كان استفتاء الرأي قد أُجري على عينة من اللبنانيين والعرب وحتى المسلمين أم أنه قد وجه السؤال الى جميع اللبنانيين والعرب والمسلمين. والثاني هو أين "حزب الله" السوري المقاوم والثوري؟ فهل توقفت الجاذبية الايرانية على الحدود السورية؟ ولم يكن لها الحظ باجتياز هذه الحدود؟
ثم يضيف فضيلة الشيخ أن قادة "حزب الله" الذين عدد أسماءهم، أنهم "فتية حلموا بثورة معقدة ومستحيلة في مجتمع مركب، تنطلق من لبنان ومن جنوبه ومن بقاعه، لتواجه الهيمنة والتسلط الصهيو-أمريكي من ناحية، وتتواصل وتتكامل مع الثورة الأم في قم وطهران، الحالمة هي الأخرى بالتمدد نحو بلاد الرافدين وجزيرة العرب لتصدر ثورتها ..."
أما الدلالة الأولى على عدم استحالة هذه الثورة الحالمة هي أن "حزب الله" قد أصبح حقيقة واقعة في نسيج المجتمع اللبناني. والدلالة الثانية على واقعية الحلم الثوري ل"حزب الله" أنه قد تمكن من طرد المحتل الاسرائيلي من معظم أراضي الجنوب اللبناني وبقاعه سنة 2000. لقد فر هذا العدو من أمام ضربات المجاهدين ومن أمام حجارة أطفال الجنوب الذين كانوا يرمونه بها. أما الدلالة الثالثة على عدم الاستحالة هو انتصار الحزب المدوي في تموز وآب الماضيين على العدو الإسرائيلي. هذا الانتصار الذي لم يعرف المجتمع الاسرائيلي في تاريخه هذا القدر من الانعكاسات السلبية التي طالت بنيته الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية. والمتتبع لأخبار هذا الكيان يعرف حق المعرفة أن قادته لم يتمكنوا حتى الآن من معرفة كيفية تجاوز هذه الأزمة. فهذا شيمون بيريز يصرح بأن خوف الدول على الكيان من أن ينهار هو الذي دفعهم الى مساندته، أبان الحرب الأخيرة على لبنان.
فطوبى لهذه الثورة المستحيلة، من وجهة نظر شيخنا العزيز، التي تمكنت من تسجيل انتصارين كبيرين على أعتى قوة عسكرية في الشرق الأوسط في أقل من عقد واحد من الزمن.
ما يريده شيخنا العزيز من عرضه هذا هو ما لم يصرح به كما يجب. فهو يريد تنبيهنا نحن اللبنانيين أولا والعرب ثانيا من الخطر الايراني الكبير الزاحف على بلادنا العربية ومن رأس حربته في جميع البلاد "أحزاب الله" سواء الكامنة منها أو الظاهرة. يقول الشيخ حفظه الله تعالى: "وأين موقع "حزب الله" من العرب كأمة بعقائدها المتنوعة، وبأكثريتها الحالمة بوحدة عربية، اقتصادية وسياسية تجمع شملها من المحيط المستكين، الى الخليج المستريح والقابض على جمر عروبته وعقيدته السمحة المحاصرة من الجموح الايراني الآتي من الشرق ومن الوحش الأمريكي الآتي من وراء البحار...". فهناك حسب الشيخ خطران على الأمة العربية الحالمة أحدهما الايراني والآخر الأمريكي. ولكن ما فات الشيخ أن يقوله أن الحالمين في الخليج هم الذين يستدعون الوحش الأمريكي لحمايتهم من جهة وتأمين نهبه لخيرات أمتنا من جهة ثانية. كما وأنهم ينقادون لما يمليه عليهم من حيث وجود خطر ايراني يتهددهم. وإلا فما هو المبرر الأخلاقي لاحتلاله بلادنا ونهب ثرواتنا؟
المحزن حقا وما يفتت القلوب هو انصياعنا، من غير وعي، لما يمليه علينا عدونا وربيب أعدائنا. لماذا لا يتذكر الشيخ الجليل ما كانت عليه إيران الشاه وما هي عليه ايران الثورة الاسلامية؟ والشيخ يعرف حق المعرفة الاجابة على السؤال. ان اشعال النار الطائفية والمذهبية التي يقوم بها الأمريكي حتى يفل قوة جميع الشعوب الاسلامية ليتمكن من تأمين مصالحه ومصالح أعدائنا من الصهاينة، إنما هي المظهر الحقيقي لما سوف تكون عليه مجتماعتنا اذا لم نبادر للقتال من أجل طرد هذا العدو من بلادنا.
أما أن نسلم بالخطر الايراني كرمى لعين أمريكا وإسرائيل ومن غير أي دليل حسي على ذلك، فهذا غير مقبول. وأما إذا بحثنا بما هو واقع فعليا، فنحن نرى بأن ايران تساعد جميع الحركات الجهادية التي تقاتل العدو الصهيوني. أما لماذا هي تساعد هذه الحركات فليس شأننا. ولكن يقينا أن ما تقوم به ايران لا يؤثر سلبا على أي من الدول لا العربية منها ولا الاسلامية. فالخطر الجاثم علينا هو الخطر الأمريكي والخطر الاسرائيلي. ولنتذكر جيدا أنه عندما حوصرت حكومة "حماس" من العدو الصهيوني وجميع حلفائه حتى الأعراب منهم رأينا ايران تتبرع بماية مليون دولار لهذه الحكومة. وكلنا يعلم بأن ايران لا تقوم بعملية نهب منظم لخيرات بلادنا كما تفعل أمريكا. فلماذا علينا معاداتها؟ فقط من أجل التسعير المذهبي، لأن أمريكا تريد ذلك؟
ثم على حزب الله أن يعطينا أجوبة على أسئلة بريئة تدور جميعها حول ارتباط الحزب بايران. وهذه الأسئلة البريئة موظفة حتى يصل شيخنا، صاحب الأسئلة البريئة، إلى القول بأن حزب الله مرتبط بايران عقائديا. والحزب لا ينكر ذلك لا براءة ولا من غير براءة. أما لماذا لا يوجه فضيلة الشيخ هذه الأسئلة البريئة للمرتبطين بأمريكا. فلا يوضح ذلك. فلربما يرى أنه في هذا العصر السيء لا بد من الارتهان لأمريكا.
أليس من صالح العرب والمسلمين و"حزب الله" جمع أكبر عدد من الأصدقاء والحلفاء حتى نتمكن من الانتصار على العدو. أم علينا أن نطرد الحلفاء حتى نصبح مكشوفين أمام العدو؟
أما حتى يصبح السؤال بريئا ولا يمكن توظيفه في جوقة التحريض المذهبي (المطلوب أمريكيا وإسرائيليا) كان على الشيخ العزيز أن يطلب من النائب سعد الحريري أن لا يصرح ليل نهار بأن أمريكا صديقتنا: أمريكا التي منعت اسرائيل من وقف قصف أطفال لبنان بآلاف الأطنان من القنابل الذكية المستوردة من أمريكا الصديقة خصيصا لاخضاعنا وقتل أطفالنا ونسائنا وشيوخنا. أما السيد رئيس وزرائنا الأستاذ السنيورة فقد كان يحتضن السيدة رايس في الوقت الذي كانت فيه هذه العدوة المميزة لشعبنا تمنع علانية مجلس الأمن من اتخاذ قرار بوقف النار، علّ العدو يتمكن من انقاذ ماء وجهه أمام ضربات المقاومة التي انتصرت نصرا الهيا مؤزرا بفضل الله الواحد القهار. نقول حتى تصبح أسئلة الشيخ بريئة براءة الأطفال ما عليه الا أن يطلب جهارا نهارا من هؤلاء أن يطردوا أعداء الشعب اللبناني وأخصهم بالذكر الادارة الأمريكية.
يقول تبارك وتعالى: "ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا". أمريكا وإسرائيل أعداؤنا ليس علينا مغازلتهم بل علينا مجابهتهم. وإيران صديقة بالرغم من أنها على مذهب التشيع، لذلك علينا مصادقتها حتى نتمكن من الانتصار على أعدائنا. والبراءة وخلافها لا يكون بالكلام المرصوف انما يكون بالمضمون الواضح، وبالمرسلة المنوي تبليغها الى القارئ.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

حسن ملاط
العرب والعولمة - العدد 37

دور الفرد في المجتمع

دور الفرد في المجتمع
حسن ملاط

"وجعلناكم خلائف في الأرض" قرآن كريم
ليس هذا العنوان بمستجد، فقد تكلم عن هذا الموضوع الكثير من المفكرين والفلاسفة الاجتماعيين وغيرهم. أما المناسبة لهذا الحديث فليست كما طُرحت في السابق، بل سوف نطرحها بشكل مختلف. وهذا الاختلاف إنما تفرضه الأوضاع القائمة في بلادنا. هذه الأوضاع التي فرضتها الهجمة غير المسبوقة من قبل الادارة الأمريكية وحلفائها، وخصوصاً العدو الإسرائيلي.

إن الهجمة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية على بلادنا تذكر بالهجمة المغولية على بغداد، تلك الهجمة التي لم تبق ولم تذر. والمستكبرون متشابهون. ولكن التقدم التقني الذي أحرزته قوى الاستكبار العالمي والتي تريده حصرياً في يدها يترك آثاراً تتصف بالكثير من السلبية على عالمنا، من حيث عظم التضحيات المفروضة على شعبنا حتى يتمكن من التصدي لهذه الهجمة. فضربة السيف في عهد الهجمة التترية كانت تسبب موت فرد واحد، ان سببت موت أحد. أما القنبلة اليوم فبامكانها قتل الكثير الكثير بحيث يبدو من شبه المستحيل تقدير الخسائر. فالتقدم التقني الذي يبدو ايجابيا في بعض الأوجه، إنما هو في حقيقة الأمر وبال على شعوبنا وعلى جميع الشعوب المستضعفة في العالم. وذلك بسبب تملكه من قبل الدول المستكبرة. تلك الدول التي لا تقبل بأن يشاركها أحد في امتلاك تلك التقنيات، حتى تحافظ على تفوقها في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها...

إن الاستمرار في عملية النهب المنظم للشعوب المستضعفة يتطلب منع هذه الشعوب من تملك أسباب القوة كما تراها الدول المستكبرة. والدليل الواضح على ما نقول هو من غير أدنى شك تلك الضغوط التي مارستها الادارة الأمريكية على كورية الشمالية حتى تتخلى عن التقنية النووية التي تمكنت من الحصول عليها بفضل المجهودات الجبارة للشعب الكوري المستضعف. ولكن، كما يظهر، أصبح من المستحيل لهذا الشعب أن يصمد أمام الضغوط التي منعته حتى من تأمين قوت يومه نتيجة الحصار الاستكباري ليس على المعدات فقط انما حتى على المواد الغذائية. لذا نراه أخيرا قد تخلى عن صموده نتيجة أوضاعه المزرية. وقد أصبح بإمكان الإدارة الأمريكية الآن التفرغ لمعركتها مع الجمهورية الاسلامية في ايران. فالمعركة مع ايران لا يمكن أن تأخذ نفس الطابع الذي سبق مع كوريا الشمالية، ذلك أن ايران دولة اسلامية. والصحوة الإسلامية هي العدو المعلن والفعلي للاستكبار العالمي.

ما نقوله ليس سرا ولا يستدعي التخمين. فالإدارة الأمريكية أعلنت أكثر من مرة أن عدوها، بعد انتهاء معركتها مع الشيوعية، هو الاسلام. وكان لبوش الأب أسبقية هذا الإعلان. وبما أن "هذا الجدي من هذا التيس"، كما يقول المثل الشعبي، فها هو بوش الابن يكمل ما خطط له بوش الأب. لذا كما أسلفنا، لن تكون معركة تملك التقنية النووية من قبل ايران كما شبيهتها في كوريا، لأن أمريكا لا يمكنها التنازل أمام المسلمين الذين لا تسيطر على قرارهم بالكامل كما في باكستان. كلكم يعلم أن باكستان مشرف قد استقدمت الجيش الأمريكي لحماية قنبلتها النووية. هل من ذل أكبر من هذا الذل. ولمَ القنبلة النووية إن لم تكن لحماية مكتسبات هذه الشعوب؟ نستقدم العدو الأكبر، والذي يمكن أن يكون الأوحد لجميع الشعوب، لحماية السلاح الذي أنشدت له جميع الشعوب المستضعفة الأهازيج تعبيرا عن فرحتها العامرة بامتلاكها له. السلاح الذي سوف تستعمله لحماية نفسها من أعدائها. لقد بات على الشعب الباكستاني أن يطرد الأمريكي وحكامه وقنبلتهم النووية التي دفع هو ثمنها من تضحياته.

لا نريد مما تقدم القول بأن التضحيات التي يقدمها الشعب الايراني المسلم في معركته سوف تكون من غير فائدة كما حصل مع الشعب الباكستاني. إنما أريد القول بأن المعيار الأكيد للقوة في أي دولة من الدول يحدده مدى تسلم هذا الشعب لزمام المبادرة في صراعه مع العدو، ولو كان بقوة أمريكا. فالمقاومة الإسلامية في لبنان قد تمكنت بفضل ايمانها بالله وتماسكها أمام العدو من أن تهزم أعتى قوة عسكرية في الشرق الأوسط ولمرتين على التوالي.

إن ما يحدد دور الانسان في المجتمع هو حسب زعمنا خالق هذا الإنسان، أي الله تبارك وتعالى. وعلينا أن نلاحظ أن استعمالنا للفظ "مجتمع" هو فقط للاشارة الى الدور الوظيفي للانسان. حيث أننا لن نبحث هذه القضية كما طرحت في الأدبيات الغربية.

يقول تبارك وتعالى: "وإذ قال ربك للملائكة اني جاعل في اللأرض خليفة..."، ويقول تبارك وتعالى: "وهو الذي جعلكم خلائف الأرض..."، ويقول تعالى: "قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها...".
ما تقدم يبين وبشكل واضح أن الإنسان إنما وجد على هذه الأرض لدور عليه القيام به. هذا الدور هو استعمار هذه الأرض. ولا داعي للإشارة أن "استعمار" هنا تعني العمارة. فالانسان عليه عمارة هذه الأرض، طاعة لله وفي سبيله. والعمارة في الإسلام يجب أن تكون لصالح جميع الناس وليس لصالح فئة معينة أو طبقة ما. كما وأن مفهوم العمارة لا يقوم على ايجاد الحلول للتناقض المزعوم بين الانسان والطبيعة إنما يقوم على التكامل والتناغم ما بين الانسان والكون. فالفعالية هي للإنسان لا كما يتهيأ لكثير من الناس من الانسان المؤمن هو ذلك المتواكل، الذي لا حول له ولا قوة. يسير على غير هدى فهو مسير من غير أن يكون له رأي فيما عليه القيام به أو خلاف ذلك.

كيف لنا أن نعرف أهمية الانسان من وجهة نظر الدين؟
يقول تبارك وتعالى متحدثا عن الانسان :"فاذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين".
والسجود لا يكون الا لله. لكن السجود هنا إنما هو للتكريم. ومتابعة لما جاء في الكتاب الكريم أن الملائكة جميعهم سجدوا إلا إبليس أبى أن يكون من الساجدين، معللا ذلك بأنه أشرف من الانسان المخلوق من طين، وإبليس مخلوق من نار. أي أن إبليس اعتبر أن التكريم يعود إلى المادة الأولى وليس إلى الدور المنوط بالإنسان القيام به. ولكن الله تبارك في علاه هو الذي خلق وهو الذي يحدد.
فالتكريم الأول هو لكون الانسان هو المستخلف في هذه الأرض. أما التكريم الثاني فيأتي من ناحية ممارسة المهمات المكلف هذا الخليفة القيام بها. يقول تبارك في علاه: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان...". والأمانة هي الرسالة التي سوف تحررالانسان من عبوديته لغير الله فاطر السماوات والأرض. والتحرر يستدعي طبعا تغيير الأوضاع القائمة التي لا تستقيم مع فطرة الإنسان، أي بصيغة أخرى لا تنسجم مع الأمانة (الرسالة) المكلف بها من رب العالمين. فحيث الاستعباد والاستغلال والاستكبار لا وجود للدين. إذن ما على المؤمنين طاعة لله، إلا العمل على تغيير الأوضاع بالاتجاه الذي يحقق مصالح الناس.
ما الدين؟ ما هو الا معطى إلهي لتحقيق سعادة الانسان في الحال (الدنيا) والمآل (الآخرة). من هنا فإن كل ممارسة لا تنحو هذا المنحى لا تكون من الدين في شيء، الا رسوم وأشكال توحي بالعلاقة بهذا الدين. إن عظمة هذا الدين تتأتى من أن الله تبارك وتعالى قد كلف الإنسان القيام بهذه المهمة: إقامة المجتمع الذي يحقق مصالح جميع العباد، آمنوا أم كفروا. والله عز وجل يساعد الذي يمشي في الطريق الصحيح ويأجره ويعاقب المخالف ولا يساعده على المعصية.
ومن مظاهر تكريم الله للانسان نسبة بعض أفعال الانسان لله عز وجل. ويبدو هذا أكثر ما يبدو في الأمور ذات الطابع المصيري. ففي غزوة بدر، وهذا اليوم هو من أهم أيام الاسلام، نرى الله تبارك وتعالى ينسب فعل المؤمنين لنفسه. يقول تبارك وتعالى: "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى". ان أهمية المعركة التي كان من أهم نتائجها تثبيت قوة دعوة الاسلام في الجزيرة العربية تستدعي بالتالي تكريما للقائمين بها، تكريما لنقل من نوع آخر، فكانت نسبة فعل المقاتلين لله عز وجل. إن عظمة هذه الصيغة تتأتى من حيث تثبيت الفعل للانسان ومن ثم نسبته لله عز و جل.
ومن مظاهر التكريم أيضا تلك الحرية المعطاة لهذا الانسان الذي سجدت له الملائكة. فالملائكة "يفعلون ما يؤمرون"، كما ورد في القرآن الكريم. أما الإنسان فله كامل الحرية في التصرف: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".

لسنا بصدد تعداد الأساليب التي كرم الله بها عباده، إنما ما نقوم به هو تصحيح لبعض المفاهيم التي تتعلق بفعالية الانسان. فنسبة فعل الانسان لله عز وجل ليست إلا هروباً من تحمل المسؤولية الملقاة على عاتق هذا الإنسان.
والحمد لله رب العالمين.

حسن ملاط
نيسان 2007

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ألأمر بالمعروف و النهي عن المنكر
حسن ملاط


"وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا". قرآن كريم

تبدو الكتابة بمواضيع غير سياسية وكأنها خارج السياق. فالأحداث التي تتوالى تغري بالكتابة السياسية، ولكن يبدو لي على الأقل أننا لا نزال بعيدين نسبيا عن صناعة الأحداث وتوجيهها بالشكل الذي يخدم مصالح الأمة والوطن. وهذا عائد لأسباب عديدة منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي .وسواء كان هذا أم ذاك فنحن بحاجة الى وقفة تأملية بالمهام المطروحة على شعبنا، وكذلك بالأساليب المتبعة أو التي يجب أن تتبع ازاء التفاعل مع الأحداث أو الانفعال بها أو امكانية فعل الحدث. وهذا ما نصبو اليه.

إن تقييم أي فعل أو الحكم عليه بالايجابية أو بالسلبية يستدعي وجود معيار يمكننا من أن نقيس الفعل أو تقييمه تبعا له. وعندما يضيع هذا المعيار يصبح بامكان أي كان أن يجعل من المعروف منكرا ومن المنكر معروفا.

استنادا إلى ما تقدم يمكننا أن نطرح السؤال التالي: ما الذي مكن الولايات المتحدة الأمريكية ومن يدور في فلكها من تدمير جميع المقاييس الخيرة الموجودة عند شعبنا والتي تطال حتى عقائده الايمانية؟

يقول تبارك وتعالى في كتابه الكريم: "ولتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا...". ألا نجد الآن من يدعو الى استعداء الأخوة فيما بينهم لصالح الصداقة مع أعداء أمتنا من اليهود والأمريكان. أليس في هذا جرأة من هؤلاء على الله وكتابه؟ ألم تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ومن يدور في فلكهما من تحويل المنكر المحدد من رب العالمين الى معروفا؟

أليست مصادقة مغتصبي أرض فلسطين وجولان الشام وبعض المرتفعات الجنوبية في لبنان والمياه أيضا، أليس هذا منكر يجب تغييره؟ ما نراه، والعياذ بالله، إصراراً من البعض على التأكيد على ضرورة مصالحة العدو المغتصب وبأعذار واهية، منها الضعف ومنها تعب شعبنا وغيرها من الأعذار. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات". ويقول تبارك وتعالى: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين". ألم ينتصر لبنان في جميع معاركه مع اسرائيل؟ فالضعف اذن هو في نفوس الداعين الى مصالحة العدو. أو أن وراء الأكمة ما وراءها! انهم يلبسون الحق بالباطل . ألا ساء ما يفعلون.

أما الدعوة إلى الاقتتال الداخلي والتي يقوم بها هؤلاء أنفسهم، أليس هذا دعوة للمنكر؟ السلم الأهلي والحياة المشتركة الهانئة بين مختلف فئات الشعب اللبناني، هذا مما يرضي الله ورسوله. فالله تبارك وتعالى هو الذي يحض الناس على الدعوة الى الكلمة السواء التي لا يستعبد بعضنا بعضا وحيث يكون العداء والبغض والكراهية لأعداء هذه الأمة وشياطينها من الأمريكان والصهاينة. وهذا التوجه واجب، فيه طاعة لله ولرسوله. يقول تبارك وتعالى: "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا". ان ربنا يريدنا أن نكون ايجابيين في عدائنا لأعدائنا. علينا أن نعد العدة الضرورية لمجابهتهم حتى تكون المبادرة دائما في أيدي المؤمنين.

أما الأعداء فقد حددهم لنا ربنا عز وجل . اذن لسنا بحاجة لأمريكا أو من يسير حسب ارادتها لتحديد أعدائنا أو أصدقائنا. لأننا عندما نقبل بتحديد الأمريكان نكون قد قبلنا بملء ارادتنا بتحويل المنكر الى معروف والعياذ بالله. يقول تبارك وتعالى: "المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم. نسوا الله فنسيهم. ان المنافقين هم الفاسقون". إن تدبرنا لهذه الآية الكريمة يجعلنا ننظر بعين الأسى إلى هؤلاء الذين تنكروا لأبسط قواعد الايمان بالله تبارك وتعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن النكر وتؤمنون بالله". ننظر بعين الأسى لأن هؤلاء كانوا بالأمس القريب من المتحمسين لقضايا أمتهم، يدافعون عنها ويضحون بالغالي والنفيس من أجل نصرة قضاياها. ولكن الله ابتلاهم بزعماء وقادة زينوا لهم المعصية وجعلوهم لا ينكرون المنكر حتى أصبح البعض منهم يدعو إليه. هذا مع العلم أن نبينا صلوات الله وسلامه عليه يقول :"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه..." ان هذا الاصرار من النبي الكريم على تغيير المنكر انما يعبر وبشكل واضح جدا أنه صلى الله عليه وسلم لا يقر التعايش بين المنكر والمعروف فكيف بتحويل المنكر الى معروف؟ الايمان لا يقبل بالمنكر لذلك يقول النبي: "لا يزني الزاني وهو مؤمن".

إن ما يقوم به بعض من يسمى قادة الرأي في بلدنا من تزيين للمعصية لجماهير شعبنا الطيب، إنما هو نوع من النفاق الذي يؤدي بهؤلاء إلى اكتساب الصفة التي أعطاها الله عز وجل لأمثالهم أي "الفسوق" والعياذ بالله. ومن المفيد أن ننبه بأن حلول العقاب على هؤلاء لا يعفي من اتبعهم من العقاب أيضا.

وأخيرا لا بد من التنبه الى أن جل عمل المؤمن انما هو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر: فإسرائيل منكر والتبعية لأمريكا منكر والدعوة إلى الفتنة الطائفية منكر والعمل من أجل الاقتتال المذهبي منكر والتعصب للمذهب منكر: هذه المنكرات علينا تغييرها طاعة لله وفي سبيله.

وقانا الله من جميع المنكرات وأعاننا على تغييرها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

حسن ملاط


آذار 2007

غزوة بدر الكبرى

غزوة بدر الكبرى
حسن محمد ملاط
توطئة:
سأبدأ دراستي هذه بكلام للدكتور "أحميدة النيفر" رئيس قسم الدراسات الاسلامية في جامعة الزيتونة في تونس. يقول متحدثاً عن الشيطان في الخطاب الاسلامي:{ان الشيطان في الفكر الإسلامي يمكن أن يُعتبَر أحد الأبعاد المؤسّسة لمنزلة الآدمي الوجودية. لا أدل على هذا المعنى من الآية الكريمة التي تقرن بين سعي الشيطان وحرية الإنسان: " وما كان لي عليكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسَكم". أكثر من آية قرآنية تؤكد أن كيد الشيطان ضعيف وأن وسواسه لا يمكن أن يؤثر إلا في النفوس المستكينة والعقول الساذجة وأن تجنب غوايته ليس متعذرا.
ما يعنينا في هذا الجانب الأول أن التوجه الذي ساد في أدبيات الفكر الإسلامي قديماً و حديثاً نادراً ما كان يعالج الحضور الشيطاني كما حرص عليه السياق القرآني الذي اهتم به أساساً من زاوية دلالته البيداغوجية لتربية الجنس البشري.
أغلب ما انساق فيه الباحثون عند معالجة الموضوع كان إعراضاً عن الخطاب القرآني في تأسيسه لحرية الآدمي كقيمةًٍ مركزيةٍ لمشروع استخلافه في الأرض.
بتعبير آخر، ظل موقع الشيطان يفضح مفارقة انساقت فيها عموم أدبيات الفكر الإسلامي، إذ صار هذا الكائن شديدَ الالتصاق بالمسحة العجائبية المروّعة التي طبعته بها الوثنية العربية وما ركّزه فضاء التصورات القديمة لشعوب ما بين النهرين وما رفدها من رؤىً وافدةٍ من الهند.
لقد تضاءل المقصد الأخلاقي للعبارات القرآنية المفيدة بأن الشيطان مذمومٌ مدحورٌ وأنه سرعان ما يخنس ويتراجع و أنه يتحالف مع نظرائه من الإنس وأن الاستعاذة مما يسوّله أمر ممكن، تضاءل هذا المقصد ليتضخّم على حسابه خنوعٌ مفزعٌ يستهين بالذات الآدمية وإرادتَها وحاجتَها إلى روحيةٍ إيجابيةٍ تدعم مسيرتها الاستخلافية.
أكثر من هذا، لقد ساهم في هذا النكوص عددٌ من أصحاب المعاجم اللغوية الذين اعتبروا لفظة الشيطان مشتقة من الجذر "ش ط ن "، وأن الشطن هو " الحبل الطويل الشديد الفتل". لم يعتنوا بأن الكلمة دخيلة على العربية فلا حاجة إلى هذا التعسّف في إرجاعها إلى ثلاثي يتضمن دلالة القوة والشدة }.

المقدمة :
انها وقفة مع أناس عرفوا حجم الشيطان وعرفوا كيف يتعاملون معه. هذه الدراسة لا ترتدي الطابع الأكاديمي ، إذ إنها لا تهدف إلى كشف جوانب خفية من هذه الغزوة لمّا يتمكن علماء التاريخ من كشفها . ولكنها دراسة هادفة لاستخلاص بعض الدروس التي تعين العاملين في حقل الدعوة إلى الله ، وكذلك لمعرفة السنن الإلهية على صعيد المجتمع ، تلك السنن التي تمكن الدعاة إلى سبيل الله من العمل باتجاه تغيير المجتمع في المنحى الصحيح الذي يحقّق العدل لجميع أبنائه . وذلك إذعاناً لأمر الله تبارك وتعالى ونبيه المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) بإقامة دار الإسلام .
ودراسة تاريخ الأمم والشعوب أمر هام لاستخلاص الدروس والعبر حتى لا نقع في الزلل . كما وأن هذه الدراسة أمر حثّ عليه القرآن الكريم في العديد من آياته الكريمة : يقول الله تبارك وتعالى : ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلهم كانوا أَكثَر منهم وأشدَّ قوةً وآثاراً في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون * فلمّا جاءتهم رسلُهم بالبيّنات فرحوا بما عندَهم من العِلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * فلمّا رأوا بأسَنا قالوا آمنّا بالله وحدَهُ وكفرنا بما كُنّا به مشركين * فلم يكُ ينفعُهم إيمانُهم لمّا رَأوا بأسنا سنةَ الله التي قد خلت في عباده وخَسِر هنالِك الكافرون )(1).
كما أنّ دراسة التاريخ أمر يشترك فيه جميع الناس ، ولا يختص به المسلمون . أما ما اختص به المسلمون ـ من حيث إنهم إذا تركوه أو تجاوزوا عنه ، أصبحوا آثمين ـ هو موضوع التأسي برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . يقول تبارك وتعالى : (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) .
من هنا كانت دراستنا لغزوة بدر أمر لابدّ منه إذعاناً لأمره تعالى؛ ذلك لمعرفة كيفية طاعة الرسول المصطفى على صعيد بناء المجتمع ومجابهة الأعداء ، وتحديد الأولويّات في العمل السياسي من جميع جوانبه .
بدايات بدر :
1 ـ المستوى الفكري والنظري :
أمضى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أكثر من عشر سنوات في مكّة بعد بعثته يربي أصحابه على الإسلام ، وكان القرآن الكريم ينزل عليه . والمسلمون يدرسونه ويتدبرونه . وهذه الفترة وما تلاها في المدينة المنورة يمكننا تسميتها البدايات النظرية للمعركة مع المشركين . يقول تبارك وتعالى : ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله واللهُ مع الصابرين )(2) ، فالنصر ليس حكراً على الكثرة ، ويمكن للقلة إذن أن تكسب النصر في شروط معينة ، وهذا واضح تاريخياً . والقرآن الكريم زاخر بالأمثلة . فتجارب الأنبياء مع أقوامهم كانت الغذاء الروحي للمسلمين في مكة . وكان النصر من نصيب المؤمنين مع أنهم كانوا قلة .
ما تقدم لا يعني بالضرورة أن شروط النصر للقلة على الكثرة هي قيادة أحد الأنبياء لها أو إيمانها بالتوحيد ، لأنّ اعتماد هذين الشرطين يجعلنا قاصرين عن تفسير إمكانية انتصار فئات كافرة على فئات كافرة مثلها . إذن هناك سنن إلهية للنصر ، من يلتزم بها يحرز الانتصار ومن يتجاوز عنها أو يهملها يكون نصيبه الهزيمة .
فالنصر والهزيمة حدثان سياسيان أو عسكريان . حدثان تاريخيان تنطبق عليهما قوانين التاريخ والقوانين العسكرية وجميع السنن الإلهية لتطور المجتمعات ، ومن ضمنها العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية . والمؤمن عليه اكتشاف هذه القوانين والسنن ، يقول تبارك وتعالى : ( ... وتلك الأيام نداولها بين النّاس ... )(3).
أيام تتداول بين الناس يعيش الناس في مذاهب مختلفة على أرض واحدة . منهم المؤمن ومنهم الكافر والمنافق والفاجر . ولكل مجتمع لابدّ من مهيمن . ولكن الهيمنة ليست مطلقة ، وكذلك التداول ، ولكنهما محدودان وموقوفان على : ( وليعلمَ اللهُ الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ... )(4) . إذن التداول سيظل حتى يتسلم المؤمنون قيادة هذه المجتمعات ، المؤمنون الذين يستوعبون الدروس الإلهية الموجودة في كتاب الله :
يقول تعالى : ( أَولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلهم وكانوا أشدَّ منهم قوّة وما كان الله ليعجزَهُ من شيء في السماوات ولا في الأرض ، إنّه كان عليماً قديراً )(5).
ويقول تعالى : ( أوَلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلهم كانوا أشدَّ منهم قوةً وأثاروا الأرضَ وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلُهم بالبيّنات فما كان اللهُ ليظلمَهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )(6).
ويقول تعالى : ( ظهر الفسادُ في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس لِيُذيقَهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون * قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلُ ، كان أكثرهم مشركين )(7).
ويقول تعالى :( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءَهم الهُدى ويستغفروا ربَّهم إلا أن تأتيهم سنّةُ الأوّلين أو يأتيهم العذابُ قُبُلا)(8).
ويقول تعالى : ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبةُ المكذبين * هذا بيانٌ للناس وهدًى وموعظةٌ للمتقين )(9).
لا بيان أوضح مما رأينا . إن الله ـ عزّ وجلّ ـ يحث قارئي القرآن على دراسة تاريخ الأمم الخالية حتى يتمكنوا من استيعاب الدروس والعبر والقوانين التي تمكنهم من النصر . إن معرفة الأخطاء التي وقع فيها الأولون تمكن المؤمنين من تجنبها لأن المؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرّتين . كما أن استيعاب هذه الأخطاء وأسبابها لا يعفي المؤمن من التفتيش على السنن التي تمكنه من تسخير ما منَّ الله عليه . ذلك أن السنن التي خلت من قبل هي هدًى وموعظةٌ للمتقين ، كما أنها بيان للناس أيضاً . وهذا يعني أن للكافر حظاً في الاستفادة من هذه السنن إن أراد ذلك . فإن سنن النصر نجدها في كتاب الله وسنة نبيّه المصطفى وفي تاريخ الأمم السالفة ، وما تقدم يجعلنا نقول بأن المسلمين عندما مضوا إلى يوم الفرقان ، يوم بدر ، كانوا مفعمين بالإيمان وبالوعي النظري بإمكانيّة النصر ، أو على الأصح بأرجحية النصر . إذ إنهم كانوا قد استوعبوا دروس الأمم التي خلت من خلال القرآن الكريم ومن خلال قيادة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
2 ـ المستوى العملي :
بدايات بدر على المستوى العملي تبدأ حسب رأينا منذ مدّة بعيدة ، منذ بيعة العقبة الثانية ، بيعة القتال .
أ ـ بيعة العقبة الثانية :
كانت بيعة العقبة الأولى لا تتضمن أيّ كلام عن القتال . بينما بايع الأوس والخزرج النبيَّ في العقبة الثانية على القتال . قال النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : « أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون نساءكم وأبناءكم » . فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : « نعم ، والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعنّك مما نمنع منه أُزُرَنا ، فبايعْنا يا رسولَ الله ، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر » . ثم قال رسول الله بعد كلام للأنصار : « بل الدّم الدم والهدم الهدم ، أنا منكم وأنتم منّي ، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم »(10).
هذه البيعة بحقيقتها تجميع لقوى الإيمان ضد قوى الشرك . ويوم بدر هو يوم الفرقان .

ب ـ الهجرة :
الهجرة في حقيقتها هي الخطوة الأولى على طريق إقامة دار الإسلام في المدينة : القاعدة الآمنة التي ينطلق منها المؤمنون لقتال المشركين . وقد أحسّ مشركو قريش إحساساً حاداً خطورة الهجرة . يقول تعالى : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليُثبتوك أو يقتلوك أو يُخرجوك ويمكرون ويمكر اللهُ ، واللهُ خير الماكرين )(11) . أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن نفراً من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة فاعترضهم ابليس في صورة شيخ جليل فلمّا رأوه قالوا : من أنت ؟ قال : شيخ من أهل نجد سمعت بما اجتمعتم له فأردت أن اُحضركم ولن يعدمكم منّي رأي أو نصح ، قالوا : أجل فادخل . فدخل معهم فقال : اُنظروا في شأن هذا الرجل (محمد) ، فقال قائل احبسوه في وثائق ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير ونابغة ، فإنما هو كأحدهم ، فقال عدو الله الشيخ النجدي : لا والله ، ما هذا لكم برأي ، والله ، ليخرجنّ رائد من محبسه إلى أصحابه فليوشكنّ أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم ، ثم يمنعوه منكم ، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم ، فانظروا في غير هذا الرأي . فقال قائل : أخرجوه من بين أظهركم واستريحوا منه فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع ، فقال الشيخ النجدي : والله ، ما هذا لكم برأي ، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذه للقلوب بما يستمع من حديثه ؟ والله ، لئن فعلتم ، ثم استعرض العرب ليجتمعن عليه ثم ليسيرن إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم . قالوا : صدق والله ، فانظروا رأياً غير هذا . فقال أبو جهل : والله ، لأشيرنّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد ، ما أرى غيره قالوا : وما هذا ؟ قال : تأخذون من كل قبيلة وسيطاً شاباً جلداً ثم نعطي كل غلام منهم سيفاً صارماً يضربونه ضربة رجل واحد ... (تفسير الجلالين أسباب نزول الآية 20 من الأنفال) . نقلنا هذا الكلام الطويل لأهميته وخاصة ما كان يقوله الشيخ النجدي ـ لعنه الله ـ بأن محمداً سوف يخرجهم من بلادهم إذا سمحوا له بالهجرة . لقد أحسَّ المشركون بخطورة هذه الخطوة (الهجرة) فكيف بصاحبها ؟
ج ـ الوثيقة بين المسلمين وغيرهم في المدينة :
ومن بنودها :
ـ المسلمون من قريش ويثرب ومَن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ، أمة واحدة من دون الناس .
ـ لا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن . (هدم العصبية القبلية) .
ـ يهود (بنو عوف) أُمّة مع المؤمنين ، لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (يهلك) إلا نفسه وأهل بيته .
ـ إن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم . وإن بينهم النصر على مَن حارب أهل هذه الصحيفة .
ـ كل ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده ، فإن مردّه إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ وإلى محمد رسول الله .
وهناك بند يمنع أي تعامل مع قريش .
إن أهمية هذه الوثيقة هي في جعل المدينة قاعدة آمنة للمسلمين في انطلاقهم لقتال المشركين ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية جعلت الوثيقة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المسؤول الحاكم وباعتراف الجميع ، وعلى اليهود نصرته في حال اعتدي على المدينة .
د ـ السرايا والغزوات : أهميتها تأتي من أنها حققت ما يلي :
1 ـ جعلت المسلمين متأهبين دائماً لجهاد الكفار .
2 ـ جعلت الكفار في وضع غير آمن وباستمرار وذلك لكثافتها .
3 ـ تأثيرها السلبي على حركة التجارة المكية علماً أن طريق الشام من مكة تمر في المدينة أو في محيطها .
4 ـ أتاحت للمسلمين عقد اتفاقات عدم اعتداء مع قبائل لم تكن على الإسلام مما أعطى المسلمين حرية أكثر في التحرك ضدّ المشركين ، خاصة مشركي قريش .
وإليكم هذه السرايا والغزوات :
1 ـ سرية حمزة بعد سبعة أشهر من الهجرة :
«وخرج حمزة يعترض عير قريش ... وفيها أبو جهل بن هشام ، في ثلاثمائة رجل ... فالتقوا حتى اصطفوا للقتال ... ولكن لم يتم قتال . وكان المسلمون ثلاثين رجلا".
2 ـ سرية عبيدة بن الحارث :
« بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، في ستين رجلا من المهاجرين ... فلقي أبا سفيان بن حرب وهو في مائتين من أصحابه ... فإنما كان بينهم الرمي ولم يسلوا السيوف ولم يصطفوا لقتال » . وكانت بعد ثمانية أشهر من الهجرة .
3 ـ سرية سعد بن أبي وقاص :
بعد تسعة أشهر من الهجرة ، لم يلتق قريشاً .
4 ـ غزوة الأبواء بعد سنة من الهجرة :
وتسمى غزوة ودان . وهي أول غزوة غزاها النبيُّ نفسه ، « وفي هذه الغزوة وادع مخشي بن عمرو الضمري ، وكان سيدهم في زمانه على أن لا يغزو بني ضمرة ولا يغزوه ، ولا يكثروا عليه جمعاً ، ولا يعينوا عدواً ، وكتب بينه وبينهم كتاباً » . وكانت غيبته خمس عشرةَ ليلة .
5 ـ غزوة بواط :
بعد ثلاثة عشر شهراً من مهاجره . خرج لاعتراض عير قريش ولكنه لم يلق كيداً .
6 ـ غزوة طلب كرز بن جابر الفهري :
راح في طلبه لأن كرزاً هذا أغار على أنعام المدينة وسرقها . وفي هذه الغزوة دلالة على أن المسلمين هم حكّام المدينة والمسؤولون عن أمنها .
7 ـ غزوة ذي العشيرة :
بعد ستة عشر شهراً ، لم يلتق قريشاً . « وفي هذه الغزوة وادع بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة".
8 ـ سرية عبد الله بن جحش الأسدي :
بعد سبعة عشر شهراً من الهجرة . بعثه النبيُّ في اثني عشر رجلا إلى بطن نخلة وهي قرب مكّة . فاستولى على العير وقتل واحداً هو ابن الحضرمي واسر اثنين . ولهذه السرية أهمية خاصة ، لقربها من مكّة ، وللقتل والأسر والمغانم التي حصلت فيها . وكذلك للأثر الذي تركته في نفسية مشركي قريش ، وقد كانت هذه الموقعة موضوعاً للتحريض في معسكر المشركين لمعركة بدر ضد المسلمين .
نضيف ملاحظة على هذه السرايا والغزوات أنها مكثفة جداً فهي تتم شهرياً . هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار صعوبة المواصلات. فهذا يعني أن كثافتها تشكل إرباكاً فعلياً للعدو ، مما جعل الأمن العسكري لقريش مهدداً وكذا أمنها الاقتصادي ، فقد باتت تجارة مكة غير آمنة وهذا ما يستتبع شللا اقتصادياً مما أثر على جميع عوائل مكّة.
غزوة بدر
أ ـ عشية الغزوة :
يقول أصحاب السير بأن النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج في أربعة عشر وثلاثمائة رجل فيهم من المهاجرين والأنصار، وهي الغزوة الأولى التي يخرج فيها الأنصار مع رسول الله . أما الغاية من خروجه فكانت الاستيلاء على قافلة لقريش آتية من الشام بقيادة أبي سفيان بن حرب. ومن الملاحظ أن النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبعث الأنصار قط لاعتراض عير قريش ، فلماذا أخذهم معه في هذه المرّة ؟ المهم أن قافلة أبي سفيان تمكنت من الإفلات . وعلم النبيُّ في هذه الأثناء أن قريشاً جمعت وهي آتية لقتاله . فعرض الأمر على أصحابه . يقول تبارك وتعالى : ( كما أخرجك ربُّك من بيتك بالحقِّ، وانّ فريقاً من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحقِّ بعدما تبيّن كأنما يساقون إلى الموت وهم يَنظرون) 12)) . أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن بالمدينة وقد بلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت : « ما ترون فيها لعل الله يغنمناها ويسلمنا ؟ » فخرجنا فسرنا يوماً أو يومين . فقال : ما ترون فيهم ؟ فقلنا : يا رسول الله ما لنا طاقة بقتال القوم إنما خرجنا للعير . فقال المقداد : لا تقولوا كما قال قوم موسى : ( اِذهب أنت وربّك فقاتلا إنا ههنا قاعدون )فأنزل الله الآيتين (تفسير الجلالين في أسباب نزول الآية 5 - 6 من الأنفال( .
من سياق هاتين الآيتين يتبين وكأن الله ـ تبارك وتعالى ـ ما أراد من خروج رسول الله إلا قتال المشركين . ويبدو هذا واضحاً في سياق الآية : ( إذ أنتم بالعُدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركبُ أسفلَ منكم ، ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضيَ الله أمراً كان مفعولا ليهلكَ مَن هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة وإن الله لسميعٌ عليمٌ )(13) . فالتقاء الجمعين تدبير من ربِّ العالمين . ولا غرابة في أن يكون الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ على علم من ربّه بهذا التدبير وإن لم يخبر أصحابه . وهذا بين في الآية التي يعاتب الله فيها المؤمنين : ( وإذ يعدُكم اللهُ إحدى الطائفتين أنها لكم وتودُّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريدُ اللهُ أن يحقَّ الحقَّ بكلماته ويقطعَ دابر الكافرين * ليحقَّ الحقَّ ويُبطل الباطل ولو كره المجرمون )((14.
مما تقدم يظهر بأن المعركة لابد من وقوعها بين المسلمين والمشركين وعن وعي من النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) . والظاهر أيضاً بل الجلي هو أن الله ـ تبارك وتعالى ـ قد تعهد هذه المعركة بالنصر. يقول تبارك وتعالى : ( إذ يريكهم الله في منامك قليلا ، ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور )(15) . ما رآه النبي من قلة عددهم يشدّ من عزيمته ويشدّ من عزيمة أصحابه ، ولكن بتدبير من ربِّ العالمين .
ب ـ معسكر المسلمين عشية المعركة :
جاء في طبقات ابن سعد (ص14) : « ومضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى إذا كان دون بدر أتاه الخبر بمسير قريش . فأخبر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه واستشارهم » . جاء في الطبري (ص424) : « أن أبا بكر قال: فأحسن . ثم قام عمر بن الخطاب فقال : فأحسن » . نعود إلى ابن سعد : « فقال المقداد بن عمرو البهراني : والذي بعثك بالحق ، لو سرت بنا إلى بَرك الغِماد لسرنا معك حتى ننتهي إليه » . ويضيف ابن سعد : « أنه بعد أن انتهى المقداد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أشيروا عليّ ، وإنما يريد الأنصار . فقام سعد بن معاذ فقال : أنا أُجيب عن الأنصار ، كأنك يا رسول الله تريدنا ؟ قال : أجل . قال : فامض يا نبي الله لما أردت ، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك ما بقي منّا رجل واحد . فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سيروا على بركة الله ، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، فو الله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" .
" ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ يتحسّس أخبار قريش وعددهم عن طريق العيون التي بثّها »(16).
"ونزل المسلمون عند ماء بدر واقترح سعد بن معاذ أن يبنى عريش للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يكون بمأمن فيه رجاء أن يعود سالماً إلى مَن تخلف من المسلمين في المدينة وأن لا ينكبوا بفقده »(17) وقام على حراسته سعد بن معاذ ومعه رهط من الأنصار .
وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد خلف على أهل العالية ، لشيء سمعه عنهم أحد صحابته ، والعالية هي قباء وخطمة ووائل وواقف وبنو أمية بن زيد وقريظة والنضير ، هذا حتى لا يترك مجالاً للمفاجآت تأتيه من خلف ظهره .
وليلة الموقعة غشي المسلمين نعاس فناموا . وأمطرت السماء مطراً خفيفاً ساعدهم على النشاط وطهرهم ، وثبت الأرض تحت أقدامهم . « فلما أصبح النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) صفّ أصحابه قبل أن تنزل قريش ، وطلعت قريش ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يصفف أصحابه ويعدلهم كأنما يقوم بهم القدح ، ومعه يومئذ قدح يشير إلى هذا تقدم ، وإلى هذا تأخر ، حتى استووا » (ابن سعد ص 15) . ثم دخل العريش يجأر بالدعاء متوجهاً بكليته إلى الله تبارك وتعالى : « اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها ، تُحادُّك وتكذّب رسولَك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، اللهم أحِنْهم الغداة »(18).
ج ـ المعركة :
وبدأ القتال ، قتال التوحيد ضد الشرك ، والايمان ضد الكفر ، وإليكم هذه الصورة من علي بن أبي طالب (عليه السلام) : «لما أن كان يوم بدر وحضر البأس التقينا برسول الله وكان أشدَّ الناس بأساً ، وما كان منّا أحد أقرب إلى العدو منه "(19 ). وهذه صورة أخرى من عمر بن الخطاب : « فلما كان يوم بدر نظرتُ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يثب في الدرع وثباً وهو يقول : سيهزم الجمع ويولون الدبر ، فعلمت أن الله تبارك وتعالى ، سيهزمهم »(20).
ولكن النبي عليه الصلاة والسلام مع محاربته للعدو كان يعود إلى العريش ويدعو ربه وباستمرار ، حتى أيده بالملائكة ، وكان الله ـ تبارك وتعالى ـ يبعث إليه بالوحي حتى تطمئن قلوب المؤمنين : ( إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مُردِفين * وما جعله الله إلا بشرى ولِتطمئنَّ به قلوبُكم وما النصرُ إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم )(21).
"روى الترمذي عن عمر بن الخطاب قال : نظر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فاستقبل القبلة ثم مدّ يديه وجعل يهتف بربه : اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض . فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبلا القبلة حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءَه وألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبيَّ الله كفاك مناشدتك ربّك فإنّه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله الآية (الجلالين أسباب نزول الآية 9 من الأنفال) .
وقد وعد الله ـ تعالى ـ المسلمين بمساعدته من قبل ، يوم أن كانوا في مكة وهو يقصّ عليهم القصص للأمم السالفة حتى تكون لهم درساً وعبرة . يقول تبارك وتعالى : ( وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها)(22).
ويقول تبارك وتعالى :( ونُريدُ أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلَهم أئمةً ونجعلَهم الوارثين * ونُمكّن لهم في الأرض)(23) .
وكان الوحي يواكب المعركة والنبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يطمئن أصحابه ويحضهم على القتال : ( يا أيها النبيُّ حرّض المؤمنين على القتال ، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائةٌ يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنَّهم قومٌ لا يفقهون )(24) . وبما أن الخبر من المولى ـ عزّ وجلّ ـ معناه الأمر ; لذلك خفّف الله عن المؤمنين رحمة بهم : ( الآن خفّف اللهُ عنكم وعلِم أنَّ فيكم ضعفاً ، فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين ، وإن يكن منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين )(25) .
وكان النصر المبين للمسلمين في بدر .
د ـ جهاز المشركين :
بعد أن نجا أبو سفيان من المسلمين وقد كان بعث إلى قريش لنجدته ، تَهيَأت قريش جميعها لنجدته ، من دون استثناء . علماً أن هناك مصدراً يقول بأن بني عدي بن كعب لم يخرج منهم أحد(26). وتجمع جميع المصادر على أن أبا لهب ، عمَّ النبيّ ، لم يخرج وبعث مكانه .
جاء في سمط النجوم (ص15) : « فتجهز الناس سراعاً وقالوا : أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي ؟ كلا والله ليعلمن غير ذلك » . وكانوا يشيرون إلى سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه .
وجاء في الطبري : « فلمّا أتى قريشاً الخبر (خبر العير وتعرض محمد لها) نفر لها أهل مكة (ص422).
وجاء في البوطي : « فبلغ الخبر قريشاً ، فتجهزوا سراعاً ، وخرج كلهم قاصدين الغزو ، حتى إنه لم يتخلف من أشراف قريش أحد ، وكانوا قريباً من ألف مقاتل (ص57) . « ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا على المسير ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب والعداوة وقالوا : نخشى أن يأتونا من خلفنا . وكاد ذلك أن يثبطهم ويثنيهم »(27) . وفي هذا دلالة على التردد .
وسارت قريش تريد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي طريقهم عرفوا أن العير قد أفلتت من أيدي المسلمين ، عندها سرت بلبلة في صفوفهم . وكانوا قد نزلوا في الجحفة . ورأى أحد المشركين من قرابة رسول الله رؤية وكأن أئمة الكفر يقتلون . فبلغت هذه الرؤية أبا جهل فقال : « وهذا أيضاً نبيّ آخر من بني المطلب »(28) .
يقول ابن سعد (ص 14) : رجعت بنو زهرة من الجحفة ، أشار عليهم بذلك الأخنس بن شريف الثقفي . وكان بنو زهرة يومئذ مائة رجل وقال بعضهم : بل كانوا ثلاثمائة رجل . وكانت بنو عدي بن كعب مع النفير . فلما بلغوا ثنية لفت عدلوا في السحر إلى الساحل منصرفين إلى مكة ، فصادفهم أبو سفيان بن حرب فقال : يا بني عدي كيف رجعتم لا في العير ولا في النفير ، ويضيف ابن سعد : فلم يشهد بدراً من المشركين أحد من بني زهرة ولا من بني عدي".
وجاء في سيرة ابن هشام (ص271) قال الأخنس لبني زهرة : « يا بني زهرة ، قد نجّى الله لكم أموالكم ، وخلّص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل ، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله ، فاجعلوا لي جُبنها وارجعوا ، فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة (منفعة) ، لا ما يقول هذا ، يعني أبا جهل ، فرجعوا".
وقيل أن سبب رجوع الأخنس ببني زهرة : « أنه خلا بأبي جهل حين تراءا الجمعان فقال : يا أبا الحكم أترى أن محمداً يكذب؟ فقال أبو جهل : كيف يكذب على الله وقد كنّا نسميه الأمين لأنه ما كذب قط ، ولكن إذا اجتمعت في بني عبد مناف السقاية والرفادة والحجابة والمشورة ثم تكون فيهم النبوة فأي شيء بقي لنا ؟ »(29) .
ولهذه القصة أثر سيّئ على نفسية المشركين قيادة وعامة وذلك ليقينهم إنما يحاربون الله ورسوله ، وفي هذا دلالة على الإحباط الشديد .
" ومضى القوم ، وكانت بين طالب بن أبي طالب ـ وكان في القوم ـ وبين بعض قريش محاورة فقالوا : والله لقد عرفنا يا بني هاشم ـ وان خرجتم معنا ـ أن هواكم مع محمد ، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع »(30) .
هـ ـ معسكر المشركين في بدر :
وعسكر المشركون بالقرب من بدر الذي كان قد وصلها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم في هذا الوضع المتفكّك نفسياً ، فما كان وضعهم بعد أن عسكروا ؟
"فلما اطمأن القوم بعث المشركون عمير بن وهب الجمحي ، وكان صاحب قداح ، فقالوا : احزر لنا محمداً وأصحابه ، فصوب في الوادي وصعد ثم رجع فقال : لا مدد لهم ولا كمين ، القوم ثلاثمائة إن زادوا زادوا قليلا ، ومعهم سبعون بعيراً وفرسان . يا معشر قريش ، البلايا (جمع بلية وهي الناقة أو الدابة تربط على قبر الميت فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت) تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع . قوم ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم أما ترونهم خرساً لا يتكلمون ، يتلمظون تلمظ الأفاعي ؟ والله ما أرى أن نقتل منهم رجلا حتى يُقتل منّا رجل ، فإذا أصابوا منكم عددهم فما خير في العيش بعد ذلك . فروا رأيكم . فتكلم حكيم بن حزام ومشى في الناس ، وأتى شيبة وعتبة وكانا ذوي نقبة في قومهما فأشاروا على الناس بالانصراف ، وقال عتبة : لا تردوا نصيحتي ولا تسفهوا رأيي ، فحسده أبو جهل حين سمع كلامه ، فأفسد الرأي وحرش بين الناس ... وجاء عمير بن وهب فناوش المسلمين »(31) . وبدأت الحرب بعد مبارزة أبلى فيها علي (عليه السلام) بلاءً حسناً وقتل فيها أحد أئمة الكفر . بدأت الحرب التي جرّ أبو جهل قريشاً اليها كرهاً وخوفاً من الوهن والانقسام والتردد .
أما الغاية من الحرب كما حدّدها أبو جهل فهي : « والله لا نرجع حتى نرد بدراً فنقيم عليه ثلاثاً ، فننحر الججرزَ ونطعم الطعام ونُسقى الخمر وتَعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العربُ وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا »(32) . وفيهم أنزل الله تبارك وتعالى : ( ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاءَ الناس ويصدُّون عن سبيل الله ، واللهُ بما يعملون محيط)(33) .
لدينا الآن صورة واضحة لوضع المشركين المتفكّك قيادة وقاعدة . والذين يعيشون الخوف الحقيقي من المسلمين . أرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عماراً وابن مسعود ليروا وضع المشركين ليلة المعركة ، فقالا : « القوم مذعورون فزعون إن الفَرس ليريد أن يصهل فيضرب وجهه مع أن السماء تسح عليهم »(34) .
و ـ نتائج المعركة :
إذا افترضنا أن الوضع هو كما عرضناه وطرحنا السؤال : أيّ من الفريقين له الحظُّ الأوفر في الانتصار ؟ سيكون الجواب ومن دون تردّد أن الفوز سيكون من نصيب المسلمين . وفي هذا دلالة على أن المسلمين بقيادة النبيِّ صلى الله عليه وسلم قد أخذوا بالأسباب المادية للنصر . ولكن ، من وجهة نظرنا كمؤمنين ، الأخذ بالأسباب لا يعني حتمية النصر ، ولكنه يعني أن احتمال النصر هو الاحتمال الأوفر . والأخذ بالأسباب يسمى العزم ، يقول تبارك وتعالى : ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) .
بقي أن نستعرض العامل الحاسم في النصر وهو التوكل على الله. وما النصر إلا من عند الله .
يقول تبارك وتعالى : ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا ، فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين ، واللهُ يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار )(35) .
ويقول تعالى : ( وإذ يُريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولا ، وإلى الله ترجع الأمور)(36) .
ويقول تعالى : ( إذ يُغشّيكم النعاس أمنةً منه ويُنزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به ويُذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويُثبت به الأقدام )(37) .
ويقول تعالى : ( إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أني ممدّكم بألف من الملائكة مردفين)(38)
هذا السيل من الآيات يبين لنا وبوضوح كيف أن الله تبارك وتعالى قد تولى المعركة . وهذا ناتج من أن المسلمين قد حددوا هدفهم بنصرة دين الله . يقول تعالى : ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) وهذه سنة ثابتة أزلية من سنن النصر ، لا تتغير ولا تتبدل .
كما أن الدعاء هو من السنن الثابتة لتأييد الله عزّ وجلّ ، يقول تعالى : ( قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم )(39) . لذا رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يجأر في الدعاء قبل وأثناء المعركة : « اللهم إنّي أسألك عهدك ووعدك ; اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم »(40) .
إذن الغاية من القتال هي التأكيد على العبودية لله تبارك وتعالى. الشأن الذي خلق الله الخلق من أجله: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) .
المشركون موعودون بجهنم والمؤمنون موعودون بالجنة أو النصر. لمن الغلبة إذن ؟
والقرآن ، القرآن الذي وعاه المسلمون ، مسلمو بدر . كان يعدهم بالنصر لأنهم مستضعفون . قال النبيُّ في دعائه : « اللهم إنهم حفاة فاحملهم ، اللهم إنهم عراة فاكسهم ، اللهم إنهم جياع فأشبعهم » .
انهم مؤمنون : ( وكان حقاً علينا نصر المؤمنين )(41) ، ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا )(42) .
وانتصر المسلمون في بدر لالتزامهم بالسنن الإلهية للنصر : العزم والتوكل . الأخذ بالأسباب والدعاء .


ز ـ الأنفال :
بعد هذا الانتصار الباهر غنم المسلمون الكثير من الغنائم . واختلفوا فيما بينهم لمن تكون . كل يريدها له . فكيف السبيل إلى حلّ هذا الإشكال ؟ نعود إلى نقطة البدء . لقد قاتل المسلمون لإعلاء كلمة الله وليس للغنائم . لذلك جاء حلّ هذه المعضلة من عند الله : ( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذاتَ بينكم وأطيعوا اللهَ ورسولَه إن كنتم مؤمنين)(43) وهكذا حلّ الإشكال برضى جميع الناس . « سأل عبادة ابن الصامت عن الأنفال ; فقال : فينا أصحاب بدر نزلت ، حين اختلفنا في النَّفَل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، فجعله إلى رسوله ، فقسمه رسول الله بين المسلمين عن بواء . يقول : على السواء »(44) .
قاتل المسلمون لإعلاء كلمة الله . والأنفال هي أيضاً لله الذي لولا رحمته لم يكن النصر . يقول تبارك وتعالى : ( واذكروا إذ أنتم قليلٌ مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون )(45) .
لا خلاف إذن ، إيمان واحتساب وأخوة والرزق من عند الله. إنها التربية التوحيدية التي ترفع الإنسان إلى مستوى العبودية لله وحده ، أرفع مستوى يمكن أن يصل إليه الإنسان .
وكانت بدر يوم الفرقان كما أراد ربُّ العزّة ، وأصبح المسلمون كتلةً مهابة الجانب في شبه الجزيرة العربية ، يمكنها نشر التوحيد في شتى أنحاء البلاد دون خوف أو وجل .
دروس وعبر
إن الإحاطة بجميع الدروس والعبر والقوانين من هذه المعركة هي مهمة مستحيلة ، لأن السنة ثابتة لا تتغير ، ولكن ما هو خاضع للتغير والتبدل هو الإنسان والعصر . وبالتالي فإن تغير الإنسان والعصر يستتبع تغير الفهم لهذه القوانين تبعاً لتطور العلوم الطبيعية والإنسانية ، وتطور العلوم يعني تقدم إمكانية الإنسان على فهم أكثر اكتمال للسنن والقوانين الإلهية في الكون ، وفي الطبيعة والمجتمع .
وانطلاقاً من هذا الفهم سنحاول استخلاص بعض الدروس :
1 ـ المسلمون كانوا قلة وانتصروا في بدر . هل انتصار القلة على الكثرة قانون اختصّ به المسلمون دون غيرهم ؟ إذا كان الجواب بالايجاب . فكيف يمكننا تفسير انتصار الشعب الفيتنامي على أمريكا ؟ وكيف يمكن تفسير إنتصار إسرائيل على العرب؟
التفسير الممكن هو أن الله ـ تبارك وتعالى ـ قد جعل قوانين لتطور المجتمعات . وأن الفئة التي تتمكن من اكتشاف هذه القوانين وفهمها وتسخيرها يمكنها النصر . وهكذا يمكننا تفسير هزيمة المسلمين في أحد مع أنهم كانوا بقيادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكذلك يمكننا تفسير هزيمة الهنود الحمر أمام جلاديهم ومغتصبي بلادهم .
2 ـ تحديد الشيطان :
المؤمنون يحاربون الشيطان . ونحن كمؤمنين نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم يومياً . مَن هو الشيطان ؟ هل هو وهم أم واقع؟ علماً أن الله قد أعلمنا أن الشيطان يمكن أن يكون إنساناً أو مجموعة من الناس أو نظاماً إنسانياً ، كما أن الشيطان يمكن أن يكون من الجان . فإذا كان الشيطان من الجن فما علينا إلا أن نستعيذ بالله منه لأنه من الغيب ، الذي لا يمكننا رؤيته . وإن كان من الإنس فما علينا إلا تحديده ومحاربته . ومحاربته بالنسبة للمؤمنين أمر واجب ومستمر . لذلك رأينا الرسول الأعظم قد حدّد الشيطان للمسلمين عندما أعلن أن المعركة مع قريش : رأس الكفر . علماً أن الكثير من القبائل العربية كانت لا تزال على الشرك . ولكن معرفة الرسول بالعلاقات القائمة في الجزيرة العربية دفعته لمحاربة قريش إذ إن الانتصار عليها يعني تفكيك أو بالأحرى تدمير جميع أو معظم العلاقات الشركية القائمة في الجزيرة العربية . وتحديد الرسول كان موفقاً لأنه بعد الانتصار على قريش (فتح مكة) رأينا معظم القبائل تأتي إلى الرسول تُعلن إسلامها من دون قتال .
ولا بأس هنا من الإشارة إلى أن تحديد عدد من الجماعات الاسلامية للشيطان الأكبر كان تأسياً برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . وهذا لم يحصل في التاريخ الحديث إلا على يدي هذه الجماعات التي تعتبر أن امريكا واسرائيل هما عدو أمتنا أي شياطينها . ولا ضرورة للإشارة إلى أننا لا نزال خاضعين لهذا التحديد . لأن عقدة العلاقات الشركية على الصعيد العالمي هي بيد أمريكا ، وعقدة هذه العلاقات الشيطانية في منطقتنا هي بيد إسرائيل . فشياطيننا هي أمريكا وإسرائيل .
3 ـ تحديد الأولويات في العمل :
يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله".
ومع هذا رأينا أن رسول الله لم يقاتل اليهود في المدينة بل كتب عهداً معهم ولم يقاتل بني وائل وغيرهم مع أنهم كانوا على الشرك ، بل آثر قتال قريش ، لأن تحديد الأولويات في العمل ضروري للانتصار . لذلك كان الشكل الشركي الذي يجب تحطيمه، حسب تحديد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قريش .
4 ـ معرفة قواك الذاتية وقوى العدو :
سحب جمال عبد الناصر القوات الدولية المرابطة بينه وبين العدو الإسرائيلي . وكان يعتقد أنه سينتصر على إسرائيل خلال ساعات فكانت النتيجة أن هزمت جميع الأنظمة العربية خلال ستة أيام . وإسرائيل نفسها بعد أن تطورت آلتها العسكرية بما لا يقاس بالنسبة لعام 1967 لم تتمكن خلال سبعة أيام من الحرب الضروس من إزاحة مقاتل واحد من المقاومة الإسلامية من جنوبِ لبنان ؟!.
بينما راح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ قبل التوجه إلى المعركة ـ يستشير أصحابه بما سيقدم عليه ، واطمأن إلى جيشه . وراح يتحسس قوى عدوه ، وبعد أن عرف قواه وقوى عدوه أقدم على الحرب المنتصرة .
5 ـ روحية النصر :
إذا توجهنا إلى جميع أجهزة الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية ، مع بعض الاستثناءات الضئيلة ، نرى أن عدونا هو من الصنف الذي لا يمكن هزيمته . فإذا كنّا مهزومين نفسياً قبل التوجه إلى المعركة ، هل يمكننا الانتصار ؟ بالطبع لا . أما جيش المسلمين بقيادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كسب النصر قبل البدء بالمعركة . ماذا قال الرسول لأصحابه؟ قال : إني أرى مصارع القوم . في نفس الوقت كان قادة قريش يقنعون أصحابهم بالعودة وعدم دخول المعركة . وهذا ما يجعلنا نفهم كيف أن الحجر المؤمن في فلسطين يجابه الدبابة الإسرائيلية .

6 ـ معرفة مكامن الضعف ومكامن القوة :
قوة قريش كانت تقوم على تجارتها ، لذلك رأينا أكثر السرايا والغزوات تتوجه لتهديد ومنع هذه التجارة .
7 ـ الإمداد :
كان اعتصام المسلمين بحبل الله . أما المشركون فليس لهم إمداد روحي . المسلم موعود بالجنة والمشرك موعود بالنار . وكان المسلمون قد أنذروا المشركين مدّة ثلاث عشرة سنة في مكة بالمصير الذي ينتظرهم في الدنيا والآخرة إن هم استمروا على كفرهم وعنادهم .
8 ـ الغاية من القتال :
كانت غاية المسلمين من القتال إعلاء كلمة الله وتدمير العلاقات الشركية ، وكانت غاية قريش المجون والفسوق والطغيان .
هذه بعض الدروس والعبر التي أمكننا استخلاصها مع تأكيدنا أنها قاصرة عن الإحاطة .
وأخيراً لابدّ من تأكيد ضرورة بذل الكثير من الجهد الجماعي لدراسة سيرة المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) . وذلك بغية معرفة التأسي به . لأن مجتمعنا اليوم وأعني المجتمع الإسلامي ، بأمسّ الحاجة لهذا ، فما نراه من الهجمة الاستكبارية على جميع الصعد العسكرية والاقتصادية والعلمية والتربوية يحتّم علينا العودة إلى المعين الصافي .
الهوامش:
(1) غافر : 81 - 85 .
(2) البقرة : 249 .
(3) آل عمران : 140 .
(4) نفس المصدر .
(5) فاطر : 44 .
(6) الروم : 8 - 9 .
(7) الروم : 41 - 42 .
- 8الكهف : 55 .
- 9آل عمران : 137 - 138 .
10 البوطي : 120 .
11 الأنفال : 30 .
12 الأنفال : 5 - 6 .
13 الأنفال : 42 .
14 الأنفال : 7 - 8 .
15 الأنفال : 43 .
16 البوطي : 157 .
17 البوطي : 158 .
18 ابن هشام ، 2 : 272 .
19 خليل : 182 .
20 ابن سعد : 25 .
21 الأنفال : 9 - 10 .
22 الأعراف : 137 .
23 القصص : 5 - 6 .
24 الأنفال : 65 .
25 الأنفال : 66 .
26 سمط النجوم : 22 .
27 سمط النجوم : 16 .
28 ابن هشام : 270 .
29 سمط النجوم : 22 .
30 الطبري : 429 ـ وكذا في ابن هشام وسمط النجوم .
31 ابن سعد : 16 ـ ونحوه عن ابن هشام : 274 .
32 البوطي : 158 .
33 الانفال : 47 .
34 خليل : 181 .
35 آل عمران : 13 .
36 الانفال : 44 .
37 الانفال : 11 .
38 الأنفال : 9 .
39 الفرقان : 77 .
40 الطبري : 447 .
41 الروم : 47 .
42 الحج : 29 .
43 الأنفال : 1 .
43 ابن هشام : 296 .
44 الأنفال : 26 .
تحية،     
  المعاناة التي نعيشها في المدارس هي التي دفعتني للقيام بهذه الخطوة التي أرجو الله عز وجل أن تكون مباركة. والمباركة تعني امكانية تأمين الفائدة لأجيالنا حتى يتمكنوا من الانفتاح على المستقبل بخطى ثابتة. 
     الجهد الذي نقوم به يتركز أكثر ما يتركز على تعليم القراءة للمبتدئين على ضوء آخر المستجدات في علم الأعصاب الذي له علاقة بالتعلم.ولا يغيب عن أذهاننا أن الخطاب الأول للبشرية من قبل الخالق عز وجل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان "اقرأ".   
  القراءة هي الانفتاح على المجهول حتى يصبح معلوما. انها الانفتاح على المستقبل. انها الوجود الذاتي والجماعي.    
 من الله تبارك وتعالى نطلب العون والتوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.                                                                                                                                                                                                   حسن ملاط                                                                                                                        
                                                                                                                          مستجدات الفكر والتربية