بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الأربعاء، 28 يوليو 2010

قراءة في وثيقة تيار المستقبل اللبناني

قراءة في الوثيقة السياسية لتيار المستقبل اللبناني
وأخيراً ظهر إلى الوجود الحزب الذي يمثل الرأسمال المعولم بقيادة الرئيس سعد الحريري. وأكثر كوادر هذا الحزب (التيار) ينتمون إلى البورجوازية الصغيرة التي تملك الأحلام بالحياة الهانئة، بما يلحقها من الفتات التي تمن عليها به الرأسمالية المعولمة. فبقدر النشاط يكون المردود، أما الذين لا تلحقهم الحظوظ فيفتشون، مستقبلاً، على أماكن أخرى.
لقد أخطأ الرئيس الحريري بإطلاق التيار في هذا الوقت بالذات حيث الألق الحريري بدأ يأخذ اللون الباهت، وهذا ما أظهرته الانتخابات البلدية الأخيرة. خاصة في عكار و المنية الضنية وطرابلس وبيروت الغربية وصيدا والقرى السنية في البقاع الغربي والشمالي. وإذا أضفنا أن هذه المناطق هي مركز النشاط الرئيسي لهذا التيار وهي مصدر كوادره، بدا أهمية ما ذهبنا إليه.
صحيح أن تيار المستقبل ليس حزب السنة كما قال الحريري، ولكنه هو حزب السنة مع ديكور من مختلف الطوائف والمذاهب. السنة المرضي عنهم من النظام الرسمي العربي والعالمي.
لقد أصدر التيار وثيقة سياسية وأخرى إقتصادية، وأصدر بياناً ختامياً في نهاية المؤتمر. سوف نقرأ الوثيقة السياسية والتوصيات في هذا المقال.
جاء في المقدمة: " كان الرئيس الشهيد يرى العولمة تحدياً للعرب وفرصة في الوقت عينه، هي تحد للأنظمة الخائفة والضعيفة، وهي فرصة للأقوياء والمتقدمين بأن يتحولوا الى تكتل سياسي واقتصادي وأن يقيموا سوقاً مشتركة لبناء علاقات متوازنة مع النظام العالمي بدلاً من العلاقات المنفردة".
صحيح هذا الكلام وخاصة إذا كان التوحد من ضمن برنامجهم. ولكن حيث أن دول الوصاية لا تقبل في أي زمان ومكان لدولنا أن تتوحد، لذا فإن العولمة سوف تقضي على ما تبقى من ثرواتنا في أسرع وقت ممكن.
جاء في المقدمة: " حقق الرئيس الحريري باستشهاده ما لم يكن أحد يتوقعه، وهو مصالحة اللبنانيين مع أنفسهم ومع بعضهم بعضا، تلك المصالحة التي انطلقت من أمام ضريح الرئيس الشهيد لتعم البلاد والتي من دونها لما كان بالامكان اطلاق ”انتفاضة الاستقلال“ التي أعادت للبنان حريته ووفرت الظروف المؤاتية لولادة هوية وطنية جامعة لا تقوم على استتباع فريق طائفي لآخر ولا تشترط إلغاء الانتماءات المتعددة، كذلك أعاد استشهاده الاعتبار لفكرة العدالة في بلد سقط فيه على مدى عقود ما لا يقل عن 150 ألف شهيد من دون أن تنكشف الحقيقة مرة واحدة.
ما حصل غداة العملية الاجرامية هو توحد اليمين اللبناني تحت قيادة واحدة ومجلس استشاري لهذه القيادة الموحدة مؤلف من السفير الأمريكي في عوكر. هذا السفير الذي كان يملي وكان البقية من القيادات اللبنانية تنفذ. طلب منهم (أو أمرهم) بأن يوجهوا الاتهام إلى سوريا ففعلوا. طلب منهم أن يطالبوا بانسحاب الجيش السوري، ففعلوا. صحيح أنهم توحدوا، ولكنهم توحدوا تحت شعارات اليمين اللبناني الذي تحالف مع العدو الصهيوني في الحرب اللبنانية. إن القوى التي ادعت تمثيلها لآمال الرئيس رفيق الحريري قد خانته عندما استعْدَت المقاومة التي كان يؤيدها الرئيس الحريري تبعاً لما يقوله السيد حسن نصرالله. أما عن المحكمة الدولية فحدث ولا حرج. محكمة لا تريد أن تعرف لماذا استقدم البعض شهود الزور، ولا تريد أن تعرف من هم هؤلاء البعض، ولا تريد أن تعرف الغاية من التزوير. محكمة لا تريد أن تعرف من الذي يملك المصلحة باغتيال الرئيس الحريري هي محكمة غير عادلة بداية. إن من يملك المصلحة باغتيال الرئيس الحريري هي إسرائيل وحلفاؤها، لأن قتل الرئيس الحريري وحده هو الذي يمكن أن يفجر الوضع اللبناني لصالح الكيان الصهيوني. ولكن المحكمة الحريصة على الحقيقة لم تضع هذا الاحتمال، لأن القيمين على هذه المحكمة من القوى الدولية لا يهمهم سوى المصلحة الاسرائيلية.
لقد كان مقتل الرئيس الحريري أكبر من أن يتحمله الوضع اللبناني . ولكن من الواضح أن من استغل هذا الحدث الجلل هم أعداء لبنان بمعزل عن إرادة عائلة الرئيس الحريري.
تحت عنوان الثوابت تقول الوثيقة: " يلتزم ”تيار المستقبل“ الإجماع اللبناني على رفض التجزئة والتقسيم والتوطين، وعلى اعتبار اسرائيل عدواً للبنان احتل أرضه ومارس العدوان ضد شعبه ودولته ومؤسساته، وهو عدو لن يستقيم السلام معه، قبل تحقيق حل عادل، يقوم على مبادرة السلام العربية التي قررتها قمة بيروت، ويشمل استعادة الأراضي العربية المحتلة".
نحن نوافق على هذه الثابتة ولكن لا نوافق على أن مايسمى مبادرة السلام العربية يمكن أن تضع حداً للصراع العربي الاسرائيلي. لأن هذا الصراع انبثق بسبب اغتصاب اسرائيل للأرض الفلسطينية ومبادرة السلام العربية لا تحل هذه المشكلة.
ثم تقول الوثيقة تحت عنوان الثوابت: " يلتزم ”تيار المستقبل“ تعزيز العلاقات اللبنانية - العربية، ومن ضمنها تصحيح العلاقات اللبنانية - السورية، والارتكاز في ذلك على المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين، لتقوم على مبادئ الاحترام المتبادل والندية والصلات التاريخية المتوارثة، وتعزيز دور الجامعة العربية وتطوير مؤسساتها بما يخدم العلاقات الثنائية والجماعية بين هذه الدول، وتفعيل اتفاقات التجارة الحرة العربية سعياً إلى تحقيق التكامل الاقتصادي العربي والسوق العربية المشتركة".
نحن نوافق على هذه النقطة لأن التكامل الاقتصادي العربي والسوق العربية المشتركة هي التي تساهم بحل المشاكل الاقتصادية للشعب العربي خاصة إذا كانت هذه العلاقات باتجاه تكاملي.
ثم تقول الوثيقة تحت عنوان إصلاح الحياة السياسية: " ولن تتمكن الدولة من استعادة حقها الا بتطبيق اتفاق الطائف والقرارات الدولية لا سيما القرار 1701 الذي وضع الأسس العملية للمحافظة على سيادة لبنان وحمايته من الاعتداءات الاسرائيلية والتجاوزات الحدودية".
هذا الكلام غير صحيح لأن إسرائيل تخترق يومياً السيادة اللبنانية وباعتراف قوات اليونيفيل أنفسهم. إن ما يحمي لبنان هو من حرر لبنان من الاحتلال الاسرائيلي، نعني المقاومة. وسيبقى وجود لبنان مهدداً إذا لم تحافظ المقاومة على جهوزيتها.
ثم تضيف الوثيقة تحت نفس العنوان: " الدولة القادرة هي الدولة الفاعلة في محيطها: هي الدولة القادرة على المساهمة في المعركة الدائرة في عالمنا العربي للخروج من الاصطفافات السياسية والفكرية التي فرضتها الحرب الباردة طوال أكثر من نصف قرن، واستعادة حقه في أن يكون صاحب القرار في تحديد مصيره ومستقبله".
نحن نعلم أن هناك معركتين دائرتين في العالم العربي. الأولى هي تلك التي يقودها اليمين العربي واللبناني وهي الاصطفاف في صف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفيها التخلي عن كل ما يربط العربي بتاريخ أمته، واستبدالها بالتمسك بالقيم الاستهلاكية التي فرضتها العولمة الليبيرالية. والمعركة الثانية هي تلك التي تقودها القوى المقاومة والتي تريد أن تحرر الأرض العربية من الاحتلالات الأمريكية والاسرائيلية. وبالطبع لا يمكننا أن نكون على الحياد إنما نحن مع المقاومة.
ثم تضيف الوثيقة تحت نفس العنوان: " الدولة القادرة هي الدولة التي تعمل لإحلال ثقافة السلام والعيش معاً والوصل مع الآخر محل ثقافة العنف والفصل التي لا تزال سائدة في لبنان والمنطقة والتي ترى أن توكيد الذات لا يتم الا باستبعاد الآخر وصولاً الى إلغائه أو استتباعه".
تقوم معظم المنظمات التي تصرف عليها المخابرات الأمريكية الأموال الطائلة بترويج ثقافة السلام بقصد الحفاظ على إسرائيل. أما تيار المستقبل لم نعلم أنه يغار على السلام إلى هذا الحد لأن العداء لإسرائيل لم يلغه هذا التيار. فكيف نكيف بين قبول الآخر إذا كان هذا الآخر إسرائيل والعداء لها؟
وتحت عنوان "الاقتصاد والنمو" ورد ما يلي: " إن تحفيز النمو يتطلب اتباع سياسات مالية مسؤولة ومعالجة عبء الدين العام، بالاضافة إلى تحرير الاقتصاد من القيود التي تعيق استفادته الكاملة من العولمة المتسارعة، كاحتكار القطاع العام لعدد من القطاعات التي دفع الشعب اللبناني كلفة باهظة جداً بسبب احتكارها، وقطاع الكهرباء أوضح مثال على ذلك".
إذا كانت الادارة فاسدة بسبب فساد الطبقة السياسية فهل هذا يعني أنه علينا إعطاء أموال الشعب اللبناني للاحتكاريين الذين أفقروه بنهبهم خيراته وإيصال الدين العام إلى عتبة ال55 مليار دولار بحجة إعادة الإعمار. مثال الكهرباء هو مثال على فساد الطبقة السياسية بتحالفها مع الرأسمال الذي يريد تيار المستقبل تسليمه أموال الشعب اللبناني.
أما في بيان التوصيات فقد ورد ما يلي: " إن المؤتمر يؤكد أن "تيار المستقبل" لا يرى بديلاً من تحرير مزارع شبعا وكفرشوبا وخراج الهبارية والجزء اللبناني من قرية الغجر، وذلك بالمقاومة الديبلوماسية التي تقوم بها الدولة وقدرتها العسكرية إن دعت الحاجة، ما يحيلنا إلى تصميم دولة الرئيس على توفير التسلح اللازم للجيش اللبناني".
مصر بلد السبعين مليوناً أذلتها المقاومة الديبلوماسية التي تبناها تيار المستقبل. إن دبلوماسية الرئيس رفيق الحريري في نيسان 1996 ما كان نجاحها إلا بسبب صمود المقاومة الاسلامية في جنوب لبنان. واتفاق نيسان الذي ساهم فيه الرئيس رفيق الحريري هو الاتفاق الذي شرعن عمل المقاومة المسلحة وليس المقاومة الديبلوماسية الذي يريده تيار المستقبل حتى ينقلب على كل إيجابية تحسب للرئيس رفيق الحريري. لبنان هو الوحيد الذي أجبر إسرائيل على الانسحاب من أراضيه المحتلة بدون قيد أو شرط بفضل مقاومته المسلحة الذي يريد البعض تسليمها إلى المحكمة الدولية كرمى لعيون إسرائيل.
ثم يضيف البيان: " إن المؤتمر في سياق كل ما تقدّم يرى في تجربة الرئيس فؤاد السنيورة في الحكم في أشد المراحل دقة وخطورة مصدر اعتزاز لـ"تيار المستقبل"، ويحيي صموده وثباته على مبادئ التيار، وخط الرئيس الشهيد".
ليس صحيحاً أنه ثبت على نهج رفيق الحريري. رفيق الحريري ما كان ليقبل من وزير داخليته أن يقدم الشاي لجنود الاحتلال الاسرائيلي كما فعل وزير داخلية فؤاد السنيورة بالوكالة خلال عدوان تموز 2006. لقد تنكر الرئيس السنيورة لأهم ما كان يؤمن به الرئيس رفيق الحريري وهو العداء لاسرائيل. بماذا نفسر حركة الرئيس السنيورة في 5 أيار 2008 عندما أراد أن يخرب شبكة الاتصالات الخاصة بالمقاومة. أليست خدمة للعدو الاسرائيلي؟ أهكذا كان نهج الرئيس رفيق الحريري؟ لو أن تيار المستقبل يتمسك بنهج الرئيس رفيق الحريري حقاً، ما كان عليه إلا أن يرفض نهج الرئيس السنيورة بادارة الحكم.
ثم يضيف البيان: " إن المؤتمر من منطق أن "تيار المستقبل" يؤمن بأن لا تعارض ولا تناقض بين العدالة والسلم الأهلي بل يؤمن بأن السلم الأهلي تصونه العدالة، وبأن العنف والإكراه نقيضان للاستقرار والسلم ويشكلان تدميراً للوطن والدولة، يؤكد أن لا مساومة على العدالة، التي تمثل التزاماً مبدئياً وأخلاقياً ووطنياً أمام الشهداء وعائلاتهم وكل اللبنانيين، ويدعو إلى التوقف عن التهويل وعن افتراض السيناريوهات، وإلى تعاون الجميع من أجل الحقيقة للجميع من أجل لبنان".
العدالة لايؤمنها إلا المشهود له بالعدالة. هل المجتمع الدولي الذي يحمي العدوان الاسرائيلي على الشعب اللبناني وعلى الشعب الفلسطيني ويشرعن العدوان الأميركي على العراق وأفغانستان وعلى إيران هو مجتمع عادل. إن ما تريده عدالة المجتمع الدولي في لبنان هو الفتنة التي تقضي على ما تبقى من لبنان لصالح العدو الاسرائيلي. الفطن هو من يحمي بلده وليس من يرفع الشعارات البراقة.
ثم يضيف البيان: " إن المؤتمر يؤكد دعمه إقرار الحقوق الإنسانيّة للاجئين الفلسطينيين في لبنان، ويشدد على أن لا رابط بين الحقوق الإنسانية الواجبة وبين التوطين المرفوض".
نحن نوافق على هذه النقطة.
ثم يضيف البيان: " إن المؤتمر يعبّر عن ترحيبه بالمرحلة الجديدة التي تمر بها العلاقات من دولة إلى دولة بين لبنان وسوريا، ويؤكد دعمه توجهات دولة الرئيس وخطواته باتجاه فتح صفحة جديدة بين دولتين، وذلك من أجل تطوير العلاقات في المجالات كافة بما يخدم البلدين والشعبين. ويعلن ترحيبه بما تم إقراره من اتفاقات معدلة وبما تم الاتفاق على تطويره في فترات لاحقة. وإذ يسجل أهمية الإنجاز المتمثل بقيام التبادل الديبلوماسي على مستوى السفارة بين بيروت ودمشق، يدعو إلى العمل الدؤوب في سبيل أن تنهض العلاقات المستقبلية على مشروع لبناني ـ سوري مشترك بما يفعّل العلاقات العربية ـ العربية أيضا"ً.
نحن نوافق على ما ورد في هذه النقطة مع التحفظ على الصياغة. كما نتحفظ على الترحيب بإقامة العلاقات الدبلوماسية إذ أننا نؤيد الحدود المفتوحة بين مختلف الدول العربية من دون قيد أو شرط.
هذا أهم ما جاء في الوثيقة والبيان على أنه لابد من الاشارة إلى أن البيان والوثيقة يتسمان بلغة إنشائية لا تميز الوثائق السياسية عادة.
القلمون في 27 تموز 2010 حسن ملاط




السبت، 24 يوليو 2010

مهام لجبهة العمل الاسلامي

المهام المطروحة على جبهة العمل الاسلامي
يمر وطننا في ظروف استثنائية. فإسرائيل توزع التهديدات اليومية مستفيدة من الخلافات ما بين القوى السياسية المختلفة والتي لا تعلم، أو لا تريد أن تعلم، أنه في حال وجود التهديد الخارجي يجب التخلي عن الخلافات ما بين بعضها البعض وتوثيق العرى ما بينها لمجابهة العدو الخارجي. أما في حال عدم الاستجابة لهذه الضرورة، عندها يمكن اتهام هذه القوى أنها تخدم العدو موضوعياً.
قديماً قيل أن من يعرف نفسه ولا يعرف عدوه فهو معرض للهزيمة والنصر وكذلك من يعرف عدوه ولا يعرف نفسه. أما من لا يعرف عدوه ولا يعرف نفسه فهو مهزوم حتماً. أما من يعرف نفسه ويعرف عدوه فهو لا بد منتصر.
العدو الصهيوني: شن العدو الصهيوني حرب تموز ليثأر لهزيمته المدوية في أيار 2000 على أيدي أبطال المقاومة الاسلامية، والذي اضطر فيها للانسحاب الذليل من معظم الأراضي اللبنانية من دون قيد أو شرط. ولكن كانت نتيجة هذه الحرب الجديدة (2006) أكثر ايلاماً لهذا العدو المغرور، علماً أن ظروف الانقسام التي كانت سائدة في لبنان كانت مؤاتية لهذا العدوان مما أغرى العدو. وكان النصر الالهي الذي ترك آثاراً عميقة داخل كيان العدو. حتى أن أولمرت رئيس وزراء العدو كان يحكم بتأييد 2% من زمر المستوطنين اليهود.
هل أن آثار هذه الهزيمة قد انتهت؟
نحن نرى بأن جراح هذه الحرب قد بدأت تلتإم، وخاصة بعد الانتخابات الأخيرة التي جاءت بأغلبية يمينية متعصبة. حتى أن أحد كتاب الرأي الصهاينة يقول أن هذه الكنيست قد اتخذت القرارات الأكثر يمينية وتعصباً في تاريخ الكيان الغاصب. فنتنياهو يحكم اليوم بتأييد نيف وأربعين بالماية من أصوات المستوطنين حسب استطلاعات الرأي. ولكن حيث أن آثار حرب تموز لا زالت حية في ذاكرة الجيش الصهيوني. ولا يزال هذا الجيش الذي يشكل اللحمة الرئيسية لهذا الكيان الغاصب، يخاف من خوض حرب مع المقاومة الاسلامية، مهابة هزيمة جديدة، فهو يفكر بتأمين الظروف المثالية لخوض مثل هذه الحرب. منها على سبيل المثال تأمين الجبهة الداخلية للكيان الغاصب وتأمين إمكانية إيجاد طابور خامس في الداخل اللبناني يستجيب للعدوان الاسرائيلي في حال وقوعه. وهذا ما تحدث عنه العماد ميشال عون، في معرض التحليل كما نُقل عنه. ولكن يمكننا أن نضيف أن تأمين البيئة الملائمة لا تكون في الساحة المسيحية فقط ولكن في الساحة الاسلامية أيضاً. وهذا هو الخوف الحقيقي.
الساحة اللبنانية:
صحيح أن الواقع الذي تعيشه الساحة اللبنانية أصبح أفضل من السابق، أي أفضل من 2005 وما تلاها من الأعوام. حيث أن الاتجاهات الأكثر يمينية في الساحة الوطنية قد تمكنت من نقل الساحة الاسلامية السنية من الساحة المعادية للعدو الصهيوني والادارة الأمريكية إلى الساحة المعادية للمقاومة وسوريا وإيران بوصفهما دولتان تعلنان تأييدهما للمقاومة والامتناع عن التبعية للغرب والصلح بأي ثمن مع العدو الصهيوني. والعامل الحاسم كان ولا يزال هوإثارة الغرائز المذهبية والطائفية.
إن الانتخابات البلدية التي جرت أخيراً قد أظهرت أن المزاج الشعبي السني قد تغير بشكل مقبول مما يتيح العمل في الساحة السنية من دون خوف أو وجل من إلقاء التهم على كل من يؤيد المقاومة أو يعادي الولايات المتحدة. وهذا من الأسباب التي تجعلنا نتحدث عن مهام مطروحة على جبهة العمل الاسلامي في حال كانت تملك الارادة في الانتقال من حالة الشلل إلى حالة ناشطة كما حال حليفها "حزب الله".
1 – أولى هذه المهام هي الانتقال من المكاتب إلى الساحة الفعلية. ليس من مهام الجماهير المجيء إلى مكاتب المنتمين إلى جبهة العمل الاسلامي إنما مهمة الناشطين في هذه الجبهة أن يذهبوا إلى أماكن تواجد هؤلاء الناس وسؤالهم عن مشاكلهم والتوافق معهم على النضال المشترك من أجل العمل على حل هذه المشاكل سواء كانت مع الحكومة أو مع البلدية. ففي طرابلس يمكن للمناضلين أن يجتمعوا يومياً في أحياء المدينة مع الناس لمناقشة الوضع الراهن: كيفية التصدي للأزمة المعيشية الحالية وكيفية التصدي للعدوان الاسرائيلي في حال وقوعه وكيفية مجابهة الطابور الخامس في حال تحركه.
2 – كلنا يعلم أن هناك أزمة في العمل السياسي الاسلامي وخاصة في الساحة السنية. لذلك لابد من حركة ما تخلق صدمة إيجابية في هذه الساحة. فقد ارتآى أحد المناضلين في صفوف الحركات الاسلامية وممن يملكون تجربة غنية العمل على توحيد التوحيد. إذ أن هذا الفعل سوف يخلق صدمة إيجابية تعيد جميع الكوادر التي تركت العمل السياسي إلى العمل من جديد. إن توحيد التوحيد (حيث لامبرر للخلاف) سوف يضفي الكثير من الجدية على العمل السياسي الاسلامي في المدينة مما يكون له ارتدادات إيجابية على العمل في عكار والضنية والمنية.
3 – كانت عكار الخزان الرئيسي التي كانت تنهل منه القوى المعادية للخط الوطني. وحيث أن المزاج الشعبي قد تغير نسبياً فلا بد من وضع برنامج للعمل في مختلف القرى والبلدات العكارية. إن المناضل في جبهة العمل الاسلامي عليه أن يعرف جميع المشاكل التي تعاني منها جميع القرى والبلدات في عكار وأن يملك تصوراً لكيفية التصدي لحلول لهذه المشاكل. أليس من المعيب أن تكون عكار مرتعاً لتحركات السفيرة الأمريكية السابقة سيسون؟ هل يقبل العكاري أن يلوث يديه الكريمتين بالأموال الخبيثة للادارة الأمريكية. أمريكا، التي بسلاحها يقتل الفلسطيني والعراقي والأفغاني والصومالي وكل مناضل حيثما وجد. بالطبع إن المواطن العكاري أكبر من أن يكون كذلك. ولكن غياب الجبهة عن ساحة العمل النضالي في عكار هو الذي ترك الساحة فارغة من وجود المناضلين فما كان من سيسون الصهيونية إلا أن ملأتها.
إن ما يصح على عكار يمكن أن يصح في المنية والضنية.
4 – على الجبهة أخيراً أن تعيد التواصل مع جميع كوادرها السابقين، فمنهم من انحرف نتيجة لعدم التواصل. وعليها أن تسألهم عن الوسيلة المثلى لاعادة العمل الاسلامي إلى ألقه السابق. ففي الحركة بركة.
الحياة لا تقبل الفراغ إن لم تملأه أنت فسوف يملأه غيرك. النية الطيبة ضرورية ولكن جهنم مبلطة بالنوايا الطيبة كما قيل قديماً. النية الطيبة تستدعي ممارسة طيبة.
القلمون في 24 تموز 2010 حسن ملاط

الأحد، 11 يوليو 2010

حول الوحدة الاسلامية

حول الوحدة الاسلامية
منذ انتصار الثورة الاسلامية في ايران بقيادة الامام الخميني، نشطت الجهود من أجل جعل شعار الوحدة الاسلامية مشروع عمل. وقد كانت الوحدة الاسلامية هماً لدى الامام الخميني رحمه الله. ورغم ذلك لم تتقدم "الوحدة الاسلامية" إلى الأمام. ولم تتمكن جميع الجهود، الجادة منها والفولكلورية، من نقل هذا المشروع إلى أن يكون واقعاً لدى المسلمين. هل أن هذه الوحدة مستحيلة، أم هل أن الجهود التي بُذلت كانت في الاتجاه الخاطىء، أم أن هناك أسباباً أخرى؟
من الملاحظ أن "الوحدة الاسلامية" لم تكن يوماً هماً لدى سلفنا. أي لم يتحدث أحد بضرورة توحيد المسلمين منذ أن انقسموا، عندما خرج معاوية بن أبي سفيان على الخليفة الشرعي الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. حتى الصحابة في ذلك الزمان لم يتبوأ أحد منهم مهمة التأليف ما بين علي ومعاوية. إنما انحاز كل منهم إلى أحد الأطراف ومنهم من اعتزل الحياة السياسية. وللذين يحبون أن يجعلوا من الحسن بن علي رضي الله عنه رائداً لل"وحدة الاسلامية"؛ نقول ما من أحد إلا ويعلم أن المسلمين لم يتوحدوا، بل ظلوا مختلفين. لم يخطىء سيدنا عثمان عندما أخبر قاتليه أن المسلمين لن يُصَلوا وراء إمام واحد إذا ما قتلوه. ولن يقاتلوا عدواُ بقيادة واحدة. وكان ما توقع.
إذن، الحديث عن "الوحدة الاسلامية" هو حديث مستجد. ولا أعلم إذا ما تساءل الاخوة الكرام عن السبب الكامن وراء عدم بذل الجهود في القرون السالفة من أجل الوحدة الاسلامية. هل أننا نحن أحرص منهم؟ ربما.
بداية علينا التأكيد أن مسألة الوحدة الاسلامية مسألة هامة جداً وخاصة في هذا العصر حيث لا حياة إلا للكتل الكبرى. ولكن لا يعتقدن أحد أن الوحدة الاسلامية هي مسألة ثقافية، يمكن حلها بتدبيج بعض المقالات الرائعة والخلابة أو الجذابة. لو أنها كانت كذلك لحصلت منذ زمن. لا يغفل عن بالنا وجود الكثير من الفتاوى التي تؤكد أن الشيعة والسنة مسلمون. وقد أكد ذلك السيد محمد حسين فضل الله والامام الخامنائي و الشيخ محمود شلتوت والشيخ الطنطاوي والشيخ جاد الحق وغيرهم كثير. ورغم ذلك لا يزال التكفير البيني سائداً وأقوى من هؤلاء العلماء رغم طول باعهم.
هل أن فتاوى كبار العلماء لا تفيد بالتأسيس للوحدة الاسلامية؟
نقول بأنها هامة ولكن لا تملك الفعالية التي تجعل من الوحدة الاسلامية قضية راهنة وقضية عملية.
تفتقت بعض الجهود على ضرورة ايجاد إطار لتوحيد "رجال الدين" من السنة والشيعة. فكانت مؤسسة التقريب بين المذاهب، وهي مؤسسة عابرة للكيانات. ولكن لم تتمكن من جعل الوحدة الاسلامية قضية راهنة، لا على الصعيد الرسمي ولا على الصعيد الشعبي. ولن تتقدم حسب وجهة نظرنا.
ثم كان "تجمع العلماء المسلمين" في لبنان وكان له مجلة ناطقة باسمه. ورغم ذلك لم يتوحد المسلمون السنة والشيعة. نحن لا ننكر أن هؤلاء المشايخ قد بذلوا الكثير من الجهود لتوحيد المسلمين. ولكنهم لم يفلحوا، بالرغم من أنهم لم يذيعوا يوماً تقييماً لتجربتهم التي فاقت أعوامها العقدين من الزمان. يفيدنا كثيراً أن يقولوا بألسنتهم ما هو في قلوبهم من هموم "الوحدة الاسلامية".
هل يمكننا أن نستنتج أن إقامة هذه الأطر لم يكن ضرورة من أجل العمل التوحيدي للمسلمين. أو هل نستنتج أن هذه الاطر لم تتمكن من خدمة الهدف الذي من أجله تأسست؟ أو يمكننا أن نستنتج أن مسألة الوحدة الاسلامية ليست مسألة ثقافية تستدعي تحبير المقالات والدراسات من أجل إقناع من هم في سدة المسؤولية ضرورة توحدهم على الله. إن تقييماً يجريه مجمع التقريب بين المذاهب الاسلامية و"تجمع العلماء المسلمين" يوفر علينا الكثير من التساؤلات. فالتجربة تجربتهم، وأهل مكة أدرى بشعابها.
هل نزهد من الوحدة مع ايماننا بضرورتها؟ كلا!
لقد قدم السيد محمد حسين فضل الله، رحمه الله، تجربة تختلف عن تلك التي قام بها مجمع التقريب بين المذاهب وتجمع العلماء المسلمين. هذه التجربة تعتبر أهم وأعمق من التجارب السالفة الذكر. وهي تقوم على العمل ضمن المذهب. أي أن عمله لم يكن تبشيرياً، إنما عمل ضمن نطاق مقلديه على بث الأفكار التي تقرب بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم. أي أن هذا النوع من التعليم يجعل المقلد للسيد قريباً من إخوته من المذاهب الأخرى، من دون زينة ولا بهارج. صحيح أن هذا النوع من التبشير يحتاج إلى الكثير من الوقت. كما وأنه يحتاج إلى مرجع يؤمن بضرورة الوحدة الاسلامية، لأنه هو من يملك عقول المقلدين. إن حكمنا على مدى أهمية هذه التجربة يبدو الآن ممكناً، وخاصة بعد غياب السيد رحمه الله. اي يمكننا أن نقيم مدى تمسك تلامذة السيد بنهجه الذي تحدثنا عنه.
هل هذا النهج ممكن التنفيذ على صعيد الأمة؟ أعتقد أن الجواب هو أقرب للنفي منه إلى الإيجاب. حيث أننا نعلم جميعاً أن العلاقة التي تربط أهل السنة والجماعة برجال الدين ليست كتلك التي تربط المقلدين بسيدهم عند الشيعة. فتأثير رجل الدين الشيعي كبير على مقلديه بخلاف ما هو سائد عند أهل السنة. كما ويمكننا أن نضيف أن تقييمنا لإيجابية ما قام به السيد فضل الله، رحمه الله، لا يعني بالضرورة أن هذه الممارسة سوف توصل إلى الوحدة الاسلامية.
هل نستنتج أنه لا إمكانية للوحدة الاسلامية؟ كلا!
إن الوحدة القابلة للحياة هي تلك التي يراها الناس ضرورية ولا يمكن تجاوزها، أي الاستغناء عنها. إنها وحدة تأتي عبر الضرورة. إنها الوحدة التي لا يمكن الاستمرار من دونها. ماذا نعني بهذا الكلام؟
دعونا نوضح وجهة نظرنا عبر الأمثلة.
الإتحاد الأوروبي. رأت فرنسا وألمانيا أن الولايات المتحدة الأمريكية تلعب الدور الرئيسي على صعيد الكرة الأرضية وأن دورهما يبدو تابعاً للدور الأمريكي. كما وجدا أنهما لا يمكنهما التحرر من نفوذ الولايات المتحدة إلا إذا شكلا كتلة يمكنها أن تتصدى للدور الذي تلعبه الولايات المتحدة (التصدي بمعنى لعب دور مستقل غير تابع). من هنا بدأ التنظير لما كان يسمى "السوق الأوروبية المشتركة" باتجاه تطويرها إلى أن تصبح الإتحاد الأوروبي. أي بصيغة أخرى إقامة منظمة إقتصادية باتجاه تحويلها إلى إتحاد سياسي كما هو حاصل اليوم. علينا أن لانغفل أن الإقتصاد الألماني كان الإقتصاد الثالث على الصعيد العالمي. ومع هذا لم تتمكن ألمانيا أن تلعب دوراً سياسياً بنفس أهمية مكانتها الإقتصادية.
إن المحاولات التي تقوم بها دول أمريكا اللاتينية لا تخرج عن هذا الإطار. فقدشكلت منظمة ALBA ومنظمة FTAA وهي مشكلة من معظم دول أمريكا اللاتينية وغايتها التحرر من هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية. كما وأن دول مؤتمر شنغهاي تسير بنفس التوجه، وكذلك منظمة آسيان.
دعونا نستنتج أن من يريد أن يلعب دوراً في ظل العولمة لا يمكنه أن يلعب دوراً ذا أهمية إن لم يكن كتلة كبرى. وهذا ليس متاحاً لكل الناس، إنما يخضع لشروط منها على سبيل المثال لا الحصر: الشروط المادية للنهضة الإقتصادية. الصين واليابان، الهند، أمريكا اللاتينية، أوروبا مع روسيا، وبلادنا العربية والإسلامية: هذه الدول هي من بإمكانها أن تشكل كتلاً قابلة للحياة في الظروف الراهنة بالاضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
هل هناك إمكانية للتوحد؟
دعونا نستنطق التاريخ. لقد تمكن العرب وعدد لابأس به من الدول الاسلامية بالتوحد في ظل السلطنة العثمانية. وما من أحد يمكنه تخيل الوضع لو لم يتوجه العثمانيون إلى أوروبا.
ولا تزال المحاولة التي قام بها الاتجاه القومي العربي بالتوحد وذلك بوحدة مصر وسوريا والتي لم يكتب لها الاستمرار.
أما اليمنان الجنوبي والشمالي فلا يزالان موحدين في إطار الجمهورية العربية اليمنية.
وحيث أن الغرب يعرف مدى خطورة توحدنا على مصالحه النهبية فهو يعمل من أجل تفتيت مجتمعاتنا. اليمن، السودان والعراق....
كيف يمكننا كمسلمين وعرب أن نتجه لتشكيل كتلة؟
هناك اتجاهان للعمل. الإتجاه الأول الذي يركز على الشروط الفكرية والإتجاه الآخر الذي يركز على تأمين الشروط المادية. أما نحن فنقول بضرورة العمل على دمج هذين الإتجاهين. دعونا نوضح ما ذهبنا إليه عبر أمثلة عيانية.
في الثورة البلشفية في الروسيا كان العمل في صفوف الطبقة العاملة وكان الحزب الشيوعي الروسي يعمل في صفوف هذه الطبقة التي من أجلها تقوم هذه الثورة على حد زعمه. وهذا ما يسمى بتأمين الشروط المادية للثورة البروليتارية: وجود البروليتاريا، وجود الحزب الممثل لهذه الطبقة أي الحزب الشيوعي وأخيراً وجود الظروف السياسية المؤاتية لقيام هذه الثورة.
أما الصين فلم تكن دولة مصنعة في أربعينات القرن الماضي، ومع ذلك يقول قائد ثورتها أن الثورة التي قام بها هي ثورة بروليتارية كما شقيقتها الروسية. هل الشروط التي تحدثنا عنها في المثال الروسي كانت موجودة في المثال الصيني. الجواب هو النفي. لقد ركز الحزب الشيوعي الصيني على الأفكار التغييرية مضافاً إلى العمل على تغيير واقع الفلاح الصيني إبان ما يسمى "المسيرة الكبرى"، حيث كان الشيوعيون "يحررون" القرى ثم يقومون يتوزيع الأراضي على الفلاحين أو يقيمون مشاريع تعاونية. اي بصيغة أخرى، أوجد الشيوعيون الصينيون مثالاً حياً لما يمكن أن يصبح عليه المجتمع في حال إنتصار الثورة الشيوعية. أما وجود الطبقة البروليتارية فكان علينا الانتظار الطويل من أجل وجودها. كما أن علينا الإشارة إلى أن الثورة الروسية انطلقت من المدن بينما انطلقت الثورة الصينية من الريف.
هذان مثالان يوضحان كيف يكون التركيز على الشروط المادية وكيف يكون التركيز على الأفكار من أجل التغيير.
هل أن العمل على وحدة العرب والمسلمين يوجب الإلتزام بأحد هذين المثالين. الجواب هو النفي. إن اختيار شكل العمل تفرضه الظروف الموضوعية السائدة.
إن وحدة الأمة العربية والإسلامية تبدو ضرورية نتيجة للظروف القائمة والتي نقول عنها أنه لا حياة إلا للكتل الكبرى. كما وأن الدين الإسلامي يحرض على الوحدة " وأن هذه أمتكم أمة واحدة". هذا ما يجعلنا متفائلين عندما نقوم بطرح أفكارنا الوحدوية.
هل الوضع القائم بين الدول العربية والإسلامية هو وحدوي أم معاكس؟
على الصعيد السياسي نرى بأن الوضع بائس. فالعلاقات البينية تبدو متصدعة سياسياً. أما على الصعيد الإقتصادي فحدث ولا حرج.
التبادلات البينية العربية والاسلامية تبدو متواضعة، بخلاف التبادل مع الدول الأجنبية. حجم التبادل بين تركيا والدول الاسلامية يبدو متواضعاً أمام رقم 103 مليار دولار مع الاتحاد الأوروبي. (أنظر الملحق رقم 1).

اكد تقرير اقتصادي أصدره مجلس الوحدة الاقتصادية والاجتماعية العربية، على أهمية التحرك العاجل للدول العربية لتشجيع حركة التبادل التجاري بين أقطاره بما يخفض من حجم الاستيراد السلعي من الخارج، حيث يستورد العالم العربي 92% من احتياجاته لقلة السلع والصناعات المنتجة بداخله.
وأفاد التقرير الذي أصدره مجلس الوحدة الاقتصادية والاجتماعية العربية أن ضعف حجم التجارة البينية بين الدول العربية والذي يقدر حاليا بنحو 8% يمثل أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاديات العربية. (أنظر التقرير رقم )2 .

أما عن حجم الاستثمار البيني العربي فقد بلغ 14 مليار دولار في 2007 . (أنظر الملحق رقم 3 ).

أما عن الأموال العربية المستثمرة خارج دولها، فإن المؤسسات المختصة تكاد لا تتفق على رقم تقريبي لحجم الأموال العربية المستثمرة في الخارج، إذ تقدرها المؤسسة العربية لضمان الاستثمار ما بين 800 و1000 مليار دولار، في حين يقدرها مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بـ 2400 مليار. (أنظر الملحق رقم 4).
أما عن الاستثمار الأجنبي في الدول العربية فوفقاً لتقديرات مجلس الوحدة الاقتصادية في تقريره الصادر عام 2000 بلغ أعلى معدل للتدفق الاستثماري الأجنبي المباشر في الدول العربية 9.5 مليارات دولار بنسبة لا تتجاوز 1% (معظمها في مجال النفط) من إجمالي الاستثمارات العالمية التي تقدر بـ 865 مليار دولار، وبنسبة 4.2% من جملة الاستثمارات العالمية في الدول النامية والبالغة 207 مليارات دولار. وفي المقابل استقطبت الصين وحدها في العام نفسه حوالي 70 مليار دولار. أي أن هذه الاستثمارات لا تؤدي إلى نمو بلداننا الاقتصادي.
ولذا كان العمل على استقطاب تلك الاستثمارات أو على الأقل استعادة بعضها كفيلاً بتحسين صورة الاقتصاد العربي المشوهة التي يكفي للدلالة عليها أن نشير فقط إلى الحقائق الاقتصادية التالية استنادا إلى التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2001: (أنظر الملحق رقم 5 ).
ليست كل الصورة سلبية، فهناك بادرة طيبة قام بها الرئيس الأسبق للحكومة التركية نجم الدين أربكان، وهو العمل على إقامة ما يسمى (ذي آيت). وهي منظمة الدول الاسلامية الأكبر. وتضم تركيا، إيران، إندونيسيا، ماليزيا، مصر، نيجيريا، باكستان وبنغلادش. وقد عقدت عدة مؤتمرات. وكان أهمها المؤتمر السابع الذي يؤسس إلى ما يمكن تسميته الشروط المادية للوحدة. (أنظر الملحق رقم 6 ).
نحن نعلم مدى الصعوبة التي تحيط بتطور مجموعة الدول الثماني النامية. ولكن إذا كان قدرها أن تتطور وتستمر، فهذا ما يمكن تسميته، وإن بكثير من المبالغة، الشروط المادية لل"وحدة الاسلامية". لذلك يفترض العمل الدؤوب على انضمام السعودية، الامارات العربية المتحدة، سوريا والعراق.
نختم فنقول أن العمل من أجل الوحدة الاسلامية يسير في طريقين متوازيين، لا معنى لأحدهما بالاستقلال عن الآخر: الدعوة إلى الوحدة الاسلامية على الصعيد الفكري مسائل فلسطين والاحتلال الصهيوني، المقاومات في لبنان والعراق وأفغانستان، والنضال من أجل بناء القاعدة المادية لهذه الوحدة، وذلك بالنشاط الجماهيري لدفع الأنظمة المختلفة من أجل التعاون الاقتصادي....
القلمون في 7 تموز 2010 حسن ملاط


الملاحق
ملحق رقم 1 :
وزير الاقتصاد الايراني يريد ان يصبح حجم التبادل مع تركيا 30 مليارا. ومن الجدير ذكره أنه كان منذ عدة سنوات 5،5 مليار دولار. أما إذا علمنا أن تركيا تستورد الغاز الإيراني فعندها نعلم كم هي متواضعة التبادلات بالنسبة للسلع الأخرى.
التبادل ما بين السعودية وايران لا يصل حجمه إلى مليار دولار.
التبادل التجاري ما بين إيران وباكستان، الذي وصل حجمه في العام الجاري إلى 2.31 مليار جنيه استرليني، وخصوصاً أن باكستان تشتري من إيران الكهرباء والغاز والوقود.
كشف تقرير أعدته جمعية "إعمار" للتنمية والتطوير الاقتصادي في أراضي فلسطين المحتلة عام 1948 أن التبادل التجاري قائم بين إسرائيل ودول عربية وإسلامية، وتصل قيمة مبادلاته حسب أرقام دوائر الإحصاء الإسرائيلية إلى عدة مليارات من الدولارات. (احصاء 2008- 2009 )
بلغ حجم التجارة بين تركيا والاتحاد الاوروبي اكبر وجهاتها التصديرية 103.5 مليار دولار العام الماضي. وبلغ حجم التجارة التركية مع اسرائيل نحو 2.6 مليار دولار. أي أن مجمل التبادل الإقتصادي التركي مع كامل الدول العربية والإسلامية يبدو متواضعاً أمام حجم تبادلها مع الإتحاد الأوروبي.
ملحق رقم 2 :
قال التقرير الذي أوردته وكالة الأنباء الصينية "ِشينخوا" إن الناتج العربي الاجمالى بلغ أكثر من 733 مليار دولار خلال العام الماضي، بما يمثل 2.2 % فقط من الناتج العالمي والبالغ نحو 32 تريليون دولار.
وأضاف أن الصادرات السلعية العربية بلغت 303.2 مليار دولار، بما يعادل نحو 4.1 % من الصادرات العالمية خلال عام 2006، فيما وصلت الواردات السلعية إلى 199 مليارا، بما يمثل 2.5 % من الواردات العالمية.
واوضح التقرير أن الدول العربية تستورد 50% من الحبوب وثلثى الاحتياجات من الزيوت والعدس والفول وغيرها، الأمر الذى يشير إلى أن حجم الفجوة الغذائية الموجودة فى العالم العربي تقدر بنحو 15 مليار دولار وهى محصلة الفارق بين حجم الواردات والصادرات العربية.
واذا اكتفينا بهذه الجرعة من الطموحات وانتقلنا الى الواقع العربي ، اتكاء على تقرير صندوق النقد العربي التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2008 ، لمعرفة احجام التبادل البيني لوجدنا: ان الصادرات البينية العربية نمت بنسبة أقل من الصادرات العربية الإجمالية ما أدى إلى انخفاض حصتها في الصادرات الإجمالية. وقد حصل نفس الأمر بالنسبة للواردات البينية العربية، الأمر الذي تمخض عنه تراجع حصة التجارة البينية العربية في التجارة العربية الإجمالية إلى 10.2 في المائة في عام 2007 و نمت قيمة التجارة الخارجية العربية مع جميع الشركاء التجاريين الرئيسيين بنسب متفاوتة في عام 2007 ، متأثرة بشكل إيجابي بالنمو الكبير في الواردات من هؤلاء الشركاء. فعلى صعيد اتجاه الصادرات، سجلت الصادرات العربية إلى الصين أعلى زيادة في قيمة الصادرات العربية إلى شركائها التجاريين الرئيسيين بلغت نسبتها 23 في المائة. وحلت بعدها الصادرات العربية البينية بنسبة 12.7 في المائة متراجعة عن نسبة الزيادة التي بلغت 31.3 في المائة في عام2006 كما ان قيمة التجارة البينية العربية نمت بنسبة 16.7 في المائة في عام 2007 ، متراجعة عن نسب النمو المسجلة في الأعوام الأربعة السابقة. وقد نمت قيمة الصادرات البينية العربية بنسبة 12.7 في المائة لتبلغ 64.8مليار دولار، في حين ارتفعت قيمة الواردات البينية العربية بنسبة 20.6 في المائة لتصل إلى نحو 61.5 مليار دولار، اما عن مساهمة التجارة البينية العربية في التجارة العربية الإجمالية، فقد أدى تراجع معدل نمو الصادرات البينية العربية عن معدل نمو الصادرات العربية الإجمالية إلى انخفاض حصة الصادرات البينية في إجمالي الصادرات العربية من 8.5 في المائة في عام 2006 إلى 8.3 في المائة في عام 2007 وقد حصل نفس الأمر فيما يتعلق بالواردات البينية العربية، فقد تراجع معدل نموها في عام 2007 عن معدل نمو إجمالي الواردات العربية، ما أدى إلى انخفاض حصة الواردات البينية في الواردات العربية الإجمالية من 13.3 في المائة في عام 2006 إلى 12.1 في المائة في عام 2007وبذلك، انخفضت حصة التجارة البينية العربية في التجارة العربية الإجمالية، محتسبة سواء من جانب الصادرات أو الواردات البينية، من 10.9 في المائة في عام 2006 إلى 10.2 في المائة في عام 2007 .‏ وهذا الواقع ليس ايجابياً إذا كانت نوايانا توحيدية.
الملحق رقم 3:
يشار الى ان حجم الاستثمار العربي البيني التراكمي خلال الفترة 1995 - 2008 التي تناولها المشاركون في الجلسة بلغ حوالي 2ر135 مليار دولار حيث تصدرت السعودية هذا الاستثمار 53 مليار دولار بنسبة 1ر39 بالمئة من إجمالي الاستثمارات العربية البينية فيما جاءت السودان بالمرتبة الثانية بقيمة استثمار عربي بيني تراكمي 4ر16 مليار دولار بنسبة 1ر12 بالمئة تلتها لبنان 8ر14 مليار دولار.
ملحق رقم 4 :
والسبب الجوهري في هذا التباين -إضافة إلى غياب قواعد المعلومات الدقيقة في حياتنا العربية بصفة عامة- هو طبيعة هذه الاستثمارات نفسها التي يحرص معظم أصحابها على إضفاء طابع السرية عليها، وطبيعة النظام المصرفي العالمي، إضافة إلى طابع السيولة الذي يغلب على معظم هذه الاستثمارات خاصة غير المباشرة منها كتلك التي تتم في الأسهم والسندات في البورصات العالمية. وهذا دليل على ارتباط أو تبعية الدول العربية للسوق العالمية أي أمريكا، الاتحاد الأوروبي والصين.
ملحق رقم 5 :
· بلغت الفجوة الغذائية العربية 20 مليار دولار طبقا لتقديرات مجلس الوحدة الاقتصادية العربية عام 2001 وتزداد تبعا للمصدر نفسه بواقع 3% سنويا.
· وصل عدد العاطلين عن العمل في العالم العربي إلى 18 مليون نسمة من مجموع القوى العاملة البالغة 98 مليون نسمة ومن جملة السكان الذين بلغوا 280 مليون نسمة عام 2001.
· يعيش حوالي 62 مليون عربي أي ما نسبته 22% من جملة السكان على دولار واحد فقط في اليوم.
· ويعيش 145 مليون عربي أي قرابة 52% من تعداد السكان العرب، على دخل يومي يتراوح ما بين 2 و5 دولارات.
· يعيش الملايين من العرب تحت خط الفقر كما يظهر من الجدول التالي:
الدولة
نسبة من يعيشون تحت خط الفقر
موريتانيا
57%
اليمن
27%
مصر والجزائر
23%
المغرب
19%
الأردن
12%
تونس
6%
دول الخليج الست
أقل من 1%
المصدر: التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2001
ملحق رقم 6 :
يقول أحد الصحافيين المتخصصين: "لو أنّ رئيس الوزراء السابق والزعيم الإسلامي التركي الملقب بالسياسي الداهية، نجم الدين أربكان، لم يترك بعد عام واحد قضاه في منصب رئاسة الوزارة، سوى تلك الفكرة التي أسفرت عن ولادة مجموعة الدول الإسلامية الثمانية الأكبر سكاناً، لكان ذلك كافياً وفق المعايير السياسية المعتادة، لاعتباره إنجازاً كبيراً في وقت قصير. ويزداد ثقله في الميزان عند التأمّل فيه عبر منظار الظروف المضادّة إلى درجة مذهلة، والتي أحاطت بأربكان وعمله، في تركيا وفي إطار علاقاتها "الأتاتوركية" بالقوى الأوروبية والغربية، وهو يتحرّك بدهاء كبير ما بين مطرقة العلمانيين الأصوليين العسكرية المنصوبة فوق كافة الرؤوس السياسية في بلده وسندان العلمانيين الأصوليين الحزبي الصامد في حينه رغم تفشّي الفساد فيه حتى النخاع".
يضيف قائلاً: "أوّل ما يرصده من يتحرّك على طريق إسلامي مشترك، هو أنّ العنصر الاقتصادي باعتباره عصب حركة التقدم البشري، في مقدّمة ما يمكن اعتماده كأرضية مشتركة، والواقع أنّ أوّل ما طرحه أربكان على بساط البحث كان يتمثل في إنشاء صناعات مشتركة، ومؤسسات مالية مشتركة، وتنمية التبادل التجاري المشترك".

يذكر أن دول مجلس (دي 8) تشكل 14% من اجمالي سكان العالم وتسيطر مجتمعاتها على 21% من الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي. كما أن دولاً أعضاء مثل إيران واندونيسيا ونيجيريا تعد من أكبر الدول المنتجة للنفط، ويعتقد ان هناك مخزوناً كبيراً من الغاز في خليج البنغال في حين يعد احتياطي النفط والغاز من أهم الموارد الطبيعية في مصر. هذا وسوف تحفز اتفاقية التجارة التفضيلية التى وقعت فى بالى عام 2005 تدعيم التجارة البينية بين الدول الاسلامية النامية الثماني والتى تصل الى 1.2 تريليون دولار عندما يتم تطبيقها. وتستهدف مجموعة (دي 8) زيادة التجارة البينية من 5% من اجمالى التجارة العالمية إلى ما بين 15 و20% عام 2018. (إفي)

أما عن الاجتماع الذي عُقد في أبوجا منذ مدة قصيرة فقد اتفق المشاركون على ان مجموعة " ذي ايت" تشكل نموذجاً للتعاون القادر على الاستمرار بين الجنوب والجنوب فى ظل عولمة متعاظمة يشهدها العالم ، ومن ثم أكدوا العزم على توسيع نطاق المجموعة وتعزيز تعاونها من اجل تنمية اقتصاديات دولها وزيادة قوة دولها للمشاركة بفاعلية أكبر فى عملية العولمة . وعبر المشاركون عن ادراكهم أنه فى الوقت الذى يعد فيه دور الحكومات بمثابة عامل دعم وتحفيز محورى للنمو الاقتصادى فان تعاون دول مجموعة العشرين يجب ان يكون بشكل أساسى تعاوناً يقوده القطاع الخاص . وأكدوا مجدداً على اهمية مشاركة القطاع الخاص، (نحن نحبذ الشراكة بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص)، فى كافة انشطة مجموعة الدول الثماني النامية ، ووجهوا مفوضية المجموعة فى هذا الصدد الى أن تحديد سبل دعم التعاون القائم على قيادية القطاع الخاص بين دول المجموعة .
وأكدوا أن الاستثمارات البينية فى دول ذي ايت تعد أمراً هاماً على صعيد تعميق العلاقة الاقتصادية بين دولها الاعضاء . ويعترف الاعلان أن الاستثمارات بين دول المجموعة بمستواها الراهن تعد اقل من المستوى الذى من الممكن ان تكون عليه انطلاقاً من قدرات دولها الاعضاء . وأكدوا العزم مجدداً على اتخاذ اجراءات فورية لتشجيع وتسهيل ودعم الاستثمارات الاجنبية المباشرة فى القطاعات ذات الاولوية. (نحن لا نحبذ الاستثمار الأجنبي إلا في قطاعات محدودة لا يقوى عليها القطاع الوطني).
وفى هذا الصدد وجه الاعلان مفوضية المجموعة للبحث عن سبل انشاء صندوق ذي ايت للاستثمارات وتحديد الفرص الاستثمارية فى دول المجموعة الاعضاء بما فى ذلك المقترح الخاص بجمهورية ايران الاسلامية لانشاء صندوق استثمارات /دى ايت/ المشترك .
وأشادوا فى هذا الصدد باختيار نيجيريا شعار "تعزيز الاستثمارات البينية بين دول /دى ايت/ الاعضاء " كعنوان للموضوع المحوري" لقمة المجموعة السابعة هذا العام وايضاً تنظيم منتدى /دى ايت/ للاعمال ومنتدى دى ايت للاستثمار وتنظيم معرض تجارى على هامش القمة. ودعت القمة القطاع الخاص فى دول المجموعة الاعضاء للاستفادة بما تتمتع به دول المجموعة من نظم استثمارية ليبرالية وعمالة ماهرة وانخفاض فى كلفة تنفيذ الاعمال فى الدول الاعضاء فى المجموعة .
وشجعت القمة كذلك التفاعل البينى المنتظم وتبادل المعلومات حول الفرص الاستثمارية فيما بين اجهزة وسلطات دول المجموعة بما فى ذلك القطاع الخاص وغرف التجارة بهدف خلق معرفة اكبر للاستفادة من تلك الفرص . ورأت انه يجب على سكرتارية المجموعة انشاء "موقع منتدى اعمال دى ايت" على موقع المجموعة على شبكة الانترنت تسهيلاً لمشاركة القطاع الخاص فى كافة انشطة وبرامج المجموعة .
واعرب المشاركون عن الاعتقاد ان التجارة الحرة والعادلة هى امر مفيد للاقتصاد العالمى وان الوصول الى الاسواق الكبرى على مستوى العالم هى امر ضرورى للتخفيف من حدة الفقر للشعوب وتحقيق تنمية اقتصادية . وأعربوا عن الامل فى ان تكلل المفاوضات حول اجندة الدوحة للتنمية المنعقدة تحت مظلة منظمة التجارة العالمية بالنجاح . (نحن لا نؤيد هذا الاتجاه ولا نراه ضرورياً. إنما على العكس من ذلك، فنراه يزيد من عدد الفقراء والمعوزين لأنه يساهم في نهب خيرات بلادهم لصالح المستثمر الأجنبي وخاصة إذا ما التزم بمتطلبات منظمة التجارة العالمية).
وأقرت وثيقة اعلان ابوجا بالدور الرئيسى لقضية الطاقة فى عملية التنمية والتقدم الاقتصادى وبينما أعادت تأكيد الالتزام بتوسيع وتعميق التعاون فى هذا القطاع ، أكدت على اهمية بذل الجهود المشتركة فى مجالات بناء القدرة ونقل التكنولوجيا وايجاد مصادر جديدة للطاقة وتطوير انواع جديدة من الوقود بما فى ذلك المصادر المتجددة من الطاقة وايضاً الاستخدامات السلمية للطاقة النووية .
وأخذت فى الاعتبار التداعيات والتأثيرات العميقة المترتبة على الازمة المالية والاقتصادية العالمية فقد وافقت القمة على زيادة ما تبذله دولها من جهود على اصعدة التعاون والتنسيق فى كافة المحافل الدولية ذات الصلة لاعلاء المصالح المشتركة فى اطار المحافل الدولية المتعددة الاطراف . (نحن نرى أن تكون أولاً مع الدول الاسلامية).
وأخذت فى الاعتبار ما يمكن أن تشكله العمالة المهاجرة من أداة للحد من الفقر والتنمية وبما تحققه من فائدة سواء للدول المصدرة للعمالة أو المستقبلة لها ، أكدت العزم على تعزيز التعاون وتبادل الخبرات فيما يتعلق بحماية حقوق العمالة المهاجرة سواء على مستوى دول مجموعة /دى ايت/ أو على المستويات الاقليمية والدولية بما فى ذلك المنتدى العالمى للهجرة والتنمية ، كما دعت الدول المعنية بهذا الامر لانشاء الاليات والضمانات المؤسسية لحماية حقوق وكرامة العمالة المهاجرة وتضمينها فى صلب تشريعاتهم الوطنية والقانونية وكل ما يتصل بذلك .
ورحبت بالمصادقة على اتفاقية تبسيط اجراءات استخراج تأشيرات السفر لرجال الاعمال المبرمة بين بنجلاديش وايران وماليزيا وباكستان وتركيا ودخول الاتفاقية بذلك حيز السريان التنفيذى . وأكدت على أهمية تلك المصادقة واعتبرتها قوة دفع اضافية على صعيد زيادة وتنويع التجارة البينية لدول مجموعة الدول الثماني النامية .
ودعت فى هذا الصدد دول المجموعة الى سرعة المصادقة والادخال الى حيز التنفيذ العملى لاتفاقية التجارة التفضيلية والاتفاقية المتعددة الاطراف بشأن المساعدة الادارية المتعلقة بالجمارك وحثت دول المجموعة التي لم تصادق على هاتين الاتفاقيتين سرعة القيام بذلك .
واعتمد المشاركون التقريرين المتعلقين بالدورتين "12" و "13" لمجلس وزراء المجموعة ورحبوا بما حدده كلا التقريران من أولويات خارطة طريق تحرك نشاط المجموعة فى مجالات التجارة والزراعة والامن الغذائى والتعاون الصناعى وكذلك التعاون على صعيد المشروعات الصغيرة والمتوسطة والنقل والطاقة والتعدين . وطلبوا من المفوضية تحديد عناصر التوقيت والمستهدف الزمنى لخطة العمل التنفيذية المتعلقة بتلك المجالات ..
كما أكد القادة ان مجموعة الدول الثماني النامية قادرة على الاسهام اقليمياً ودولياً فى توجيه التحرك الجماعى باتجاه تحقيق اهداف الالفية الانمائية لاسيما فى قطاعات على قدر كبير من الاهمية مثل مكافحة الفقر والجوع والامية والامراض وحقوق المرأة والحفاظ على البيئة ودعم الشراكة العالمية من اجل التنمية وذلك مع التسليم بأن قدراً كبيراً من اهداف الالفية الانمائية لايزال بعيد المنال .









السبت، 26 يونيو 2010

قراءة في الرؤية السياسية للجماعة الاسلامية

قراءة في "الرؤية السياسية للجماعة الاسلامية في لبنان"
حسن ملاط
أصدرت "الجماعة الاسلامية" في لبنان وثيقة سياسية، أسمتها " الرؤية السياسية للجماعة الاسلامية في لبنان". وجاءت هذه الوثيقة بعد مؤتمر عام لهذه الجماعة، وكان تاريخ إصدارها الرابع والعشرين من حزيران 2010 ، وهي مؤلفة من ست عشرة صفحة.
تعتبر الوثيقة أن الشعب اللبناني مؤلف من تسع عشرة طائفة، أي أن ميزة اللبناني هو انتماؤه لإحدى الطوائف المكونة لهذا المجتمع. وهذا التصنيف يتسم بالخطورة لأنه يمنع إمكانية التواصل مع الطوائف الأخرى إلا عبر ممثليها "الشرعيين" والذين يكونون، عادةً، منسجمين مع الفئات المسيطرة في هذه الطوائف وفي المجتمع اللبناني. كما وأن هذا التصنيف يعد تأبيداً للانتماء الطائفي أو المذهبي، ويمنع إمكانية الاختراق للطوائف، لأن الانتماء الطائفي يمنع اعتبار الفرد مواطناً في دولة. لذلك لم تتحدث الوثيقة عن المواطن اللبناني، ولم تتحدث إلا عن نضال الجماعة بين المسلمين، وإمكانية أو ضرورة الانفتاح على "أطراف الساحة الشيعية" لإيمان الجماعة الاسلامية بالوحدة الاسلامية. فكأني بالجماعة تريد أن يناضل كل منتم إلى مذهب ما ضمن نطاق مذهبه ومن ثم نصل إلى تنظيم معين للعلاقات بين الطوائف... أي علينا أن نناضل حتى نصل إلى مجتمع أكثر تخلفاً مما نراه الآن. هذا، علماً أن القرآن الكريم يريد منا أن نوسع دائرة التلاقي بين الناس، فيقول: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير".(الحجرات 13).
صحيح أن الوثيقة تتحدث بنفس إسلامي ولكنه يتضمن إنتماءها للطائفة السنية، علماً أنها لم تذكر الطائفة السنية بالاسم، وهذه إحدى الإيجابيات.
تقول الوثيقة: "لقد كانت الجماعة الاسلامية على الدوام جزءاً أساسياً من مكونات المقاومة الاسلامية والوطنية، تلك المقاومة التي لاقت الاحتضان والدعم من مختلف شرائح المجتمع اللبناني والعربي، فضلاً عن الاحتضان الرسمي، مما أسهم بتحرير القسم الأكبر من الأرض اللبنانية المحتلة، والصمود التاريخي إبان عدوان تموز 2006م".
تضيف الوثيقة: "إلا أن هذا الاحتضان تعثر فيما بعد، وخاصة بعد أن أقحمت المقاومة في المعادلة اللبنانية الداخلية،وتحديداً في أحداث 7 أيار من العام 2008 م، حيث كاد البلد ينزلق إلى أتون فتنة مذهبية تذهب بكل المنجزات التي تحققت، وتهدي للعدو بالمجان ما عجز عن أخذه بكل آلته الحربية". (ص 13 من الوثيقة).
ليس صحيحاً أن المقاومة " لاقت الاحتضان والدعم من مختلف شرائح المجتمع اللبناني والعربي، فضلاً عن الاحتضان الرسمي". لقد لاقت إحتضاناً من أطراف معينة من المجتمع الرسمي، ومن أطراف معينة في المجتمع اللبناني، هذا صحيح. ولكن الكتائب والقوات اللبنانية كانتا دوماً معاديتين للمقاومة. فهما من الذين تعاونوا مع القوات الاسرائيلية في احتلال 1982 والتي انطلقت المقاومات الوطنية والاسلامية نتيجة لهذا الاحتلال. وإبان هذا الاحتلال "قامت القوات اللبنانية بتقتيل الشعب اللبناني والفلسطيني بحماية ومشاركة القوات الصهيونية المحتلة".
إن انخراط "الجماعة الاسلامية" الغير طبيعي مع أطراف 14 آذار هو الذي جعلها "تزور" التاريخ حتى تجد لنفسها مبرراً بالتحالف مع القوات اللبنانية في الانتخابات اللبنانية النيابية والبلدية. علماً أن جمهور الجماعة الاسلامية رافض لهذه التحالفات التي يجر تيار المستقبل الجماعة الاسلامية لها. والدليل الأكبر هو النجاحات التي حققتها الجماعة الاسلامية في الانتخابات البلدية بمعزل عن تيار المستقبل.
ومع هذا فالجماعة الاسلامية لم تغير خطابها فهي تقول: "العلاقات في الساحة اللبنانية: تنطلق الجماعة الاسلامية في رؤيتها للعلاقة مع مختلف القوى اللبنانية من قاعدة " نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه" ، أي أننا نبحث عن المساحات المشتركة وليس عن مساحات الخلاف مع شركائنا في الوطن، فنحن نعتبر أن الساحة الداخلية لا يوجد فيها أعداء، إذ العدو الأوحد في تصنيفنا هو الكيان الصهيوني ومن يقف إلى جانبه أو يؤيده، أما ما عدا ذلك فنحن وإياه إما في تحالف أو تعاون، أو في خلاف سياسي مرحلي تحكمه الأعراف الديموقراطية وحرية الرأي". نحن نقول ما تقوله الجماعة: عدونا اليهود ومن يقف معه. ولكننا نضيف أن الادارة الأمريكية هي حليف لاسرائيل والصهيونية والمدافع الأول عنها. لذلك فهي تدخل ضمن دائرة الأعداء. كما وأن الأطراف الداخلية اللبنانية التي تريد القضاء على المقاومة وسلاحها والتي تتمثل ببعض أطراف 14 آذار مثل القوات اللبنانية والكتائب وبعض أطراف تيار المستقبل لا يمكن إعتبارهم إلا حلفاء موضوعيين لإسرائيل. من هنا وجب على الجماعة أن تحدد وبوضوح من هم حلفاءها في الداخل وفي الخارج. ولكننا نقول بأن ما يمنعها من ذلك هو تحالفها الغير طبيعي مع تيار المستقبل والناتج عن دوافع مذهبية. من أجل ذلك نراها تُجَهِّل الفاعل في أحداث 7 أيار 2008 ، فهي تقول أن المقاومة "أُقحمت" والفعل مبني للمجهول. فالجماعة الاسلامية لا تعرف أن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة هي التي أرادت أن تكشف جميع اتصالات المقاومة للعدو الصهيني كرمى لعيون الأمريكان. فكان لابد من الرد على ما قامت به الحكومة وكانت أحداث 7 أيار لحماية المقاومة والتي ساهمت الجماعة الاسلامية بسكوتها عن الحقيقة كما وأطراف المعارضة السنية، أي تجهيل الفاعل بالمساهمة مع أطراف 14 آذار بإعطاء أحداث أيار طابعاً مذهبياً. وهذا نتيجة تصنيف اللبناني على أنه فرد ينتمي لمذهب وطائفة وليس مواطناً يتمتع بحق المواطنية.
نأتي إلى الساحة المسيحية، تقول الوثيقة: "أما الساحة المسيحية، فنحن نعتبر أننا نجحنا إلى حد كبير في كسر الحواجز التي كانت بيننا وبينها للتعاون في تكريس العيش المشترك، والتعاون في بناء هذا الوطن على أسس سليمة تتماشى مع تطلعاتنا وقيمنا وأخلاقنا".
نحن نعتقد أن هذا التوصيف ليس صحيحاً. إن الأطراف المسيحية التي وجدت الجماعة الاسلامية معها لغة مشتركة هي أطراف 14 آذار وهم معادون للمقاومة وخط المقاومة. أي أن الجماعة الاسلامية تنازلت عن مبادئها وتحالفت مع أطراف في الساحة المسيحية. فهذه النقطة سلبية وليست ايجابية بالنسبة للجماعة الاسلامية.
تقول الوثيقة: "أما مطلبنا في تحقيق الوحدة الاسلامية، وتخوفنا من محاولات زرع الفتنة المذهبية في صفوفنا، فيحتم علينا السعي لبناء علاقة متينة ومميزة مع أطراف الساحة الشيعية، هذا فضلاً عما يجمعنا في موضوع المقاومة ضد العدو الصهيوني، وهي مسألة استراتيجية بالنسبة للجماعة".
نتمنى ذلك. ولكن تحقيق ذلك يستوجب التعامل مع اللبناني على أنه مواطن يتبنى أفكاراً محددة، وليس مخلوقاً مذهبياً أو طائفياً.
لا أعلم إن كان من الضروري أن أشير أن الوثيقة لم تذكر سوريا أو ايران بالاسم علماً أن المقاومة تعتبر ايران وسوريا من الأطراف الداعمة للمقاومة. هل أن الساحة السنية لا تتحمل ذكر هاتين الدولتين بالاسم؟ أم أن هناك أسباباً أخرى لا يمكن الافصاح عنها.
ومع هذا فإن الاتجاه العام للوثقة يعتبر ايجابياً.
25 حزيران 2010

الاثنين، 15 فبراير 2010

حول لباس المرأة المسلمة

حول لباس المرأة المسلمة
حسن ملاط
مقدمة
الزي الذي تلبسه النساء أو ذلك الذي يلبسه الرجال هو ظاهرة إجتماعية، تختلف من مجتمع إلى آخر. كما وأنها تتأثر بعوامل عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر: المناخ، الغنى والفقر، التقدم الاقتصادي وغيرها من العوامل وأهمها على الاطلاق المفاهيم السائدة في هذا المجتمع. وتأثير هذه العوامل على الزي لا يستدعي إقناع الرجل أو المرأة بارتداء هذا الزي لأن ارتداءه شيء طبيعي. أما الحديث عن الزي في أيامنا هذه فهو ناتج عن اعتبار الأكثرية المطلقة أن الزي مفروض عليهم من خارج.
كيف تحدث القرآن الكريم عن الموضوع
قال ربنا تبارك وتعالى متحدثاً عن زي النساء بهذه الكلمات المختصرات " ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها". وعندما تأتي صيغة "إلا ما ظهر منها" فهذا يعني أن جميع الناس يعلمون ما هو مدلول هذا الكلام، لأنه ما أنزل إلا لإفهام الناس ما هو المطلوب منهم، أو منهن إذا كان الحديث موجهاً للنساء. وأما المطولات في أيامنا هذه عن الزي ومتطلباته فهو ناتج عن أن كاتبي هذه المطولات يضيفون إلى كلام الله تبارك وتعالى جميع مفاهيم وعادات وتقاليد الشعوب المختلفة التي دخلت في دين الإسلام.
كلنا يعلم أن الاسلام دين الفطرة، أي أن الانسان يتقبله من غير تعقيد. إنه يدخل قلب الانسان من غير وسائط إصطناعية. من أين نتج التعقيد إذن في جميع الأمور التي يطرحها الناس في هذا الدين الحنيف؟
أتساءل هل كان من المعقول دخول الناس في هذا الدين "أفواجاً" لو كان الدخول فيه يتطلب من الذي يريد أن يؤمن أن يحمل امتيازاً في الفلسفة أو في العلوم؟ إن هذا السؤال يتضمن الجواب وهو أن التعقيد ليس من أصل الدين، إنما الذين فرضوا هذه التعقيدات هم العاملون على إيضاح متطلبات هذا الدين. وعوضاً عن تبسيط المفاهيم، البسيطة أصلاً، كما مر معنا، يعقدونها.
لماذا السؤال عن اللباس الشرعي في أيامنا هذه؟ الأكثرية الساحقة من المسلمين والمسلمات هم كذلك بالتقليد، أي لأن أهاليهم مسلمون. فلماذا لا تطرح الأنثى على أمها المسلمة هذا السؤال وكذلك يفعل الشاب المسلم. ولماذا التحدث عن اللباس الشرعي للأنثى وليس عن اللباس الشرعي للفتى؟ أليس الفتى مكلفاً كما الفتاة؟ (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم)، (وقل للمؤمنات أن يغضضن من أبصارهن، ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن). هذا الخطاب القرآني موجه للنساء وللرجال على السواء. وهذا يعني أن المساواة في الخطاب تتطلب أن يرى الرجال والنساء أنفسهم متساوين لأن الله تبارك وتعالى تحدث معهم بنفس الأسلوب. أليس من الطبيعي أن تعرف الأم الاجابة عن السؤال حول اللباس وكذلك الأب؟
إن طرحي لهذه الأسئلة هو حتى أقول أن السؤال عن اللباس الشرعي للفتاة هو سؤال من خارج، إنه سؤال مفتعل، إنه لا يتناسب مع الفطرة. والإسلام دين الفطرة.
أوضح فأقول، إن التشوهات التي أدخلها المجتمع على عقولنا هي التي أفسدتنا. وهذا ما يجعلنا نتذكر حديث نبينا صلى الله عليه وسلم "يولد الانسان على الفطرة فأبواه يهودانه..." إلى آخر الحديث. فالنبي عليه السلام يبين لنا أن المجتمع هو الذي يشوه فطرة الانسان، أو هو الذي يدخل التعقيدات على المفاهيم والممارسات التي تفهم بالفطرة من غير واسطة من أحد.
هل أني بحديثي هذا أقوم بتعطيل دور العلماء أو الدعاة إلى الله تبارك وتعالى؟ بالطبع لا، ولكن ما أدعو إليه هو أن يتواضع العلماء ويطرحوا قضايا ديننا الحنيف بالشكل الذي يمكن عامة الناس من فهم قضاياه. كما وأدعو إلى تواضع من نوع آخر وهو أن لا يعتبر هؤلاء العلماء أنفسهم أشد غيرة على دين الله من النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بما يسمى "سد الذرائع" كما جاء في الفتوى التي أوردها شيخنا الجليل يوسف القرضاوي، أطال الله في عمره.
عن ابن عباس قال: كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة حسناء من أحسن الناس وكان بعض القوم يستقدم في الصف الأول لأن لا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع قال: هكذا ونظر من تحت إبطه، وجافى يديه فأنزل الله عز وجل في شأنهم "ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين".أورده الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الاسناد.
عن أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل بن حجر زعم أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد فاستغاثت بهم فأدركوا التي استغاثت به وسبقهم الآخر فذهب فجاؤا يقودونه إليها فقال: إنما أنا الذي أغثتك وذهب الآخر فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم...إلخ. هذه الواقعة رواها البيهقي في السنن الصغرى.
في الروايتين نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب من الأولى أن تغطي وجهها ولم يطلب من النساء عدم المجيء إلى الصلاة في المسجد بحجة "سد الذرائع". كما وأني على يقين أن النبي صلى الله عليه وسلم يغار على نسائنا أكثر من أنفسنا.
قال نافع مولى عبد الله بن عمر: حدثني عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى النساء في احرامهن عن النقاب والقفازين وما مس الورس (لون أحمر) والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من الألوان معصفراً أو خزاً أو حلياً أو سراويل أو قمصاً أو خفاً. أورده البيهقي في السنن الصغرى.
عن الحسن قال: رأيت نساءً من نساء المدينة يصلين في الخضاب. أورده الدارمي في سننه.
وعن ابن عباس قال: كن نساءنا إذا صلين العشاء الآخرة اختضبن فإذا أصبحن أطلقنه وتوضأن وإذا صلين الظهر اختضبن فإذا أردن أن يصلين العصر أطلقنه وتوضأن وإذا صلين الظهر اختضبن فإذا أردن أن يصلين العصر أطلقنه فأحسن خضابه ولا يحبسن عن الصلاة. أورده الدارمي في سننه.
ويصف أحدهم عائشة فيقول: ورأيت عليها درعاً مورداً. أورده البخاري في صحيحه.
عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت: يا نبي الله بايعني قال: لا، حتى تغيري كفيك، كأنهما كف سبع. أورده أبو داود في سننه.
قال لامرأة أخرى: ألا اختضبي، تترك إحداكن الخضاب حتى تكون يدها كيد الرجل. أورده السيوطي في جمع الجوامع.
وعن صفية بنت عصمة عن عائشة رضي الله عنها: أومت امرأة من وراء سترها بيدها كتاباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال: ما أدري أيد رجل أم يد امرأة، قالت: بل امرأة قال: لو كنت امرأة لغيرت أظفارك، يعني بالحناء. أورده أبو داود في سننه.
عن ابن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضأون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال مسدد من الاناء جميعاً. أورده أبو داود في سننه.

و عن ابن عمر قال: كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء أحد ندلي فيه أيدينا. أورده أبو داود في سننه.
عن ابن عباس قال: أردف النبي صلى الله عليه وسلم الفضل بن العباس، يوم النحر على عجز راحلته، وكان الفضل رجلاً وضيئاً فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم وأقبلت امرأة من حقم وضيئة تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها – وفي رواية أخرى: فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها فأخلف بيده وأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها. رواه البخاري ومسلم في الصحيحين والبيهقي في الصغرى.
لو أن هذه القصة حصلت في أيامنا هذه لرأينا من يفتي بعدم ذهاب النساء إلى الحج كما أفتوا بعدم ذهابهن إلى المسجد.
حدثنا عثمان بن عمر: وأما الأمة قبل أن تعتق فرأسها ورقبتها وجذور يديها وقدمها وما يظهر منها حال المهنة ليس بعورة. أورده البيهقي في السنن الصغرى.
إن قراءة هذه الأحاديث تبين بشكل جلي أنه لا تعقيد في لباس المرأة حسب الشريعة الاسلامية، كما وأنه لا تعقيد في علاقة المرأة بالرجل خاصة إذا جعلنا الشرع الحنيف هو ميزان هذه العلاقة.
إن أحد أهم الأسباب التي جعلتنا جميعاً، رجالاً ونساءًً معقدين هو خوضنا في مفاهيم المجتمع الاستهلاكي. هذه المفاهيم التي حولتنا من منتجين إلى مستهلكين. فقد أصبح لزاماً علينا أن نقارن ما يفرضه المجتمع الاستهلاكي علينا من أزياء، نقارنها بما يفرضه علينا ديننا الحنيف. وهنا يكمن المرض. حيث أننا نتصور أن الدين يفرض علينا ممارسة معينة ونحسبها مفروضة علينا من خارج. وكأن الدين لم يعد قناعة داخلية له الأولوية في محاكمة جميع المفاهيم التي نصادفها في حياتنا العملية، فنقبل ما يتوافق مع فطرتنا ونرفض ما لا يتوافق مع هذه الفطرة. والدين لا يفرض ما لا يتوافق مع الفطرة. ولكن مفاهيم المجتمع الاستهلاكي هي التي تناقض فطرتنا وبالتالي ديننا.
فلينظر كل منا إلى نفسه، ألا يستحيي من أن لا يلبس آخر زي فرضه علينا بيار كاردان مثلاً. ألا يستحي من أن لا يلبس حذاءً موجود عليه ماركة معينة؟ ثم يروح أو يلجأ إلى سيل التبريرات أن هذا أقوى وأمتن. ولم يفكر أنه إذا استهلك من مصنوعات بلده يخف ارتباطه بأعداء أمتنا ومضطهدينا، وبالتالي تصبح إمكانية التحرر منهم أقرب منالاً. وهكذا نكون مستهلكين لثقافتهم ومستهلكين لمصنوعاتهم. وكيف سنبني ديننا إذا لم نكن منتجين؟
لايمكننا أن نكون غربيين في فكرنا ومسلمين في عقيدتنا. إن الكلام عن زي المرأة المسلمة فرضه علينا الكم الهائل من الأزياء التي تفرضه علينا دور الأزياء الغربية التي تصادر أموالنا وعقولنا في آن.
أختم فأقول أن إيماننا لا يترسخ حتى يصبح هوانا تبعاً لما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم.

الخميس، 28 يناير 2010

اشكالية التقييم

إشكالية التقييم إزاء الطريقة التعليمية في الصف الأول أساسي
يعطي التربويون أهميةً خاصة للتقييم، لذلك رأيناهم يخصون كل مرحلة من مراحل عملية التعليم بتقييم خاص بها. فهناك التقييم التشخيصي والتقييم التكويني والتقييم النهائي وبين هذه الأنواع هناك أنواع أخرى تبعاً لما يريد المعلم القيام به.
ولكنني أرى بأن المعطى الأساسي لامكانية إجراء عملية التقييم لا ولم يتم التحدث عنه: وهو إستعداد المتعلم لإجراء التقييم. ما من أحد من التربويين طرح السؤال أو إشكالية إستعداد المتعلم للقيام بهذه العملية. وهذه الاشكالية تتعلق بالتقييم التكويني الذي يجريه المعلم خلال قيامه بعملية التعليم. ولا عجب من ذلك إذا انطلقنا من مسلمة تقول "ما من أحد يمكنه أن يعلم طفلاً لا يريد أن يتعلم" ومن حقيقة اخرى iي أن بإمكان الطفل أن يقيم نفسه ومعلمه. للإشارة فقط أن الأمم المتحدة من خلال الأونيسكو قد أقرت تجربة المدارس التي يديرها الأهالي بسبب نجاحاتها الباهرة في أكثر من عشرين بلداً، والتي كانت تجربتها الأولى في أمريكا اللاتينية، حيث تقييم المعلمين كان يقوم به التلاميذ.
في غابر الأيام كان التلميذ يخضع لامتحان على صعيد الوطن يسمى شهادة الدروس الابتدائية، وقد تراجعت السلطات عن هذا الاجراء لأنها لم تر فائدة منه. ولكن هذا الامتحان لا يزال قائماً في فرنسا وفي العديد من الدول الأوروبية ويسمونه تقييماً مستقبلياً لامكانية الطالب أن يلج إلى التعليم المتوسط. والمسؤولون التربوين في هذه البلاد يعتبرون بأن لهذا التقييم أهمية كبيرة لأنه يعطيهم فكرة واضحة عن مكتسبات التلميذ خلال سني تعلمه السابقة. أي بصيغة أخرى، هذا الامتحان هو تقييم حقيقي للطرق التربوية المتبعة في تلك البلاد. وحيث أن الشيء بالشيء يذكر، فإن الطرق التربوية المتبعة في بلادنا هي نفسها المتبعة في البلدان الأوروبية: الطريقة المجملة في تعليم القراءة. Méthode globale
وحيث أن حديثنا هو عن إشكالية التقييم إزاء الطريقة التربوية المتبعة فإليكم هذه الاحصاءات:
في فرنسا 62% من الأولاد الذين كانوا قد دخلوا الى الصف السادس لم يكن بامكانهم فهم التعليمات الموجودة في نص سهل. كما وأنه عند دخول الصف السادس واحد من سبعة لا يعرف القراءة ولا الكتابة. (1997 ).
في سويسرا نتائج سنة 2001 بينت أن جزءاً هاماً من التلامذة أعطى نتائج ضعيفة في القراءة.
في ألمانيا 20% من المراهقين في نهاية المدرسة الالزامية لا يمكنهم فهم نصوص بسيطة أو إعطاء المحتوى من غير تبديل المعنى.
في فرنسا 2004 كل فرنسي من عشرين وكل بالغ من عشرة لا يعرف تهجئة وفهم نص سهل من الحياة اليومية. ثلاثة ملايين فرنسي تخرجوا من المدرسة يعتبرون أميين.
5,4% من السكان الفرنسيين كانوا يعتبرون أميين في 1997 أصبحوا في 2004 ما بين 7% الى 10%.
لا أعتقد أنه يجب إيراد إحصاءات أكثر من ذلك. ما يهمنا جميعاً هو النتيجة التي توصل إليها الخبراء من هذه الاحصاءات: النتيجة أن الطريقة المجملة في تعليم القراءة هي السبب في هذه الكوارث. لذلك رأينا بريطانيا قد تخلت عنها بمجرد إعتراض المعلمين عليها، وفرنسا قد تخلت عنها في العام الدراسي 2009 – 2010 .
نتساءل هل من سند علمي لهذا الاستنتاج؟
جميع علماء التربية وعلماء النفس الذين ساهموا في وضع الطرق المتبعة في التعليم قد وضعوا فرضيات وحاولوا أن يؤكدوا فرضياتهم من خلال عملهم في الصفوف. والفرضية كما تعلمون لا تصبح حقيقةً علميةً إلا عندما يمكن إثباتها بالدليل العلمي، أي بالاختبار العلمي. لايمكن لأحد منا ولا من غيرنا أن يثبت بأن الادراك يتم بطريقة مجملة كما يقول أصحاب نظرية الجشتالت. ولكن يمكننا أن نثبت علمياً أن الأوكسيجين مع الهيدروجين يعطي ماءً مع وجود الشرارة الكهربائية. هذا هو الفرق بين الفرضية والتجربة العلمية.
تمكن سبيري الحائز على جائزة نوبل من البرهان أن الدماغ يميز بين حقيقتين مختلفتين من الرموز الشكلية: منها ما يعود إلى المحيط (الطاولة مثلاً) ومنها رموز لا يمكن اكتشافها دفعة واحدة (الكلمات مثلاً). يضيف سبيري بأن الصور تتم معالجتها في النصف الأيمن من الدماغ، أما الرموز التي تحمل معان صوتية (phonémique ) فتتم معالجتها في القسم الأيسر من الدماغ. الطريقة المجملة تعتبر الكلمة صورة وهي ليست كذلك. لا يقبلها الدماغ على أنها صورة.
لوسيان اسرائيل يقول أن الطريقة الكلية لا تعلم القراءة لأنها مخالفة لآلية عمل الدماغ.
عالم الأعصاب ويتيستان بدور قال: الخيارات البيداغوجية تكيف مورفولوجية وصياغة الدماغ. structuration
إليز تامبل بعد تعليم عشرين ديسلاكياً القراءة بالطريقة الألفبائية رأت أنه أصبح دماغ كل منهم مشابهاً للدماغ الغير ديسلكسي.
ف. غريك الحائز على جائزة نوبل في الفيزيولوجيا قال أنه يمكننا أن نعرف كيف يعمل الدماغ لانتاج الأفكار.
المعهد الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية في الولايات المتحدة NICHED توصل علماؤه إلى الحقيقة التالية: إن الخيارات التربوية تتحكم بمورفولوجية الدماغ وبنيته، structureوتضغط أيضاً وبشكل سلبي على نوعية المعارف، كما وتؤثر سلباً أيضاً على نمو وتطور العملية المعرفية والذكاء.
لقد تمكن العلماء من معرفة كيفية عمل الدماغ عند تعلم القراءة: يقول ميشال مازو وهو عالم نفس وأعصاب: من وجهة نظر الكفايات الدماغية لا نتعلم القراءة كما نتعلم الكلام. اللغة المكتوبة لا يمكن تعلمها إلا بواسطة المبدأ الألفبائي الذي يصل كل رمز بصوته. ويضيف: إذا كنا لا نعرف العمليات العقلية التي تتيح لنا أن نقرأ، فهذا لا يعني عدم وجودها.
أعارض مازو وأقول أنه أصبح الآن بامكاننا أن نعرف هذه العمليات، مع البروفيسور ستانسلاس دوهايين الحائز على أكثر من عشرة جوائز عالمية في ميدانه. فهو أستاذ كرسي علم النفس المعرفي الاختباري في الكوليج دو فرانس. وقد نشر كتاباً في آب 2007 وأسماه الخلايا العصبية للقراءة Les neurones de la lecture
ويمكننا أن نرى في هذا الكتاب كيف يعمل الدماغ عند تعلم القراءة. مع هذا الأستاذ أصبح تعلم القراءة يتبع لعلماء الأعصاب في جانب كبير منه وليس علماء النفس. وأصبح اختيار الطريقة التربوية لا يتبع النظرية، إنما أصبح حقيقة علمية: تعلم القراءة يجب أن يتم من خلال تعليم الرموز graphème-phonèmeأو كما يقول الفرنسيون b, a, ba وليس بأي طريقة أخرى، لأن الطرق الأخرى مضرة وهذا ثبت علمياً.
لا أريد أن أثقل عليكم فمن يريد الاستزادة في هذا الموضوع يمكن أن نتحدث معه بعد انتهاء البرنامج المعلن. وأصل إلى النتيجة في موضوعة إشكالية التقييم والطريقة التربوية المتبعة في الصف الأول. إن القيام بالتقييم لا يرتدي شرعية إلا إذا اخترنا للتلاميذ الطريقة العلمية التي تعلمهم القراءة، أي الطريقة التركيبية الصوتمية. إنها الطريقة الوحيدة التي يقرها العلم الحديث. فعندما يتعلم الطفل يمكن إختباره، هكذا فقط.
بقي أن أضيف، أنه تبعاً للكشوفات الحديثة والتي جعلت للقراءة خلايا عصبية أصبح كل تقييم في الروضة الكبرى والصف الأول أساسي لا تكون نتائجه التحقق ماية بالماية يعتبر سلبياً ويمنع المدرس من الانتقال إلى هدف جديد.
أما للذين يريدون أن يطرحوا السؤال "كيف يتعلم أولادنا حالياً" نقول بأن العلماء يقولون بأن التلاميذ يقسمون إلى ثلاث فئات: الموهوبون وهم قلة، المتوسطون وهم كثر وأخيراً الضعفاء وهم قلة. فالفئة الأولى تتعلم بأية طريقة. أما المتوسطون فأكثريتهم لا تتوصل إلى تعلم القراءة، بل يحفظون. أما الضعفاء فيمكنهم تعلم القراءة بواسطة الطريقة الهجائية فقط. وحيث أن طريقة التعليم يجب اختيارها لتعليم الجميع لذلك يرفض العلماء الطريقة الكلية التي تتعارض مع آلية عمل الدماغ.
ألله تبارك وتعالى يقول: "ولا تزر وازرة وزر أخرى، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا". إن شرط الحساب هو المعرفة نعلم التلميذ ثم نقيمه ونحاسبه.
ختاماً، أود أن أتوجه إلى المسؤولين التربويين في بلادنا والذين يرعون هذا اللقاء مشكورين. كفانا تمسكاً بالطريقة الكلية في تعليم القراءة بعد أن ثبت علمياً ضررها على أطفالنا، ولنقر الطريقة الألفبائية لأنها الوحيدة التي تتماشى مع آلية عمل الدماغ عند تعلم القراءة. وزارة التربية هي التي تمثل الوجه العلمي للبنان فحري بها التمسك بالعلم وبمواكبة العلوم.
بقي ملاحظة، إذا لم نسارع منذ الآن إلى تبسيط تعليم اللغات باعتماد الطريقة التي تتماشى مع آلية عمل الدماغ أي الطريقة التركيبية فسوف نقع في مشكلة كبيرة جداً تفرضها علينا ثورة الاتصالات في العقد الطالع والتي بدأت بوادرها منذ مدة، وهي ضرورة تعلم لغة جديدة وهي لغة الانترنت. مثال:
J’m t id = j’aim tes idées
how are you = how R U
أو عزيزي حمادا: 3azizi 7amada
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
16 كانون الثاني 2010
حسن ملاط
محاضرة ألقيت في الرابطة الثقافية في طرابلس في 22 كانون الثاني 2010

الجمعة، 25 ديسمبر 2009

دور المثقف

دور المثقف في المجتمع

الناس ثلاثة أصناف ، فمنهم من يعمل انطلاقا من قناعة نظرية أو لنقل فكرية، ومنهم من يعمل لتحقيق مصالحه الخاصة ومنهم من يعمل بدافع غريزي. و مما لا شك فيه أن الثقافة تلعب دورا في تعديل قناعات الانسان و تبديلها. فما الثقافة و ما المثقف وما دوره في هذا المجتمع؟
يقول محمد الدلفي و هو مفكر عراقي : ان الثقافة هي البيان الأول لأنسنتنا.
متى أصبح بامكاننا الاشارة الى أن الانسان كائن مثقف ؟
أشار شتراوس الى صعوبة الوصول الى التحديد الجازم في ذلك "ان لغز ظهور الثقافة سيظل مستعصيا فهمه على الانسان ما لم يتوصل على المستوى البيولوجي الى تحديد التغيرات البنيوية او الوظيفية التي حدثت في الدماغ ، وكانت الثقافة ، نتيجتها الطبيعية". و لكن العامل الأول الذي يحدد تلك القفزة ظهور اللغة المنطوقة. ان اللغة شكلت المعلم الوظيفي الرمزي والنموذج الراقي لتمايز الانسان عن المخلوقات.
العامل الثاني حسب شتراوس هو تحريم الزواج من الأقارب "الذي يؤسس الخطوة الرئيسة التي تحقق بفضلها وبالأخص من خلالها الانتقال من الطبيعة الى الثقافة".
الثقافة معجميا:
جاء في القاموس المحيط في معنى كلمة “ثَقُف”: ثقُف، ثقفاً، ثقافة، صار حاذقاً خفيفاً فطناً. فهو ثِقف كـ حِبر. والِثقاف ما تسوّى به الرماح .
هكذا تكون الثقافة حصيلة ما تكتسبه الجماعة تاريخياً، حيث تصقل وتتهذب عاداتها وتقاليدها. ويفهم من كلمة ثقافة كل فعل للتاريخ في تهذيب الجماعة البشرية، كل فعل للتاريخ في الطبيعة. فهي الثقافة ضد الطبيعة الأولية الخام والخشنة، “المتوحشة”. المشغول بفعل التاريخ، والمصقول بهذا الفعل هو المثقف. والثقافة هي المتولدة بالخبرة والمكتسبة بالتربية المديدة.
جاء في المورد في معنى كلمة culture: حِراثة، تثقيف، تهذيب، حضارة أو مرحلة معينة من مراحـــل التقدم الحضاري… المستنبت أو نتاج عملية الاستنبات.
الثقافة: هي الحِراثة، أي هي تهذيب الأرض من الحجارة والأعشاب الضارة، مع إحداث طبقة ترابية جديدة عبر قلب الوضع القائم. ( أي يدخل فيها فعل الانسان ح.م)
أما تايلور E.B.Tylor فيعرف الثقافة فيقول: "الثقافة هي ذلك المركب الكلي الذي يشتمل على المعرفة، والمعتقدات، والفن، والادب، والأخلاق، والقانون والأعراف، والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الانسان بوصفه عضوا في المجتمع".
دور المثقف:
في المجتمعات القديمة:
اذا اطلعنا على التاريخ القديم، عن بلاد ما بين النهرين مثلا، نرى بأن "الملوك الآلهة" يبينون لشعبهم مدى حرصهم وسعة علمهم من خلال المشاريع المائية التي تساهم في تأمين الري للمزروعات. وهذا يتم طبعا عن طريق أهل العلم. لذلك كانت هذه الطبقة من الأهمية بمكان، في بلاد ما بين النهرين، على تغير الحكام.
عندما طلب سليمان عليه السلام من مجالسيه: من يأتيني بعرشها قبل أن تأتي سبأ الى مجلسه: قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك هذا. قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك. فلما رآه مستقرا ......
فالعلماء كانوا مقدمين عند الملوك.
قصة موسى عليه السلام و فرعون. أتى فرعون بالسحرة لمباراة موسى لأن السحرة هم الذين يمثلون المجتمع المتعلم المثقف وبهم يقتدي العامة ولو كان خلاف ذلك ما طلب فرعون من جميع الناس حضور هذه المباراة حتى يروا الهزيمة الشنعاء التي سوف تحل بموسى لادعائه بوجود اله لفرعون.
وكانت النتيجة أن سجد السحرة لله الواحد القهار رب موسى وهارون وعجب فرعون من ايمانهم مباشرة. ذلك أنهم فهموا الآية الالهية التي يملكها موسى وما مكنهم من فهمها أنهم علماء: "انما يخشى الله من عباده العلماء". وأعظم ما استوقفني في هذه القصة العبارة التي استعملها السحرة: أننا نطمع أن يغفرالله خطايانا أن كنا أول المؤمنين. أي أنهم فهموا أن ما كانوا يقومون به من السحر هو حرام لأنه يغش الناس وأنهم بحاجة للمغفرة. كما وأنها دلالة على عمق ايمانهم رغم حداثته.
في المجتمع المعاصر:
علينا أن نعي أنه لا يمكن فهم دور المثقف في المجتمع بمعزل عن مفاهيم عديدة وأهمها على الاطلاق مفهوم المجتمع المدني.
كتب الدكتور صالح ياسر: المجتمع المدني هو عبارة عن مجتمع يتألف من مواطنين أحرار ( و في هذا اشارة الى المجتمع البورجوازي لأنه في المجتمعات ﴿ أو لنقل التشكيلات الاجتماعية﴾ السابقة على هذا المجتمع كانت صفة الانسان الحر تنطبق على أناس محددين فقط ح.م)، يستطيعون وقادرين على العيش سوية وبشكل مشترك، بحسب القواعد التي اختطوها، والتي أصبحت عادات لا يمكن تجاوزها.

مفهوم المجتمع المدني في القرنين السابع عشر والثامن عشر:
بدأنا من القرن السابع عشر لأن الثورة البورجوازية الانكليزية تحققت في هذا القرن، وفي القرن الثامن عشر كانت الثورة الفرنسية، و قد انتقلت أوروبا تباعا الى البورجوازية .
لقد كانت المشكلة الرئيسية المطروحة على مثقفي القرن السابع عشر والثامن عشر الذين رافقوا تحلل النظام الاجتماعي التقليدي وتطور البرجوازية كطبقة جديدة تطمح إلى إعادة بنائه من منظورات مختلفة تلغي التراتبية الجامدة ( و الاشارة هنا الى طبقات الشعب في التشكيلة الاقطاعية) وتفتح المجال أمام هيمنة سياسية حديثة، هي إعادة بناء السياسة على أسس غير دينية وغير ارستقراطية، أي لا ترتبط بتكليف إلهي ولا بإرث عائلي، ولكن بالمجتمع نفسه، تنبع منه وتصب فيه. ومن هذه النقطة سوف ننتقل تدريجيا من نظرية لا سلطة ممكنة إلا إلهية أو ملكية وراثية ( وهنا اشارة الى المجتمعات الاقطاعية، أو الرق)، إلى النظرية المناقضة تماما وهي لا سلطة شرعية إلا تلك التي تعبر عن السيادة الشعبية والإرادة الجمعية. وهذا هو أصل الانتقال نحو الحداثة السياسية.

هيجل و المجتمع المدني:
إن المجتمع المدني، حسب هيغل، هو الوسيط بين العائلة والدولة. انه نظام الحاجات أو مكان التبادل والانتاج الخاص الذي لا يمكن أن يولد أو يتطور الا في، وبواسطة الدولة المجسدة للمصلحة العامة، حسب تعبيره. ومن هنا كانت العلاقة بين الاثنين علاقة تكامل وتعارض في الوقت ذاته.
وبقدر تعلق الأمر بهيغل لابد من الاشارة هنا الى أمرين أساسيين في فهمه للمجتمع المدني:
يماثل هيغل بين مدني وبرجوازي وهو يستعرض المفهوم على محورين:
الأول تاريخي (عمودي) عبر الانتقال من الاسلوب الاقطاعي للملكية الخاصة وعلاقاتها، الى الأسلوب الرأسمالي للملكية الخاصة، حيث يشير الى الانتقال من الجماعة الطبيعية (العائلة والاسرة) الى الجماعة السياسية (الاقتصادية الاجتماعية وتنظيمها في الدولة الحديثة). يرافق هذا التحول تحول في الدساتير والقوانين فيظهر القانون المدني (البرجوازي) لحماية هذا الحق، حق الملكية الخاصة للافراد.
المحور الثاني في تناول هيغل للمجتمع المدني هو المحور البنيوي (الافقي)، أي دراسة المجتمع المدني من حيث هو المسافة الاجتماعية – الاقتصادية بين الفرد والدولة، التي هي سلطة سياسية ولحظة اكراه. وعلى هذا فالمجتمع المدني عند هيغل يشتمل على علاقات الانتاج الاجتماعية- الاقتصادية والنقابات الحرفية والمنظمات الدينية والاهلية والنقابات العمالية والاحزاب السياسية، ويشمل الاجهزة الايديولوجية والتربوية للدولة الحديثة (المدارس والجامعات والمؤسسات التربوية الاخرى) باستثناء القضاء والبرلمان والحكومة التي تشكل كأجهزة إكراه بأشكال مختلفة، اللحظات الثلاث للسلطة السياسية من حيث هي سلطة.
فالمجتمع يظل على مستوى المجتمع المدني مجتمع المصالح الفردية والمشاريع الخصوصية، أي مجتمع الانقسام والتملك الفردي والصراع، ولا يجد خلاصه إلا في الدولة.
والخلاصة التي يمكن التوصل اليها من خلال العرض المكثف السابق هو أن الأساس التاريخي لمفهوم المجتمع المدني ضمن ارتباطه بالواقع البرجوازي، وضمن الشروط التاريخية التي تشكل فيها، يقوم على ما يلي:‏
أولاً: على أساس مضمون الحياة المدنية الحديثة والمعاصرة، الذي جوهره التحرر السياسي، وعلى التمييز بين الإنسان المطلق والإنسان الديني، أو بالأحرى على انفصال واستقلال الإنسان الديني، عن مواطن الدولة المدنية، باعتبار هذا التمييز، أو هذا الاستقلال هو البذرة العقلية للتحرر السياسي بالذات. ولكن علينا أن نؤكد أن تحرر الدولة السياسي من الدين، لا يعني بأي حال تحرر الإنسان الفعلي من الدين، فالدولة تستطيع أن تتحرر تماماً من الدين، حتى حين لا تزال أغلبية الشعب أو الأمة متدينة، علماً أن بقاء هذه الأغلبية دينية لا يعدو أن يكون بقاء دينياً خاصاً.‏ إن عملية الانتقال هذه، هي التي كانت أساس ولادة العلمانية للدولة السياسية من ناحية، وللمجتمع المدني من ناحية أخرى.
ثانيا : ينجم عن الملاحظة السابقة أن التحرر السياسي، قلما يقضي على التدين الفعلي للإنسان، مثلما لا تعني العلمانية الإلحاد. ومن هذا المنظار، تصبح العلمانية روح المجتمع المدني، ولا يمكن تحقيقها إلا في درجة جذرية من انفصال السياق الديني عن الدولة، وبالقدر الذي تبرز فيه الدرجة المعنية من تطور الروح البشري للإنسان، حيث أن التحرر السياسي، هو التعبير عنها، لكي تبني نفسها به في شكل دنيوي. وهذا ما لا يمكن حدوثه إلا في ظل سيادة العقلانية، واستقلال المجتمع المدني عن السلطة الدينية، واستقلال السلطة الدينية عن السلطة الزمنية، وفي ظل سيادة الدولة الديمقراطية الحديثة والمعاصرة، حيث أن كل إنسان مطلق بمفرده، مؤمناً كان أم متديناً، متعصباً لدينه وأصولياً أم غير ذلك، ظلامياً أم عقلانياً، يكون فيها كائناً إنسانياً نوعياً سائداً.
ملاحظة: من الجدير ذكره في هذا المجال أن الدولة الدينية لم تظهر في بلادنا. فمنذ قيام الدولة الأموية انفصل الديني عن السياسي . و لم يكن مسموحا للفقهاء أو العالمين في أمور الدين والمشهود لهم بذلك، التدخل في الشؤون السياسية الا بالحدود الذي يريدها الحاكم. لذلك كان الفقيه الذي لا يمالىء السلطان مغضوبا عليه من السلطة ويلاحق ويسجن. و يمكن الاشارة أيضا أن تعبير "فقهاء السلاطين" ظهر فقط للدلالة على أنه لم يكن هناك من سلطة لرجال الدين على الحكام. فرجل الدين اما أن يخدم السلطان، اما أن ينزوي، فيصبح مطوبا شعبيا على حد تعبير المسيحيين. وهناك الكثير من الأمثلة على ذلك. نكتفي بذكر أحمد بن حنبل وابن تيمية والعز بن عبد السلام. بينما في أوروبا كانت الكنيسة تمارس السلطة بكل تفاصيلها. فالامبراطور لا يطوب أو يمارس صلاحياته الا بموافقة البابا كما وأن للبابا الحق بعزله عندما يرى ذلك ضروريا، كما وأن الكنيسة كانت أكبر الاقطاعيين؛ ربما هذا ما أعطاها السلطات التي ذكرناها. وعلينا أن نشير الى أن الكنيسة في بلادنا لم تكن على نمط الكنيسة الأوروبية. من هنا فالكلام عن العلمانية أو فصل الدين عن الدولة كلام لا يستهوي الا أولئك المتأثرين بالفكر الغربي أو الذين يعيشون مشاكل المجتمع الغربي في بلادنا و ذلك لغربتهم عن مجتمعاتهم. (ح.م)
ثالثاً: يقوم المجتمع المدني على أساس احترام حقوق الإنسان، وهي جزئياً الحقوق السياسية، ومضمونها يكمن في المشاركة السياسية في الدولة. ومن هذا المنظار، فهي تدخل في مقولة الحرية السياسية. وحقوق الإنسان هي حقوق عضو المجتمع المدني المتحرر سياسياً، أي حقوق الإنسان الأناني، أو الفرد البرجوازي. أما مرتكزات إعلان حقوق الإنسان، فتتمثل في المساواة السياسية والقانونية، والحرية والملكية الخاصة، والأمن. من الناحية التاريخية، والسياسية، والأخلاقية، إن حق الإنسان في الحرية يعني فعلياً وعملياً حق الإنسان في الملكية الخاصة. يقول ماركس معلقاً على هذا الموضوع، "ومن هنا ينجم أن حق الإنسان في الملكية الخاصة هو حقه في الانتفاع بملكه والتصرف به على هواه (à son gré) دون أي علاقة بالناس الآخرين، بصورة مستقلة عن المجتمع، أنه حق المصلحة الشخصية" .‏
رابعا: إذا كان المجتمع المدني ببعده التاريخي العالمي، يشكل الأساس الطبيعي للدولة البرجوازية الحديثة والمعاصرة، فإنه لا يعني بأي حال من الأحوال اعتبار المجتمع المدني هو الليبرالية عينها فقط ....
خامساً: إن المجتمع المدني بهياكله الاقتصادية، وانقساماته الطبقية والفئوية، وتبايناته الاجتماعية وتكويناته السياسية والنقابية، الذي تحكمه مبادىء المواطنة، والمساواة السياسية والقانونية بين الأفراد في الحقوق والواجبات، والمشاركة السياسية من خلال الانتخابات التشريعية، والبلدية والمحلية، لانتخاب الممثلين عنه للاضطلاع بأعباء السلطة في الدولة البرجوازية، باعتبار أن الشعب أو الأمة، هو مصدر السلطات، الذي لا يتحقق كمبدأ، إلا في ظل سيادة الديمقراطية، بوصفها أيضاً الساحة التي يتقاطع فيها المجتمع المدني مع الدولة، فإن هذا المجتمع المدني عينه، هو مجتمع الاختلاف، والتعدد، والتعارض، والتناقض، داخل بنيانه، وهياكله الاجتماعية والسياسية.‏
سادساً: وعندما نؤكد على الجوانب الايجابية والتقدمية للمجتمع المدني، علينا أن نعترف بأن أوروبا الغربية، كانت لحظة تاريخية مهمة كبيرة وحاسمة، وحيوية، في التبلور التاريخي لهذا المجتمع المدني بعمقه العالمي، وإن كان هذا الاعتراف ليس مقترناً بالنزعة التماثلية، أو بالتبعية للمركزية الأوروبية، بقدر ما هو نابع من منهج نظري، يتخذ من الجدل ركيزة أساس في بنيانه الداخلي. (ياسر و غليون بتصرف)
ماركس والمجتمع المدني:
ان الماركسية، التي ترعرعت في موروث الفلسفة الليبرالية الكلاسيكية الأوروبية، شكلت تحولاً تاريخياً على نحو متواصل، وقفزة ثورية وفق نمط مترابط منطقياً، حيث أبدعت جدلاً نوعياً جديداً في غمار النضال الثوري (كذا! ح.م). كان الاقتصاد السياسي الانكليزي، والاشتراكية الفرنسية، والفلسفة الكلاسيكية الألمانية، هي المصادر النظرية الأساسية للفلسفة الماركسية بما فيها منجزات هيغل الجدلية.
يستخدم ماركس مصطلح المجتمع المدني بطريقتين، الأولى وردت في " المسألة اليهودية" حيث المجتمع المدني، هنا، كحياة مادية خاصة مقابلة للحياة العامة والمجردة للدولة الحديثة، حيث يتم التحديد، هنا، بالتقابل (التعريف بالنقيض)، والمجتمع المدني هذا هو المجتمع البرجوازي. أما في " الايديولوجيا الالمانية " فإن ماركس يماثل بين المجتمع المدني وعلاقات الانتاج التي تشمل العلاقات الاقتصادية (علاقات السوق) والعلاقات الاجتماعية، أي علاقات الملكية الخاصة.
وفي المؤلفات اللاحقة وخاصة في " رأس المال "، يستغني ماركس عن مصطلح المجتمع المدني كبنية تحتية ويبقي على مفهوم علاقات الانتاج الاجتماعية – الاقتصادية كمسرح للتاريخ. أي على اعتبار أن التاريخ أساسا هو الانتقال من شكل سائد للملكية الخاصة الى شكل جديد. هذا التخلي عن المفهوم جاء على أساس التحضير النظري لقلب السلطة البرجوازية وتحطيم سلطتها ومعها مجتمعها المغترب – مجتمعها المدني.
ترتبط مفاهيم " المجتمع المدني " و " الديمقراطية " بسياق محدد وهو الذي يسمح ببروز مفهوم " المواطن " أو "الفرد ". هذا السياق هو الذي " يختزل الانسان الى عضو في المجتمع البرجوازي " والى الفرد الأناني المستقل من جهة، والمواطن، الشخص المعنوي من جهة اخرى، على حد تعبير ماركس. وليس هذا السياق التاريخي غير العصر الذي يصبح فيه الفرد متساويا (من الناحية الحقوقية على الاقل) مع كل فرد وآخر، فينزل الى حلبة الحياة مجردا من انتمائه الى العشيرة أو الطائفة، أو الملة.
كتب ماركس في مقدمة كتاب: " مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي "، يقول"... وساقتني أبحاثي إلى النتيجة التالية، وهي أن العلاقات الحقوقية، شأنها بالضبط شأن أشكال الدولة لا يمكن فهمها، لا بحكم ذاتها، ولا بحكم ما يسمى التطور العام للروح البشرية، وإنما على العكس، تمد جذورها في العلاقات الحياتية المادية التي يسمي هيغل، مجموعها "بالمجتمع المدني" على غرار ما فعل الكتاب الانجليز والفرنسيون من القرن الثامن عشر، وأنه ينبغي البحث عن تشريح المجتمع المدني" . بينما ماكس ڤيبر MAX WEBER يرجع ظهور الفكر الرأسمالي إلى الخلفيات الدينية والبروتستانتية، ومن ثم يدافع ماكس ڤيبر عن العوامل الروحية والدينية في تحريك المادية التاريخية، وهذه النظرية هي تماما نقيض نظرية ماركس.(علينا تذكر بوش والمسيحية المتصهينة المميزة لادارته). أنا لا أوافق ماكس فيبر فأقول أن الحركة البروتستاتية ما هي الا تعبير ايديولوجي لصعود الطبقة البورجوازية. فالبورجوازية حاربت الكنيسة الاقطاعية ومارتن لوثر قام بالاصلاح الديني أي حارب الكنيسة ايديولوجيا كدعم للبورجوازية الصاعدة. علينا ملاحظة أن الاصلاح الديني بدأ في ألمانيا وأول من تبنى رسميا البروتستانتية كانت بريطانيا، ذلك انها أول دولة انتقلت من الاقطاعية الى البورجوازية.
إن مفهوم المجتمع المدني قد اكتسب في الرؤية الماركسية معنىً مادياً نأى به عن المفهوم المعرفي البحت، ومعنىً ثورياً ليتحول في العمل اليومي الى سلاح سياسي ضد السلطة الاستبدادية. ويقطع كل من ماركس وانجلز بالمفهوم شوطاً جديداً في الايديولوجية الالمانية (1864) حين يصبح مفهوماً تاريخياً عالمياً مرتبطاً بالمجتمع الرأسمالي، ومتطوراً بتطور طبقة البرجوازية، وإنتقال قاعدتها الانتاجية من درجة الى درجة أخرى أكثر تقدماً.
ففي نظر ماركس إن مشروع التحرير السياسي الذي قامت به البرجوازية بالفعل عندما نقلت المجتمعات من النظام القديم إلى النظام الحديث ليس في العمق إلا مشروع استلاب جديد. بل إن السياسة هي في قلب هذا الاستلاب وهي تجسد أعظم أشكال هذا الاستلاب (اغتراب أو aliénation ). ففي اللحظة ذاتها التي خلقت فيها برجوازية الدولة كمجال للعام، خلقت أيضاً مجال الخاص. وبذلك قضت على الفرد بالتصدع أو الانشقاق في ذاته وهويته نفسها بين ماهيتين متنابذتين ولا يمكن التوفيق بينهما، ماهيته كمواطن، وماهيته كمنتج. فالعام (المواطنية وما تعنيه من حق المساواة) فيه يعيش حالة صدام ونزاع مستمر مع الحقيقة الانتاجية الاجتماعية الفعلية ( اي كعامل مستغل من قبل رب العمل) التي تعني التفاوت والتباين الشديدين في شروط الحياة والعيش والممارسة. لذلك سوف يقول إن الحرية التي تعكسها المواطنية التسووية هنا شكلية تماماً، ولن يكون هناك تحرر حقيقي للفرد إلا عندما تتوافق شروط الحرية السياسية مع شروط الحرية الاجتماعية (أي القضاء على الاستغلال).
ومن جهة اخرى لابد من الاشارة الى أن النتيجة التي توصل إليها ماركس في نقده فلسفة الحق العام عند هيغل، هي مسألة الانفصال بين المجتمع المدني والدولة السياسية، الذي يتم في العالم البرجوازي، المترافق مع تأكيد سلطة البرجوازية كطبقة مسيطرة.

‏ المجتمع المدني عند غرامشي:
في النصف الأول من القرن العشرين تم تطوير مفهوم المجتمع المدني. وغرامشي هو الذي ترك أكبر الأثر على المفهوم كما يستخدم اليوم.
غرامشي وطرح موضوع المجتمع المدني في اطار نظرية السيطرة والهيمنة:
على الصعيد المفاهيمي اعتبر غرامشي المجتمع المدني أحد مكونات البنية الفوقية. ففي أحد النصوص الهامة في "دفاتر السجن" كتب غرامشي قائلاً: " ما نستطيع أن نفعله حتى هذه اللحظة، هو تثبيت مستويين فوقيين أساسيين، الأول يمكن أن يدعى المجتمع المدني، الذي هو مجموع التنظيمات التي تسمى (خاصة) والثاني هو المجتمع السياسي أو الدولة. هذان المستويان ينطويان من جهة أولى على وظيفة الهيمنة حيث إن الطبقة المسيطرة تمارس سيطرتها على المجتمع، ومن جهة ثانية تمارس الهيمنة المباشرة أو دور الحكم من خلال الدولة أو الحكومة الشرعية ".
ويضيف في مكان آخر قائلاً: " ينبغي الانتباه الى أن في مفهوم الدولة العام عناصر ينبغي ردها الى المجتمع المدني، إذ أن الدولة تعني: المجتمع السياسي + المجتمع المدني، أي الهيمنة المدرعة بالعنف " . ويضيف " لا ينبغي أن يفهم بكلمة دولة جهاز الحكم فحسب، بل جهاز الهيمنة الخاص أو المجتمع المدني " .
الدولة، حسب رأي غرامشي، هي المجتمع السياسي (سلطة الدولة) زائداً المجتمع المدني (الحقل الايديولوجي أو الاجهزة الاعلامية والتربوية للدولة البرجوازية الحديثة).
ومن جهة ثانية أدخل غرامشي قطيعة جديدة في المضمون الدلالي sémantique
لمفهوم المجتمع المدني، بإعتباره فضاءً للتنافس الايديولوجي. فإذا كان المجتمع السياسي حيزاً للسيطرة بواسطة سلطة الدولة، فإن المجتمع المدني فضاء للهيمنة Hégémonie الثقافية الايديولوجية، ووظيفة الهيمنة، هي وظيفة توجيهية للسلطة الرمزية التي تُمارس بواسطة التنظيمات التي تدعي أنها خاصة مثل النقابات والمدارس ودور العبادة والهيئات الثقافية المختلفة.
بهذا يكون غرامشي أول من استعمل مفهوم الهيمنة بمعنى القيادة، وايجاد سياسة ثقافية تهدف الى تنسيق وتوحيد مواقف الفئات والطبقات الاجتماعية كمقدمة لا بد منها لتحقيق السيادة، وذلك من خلال فاعلية الحزب "المثقف الجمعي"، كما يسميه غرامشي، وقدرته على حشد وتعبئة كل أصحاب المصلحة في التغيير تحت قيادته، وذلك لأنه يحمل لواء الاصلاح والتغيير، ويسعى لنشر آليات هيمنته الثقافية والسياسية على كامل المجتمع. هكذا يرى غرامشي على غرار ابن خلدون أن المطاولة الثقافية هي أساس وشروط المطاولة السياسية. (برهان غليون)
ويقول إنه في مثل هذه الأوقات، ابتعاد أفق الثورة الاجتماعية ، لا تكون هنالك معارك مباشرة بين الطبقات، ويتحول الصراع الطبقي الى "حرب مواقع"، وتصبح " الجبهة الثقافية " هي الميدان الرئيسي للنزاع .
وبالنسبة لغرامشي سواء كان ذلك في كتابه " الأمير الحديث " أو " دفاتر السجن " هناك مجالان رئيسيان يضمنان استقرار سيطرة البرجوازية ونظامها. المجال الأول هو مجال الدولة وما تملكه من أجهزة، وفيه تتحقق السيطرة المباشرة، أي السياسية، والمجال الثاني هو مجال المجتمع المدني وما يمثله من أحزاب ونقابات وجمعيات ووسائل إعلام ومدارس ومساجد أو كنائس إلخ، وفيه تتحقق وظيفة ثانية لا بد منها لبقاء أي نظام هي الهيمنة الايديولوجية والثقافية. ولذلك لا يكفي للوصول إلى السلطة، في نظر غرامشي، والاحتفاظ بها السيطرة على جهاز الدولة ولكن لا بد من تحقيق الهيمنة على المجتمع، ولا يتم ذلك إلا من خلال منظمات المجتمع المدني وعبر العمل الثقافي بالدرجة الرئيسية.. ففي مقابل استراتيجية الانقلاب العسكري أو شبه العسكري يقترح غرامشي عملية التربية والتعبئة الشاملة للمجتمع، أي السيطرة التدريجية والفكرية على الأطر التي تنظم علاقاته اليومية. ففي منظور غرامشي المجتمع المدني هو المجال الذي تتجلى فيه وظيفة الهيمنة الاجتماعية مقابل المجتمع السياسي أو الدولة الذي تتجلى فيه وتتحقق وظيفة السيطرة أو القيادة السياسية المباشرة. ولأن الهيمنة مرتبطة بالايديولوجية فإن المثقفين هم أداتها. ومن هنا جاءت حاجة غرامشي لإعادة تعريف المثقف وتحليل دوره والرهان الكبير الذي وضعه عليه في التحويل الاجتماعي.
لكن المراهنة على المجتمع المدني لم تلغ عند غرامشي دور الدولة ولا أهمية السيطرة عليها. فالعمل في إطار المجتمع المدني هو جزء من العمل في إطار الدولة وسياسة التحويل الدولوية (étatique ). لذلك لا قيمة للمثقف عند غرامشي ولا ضمانة لفاعليته إلا إذا كان عضوياً، أي إذا ارتبط بمشروع سياسي لطبقة ما، تماماً كما أن الهيمنة لا قيمة لها إلا كجزء أو مستوىً من مستويات العمل لتحقيق السيطرة الاجتماعية. إنها ليست منافيةً للسياسة ولكن مكملةً لها، وإن كانت متميزةً عنها. فالمجتمع المدني والمجتمع السياسي أو الدولة يسيران جنباً إلى جنب ويجمع بينهما في كل نظام وحدة ديناميكية السيطرة الاجتماعية.
يضيف غرامشي فيقول : تبنى الهيمنة، كما يعاد انتاجها، ضمن شبكة من المؤسسات يسميها بالمجتمع المدني تميزاً لها عن الجانب القمعي للدولة. المجتمع المدني، إذن، هو تلك التنظيمات ذات الطابع غير الحكومي : النقابات، المدرسة، الأحزاب .... الخ، وهذه تنظيمات طوعية تفعل فعلها عن طريق الاقناع أي من خلال الايديولوجيا. وبخلاف هذه التنظيمات، تشكل مؤسسات الدولة : الادارات، الجيش، الشرطة، القضاء، ما يسمى بالمجتمع السياسي، الذي يفعل فعله عن طريق القهر (السيطرة).

المجتمع المدني في المفهوم المعاصر:
ان الاستخدام المعاصر لمفهوم المجتمع المدني قد مر بثلاث فترات رئيسية.
الفترة الأولى: هي فترة الانفتاح على المجتمع المدني من قبل الأحزاب والقوى والنظم السياسية بهدف ضخ دم جديد في السياسة وإضفاء طابع شعبي عليها بدأت تفقده مع بقرطتها (من بيروقراطية) وتقنرطتها (من تكنوقراطية).
أما الفترة الثانية: فهي فترة التعامل مع المجتمع المدني بوصفه منظمات مستقلة موازية للدولة ومشاركة في تحقيق الكثير من المهام التي تهم هذه الأخيرة بالتراجع عنها. وهذا المفهوم يتوافق مع انتشار مفهوم العولمة والانتقال نحو مجتمع يحكم نفسه بنفسه ويتحمل هو ذاته مسؤولية إدارة معظم شؤونه الأساسية. وقد استخدمت " الدول الديمقراطية " مفهوم المجتمع المدني في هذه الحالة للتغطية على عجزها المتزايد عن الايفاء بالوعود التي كانت قد قطعتها على نفسها وتبرير الانسحاب من ميادين نشاط بقيت لفترة طويلة مرتبطةً بها لكنها أصبحت مكلفةً، ولا يتفق الالتزام بالاستمرار في تلبيتها على حساب الدولة مع متطلبات المنافسة التجارية الكبيرة التي يبعثها الاندراج في سوق عالمية واحدة والتنافس على التخفيض الأقصى لتكاليف الانتاج.
أما الفترة الثالثة: فهي فترة طفرة المجتمع المدني إلى قطب قائم بذاته ومركز لقيادة وسلطة اجتماعية، على مستوى التنظيم العالمي بشكل خاص، في مواجهة القطب الذي تمثله الدولة- الدول المتآلفة في إطار سياسات العولمة والنازعة إلى الخضوع بشكل أكبر فأكبر في منطق عملها للحسابات التجارية والاقتصادية.(ياسر و غليون –بتصرف)
ملاحظة حول الدولة القومية: جاء عند الدكتور برهان غليون وهو استاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر، السوربون، باريس وكاتب سياسي مشهور ما يلي: . فالمواطنية التي تمثل في نظري أساس وروح الفكرة القومية الحديثة كانت الثمن الضروري والحتمي لتكوين ولاء جديد يمحو الولاءات العصبوية السابقة ويسمح بإقامة مجتمعات مدنية كبرى قادرة على خلق شروط تطور الحضارة الصناعية والتقنية. وهذه المجتمعات أو الجماعات الجديدة المشتركة في ولاء واحد والمتضامنة في إطار الدولة وليس الكنيسة أو العصبية القروية والعشائرية ليست سوى الأمة بالمعنى الحديث للكلمة. وقد نجحت الأمة من حيث هي تجديد لقواعد الاجتماع المدني البشري في تكوين كيانات سياسية وبشرية كبيرة ومستقرة لا تخضع في استمرارها لقوة الشوكة ولا تحتاج من أجل ضمان استمرارها و أو توسعها إلى شن الحروب الدائمة واستنزاف موارد المجتمع. وفي ظل هذه الكيانات السياسية الجديدة، أعني الدول القومية، سوف تتحقق أكبر عملية تراكم اقتصادي وتقني وعلمي وثقافي في التاريخ، وذلك بالرغم من الحروب والنزاعات العديدة التي سوف ترافق تكوين النظام القومي العالمي واستقراره.
نقول بأن السياق التاريخي يكذب ما جاء عند الأستاذ غليون. فالدولة القومية نشأت كتلبية لحاجات توسع المجتمع البورجوازي الناشىء وهذا واضح في نشوء الوحدة الايطالية والوحدة الألمانية ، هذا أولاً أما ثانياً كيف يفسر الدكتور غليون اتجاه الدول الكبيرة حتى ذات القوميات المختلفة الى التوحد (الاتحاد الأوروبي، مؤتمر شنغهاي وفيه أكبر دول العالم قاطبةً الصين والهند وروسيا، ونشير أيضاً الى حركة هوغو شافيز في أمريكا اللاتينية وأخيراً لماذا لم تتوحد الدول العربية).
دور المثقف حسب ماركس:
يعتبر ماركس بأن الطبقة المنوط بها تحرير المجتمع هي البروليتاريا. (البروليتاري هو العامل الذي قطع الخيط السري الذي يربطه بالأرض حسب تعبير انجلز في كتابه أنتي- دوهرينغ). و حيث أن هذه الطبقة (البروليتاريا) ليس بامكانها فهم تناقضات المجتمع البورجوازي، فالمثقف الثوري هو الذي عليه القيام بهذه المهمة التاريخية. والمثقف ينتمي الى الطبقة البورجوازية ( الصغيرة)، من هنا فهو يتنكر لطبقته ويناضل مع البروليتاريا للوصول الى تملك المجتمع لوسائل الانتاج.
وهناك مثقفون ينتمون الى الطبقة التي تم القضاء عليها (الاقطاعية) يلعبون دوراً تقدمياً بشكل أو بآخر. جاء في البيان الشيوعي: “وجدت الأرستقراطية الفرنسية نفسها محكوماً عليها ، بحكم وضعها التاريخي ذاته، بأن تهجو المجتمع البورجوازيّ الحديث. فأمام هذا الوصولي الكريه ( المقصود البورجوازي) خسرت مرة أخرى معركتها في ثورة 1830 الفرنسية وفي الحركة الإصلاحية الإنكليزية 1831، وبما أن النضال السياسي الجدي لم يعد، بالنسبة إليها وارداً، فلم يبق أمامها غير ميدان المعركة الأدبية. وحتى في ميدان الأدب كان إنشاء عهد الردة الملكية قد غدا مستحيلاً. كان على الأرستقراطية، لكي تحرك مشاعر التعاطف معها، أن تتخلى ظاهرياً عن مصالحها الخاصة، وأن تصوغ قرار اتهامها للبورجوازية دفاعاً عن مصالح الطبقة العاملة المستَغلّة فقط. وهكذا وفرت لنفسها لذة إنشاد هجاء سيدها الجديد في أغان مقذعة، ولذة الهمس في أذنيه بنبوءات مفعمة إلى حد قليل أو كثير بالتشاؤم". و من أهم هؤلاء كان بلزاك.

دور المثقف حسب غرامشي :
”القديم يحتضر والجديد لا يستطيع أن يولد بعد. في هذا الفاصل تظهر أعراض مرضية كثيرة وعظيمة في تنوعها”
"بوسعنا القول ان كل الناس مثقفون، ولكن لايقوم كل الناس داخل المجتمع بتلك الوظفية، وظيفة المثقف".
يتحدث غرامشي عن المثقف العضوي. فالمثقف العضوي عند غرامشي هو المثقف الذي تخلى نهائياً عن طبقته وارتبط عضوياً بطبقة ما أخرى.
جاء ما تقدم في "كراسات السجن". كانت الكراسات استمراراً لنضال غرامشي الثوري، وكانت كما وصفها غرامشي نفسه: “بؤرة حياتي الداخلية”.
المثقفون ينفصلون عن الطبقة السائدة لكي يتحدوا بها اتحاداً أوثق، لكي يكوّنوا بنية فوقية حقيقية، لا مجرد عنصر غير عضوي، وغير متمايز من البنية الاقتصادية، إنها حركة استيعاب الاقتصادي وتجاوزه أو رفعه إلى مستوى السياسي، إلى مستوى المهمة التاريخية للطبقة المعنية.
العضويّة تعني التمايز عن البنية الاقتصادية والارتباط بها من الجهة الثانية. وكلمة عضو organe تعني لسان حال كالجريدة أو المجلة تكون ناطقة بلسان حزب أو جماعة. وكلمة عضو تعني أيضاً تميز العضو في وظيفته داخل الكلية العضوية. إن سمة العضوية تماثل تماماً علاقة الفكر بالدماغ البشري والأعضاء الأخرى.
يأتي استقلال المثقفين العضويين النسبي عن الطبقة التي ينتظمون بها، من دور المثقفين الضروري كمنظمين ومربين وعلماء وباحثين ومحققي تجانس الطبقة في المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويأتي استقلالهم أيضاً من أن المنظمة التي تربط المثقف بالطبقة هي ذات المنظمة التي تفصله عنها، وتعطيه نوعاً من الاستقلالية.
الصفة العضوية للمثقف منوطة بدرجة ارتباط التنظيم الذي ينتمي إليه مع الطبقة التي يمثلها هذا التنظيم، لكن هذه العلاقة العضوية منوطة بأمر آخر وهو المكانة التي يشغلها المثقف في المنظمات الطبقية للمجتمع المدني )منظمات الهيمنة أو المنظمات الاقتصادية / الحرفية) والمجتمع السياسي (أجهزة الدولة).
فمعلم المدرسة أقل عضوية من عضو في حزب النظام . وزعيم هذا الحزب أكثر عضوية في تعبيره عن مصالح طبقته السياسية من عضو طارئ وعادي.
تراتب المثقفين:
لدينا أربعة أنماط من المثقفين: 1- الباحث (العالم)، منتج العلم أو منتج معرفة جديدة. 2- المربي، المنظر أو الداعية لفكرة بعينها أو لمذهب بعينه ويسميه غرامشي بـ عضو الحزب الأيديولوجي 3- منظم الهيمنة، عضو الحزب السياسي 4- منظم الإكراه، أو عضو الدولة بالمعنى الإداري والعسكري. ويوجد نوع خامس من المثقفين الاقتصاديين / الحرفيين وهم التقنيون.
توجد ضرورة رصد التراتب الذي يربط المثقفين من نمط واحد: مثلاً تقوم فوارق في نظام التربية الحديثة ملموسة بين أساتذة الجامعات من جهة وبين المدرسين في المدارس ما قبل الجامعية من جهة أخرى. المدرسون بحكم قربهم من الجماهير الشعبية يمكنهم بسهولة أن ينشدّوا إلى القوى التقدمية في المراحل الثورية أو فترات الأزمة العامة للطبقة المسيطرة. بينما تتعزز الميول الرجعية لدى أساتذة الجامعات بشكل إجمالي. هذا لا ينفي ظهور حالات فردية مفارقة. بالطبع ليس كل من يعمل في المدرسة مثقفاً، وليس كل من يعمل في الجامعة مثقفاً أيضاً.
يعارض غرامشي المثقفين الذين تنتجهم البورجوازية الصغيرة الريفية بالمثقفين الذين تنتجهم البورجوازية الصغيرة المدينية. فهؤلاء الأخيرون هم تقنيو الصناعة، وبصفتهم هذه هم المثقفون العضويون للبورجوازية الصناعية .
غرامشي يعرف العضويّة بالارتباط مع الطبقة المعنية بذاتها، ويعود ليعرف العضويّة بالتقابل بين مثقفي طبقة صاعدة تاريخياً وأخرى في طور انحطاط لهيمنتها التاريخية ولمشروعها الإنساني المستقبلي (كما جاء في البيان الشيوعي).
يقول غرامشي في سياق الحديث عن رجال الدين كمثقفين تقليديين في العصر البورجوازي: “يمكن الربط بسهولة بين الفلسفة المثالية ككل، ووضع التركيبة الاجتماعية للمثقفين . ويمكن تعريف الفلسفة المثالية بأنها تعبير عن تلك اليوتوبيا (الخيالية أو الغير واقعية أو المثالية Utopie (الاجتماعية التي تصور فيها المثقفون أنهم “مستقلون” ومتميزون، وأن لهم شخصيتهم الخاصة أو ما يسمى “روح الفريق” الخ..” . المثالية بهذا المعنى فكر شطح وفشل في العودة إلى الواقع الذي جُرّد على أساسه، والفكر المثالي تضخيم لجانب من جوانب واقع معقد. يكتب لينين في دفاتر حول الديالكتيك: “المثالية الفلسفية ليست سوى حماقة من وجهة نظر مادية فظة، مبسطة، ميتافيزيقية. فبالعكس، من وجهة نظر الديالكتيك الماديّ ، المثالية الفلسفية هي إنماء أحادي الجانب، مبالغ فيه “مفرط، فوق الحد، فياض” (على حد تعبير ديتسغن)، تضخم ، تورم، لإحدى العلامات الصغيرة، لأحد الجوانب، لأحد وجوه المعرفة، الذي يصبح على هذا النحو مطلقاً، مفصولاً عن المادة، عن الطبيعة، مؤلهاً”.
في تحديده للمثقفين ينبّه غرامشي إلى أن التحديد ليس باطنياً أو بذاته، ليس في الطبيعة الجوهرية لأنشطة المثقفين، التي هي النشاط الذهني. بل في نسق العلاقات الاجتماعية الذي تجري فيه هذه الأنشطة. فالعامل أو البروليتاري لا يميز بأنه يقوم بجهد أو عمل عضلي “وإنما في أدائه لهذا العمل في ظل ظروف معينة وعلاقات اجتماعية محددة”. المثقف يتميز بوظيفته كمثقف في مجتمع محدد. كل عمل مهما كان بدائياً، يوجد فيه إلى حد ما، شيء من النشاط الذهني. ولكن ليس كل نشاط ذهني يقوم بوظيفة المثقف. يقول غرامشي: "عندما نميز بين المثقفين وغير المثقفين فإننا في الحقيقة نشير فقط إلى الوظيفة الاجتماعية المباشرة” . إذا كان بإمكاننا الحديث عن المثقفين، فإنه لا يمكننا الحديث عن غير المثقفين لأنه لا وجود لهم.
“ لم يعد أسلوب المثقف الجديد يعتمد على البلاغة التي هي محرك خارجي مؤقت للمشاعر والعواطف، بل أصبح يعتمد على المشاركة الإيجابية في الحياة العملية كبان ومنظم لها”. “إن أهم ما يميز أية جماعة تتجه إلى السيطرة، هو نضالها من أجل استيعاب المثقفين التقليديين وإخضاعهم أيديولوجياً. غير أن هذا يتحقق على نحو أسرع وأفعل إذا ما نجحت في الوقت نفسه في إعداد مثقفيها العضويين”.
إن ظاهرة أمريكا اللاتينية تؤكد ملاحظة غرامشي التي تشير إلى وجود ثلاث مراتب أو درجات ضمن الدين الواحد: كبار رجال الدين، رجال الدين اليساريين، والشعب كأفراد متدينين. يكتب غرامشي: ويصل هذا الاختلاف في شرقي آسيا إلى حد لا يصدقه عقل، حيث لا علاقة البتة لدين الشعب بدين الكتب وإن حملا ذات الاسم.

الاسلام والمثقف:
أنا أعتبر أن أفضل من فهم المجتمع المدني على الاطلاق هو أنطونيو غرامشي، كما وأنه أفضل من فهم دور المثقف في المجتمع. وليس من مفهوم أسمى وأرفع من مفهوم غرامشي حسب زعمي الا المفهوم الاسلامي للمثقف و دوره .
ينطلق ديننا الحنيف من أنه "لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". كما وأنه ينطلق أيضا من أنه "انما يخشى الله من عباده العلماء". وانطلاقاً من أنه "وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون"، نصل الى الأساس، الى الاسلام الذي يعلمنا العبادة التي توصلنا الى حيث نحب ان نصل، الى الخلد. الى الجنة . من هنا "اعلم أنه لا اله الا الله". فلا اله الا الله علم نتعلمه. ما من شيء في هذه الأرض والسماء الا ويؤكد هذه المسلمة لا اله الا الله.
والثنائية تسيطر في هذه الأرض، وحدة التناقض كما يقول ماركس. الخير والشر الجنة والنار وحتى الخلد له طريقان: الطريق الشيطاني والطريق الالهي. ومما لا شك فيه أن الخلود الرباني مختلف في طبيعته عن الخلود الشيطاني: جاء ابليس الى آدم ليدله على "شجرة الخلد وملك لا يبلى". "فاكلا منها وبدت لهما سوآتهما وراحا يخصفان عليهما من ورق الجنة" "وعصى آدم ربه فغوى". وكانت النتيجة أن "اهبطا منها جميعا". و"بعضكم لبعض عدو" "ولا نزال مختلفين". ووصل آدم الى الخلود الابليسي وهو التكاثر التي يشترك فيه الانسان والحيوان والنبات. فالخلود هو عبر النوع وليس للانسان الفرد.
لنعد الى صورة المثقف في ديننا الحنيف. من المؤكد أن هذه الصفة لم تأت كما نلفظها نحن. فاللغة كائن حي تتطور كما يتطور من يستعملها لذلك نتحدث عن المعنى المعجمي والمعنى الدلالي. وحسب زعمي فان صفة الشاهد التي يستعملها القرآن يمكن أن تتطابق مع مفهوم المثقف الذي أريده. يقول رب العزة : "هذا بلاغ للناس وهدىً وموعظة للمتقين". الى ان يقول "لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا". الشهداء على الناس هم القادة ، الذين بامكانهم قيادة الناس لما فيه خيرهم أي خير الناس وخير الشهداء من ناحية ثانية. لأن الخير الذي يريده الله للناس ليس ذلك الذي نفتش عنه في الشهوة الخفية أو غيرها من الغوايات التي أرادها الشيطان للانسان كما في قصة آدم عليه السلام الذي عصى فغوى. الله تبارك وتعالى يريد من الانسان أن يحقق انسانيته، لذلك ما على هذا الانسان الا النظر الى أعلى، الى المعاني السامية الى الرسالات. يقول تبارك وتعالى "انا عرضنا الأمانة على السماوات والجبال والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان"... فالانسان الذي يطيع الله، الذي يقود الناس، الشاهد، المثقف العضوي حسب تعبير غرامشي هو حامل الرسالة، هو من يريد ان يغير الواقع الكفري الى واقع ايماني، الواقع الذي يحقق مصالح الناس في الدنيا والآخرة. فالدين ما هو الا معطىً الهي فيه تتحقق سعادة الانسان في الحال والمآل. ومن ذا الذي عليه ارشاد الناس الى مصالحهم ان لم يكن المثقف الذي وعى رسالة الاسلام واستوعب السنن الالهية، السنن الاجتماعية التي من خلالها ومن خلالها فقط تكون سعادة الانسان.
لن أطيل في هذا الموضوع. انما أريد أن أسأل ما الذي علينا فعله في مجتمعاتنا الصغيرة التي ننتمي اليها سواء كنا ملتزمين ايمانياً أو كنا ملتزمين فكرياً أ و كنا نريد أن نحقق انسانيتنا كما أراد الله للانسان أي انسان، كافراً كان او مؤمناً، فالله تبارك وتعالى لم يعط الخير للمؤمن فقط انما أعطاه لكل الناس لأنهم جميعهم من خلقه "كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظورا".
في هذا المجال أتذكر ما قالته لي احدى الأخوات هل نحقق ذواتنا بالأكل والشرب ؟ وهل هذا ما يميزنا عن سائر المخلوقات؟ أرسطو يقول العقل وديكارت يقول التفكير وماركس يقول قوة العمل وديننا الحنيف يقول حمل الأمانة.
في هذا الصدد أرى ما كتبه الأستاذ محمود صبري مهماً وحيوياً يقول: "المثقف ينبغي ان يدخل معترك العمل السياسي لا كسياسي محترف يهتم بالثقافة، بل كمثقف محترف يهتم بالسياسة، وهكذا يستطيع ان يحرر نفسه من خدمة (مراكز القوى)، انتماؤه الأساسي،الذي هو أوسع وأهم من أي انتماء أخر، هو الى الفكر والثقافة وليس الى السياسة بل انه يستطيع أن يقلب الآية ويفرض على السياسة أن تنتمي بتبني رؤيته".
وأضيف فأقول: مشكلتان رئيسيتان تواجهان المواطن(هذه المفردة لها معنىً محدد على صعيد علم الاجتماع أو الاقتصاد السياسي ولا أعنيه في هذا المجال) أو لنقل الانسان العربي والمسلم هما مشكلة الانتماء ومشكلة التموضع. فالانتماء بالنسبة للانسان العربي أو المسلم عو انتماء "براني". فهو لا يفعل فعله في هذا الانسان. ولو أنه كذلك لأصبحت حركاته وسكناته تنطلق من فعل انتمائه. ودليلنا على ذلك واضح وضوح الشمس اذا ما أخذنا مثالاً عليه ممارسة الأحزاب القومية أو الحركات القومية منها والاسلامية. فحزب البعث كان يسيطر على الحكم في سوريا والعراق وأعدى كيانان لبعضهما البعض كانا سوريا والعراق. واذا أخذنا بعين الاعتبار بأنهما ينطلقان من نفس المنطلقات العقائدية ويطرحان نفس الشعارات القومية فلا نجد امكانية للخلاف بينهما الا أن الانتماء ليس حقيقياً. هذا اذا لم نعرج على الانقسامات بين الحركات التي تطرح نفس الشعارات ولها نفس المنطلقات. حركة القوميين العرب التي انقسمت أكثر من مرة على نفسها؛ وأنتجت على المستوى الفلسطيني الجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية والقيادة العامة. ولا يمكن تفسير ذلك الا بما رحنا الى تسميته الانتماء البراني. أما التفسيرات الايديولوجية التي استخدمتها الأطراف المختلفة تبريراً لانقساماتها فلا تساوي، حسب اعتقادي، ثمن الورق الذي صرف لتأكيد هذه التبريرات.
نأتي على الجبهة الاسلامية، و علينا أن نتنبه هنا الى أن الكلام يتناول الاعتقادات ذات الطابع السياسي والالتنزام على صعيد السياسة العملية وليس على طاعة الله عز وجل من وجهة نظر عقائدية أو ايمانية، "فانما الأعمال بالنيات، وانما لكل امرىء ما نوى....". نقول بأن هناك العديد من الحركات الاسلامية التي تنطلق من نفس المنطلقات وتعود فقهيا الى نفس العلماء ومع ذلك نراهم على صعيد الممارسة السياسية أو الدعوية مختلفين أو متعادين، ولا نرتكب معصية ان قلنا متحاربين. الام يعود هذا؟ لا يمكن تفسير ذلك الا بأن الالتزام لم يفعل فعله بعد في النفوس حتى يتمكن هؤلاء من ممارسة عقيدتهم بالشكل الذي يحقق أهدافهم ويقربهم الى الله عز وعلا أكثر؛ وهذا نتيجةً لما أسميته الانتماء البراني. فالانتماء الحقيقي يجعل امكانية التناقض في الوحدة ممكنة أو متيسرة. فالتناقض على ما نعلم، يمكن أن يختلف كمياً ونوعياً. فتناقضنا مع اسرائيل هو تناقض عدائي لا يمكن حله الا بازالة أحد طرفي التناقض أو بتغيير فعلي للصفة المميزة لأحد طرفي هذا التناقض. فهذا النوع من التناقض هو تناقض نوعي. أما التناقض بين الحركات الاسلامية فهو تناقض من نوع آخر، لنسمه كمياً، و حله لا يكمن بازالة أحد طرفي التناقض كما في حالة اسرائيل والأمة الاسلامية، انما يتم بالتفاهم فيما بين هذه الحركات على حل التناقض فيما بينها، حبياً، أي بالتفاهم وايجاد نقاط اتفاق يمكن العمل عليها وتكبير مساحة العلاقة المشتركة والعمل المشترك؛ وذلك يساهم مساهمةً فعالةً في القضاء على مثل هذا التناقض. أما في حال عدم التمكن من ايجاد الوحدة ضمن التناقض، فانما يدل ذلك على ما قلناه آنفاً: أعني ضعف الانتماء الجواني، الذي يمكن أن يفعل فعله في تغيير النفوس وبالتالي ترشيد الممارسة الايمانية. لن أطيل في هذا المجال، انما سوف أضرب مثلاً واحداً يليق بهذا المقام (الانتماء الحقيقي الجواني). ورد في السيرة المشرفة أن أبا سفيان بن حرب و أبا سفيان بن الحارث قد أشهرا اسلامهما في نفس اليوم، عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم على مشارف مكة يريد أن يفتحها. وبعد فتح مكة بعدة أيام كانت غزوة حنين، حيث مني المسلمون بهزيمة في بدايتها. وقد صمد مع النبي عليه السلام قلة من المسلمين ومن بينهم أبو سفيان بن الحارث، بينما كان زميله أبو سفيان الآخر يدعو على النبي ويتمنى له الهزيمة. هكذا ورد في السيرة. نقول أن انتماء أحدهما كان برانياً وشكلياً بينما انتماء الآخر كان جوانياً. أو كما قال تبارك وتعالى "انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون ".
أما بالنسبة لمسألة التموضع فنأخذ المثال التالي: (كيف تموضع أتاتورك غربياً وتخلى عن عثمانية الدولة التركية). أقام مصطفى كمال الملقب "أتاتورك" الجمهورية التركية. وكان لابد له أن يعطي هذه الجمهورية الوليدة صفات تميزها عن الدولة التي أقيمت على أنقاضها. راح يفتش عن هوية جديدة غير هويتها الاسلامية. ودعا الى التتريك. هذه الخطوة كانت قفزةً كبيرةً قام بها الحاكم الجديد، ولكنها لم تكن مدروسةً ما يكفي. فالتتريك كان الخطوة الأولى لانبثاق مشاكل كثيرة لم يقم لها مصطفى كمال حساباً. فالأكراد الذين قبلوا بالانضواء تحت راية الدولة العثمانية، قد قبلوا ذلك انطلاقاً من أنها دولة اسلامية وليست دولة قومية. وهذا هو العامل الأساس والحاسم الذي جعل تركيا لا تعاني من هذه المشكلات ابان عثمانيتها. المهم أن أتاتورك أخذ قراراً حاسماً بالتوجه غرباً. ونفذ ما وعد به. غير الحرف التركي من العربي الى اللاتيني، وخفف علاقاته مع جيرانه المسلمين ما أمكنه ذلك. وكان لما قام به انعكاسات سلبية في الجوار العربي. علماً أنه لا يمكننا انكار انبثاق طبقة بورجوازية وطنية ساهمت في بناء اقتصاد تركي. ولكن القضايا الخلافية التي أثارها انتقال أتاتورك الى الغرب على البنية الداخلية التركية على الصعيد الايديولوجي كانت كبيرة، وكذلك الأمور التي ظهرت ولم يكن لها وجود سابقاً، منها قضية لواء الاسكندرون بين سوريا وتركيا، قضية اقتسام مياه دجلة والفرات والعاصي ما بين تركيا، سوريا والعراق وجزئياً لبنان، القضية الكردية التي تتوزعها تركيا، العراق، سوريا وايران....
كما وأنه أثار قضية ذات طابع أوروبي أيضاً هي العلمانية. وهذه قضية ليس لها مكان في عالمنا اذ أنه ليس عندنا كنيسة تتدخل في السياسة وليس "لرجال الدين" أن يحكموا. حيث أنه لم يمر في تاريخ الدول الاسلامية أن حكم الفقهاء أو من يسمون برجال الدين. ومع أنها ليست قضية فعلية، ولكن التركيز عليها من قبل أتاتورك قد زاد الطين بلة بالنسبة للقضايا التي أشرنا اليها سابقاً.
ان ما قام به أتاتورك يدخل ضمن نطاق ما أسميته" التموضع والانتماء". فأتاتورك هذا كان خياره الغرب "فتموضع" مع الغرب وصارت نظرته، وخلفاؤه، نظرة غربية. لذلك لم يجد الحكام الأتراك غضاضة في الاعتراف باسرائيل. علماً أنها قامت على أرض اسلامية، كل مسلم مأمور بالدفاع عنها والجهاد من أجل الدفاع عن حياضها. وكانت تركيا "المنتمية" و "المتموضعة" مع الغرب الكيان المسلم الوحيد الذي اعترف باسرائيل؛ الى أن قررت بعض الدول "الاسلامية" الالتحاق بالغرب واعترفت باسرائيل أيضاً مثال مصر والأردن وسلطة محمود عباس.

قبل أن أختم أريد أن أذكركم بالتفاتة أراها رائعة لجان بول سارتر جاءت في روايته "سن الرشد" "L'âge de raison " يقول أحد الشخصيات لصاحبه أنه انتسب للحزب الشيوعي. فيقول له صاحبه لقد انتهيت كموجود. والمعني بالوجود هنا هو existence الوجود وليس être الكينونة كما في التعابير الفلسفية. فحسب سارتر عملية الاختيار تكون مستمرة وليست لمرة واحدة. كانت الآيات تزيد المؤمنين ايماناً على ايمانهم. "يا أيها الذين آمنوا آمنوا".
يقول كامل الدلفي رئيس مركز الآن للثقافة الديمقراطية:
ان البوليتكا (السياسة) بشقيها النظري والعملي تحتاج الى ان تصدر عن وعي مجتمعي وبراديغما (خلفية أو مثال) (paradigme ) حضارية من أجل أن تتمكن للوصول الى علة المشكلات وارتفاع ورقي في الأداء في مواجهة المعضلة .
لقد تعرضت قدسية المعنى في بلادنا الى التشيؤ (أي جعلها شيئاً) والتسعير فان كل شيء بسعر وبثمن وفق انماط الحسابات الرأسمالية الجديدة.
ان المفهوم الاخلاقي (الضمير) حقق تراجعاً في مؤشره الطبيعي ونجد ذلك خاصةً في مجالات نهب الثروة العامة والفساد الاداري والتملق والزيف والتزوير الخ.
وعليه ننبه أن قوة الخلاص هي بأيدينا في بناء مجتمع مدني متطور ، وليس بيد الدولة أو حلفائها الرأسماليين الدوليين لأنهم طالما بحثوا عن خراب هذا المجتمع وابادته ومازالوا .
ان انتاج المثقف العضوي وصلابة عود قوى المجتمع المدني واستمرار تحالفاتها والتنسيق فيما بينها وانهاء حالات الشللية والأنانية في مرافقها والتمسك بروح العمل الجماعي وممارسة النقد الذاتي، والايمان بدور هذه المنظمات وبطابعها التطوعي سينتج لا محالة كتلةً كبيرةً ذات تأثيرات ضاغطة وانتاج سلوكية المراقبة على المؤسسات الحكومية والأحزاب السياسية، حينها يمكن الكلام بطلاقة عن نهاية جدية لما نحن فيه.
(في الأصل محاضرة ألقيت في أحد المنتديات اللبنانية)
حسن محمد ملاط