بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2012

حكومة السيادة والإستقلال


                             حكومة السيادة والإستقلال
حسن ملاط
   تكاد الحكومة اللبنانية الحالية هي الأولى التي تمثل السيادة والإستقلال منذ الربع الأخير من القرن الماضي. أما الإستقلاليون (أعني الذين يدعون تمسكهم بالإستقلال)، لم يشكلوا، ولو لمرة واحدة، حكومة تعبر عن شعاراتهم. فالحكومات التي شكلها هؤلاء، منذ توليهم السلطة، كانت تعبر عن التوازنات العربية وبرعاية أمريكية أولاً وأوروبية ثانياً.
   كيف تحكم هذه الحكومة؟
   يقول أطراف 14 آذار أن الحكومة الحالية كانت نتيجة إنقلاب أطراف الثامن من آذار على إتفاق الدوحة الذي ينص على عدم الإستقالة من حكومة الرئيس سعد الحريري. وحمَلت هذه الأطراف حزب الله المسؤولية. كما وأنها حمَلت المسؤولية لحزب الله بإجبار جنبلاط على اختيار الرئيس نجيب ميقاتي لرئاسة الحكومة.
   المهم أن هذه الحكومة قد شُكلت بعد مخاض عسير وسُميت بحكومة حزب الله، مع أن الحزب لا يشارك إلا بوزيرين اثنين، وأن العدد الأكبر هو للعماد عون. ولكن هذه التسمية من أطراف 14 آذار كانت حتى لا تجد هذه الحكومة قبولاً من الأوروبيين والأمريكان. وكان للرابع عشر من آذار ما أرادت. فقد حوصرت هذه الحكومة من الأوروبيين والأمريكان ومن أتباعهم من الخليجيين. ولكن ماجعل الأمريكان والأوربيين يغيرون رأيهم في الحكومة هو أن رئيسها ما وعد بشيء إلا نفذه مع أنه كان يتناقض مع السياسة المعلنة لحزب الله. والأهم في هذا الموضوع هو تمويل المحكمة الدولية والتجديد لها.
   وفاتنا أن نذكر أن أكثر المعارك التي خيضت ضد الحكومة كانت من أطراف في هذه الحكومة، وعلى وجه الخصوص من جماعة العماد عون. فهو كان يريد أن يستأثر بالحكومة كلها وكذلك يريد أن يفرض رأيه في جميع الأمور. وقد جوبه من قبل الرئيس ميقاتي والرئيس سليمان ووليد جنبلاط، مع أن العماد عون كان مدعوماً من حزب الله. فقد حمل حزب الله العماد عون، كرمى لعيون السوريين، بالرغم من الآثار السلبية التي تركها على الحزب، لأن العماد عون كان يمثل في طروحاته الداخلية الطائفية بأبشع صورها. وهذا ما أثر على الحكومة بشكل سلبي. فقد اعتبر القسم الأكبر من الشارع السني أن العماد عون يريد أن يكسر شوكة السنة، فهو لم يوجه أي انتقاد إلا للسياسيين السنة أو الموظفين الكبار من هذا المذهب.
   ولكن الحكومة صمدت لأسباب عديدة منها:
1 – لاإمكانية لتأليف حكومة أخرى.
2 – الدعم السوري لهذه الحكومة، لأنه لا بديل للميقاتي إلا الميقاتي، فلماذا التغيير إذن؟
3 – الدعم الأوروبي والأمريكي المعلن.
وأخيراً فإن أطراف الإئتلاف الحكومي لا يريدون استبدال هذه الحكومة. كما وعلينا أن لانغفل أن حظوظ أطراف 14 آذار في تشكيل حكومة على المدى المنظور تكاد تكون صفراً.
   حكومة السيادة والإستقلال
   تمكن فرع المعلومات من القبض على وزير سابق مقرب جداً من النظام السوري بتهمة نقل متفجرات بقصد تفجيرها في عكار بقصد إحداث فتنة طائفية بين المسلمين والمسيحيين للفت النظر عن الأحداث في سوريا. لقد قدم الرئيس سليمان دعمه المطلق للواء ريفي والعميد الحسن بالرغم من أن المذكورين مغضوب عليهما من قبل النظام السوري وحلفائه في لبنان. وكذلك فعل الرئيس ميقاتي.
   طالت بعض قذائف الجيش السوري الأراضي اللبنانية، فما كان من الرئيسين سليمان وميقاتي إلا أن طالبوا الطرف السوري باحترام سيادة الأراضي اللبنانية.
   ما ذكرته حصل فعلاً. وهذا لم يحصل في تاريخ العلاقات اللبنانية السورية منذ تسلم الحريريون الحكم، أي منذ 1992. ولكن كل ما حصل لم يمنع أطراف 14 آذار من اتهام الحكومة بالتبعية، مع أن هذا الكلام غير صحيح، ذلك أنهم لم يتمكنوا من إيجاد نغمة أخرى ليعزفوا عليها. كما وأنهم يعلمون حق المعرفة أن ممثلهم في الحكم كان على استعداد تام لتقديم التنازلات الأكثر إيلاماً، كرمى بقائه في الحكم، ولكن الحظ لم يحالفه لتقديم هذه التنازلات.
   ما هي العوامل التي ساعدت هذه الحكومة؟
   هناك عوامل عدة ساعدت الرئيس ميقاتي على التمتع بقسط كبير من الحرية بأخذ القرارات وبتحديد الإتجاهات التي يريدها لحكومته. ومن هذه العوامل:
1 – حالة انعدام الوزن التي تميز النظام السوري حالياً. فهو لا يتمكن من حسم الأمور مع المعارضة في أي منطقة من مناطق سورية. فريف دمشق يطهره من الإرهابيين يومياً إن لم يكن أسبوعياً. وكذلك لم يتمكن من حسم معركة حمص رغم أنه هدمها كلياً تقريباً. ويمكن سحب هذا الكلام على مختلف المناطق السورية.
   هذا الوضع أثر سلباً على حلفاء النظام السوري في لبنان، وخاصة على العماد عون. فقد أصبح صوته خافتاً. علماً أنه كان المميز بخلق المشاكل لرئيس الحكومة ورئيس الجمهورية.
2 – هذا الوضع السوري الذي لم يتمكن أي طرف من أطرافه حسم الصراع لصالحه قد أثر سلباً على حلفاء الطرفين. لذلك نرى بأن جماعة 14 آذار لا يخوضون معركة جدية ضد الحكومة. فهم يعرفون سلفاً أن من غير الممكن إسقاط هذه الحكومة. كما أن رئيس الحكومة يعرف أن كل معركة تخاض ضد هذه الحكومة هي خاسرة قبل بدئها.
أما أطراف 8 آذار فقد تركوا لرئيس الحكومة حرية ممارسة الحكم من دون ضغوطات تشل الحكم وتتلف أعصاب الناس. فكل طرف من هذه الأطراف عنده من المشاكل الداخلية ما يكفيه حتى ينسى الحكومة ومعاركها الغير مجدية.
3 – محاولة الحكومة إيجاد الحلول لبعض المشاكل الإجتماعية ساهم في استقرار الوضع الحكومي نسبياً. فقد صححت هذه الحكومة الأجور، وأصدرت تصحيحاً لسلسلة الرواتب للقطاع العام والمتقاعدين. هذه الأمور ساهمت بخلق نوع من الإرتياح عند قسم كبير من ما يسمى بالطبقة الوسطى التي تفتقر بوتيرة متسارعة. بالرغم من أن هذه الأمور لم ترق للهيئات الإقتصادية (الرأسماليين بجميع تلاوينهم)، علماً أنهم هم المستفيدون من وجود أموال في جيوب الناس لأنه ينشط الدورة الإقتصادية.
   هذه هي أهم العوامل التي أدت بالحكومة إلى التمتع النسبي بالحرية والإستقلالية. وهذا ما جعلنا نطلق عليها حكومة السيادة والإستقلال. كما ويمكننا أن نؤكد أن هذا الوضع سوف يمتد إلى الإنتخابات النيابة في السنة المقبلة على أقل تقدير.
   18 أيلول 2012

الأربعاء، 8 أغسطس 2012

الثورة في الثورة


                                       الثورة في الثورة
                                              أو
                           كيفية الحفاظ على استمرار المقاومة
حسن ملاط
كانت انطلاقة المقاومة الإسلامية في لبنان في لحظة مناسبة جداً. مناسبة لأن المقاومة الفلسطينية كانت قد طُردت من الجنوب بعد معاناة مع الأهالي الذين احتضنوها، نتيجة بعد العديد من كوادر المنظمات عن الروح الثورية وعملهم من أجل مصالحهم الخاصة وابتعادهم الفعلي عن الثورة ومصالح الثورة وضرورات القتال مع العدو الإسرائيلي. كل هذه الأسباب وكثير غيرها قد جعلت أهالي الجنوب يتمنون الساعة التي يرتاحون فيها من هؤلاء الثوار المزيفين.
في هذه اللحظة جاء حزب الله يدعو إلى قتال العدو الصهيوني من أجل تحرير الأرض التي احتلها بعد اجتياح الأراضي اللبنانية. وكان استقبال الأهالي للحزب يليق بالأهداف التي طرحها مبرراً لوجوده.
لم يحد الحزب عن هذه الأهداف، فقد اعتبر التناقض الأساسي والرئيسي مع العدو الصهيوني لذلك عندما حاربه الجيش السوري في ثكنة فتح الله لم يرد على هذا الإعتداء. وكذلك عندما قتلت قوات الأمن اللبنانية ثلاثة عشر شهيداً لم يحارب الجيش اللبناني ولا القوى الأمنية.
في تلك الأثناء لم تكن أية شبهة لانتماء طائفي أو مذهبي تحوم حوله. هذا مع العلم أن الأحزاب اليمينية كانت تتهمه بالعمل على أسلمة لبنان، وذلك من أجل أن تشن الحملات عليه. وتأكيداً على هذا الطابع، فحزب الله عندما شنت القوات السورية حربها الضروس على طرابلس وعلى باب التبانة أعلن تأييده لأهل طرابلس من دون أي لبس. كذلك في حرب المخيمات ما بين أمل والمخيمات الفلسطينية كانت مواقف الحزب مناهضة بالمطلق لهذه الحرب ومؤيدة للفلسطينيين.
بعد تجذرالحزب بين صفوف الطائفة الشيعية وعدم فتحه باب الإنتساب لغير الشيعة اللبنانيين أو غيرهم، أصبح المضمون يطغى على الشكل. وأخذ الحزب طابعه المذهبي. ولم تعمل أدوات الحزب الإعلامية على نفي هذا الطابع. فالمرء يثق بما يعرف ويخشى مما يجهل. علماً أن علاقة الحزب القوية مع حركة التوحيد الإسلامي كانت تمكنه من أن يصل مع هذه الحركة إلى أشكال متطورة جداً من التنسيق، كان من الممكن أن يصل إلى الإندماج. فالحركة كان يحاربها أعداؤها باتهامها بالتشيع. كما وأن المسؤولين الكبار في الحركة كانوا متهمين بالتشيع. ورغم هذا، لم تؤثر هذه الإتهامات سلباً على حركة التوحيد الإسلامي لأن حزب الله لم يكن قد اندمج نهائياً في الطائفة الشيعية، كما وأن الحرب مع العدو الصهيوني كانت يومية. أضف إلى ذلك أن المحاولات التي قامت بها الحركة من أجل الشراكة مع الحزب في محاربة إسرائيل لم تكل رغم الرفض المستمر من قبل الحزب. وهذا الإصرار من قبل حركة التوحيد كان منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي، وكان يتكرر باستمرار، وكانت نتيجته الرفض المطلق.
وحيث أن الشيء بالشيء يذكر، كان هدف حركة التوحيد إعطاء الصراع مع العدو الصهيوني طابعه الإسلامي العام وليس المذهبي، وكان الرفض من حزب الله يقوم على أسباب تتعلق بالبنية العسكرية والأمنية. المهم لم تكن هذه الإجابات ترضي قيادات حركة التوحيد الإسلامي وعلى رأسهم الشيخ سعيد شعبان. ولكن لم تؤثر هذه القضية على التنسيق ما بين الحركة والحزب.
وتطورت قوة الحزب نتيجة اندماجه أكثر مع بيئته الحاضنة ونتيجة التأييد الإسلامي العام لمسيرته النضالية والتأييد من الحركات الوطنية العلمانية. فالقتال مع إسرائيل هو الجواز الذي يدخل منه المرء إلى جميع قلوب العرب والمسلمين. وكان الإنتصار الكبير في 2000 على العدو الصهيوني، والذي انسحب في نتيجته هذا العدو من الجنوب مخذولاً مدحوراً. وجال الحزب بغنائمه الحربية من قتاله مع العدو على جميع المدن اللبنانية. وقد استقبل في طرابلس استقبال الفاتحين، فقد كان فعلاً من الفاتحين.
ماذا فعل الحزب إزاء الإنتصار المدوي الذي حققه على العدو الصهيوني؟
لم يكن انتصار ال2000 هو الإنتصار الكبير الوحيد الذي حققته المقاومة في حربها مع إسرائيل. فانتصارها السياسي في 1996 كان المقدمة الحقيقية لانتصار أيار. فقد أجبرت العدو الصهيوني على توقيع اتفاق يعترف المجتمع الدولي بموجبه بحق المقاومة بقتال العدو، وينزع من العدو حقه بضرب المدنيين الذي كان يمارسه عندما يحلو له ( وهو ليس حقاً طبعاً). وكان الشريك في هذا الإنتصار الرئيس رفيق الحريري الذي بذل جهوداً دبلوماسية مضنية من أجل الوصول إلى هذا الإتفاق، ولكن إعلام الحزب لم يشركه بالإنتصار؟
المهم من كل ما تقدم أن الحزب لم يترجم انتصاره إلى خطة عمل في الداخل اللبناني وعلى الصعيد العربي والإسلامي.
1 – كان على الحزب أن يترجم انتصاره في الداخل بإبعاد العناصر المتآمرة على المقاومة في السلطة اللبنانية، عن دائرة القرار. وهذا ما لم يفعله. على سبيل المثال، كانت محاكمات العملاء محاكمات صورية، برضىً من حزب الله، حتى يرضي البطرك صفير الذي كان يدافع عن العملاء. كما فعل لاحقاً مع فايز كرم، إرضاءً للعماد عون.
2 – لم يوسع دائرة الإستقطاب في الداخل اللبناني بحيث يفتح صفوفه لجميع الراغبين في المقاومة، وخاصة من الذين كانوا يطالبونه باستمرار بإشراكهم في المقاومة.
3 – لم يشكل جبهة عربية مقاومة ضد الكيان الصهيوني، إنما ما حصل هو مؤتمرات تحكي كثيراً وتفعل قليلاً أو لا شيء.
4 – وهو الأهم. فقد تجذرت المقاومة في المجتمع اللبناني، ولم يحاول حزب الله تحويل المجتمع الحاضن للمقاومة إلى مجتمع مقاوم. فالمقاومة تكون على جميع المستويات، الثقافية والفكرية والإقتصادية والعسكرية.... كان الحزب رائعاً على المستوى العسكري والأمني، ولكن ما الذي تغير في الجنوب والبقاع، وهما البيئتان الرئيستان الحاضنتان للمقاومة. فقد كان البقاع يزرع المخدرات ماقبل المقاومة، ولا زال يزرع المخدرات. ما هو المستجد الذي أدخلته المقاومة على البيئة الإقتصادية البقاعية أو الجنوبية؟ لا شيء. هل كان بإمكانها أن تصنع شيئاً؟ نعم كان بإمكانها أن تفعل الكثير. كان يمكنها أن تؤمن القروض للمزارعين الذين يزرعون منتجات تطلبها منهم المقاومة: دوار الشمس، الشمندر السكري، الفواكه.... وتؤسسس مصانع مرتبطة بهذه الزراعات لصالح المزارعين. تؤسس شركات للتجارة الداخلية والخارجية. تزرع القمح كانتاج يؤمن الغذاء بدل من شرائه من الأمريكان، وتشتريه مدعوماً من المزارعين. فبدلاً من أن نعود الناس على الريوع التي تساوي الرشاوى نعودهم على الإنتاج الذي يجعل من المزارع ثورياً مؤمناً مرتبطاً بالله تبارك وتعالى برزقه، ومن ثم بالثورة. وهذا ما يمكن أن يفعله الحزب في الجنوب، البيئة الزراعية، مثل البقاع. الثورة تريد من الإنسان أن يكون ابن أرضه، ويرتبط بها، ويدافع عنها، لأنها تؤمن له الإستمرار. إن الناس الذين آمنوا بحزب الله وخاضوا جميع معاركه، يخوضون معه حتماً معركة الإنتاج وتحويل الناس إلى منتجين. يقول تبارك وتعالى:" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"....
بعد ست سنوات من الإنسحاب الأسرائيلي من الجنوب اللبناني، أراد العدو الصهيوني أن ينتقم لهزيمته، فاعتدى على لبنان في تموز 2006، والذي نعيش في هذه الأيام ذكراه المجيدة. فقد تمكنت المقاومة من تحقيق إنجاز كبير أهم بكثير من إنجاز ال2000. فقد تركت هزيمة آب 2006 على العدو الصهيوني آثاراً مدمرة. فقد استمر أولمرت كرئيس لوزراء العدو ب2% حسب استطلاعات الرأي في إسرائيل. ولم تجرؤ المعارضة من التقدم إلى الحكم مكان أولمرت. حتى بتنا نقول أن "المجتمع" الإسرائيلي أصبح عاجزاً عن إنتاج طبقة سياسية. لقد كان السيد حسن نصر الله محقاً عندما قال أن الهزيمة القادمة لإسرائيل تعني القضاء النهائي عليها. ولكن فاته أن يقول أن المجتمعات العربية هي التي تؤمن لإسرائيل الإستمرارية، كما تؤمن إسرائيل لهذه الطبقة من الحكام العرب الإستمرار.
هل استفاد الحزب من التجربة السابقة؟
لقد استمرت الحكومة التي تآمرت على المقاومة في السلطة. فكل الناس يعلمون أن رئيس حكومة ال2006 هو من طالب المجتمع الدولي بنزع سلاح المقاومة، ولم يطلب في المقابل بسحب سلاح إسرائيل التي اعتدت ودمرت وقتلت. استمر في الحكم وهو يعلن هو وفريقه أن المقاومة لم تنتصر مع أن حكام إسرائيل أقروا بهزيمتهم. كما وأن كتاب الرأي في إسرائيل يتحدثون حتى الآن عن الآثار المدمرة التي تركتها هزيمة 2006. إن ما يمنع إسرائيل من شن عدوان على لبنان الآن، هو خوفها من الهزيمة، علماً أن جميع الظروف الموضوعية والذاتية مؤاتية لمثل هذا العدوان، عدا خوفها من الهزيمة.
إن عدم ترجمة المقاومة انتصارها على إسرائيل على صعيد السلطة السياسية في لبنان، هو الذي شجع الحكومة اللبنانية على الإعتداء على المقاومة عندما طلبت منها التخلي عن شبكتها الخاصة للإتصالات. وكان نتيجته ما حصل في 8 أيار 2008  من دخول إلى بيروت الغربية والذي تُرجم مذهبياً من أجل محاصرة المقاومة .
أما الأخطر من كل ما تقدم هو ما طلبه السيد حسن نصر الله من السلطة اللبنانية بالدخول إلى مناطقه بسبب من تفشي الأمراض الإجتماعية، وعلى رأسها المخدرات، حتى لا نتحدث عما تتحدث عنه الجرائد اللبنانية. وقد كان الشعار" النظام من الإيمان". نقول إن ثقافة المقاومة تمنع الأمراض الإجتماعية، لأنها تغير النفوس. المقاومة هي التي تبني مجتمعها، وهي لن تكون يوماً بحاجة للآخرين من أجل مساعدتها في بيئتها الخاصة. لكن عدم بناء المقاومة لمتطلبات مجتمع المقاومة هو ما أوصلها إلى أن ترفع شعار النظام من الإيمان، وإلى أن تطلب مساعدة من حاربها بالأمس ولازال يحاربها. علماً أنني أعتقد أن نظام مجتمع المقاومة هو من الإيمان، وليس نظام أي مجتمع آخر.
ما العمل؟
لقد تمكن حزب الله، خلال مسيرته النضالية، من تحقيق الكثير من الإنتصارات، فجبينه مكلل بالغار. لقد حقق ما لم تحققه جميع الدول العربية مجتمعة. أما على صعيد الإستقطابات فنحن نعتقد بأنه لن يؤمن معه من الطائفة الشيعية في لبنان إلا من قد آمن، وهو لا يريد، حتى الآن مريدين آخرين. فهل نفهم أن طرح بناء الدولة ومؤسساتها الذي طرحه الحزب على لسان الأمين العام يأتي من ضمن هذا السياق؟ إذا كان الأمر كذلك فلنناقش هذا الأمر.
النبي صلى الله عليه وسلم، عندما تصدى لبناء المجتمع الجديد في المدينة المنورة، لم يبن هذا المجتمع على النمط الكسروي الذي كان سائداً في بلاد فارس. ولم يبن المجتمع على النمط القيصري الذي كان سائداً في بلاد الروم. ولم يُعد انتاج دار الندوة الذي كان سائداً في مكة. إن ما فعله النبي عليه السلام هو أن أقام مجتمعاً جديداً يقوم على رابطة الأخوة الإيمانية.
هل بإمكان الحزب أن يجعل من مؤسسات الدولة اللبنانية، مؤسسات تستجيب لمتطلبات المجتمع الثوري الذي يريده حزب الله، والذي يهدف إلى محاربة إسرائيل ومحاربة رأس الكفر من الأمريكان؟ مع العلم أن جميع شركاء الحزب من الطبقة السياسية اللبنانية، حتى أكثر المقربين إليه، هم من النيوليبيراليين، أي من أتباع العولمة الأمريكية. ألا نرى جميعاً أن جميع مشاريعهم تقوم على نهب الدولة لصالح الرأسمال الخاص. يريدون أن يبيعوا القطاع العام إلى الرأسمال الخاص. أما الحزب ففكره يقوم على تنمية القطاع العام ولابأس من شراكة ما محدودة مع القطاع الخاص. الأهم بالنسبة للحزب هو بناء إقتصاد وطني يلبي مصالح جماهير الناس من الفلاحين والعمال وصغار الكسبة، الذين يشكلون المدد الحقيقي لجسم المقاومة.
إن بناء المؤسسات الحكومية يجب أن ينطلق من مسلمة تحقيق أهداف المقاومة. وهذا يتطلب اختيار الشركاء المؤهلين للقيام بهذه المهمة. والطبقة السياسية اللبنانية ليست من هذا الصنف. فالإعتماد الأساسي يكون حتماً على الجماهير ذات المصلحة بالتغيير.
ما تقدم يعني أن على الحزب أن ينهج نهجاً آخر، نهج يتطلب من الحزب إختراق السقف القائم اليوم وتجاوزه. وهذا ما أسميته الثورة في الثورة. وهذا يتطلب:
1 – الإنفتاح على جميع المجموعات الطائفية والمذهبية الأخرى وتغذية الحزب بعناصر منها، بحيث يتحول الحزب إلى ممثل فعلي للجماهير اللبنانية. وهذا لن يتم بين ليلة وضحاها، ولكن تأكيد النهج هو الأساس.
2 – المسارعة إلى تطبيق سياسة إقتصادية خاصة في البقاع والجنوب مبدئياً ثم تنتقل إلى عكار لاحقاً، تقوم على مشاريع زراعية منتجة، تقوم دوائر الحزب بانتقاء الزراعات. ومنها على سبيل المثال الذرة ودوار الشمس والشمندر السكري، وإنشاء مصانع مرتبطة بتلك الزراعات. فالقضاء على زراعة المخدرات يرتبط بتأمين زراعات بديلة وليس بالقضاء على هذه الزراعات من دون بديل. ونرفع شعارات تؤيد هذا الإتجاه من قبيل: أنا أشتري زيت الذرة اللبناني وزيت دوار الشمس اللبناني وكذلك السكر اللبناني، حتى وإن كان سعره أغلى. والناس تستجيب. ولنا في مثال الإمام الخميني أكبر دليل على ذلك. فالإمام الخميني، عندما أعلنت أمريكا الحصار على إيران، أعلن أنه سوف يصوم يوماً ويفطر يوماً، فما كان من جماهير الشعب الإيراني إلا أن أعلنت أنها سوف تلتزم بما ألتزم به الإمام. وفشل الحصار وانتصرت الثورة. نحن نعتقد بأن الكثير من الناس سوف يلتزمون بشراء المنتجات اللبنانية عندما يعلن السيد حسن أنه سوف يشتري المنتجات اللبنانية. وهكذا يتحول جمهور المقاومة إلى جمهور منتج، يرتبط بأرضه وبإصلاحها وبالمحافظة عليها وبالدفاع عنها. وهكذا ترتبط معركة الفلاح العكاري والفلاح الجنوبي والفلاح البقاعي بالحفاظ على الأرض وتنميتها ويتراجع الشحن المذهبي إزاء معركة بناء البلد.
شركاء الحزب في هذه المعركة لن تكون الطبقة السياسية، إنما جماهير الشعب اللبناني العريضة. فبناء الدولة يكون شعاراً ثورياً عندما نفتش عن مؤسسات بديلة تمثل مصالح الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني. وهكذا يرتبط تحرير الأرض بتغيير الإنسان لما فيه مصالحه الآنية والمستقبلية.
إن تجاوز الحزب لنفسه سوف يمكن الحزب من إنطلاقة جديدة سيكون من نتائجها الخير العميم على لبنان ومحيطه العربي والإسلامي. "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".
8 آب 2012




الجمعة، 29 يونيو 2012

المشهد الراهن


                                  المشهد الراهن
   حسن ملاط
عشية اجتماع جنيف للنقاش في حل للمسألة السورية، لابد من الإطلالة على الوضع الراهن على المستوى الدولي والإقليمي لمعرفة إن كان قد طرأ عليه تغيرات تفرض التعجيل في حل القضية المطروحة. أما الدول المشاركة فهي الدول الخمس الدائمة العضوية، إضافة إلى تركيا والعراق وقطر والكويت. كما سيحضر الإجتماع مندوب الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي. ولابد من الإشارة أن إيران لم تحضر، مع أن أنان كان يريد دعوتها. ولكن الولايات المتحدة رفضت حضورها. عندها تمنع أنان عن دعوة السعودية. ومن المعروف أن إيران تؤيد النظام السوري. أما السعودية، فهي تؤيد المعارضة السورية وتدعو إلى تسليحها، هذا من دون أن ننسى أنه يوجد في السعودية اتجاه لا يؤيد هذه الخطوات.
الموقف الأمريكي: بعد اضطرار أمريكا للانسحاب من العراق من دون أن تحقق ما تصبو إليه من خلال احتلالها لهذا البلد، فهي أعلنت عن انسحابها المزمع من أفغانستان في 2014. وهي لم تحقق ما أرادته من احتلالها لأفغانستان. إذا أضفنا إلى ما تقدم أزمتها الإقتصادية المستمرة، والتي لم تتمكن أي من السياسات التي اعتمدت من إيجاد حل لهذه المعضلة، نتمكن من القول أن أمريكا تتراجع على جميع الصعد السياسية والإقتصادية والعسكرية.
هذا التراجع يحمل الصفة التاريخية. وما نقصده من هذا القول أنه في حال لم تتسلم قوة صاعدة أخرى مكان الولايات المتحدة في الفضاء الدولي، سوف تظل الولايات المتحدة تقوم دورها. وهذا ما هو حاصل الآن. رغم هزيمتها في العراق فهي لاتزال تقرر سياسات العراق بالمشاركة مع إيران. وهذا ما حصل أخيراً عندما منعت إيران والولايات المتحدة الكتل البرلمانية العراقية من إسقاط المالكي، بعد أن تمكنت هذه الكتل من تأمين العدد اللازم لذلك.
كذلك، فهي لم ترض بتقديم أي تنازل لروسيا سواء على صعيد الدرع الصاروخية التي نشرت حول روسيا، ولا حتى الإعتراف لروسيا بدور على صعيد السياسة الدولية كدولة كبرى، كما كان عليه الإتحاد السوفياتي السابق.
ليس هذا فحسب، بل هي تريد من روسيا التنازل، حتى في المكان التي تعترف فيه لها بمصالح حيوية، كما هو عليه الوضع في سوريا. فأمريكا تقول أنه لايمكن إيجاد حل للمسألة السورية من دون دور فعال لروسيا. ولكنها تريد من روسيا الحل الذي يناسب الولايات المتحدة.
هذه الأدوار الفعلية للولايات المتحدة يعني أن التراجع التاريخي لم ينعكس ممارسة سياسية يومية حتى الآن.
روسيا: لقد تقدم دور روسيا على المستوى الدولي بشكل لافت. فروسيا عضو في تجمعين دوليين هامين هما البريكس ومؤتمر شانغهاي. كما أنها لم تعد تقدم التنازلات للولايات المتحدة من دون مقابل، كما فعلت إبان أزمة 2008. فهي تريد أن تكون خطواتها في السياسة العالمية مدروسة على وقع ما تريد الوصول إليه. ولكن بالرغم مما تقدم فهي لازالت قاصرة عن الوصول لما تصبو إليه، لأنها لم تتمكن حتى الآن من إجبار الولايات المتحدة للتسليم لها بهذا الدور.
ففي سوريا، أعلنت أنها لاتقبل بالحديث عن مستقبل الرئيس بشار الأسد، لأن هذا الأمر منوط بالداخل السوري، ولكننا نراها قبلت بالصيغة التالية: "تشكيل حكومة وحدة وطنية سورية قد تضم أعضاء من الحكومة والمعارضة، لكنها تستبعد من قد تتسبب مشاركتهم في تقويضها". والمقصود بالجملة الأخيرة استبعاد الرئيس الأسد.
وقد حضَرت لهذا الأمر بنشر مقالة لأحد الإستراتيجيين الروس يقلل فيها من أهمية سوريا بالنسبة لروسيا. فهو يقول أن سوريا تحتل المرتبة السادسة من حيث استيراد الأسلحة الروسية. كما أن روسيا ليست متأكدة من أنها سوف تتمكن من استيفاء ثمن الأسلحة. ثم يضيف بأن روسيا لاتستخدم اللاذقية وطرطوس إلا مرتين في السنة من أجل التزود بالوقود بالنسبة للسفن الروسية. وهذا ما يمكنها فعله في أحد الموانىء الفرنسية على المتوسط، كما في مالطا أيضاً.
وفي أحد التعليقات الروسية، يقول المعلق: "ان مجئ المجلس الوطني السوري الذي يوجد مقره في اسطنبول – وهو في الواقع هيئة تابعة الى قوى خارجية- الى السلطة  يجعل البلاد تابعة كلياً الى الجارة الشمالية بالدرجة الاولى.  وطبعاً ستزداد تبعيتها الى البلدان الخليجية. ان تطور الاحداث هذا سيقود لا محالة الى برودة العلاقات مع روسيا".
ولكنه يضيف: "فإن المعارضة السورية في الشتات يمكن ان تبدي في حالة توليها السلطة موقفاً براجماتياً – رشيداً في مضمار السياسة الخارجية. ومن الممكن ان تبقى بصورة واقعية جداً احتمالات الحفاظ على المستوى الحالي للعلاقات الروسية – السورية ، وعلى أقل تقدير في المجال الاقتصادي والتجاري".
ومن ثم يضيف صيغة أخرى: "وقد أنعكس موقف روسيا الدقيق من هذه القضية في مشروع القرار المشترك الروسي- الصيني المقدم الى مجلس الامن الدولي، الذي ينص على إجراء  تسوية سلمية للنزاع بدون اي تدخل من الخارج ، وعلى أساس الحوار الداخلي السوري حصراً، وبمشاركة جميع الاطراف المسؤولة في سورية. ونموذج المستقبل لسورية ، بموجب الموقف الروسي ، يتجسد في قرار مجلس الامن الدولي حول اليمن ـ وليس القرار حول ليبيا. وحتى في حالة عدم صمود نظام بشار الأسد فأن " السيناريو اليمني" ، الذي تتخلى الحكومة الحالية بموجبه عن صلاحياتها طوعاً، فسيأتي بدلاً منها اشخاص  يبدون الموالاة لروسيا  بجلاء ، وهو الحل المقبول للمشاكل المتأتية عن المواجهة الاهلية في سورية".
كأني بهذا المعلق يقلل من أهمية ضرورة دعم نظام الرئيس الأسد، وهذا بالتحديد ما يريده الغرب. ولكن ليس هذا فحسب، فهذا الكلام يحمل معنىً آخر، يوحي بأن روسيا أصبحت محشورة في موقفها السوري، فهي تقدم الخدمات (ربما تكون مجانية، وهذا ما يخيفها) لهذا النظام من دون أن يتمكن هذا الأخير من حسم الصراع لصالحه، بالرغم من كل الفرص والأسلحة التي قدمتها روسيا لهذا النظام. وكأني بهذا المعلق يتساءل إلى متى؟ من هنا لابأس من مفاوضة الآخرين على حل ما للمسألة السورية لا يبدو فيه أي طرف خاسراً، وخاصة روسيا لأن الجميع يعترف بأهمية الدور الروسي في سوريا. ولكن روسيا بدأت تخاف من أن تخسر حتى هذا الدور نتيجة عدم إمكانية النظام على الحسم. فأمريكا لاتفعل شيئاً، إنما تتفرج على تورط الآخرين وتعطي النصائح لكل طرف. فهي تؤمن الربح من دون القيام بأي دور فعلي.
الصين: موقف الصين في المسألة السورية هو انعكاس للموقف الروسي. فما يشغل بال الصين في الدرجة الأولى هو مسألة بحر الصين الجنوبي. حتى أن هذا الأمر بات يؤثر على علاقتها بالولايات المتحدة.
إيران: "أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية في 29 يونيو/حزيران، بيانا تؤكد فيه عدم مشاركتها في مؤتمر جنيف حول سورية".
"وصرح رئيس إدارة الدول العربية والإفريقية في الخارجية الإيرانية حسين أمير عبد اللهيان بأنه لا يمكن فرض وصفات من خارج سورية تتضمن حلا عسكريا أو أمنيا".
"وأضاف أمير اللهيان أن هناك أطرافا مشاركة في مؤتمر جنيف لديها مخططات لإفشال خطة المبعوث الأممي كوفي عنان بهدف إعلان فشل الجهود الدبلوماسية والتحضير للخيار العسكري ضد سورية".
"وأكد أن إيران تدعم خطة عنان وإصلاحات الرئيس السوري بشار الأسد، مشددا على ضرورة وقف تهريب السلاح إلى المعارضة السورية وإدانة الأعمال الإرهابية التي تتعرض لها سورية".
الموقف الإيراني لازال على ما هو عليه.
سوريا: "استبعد الأسد، في مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني، أي حل يفرض من الخارج، قائلاً «لن نقبل أي نموذج غير سوي وغير وطني... سواء جاء من دول كبرى أو دول صديقة. لا أحد يعرف كيف تحل مشاكل سوريا مثلما نعرف نحن». وأكد أنه «لا يمكن تطبيق النموذج اليمني على سوريا». وقال: «لا أتوقع عملاً عسكرياً ضد سوريا، وعملية على غرار ما حدث في ليبيا ليست ممكنة»، مشيراً الى أنه «لا يوجد لدينا أي معلومات عن وجود سيناريو عسكري من قبل الحلف الأطلسي أو الغرب ضد سوريا».
أما المجلس الوطني لا يؤيد حلاً لاينص على استبعاد الرئيس الأسد.
أما إسرائيل فقد "أفاد قائد الفرقة 36 في الجيش الإسرائيلي البريغادير جنرال تامر هايمان أن "القوات الإسرائيلية المرابطة على امتداد الحدود السورية تلائم نشاطاتها مع التطورات في سوريا وتستعد لمواجهة أسوأ الاحتمالات". وأوضح أن "الأحداث في سوريا تزيد احتمال انطلاق عمليات إرهابية من الجانب الآخر من الحدود ضد إسرائيل على رغم عدم توافر إنذارات محددة".
قبل أن ننهي، نود أن نشير إلى أن أحد المواقع الإستخبارية الإسرائيلية (ديبكا فايل) نشر سيناريو لهجوم سعودي تركي غربي على سوريا ينهي حكم الرئيس الأسد. نحن نستبعد هذا الخيار. والخيار الأوفر حظاً هو التالي: "دعت روسيا إلى التوصل إلى اتفاق بشأن آليات تحقيق وقف إطلاق النار وسحب قوات الحكومة والمعارضة المسلحة من المدن السورية تحت إشراف البعثة الأممية لكي تتمكن السلطات المحلية من معالجة المشاكل الاجتماعية الحادة للمواطنين".
"وجاء في بيان صادر عن وزارة الخارجية الروسية يوم الجمعة 29 يونيو/حزيران أن اتخاذ هذه الإجراءات سيوفر الظروف المناسبة لبدء حوار سياسي وطني شامل في سورية يسمح للسوريين أنفسهم بتحديد الأجندة والإطار الزمني  للعملية الانتقالية".
نحن نعتقد أن نجاح مؤتمر جنيف هو من الصعوبة بمكان، علماً أن الإقتراح الروسي الأخير لا يجعل من أحد خاسراً بالرغم من صعوبة إيجاد صيغ تنفيذية لهذا الإقتراح.
29 حزيران 2012


الأربعاء، 27 يونيو 2012

مرسي رئيساً


               
                    مرسي رئيساً.. توقعات وتمنيات!
حسن ملاط
للمرة الأولى سوف أتحدث عن مشاعري عندما كنت بانتظار المذياع حتى نتعرف على اسم رئيس مصر الأول بعد ثورة 25 يناير 2011. كانت الدقائق ثقال بسبب المستشار الذي أجبرني على سماعه وهو يتحدث بلغة لاتمت إلى العربية بصلة. هذا ما جعلني أعتقد أن الرئيس المخلوع قد عينه مستشاراً من دون أن يكون قد دخل أية مدرسة أو كُتّاب. وأصدقكم القول بأنني لم أتمكن من متابعته. إن ما جعلني أغفر لنفسي إقفال المذياع (أنا مقاطع التلفزيون منذ أكثر من عشر سنوات) هو أنني لا أقوى على سماع المستشار يتلفظ باسم أحمد شفيق كرئيس لمصر. فبظل حكومته سقط عشرات الشهداء تعميداً لثورة الشعب المصري. فكيف يُسمح له بخوض الإنتخابات؟ هذا دليل على أن إدارة مبارك لازالت هي الآمرة الناهية في مصر حتى الآن.
المهم أن مرسي أصبح رئيساً. لست مع القائلين بأن اختيار مرسي كان نتيجة مفاوضات بين المجلس العسكري والإخوان المسلمين على مستقبل السلطة السياسية بعد ثورة الشعب المصري المباركة. ولست من الذين يقولون بأن الولايات المتحدة قد تدخلت في اختيار رئيس مصر. فمرسي رئيساً باختيار أكثر من ثلاثة عشر مليوناً من الشعب المصري.
هذا ما يجعل التحدث عن التوقعات والآمال مشروعاً.
أما التوقعات فهي متواضعة جداً، بعكس الآمال الكبيرة التي تغطي مستقبل أمتنا. وهذا ما يجعل من المحتم العودة إلى الوراء قليلاً. فالإخوان المسلمون لعبوا دوراً لابأس به بإضفاء الشرعية على حكم حسني مبارك، عندما كانوا يشاركون في الإنتخابات التشريعية رغم الزج بهم في سجون النظام. وهذا ناتج عن أنهم (أي الإخوان) غير جذريين. وليتنا نتذكر أن الإنتخابات ما قبل الأخيرة للمجالس المحلية في ظل مبارك كانت نسبة المشاركة فيها 5% فقط. لم تستنكر الدول الغربية هذه الإنتخابات. فالديموقراطية تتمثل بالتبعية. هذه الملاحظة هي حتى لا نتفاءل بضغط الولايات المتحدة على المجلس العسكري بتسليم السلطة للرئيس المنتخب، وخاصة بعد صدور التعديلات الدستورية التي تجعل من الرئيس صورياً وتجعل من المجلس العسكري الحاكم الفعلي، مع تحميل الرئيس للسلبيات التي سوف تنتج عن حكم العسكر.
إن ما يبشر به مرسي من حيث نيته التعاون مع مختلف تشكيلات الشعب المصري يعتبر إيجابياً. فهذا يوسع قاعدة السلطة الجديدة من حيث تمثيلها لفئات أوسع من الشعب المصري، ومن حيث إشراك شريحة واسعة جداً في صراع الحكم الجديد مع العسكر المتربص بمرسي وبالثورة. كما وأن نيته بإنشاء ما يشبه المجلس الرئاسي باختيار عدة شخصيات كنواب للرئيس فيهم المرأة والقبطي يعد توجهاً إيجابياً بجميع المقاييس. ولكن ما ذكرناه لايعفي الرئيس من التنبه إلى الأمور التالية، هذه الأمور التي تجعل من الرئيس معبراً عن آمال الشعب المصري بالتغيير الذي قدم الشهداء من أجله. كما أن على الرئيس أن يضع أمام ناظريه حقيقة أن 37 مليوناً من الشعب المصري لم يشاركوا في انتخابه، وأن عليه تمثيلهم خير تمثيل.
1 – منذ أكثر من ثلاث سنوات على انبثاق الثورة في مصر كانت الإحتجاجات الإجتماعية في مصر تتم بوتيرة مرتفعة رغم فظاعة قمع أجهزة الأمن المصرية المختلفة. وكانت هذه التحركات بمجملها ذات طابع إجتماعي إقتصادي، وكانت تفوق على الخمس تحركات يومياً.
ما تقدم يفيد بأن الرئيس مرسي، حتى يكون ممثلاً لهؤلاء الثوار، عليه أن يجد حلولاً لمشاكلهم المتمثلة بإمكانيتهم على الإستمرار في عملية الإنتاج. وهذا يتطلب بالإضافة إلى القضاء على الفساد، تحويل الإقتصاد المصري إلى اقتصاد إنتاجي عوض أن يكون اقتصاداً ريعياً.
البرنامج السياسي للحزب الذي يمثله مرسي يتحدث عن إقتصاد موجه للخارج بدل توجهه إلى حل المشاكل الداخلية. فهو يتحدث عن كيفية تنمية التجارة الخارجية التي لا تفيد في حل مشكلة الغذاء للشعب المصري. ليتنا نتذكر أنه قد ذهب عدة قتلى نتيجة التصارع أمام الأفران. فقد جاء في البرنامج السياسي لحزب العدالة والحرية مايلي: "العمل على زيادة القدرة التنافسية للاقتصاد المصري في السوق الدولي».
«تحقيق تنوع اقتصادي لمصادر توليد الدخل القومي حتى يصبح الاقتصاد المصري قادرًاً على مواجهة التحديات الاقتصادية الدولية وأزمات الاقتصاد العالمي».
ما تقدم لايعني الشعب المصري الذي لايجد قوت يومه، إنما يعني كبار التجار الذين يعملون في التجارة الخارجية. كما يعني ربط الإقتصاد المصري بمنظمة التجارة العالمية، ما يجعل الإقتصاد المصري يتأثر بجميع المشاكل التي تصيب الإقتصاد العالمي. وكلنا يعلم ما تعانيه الإقتصادات العالمية، وخاصة الأوروبية والأمريكية، من أزمات لن يجدوا حلاً لها في المدى المنظور. هذا يعني أن مصلحة الشعب المصري تقتضي عدم ربط الإقتصاد المصري بهذه الإقتصادات وتحويله باتجاه حل المشاكل الفعلية التي يعاني منها المواطن المصري.
2 – المسألة الوطنية: إذا كان مرسي يريد أن يتهرب من إيجاد حل للمسألة الوطنية، فالشعب المصري، وخاصة ثواره، لايوافقون مرسي وحزبه هذا التوجه. فقد أعلن مرسي بأنه سوف يحترم الإتفاقات الدولية، أي سيحترم اتفاقية كامب ديفيد. ولكن الشعب المصري الذي انتخب مرسي قد قرأ مايلي في البرنامج السياسي للحزب الذي رشح مرسي: "إن الاتفاقيات والمعاهدات بين الدول لابد أن تكون مقبولة شعبياً، وهذا لا يتأتى إلا إذا كانت هذه الاتفاقيات والمعاهدات قائمة على أساس العدل وتحقق المصالح لأطرافها، إضافة إلى ضرورة التزام هؤلاء الأطراف بتطبيق نصوصها بأمانة ودقة، ويتيح القانون الدولى للأطراف مراجعة الاتفاقيات والمعاهدات المعقودة بينهم فى ضوء هذه الشروط، وهى عملية مستقرة فى المعاملات الدولية، لذلك يرى الحزب ضرورة مراجعة كثير من الاتفاقيات التى تم إبرامها فى مختلف المجالات فى ظل نظام كان يفتقد إلى الشرعية الشعبية بل والدستورية السليمة".
ماتقدم يعني بأن حزب العدالة والحرية قد ألزم نفسه بعرض إتفاق كامب ديفيد على الإستفتاء الشعبي، فلماذا يتراجع، في الوقت الذي هجم فيه ثوار ميدان التحرير على السفارة الإسرائيلية وطردوا السفير الإسرائيلي. فوجود السفارة الإسرائيلية في مصر هو تعبير عن حقبة القمع ضد الشعب المصري الذي كان يمثلها نظام مبارك وأعوانه. أم أن مرسي يريد أن يلتزم بما ألزم به نفسه الدرديري الذي ذهب إلى الولايات المتحدة الأمريكية كممثل للإخوان المسلمين حيث صرح في زيارته التطمينية لامريكا والوفد الذي رافقه بان "الاخوان سيحترمون التزامات مصر الدولية ولن تعرض اتفاقات كامب ديفد على الاستفتاء". هذا التعهد يناقض برنامج حزب العدالة والحرية ويناقض توجه شباب الثورة في ميدان التحرير وميادين مصر.
3 – المسألة الفلسطينية: إن ارتباط مصر بالقضية الفلسطينية ليست مسألة علينا إيجاد البرهان على صحتها. أما الإخوان المسلمون فهم من أوائل من حمل السلاح دفاعاً عن عروبة فلسطين. لذلك نرى بأن ما ورد في البرنامج السياسي لحزب العدالة والحرية لا يعبر عن روحية الإخوان المسلمين. فقد ورد في البرنامج ما يلي: "بذل كافة الجهود للوصول إلى حل جذري وعادل للقضية الفلسطينية، يضمن لجميع الفلسطينيين داخل وخارج الأرض المحتلة حقهم في إقامة دولتهم وعاصمتها القدس".. فهذا النص ملتبس لأنه ليس واضحاً إن كان يتحدث عن فلسطين أم عن قسم من فلسطين كما هي حال الأنظمة العربية. إن التزام الشعب المصري بالقضية الفلسطينية لا لبس فيه، من هنا ضرورة التزام السلطة الجديدة بالحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني من دون خوف أو وجل من الإدارة الأمريكية.
ما تقدم هي الوقائع الحقيقية التي انطلقنا منها لنعبر عن توقعاتنا لماستؤول إليه رئاسة مرسي لمصر. أما آمالنا فهي أكبر من ذلك بكثير. فأملنا أن تلتزم مصر بالمقاومات العربية والإسلامية التي لن ينتج عنها سوى طرد المحتلين من بلادنا وفي مقدمهم الإسرائيلي.
ومن آمالنا قيام جبهة حقيقية تتشكل من تركيا وإيران ومصر، ينتج عنها مسارعة الدول الأخرى إلى الإلتحاق بهذه الجبهة التي يمكنها أن تجابه العولمة الليبيرالية، وهي وحدها التي تتمكن من تحرير الإنسان المسلم والعربي من التبعبة.
إن ما يضفي بعض المصداقية على آمالنا أن الإخوان المسلمين لا يمكنهم التخلي عن تاريخهم النضالي. وتركيا الحزب الحاكم يعتبر من تلاميذ الإخوان المسلمين. كما أن الحركة الثورية في إيران تعتبر نفسها امتداداً لمدرسة الإخوان المسلمين. من هنا تفاؤلنا بالخير لنجده.
26 حزيران 2012



  



الخميس، 24 مايو 2012

حكومة اتحاد وطني؟


                               حكومة اتحاد وطني؟
حسناً فعل الرئيس نجيب ميقاتي، عندما رد على أوساط المستقبل بنبرة مرتفعة، عندما حملته المسؤولية عما قامت به المجموعات التابعة لها سواء في طرابلس أو بيروت أو عكار أو البقاع. يريد المستقبل تحميله مسؤولية عدم قمع مجموعاته؟ هذا نوع من السوريالية؟ ولكن النبرة العالية محقة لأن للرئيس ميقاتي دين في ذمة المستقبل، حيث أنه مول المحكمة الدولية وجدد لها في الوقت الذي لم يكن بإمكان المستقبل القيام بذلك. أما المستقبل فلم يقدم للرئيس ميقاتي مقابل ذلك سوى الأفخاخ. ومنها على سبيل المثال استعداده لتسهيل صرف ال 4900 مليار ليرة. وهذا فخ لأنه كان الطريق لتشريع ال 11 مليار دولار التي في ذمة الحكومات منذ 2005 حتى 2010. علماً أن الميقاتي لم يكن ضد تشريع هذا المبلغ.
كما أن هذه النبرة ضرورية للقادم من الأيام الحبلى بالتسويات والضغوطات ومحاولات تأمين مصالح كل طرف على حساب الأطراف الأخرى.
دعونا نرسم صورة الواقع القائم اليوم بعد الجلاء النسبي لغبار المعارك التي حصلت في بلدنا العزيز.
ففي طرابلس، تمكنت المجموعات السلفية من الإيحاء بأنه بإمكانها أن تسيطر على الساحة. فقد تمكنت هذه المجموعات بقيادة الشيخ سالم الرافعي أن تقود معركة الضغوط على الحكومة للحصول على مطالب معينة بالنسبة للموقوفين الإسلاميين والإفراج عن المولوي. صحيح أن الرئيس ميقاتي والوزير الصفدي قد شاركوا هذه المجموعات بفرحة الإفراج عن المولوي. ولكن هذه الخطوة لم تكن موفقة لا من الميقاتي ولا من الصفدي. حيث أن من يمثل السلطة السياسية عليه أن يدافع عن أجهزتها لا أن يساهم بجلدها.
وحيث أن لكل ظاهرة جوانب إيجابية وسلبية، لذلك علينا أن نتنبه أن الضغوطات سوف تتضاعف على السلفيين حتى يتخلوا عن الإنتصار الذي حققوه في معركتهم الأخيرة في طرابلس. ونحن نعتبر أن مبادرة الملك السعودي تأتي بهذا الإطار، أي تجيير هذا (الإنتصار) للسلطة السياسية اللبنانية من حيث اقتراح الملك ضرورة انعقاد طاولة الحوار بين القوى السياسية التي لا تملك الحركة السلفية مقعداً بينها. وكل انتصار لا يجير في الحركة السياسية لا معنى له. لذلك سوف ترتد هذه القوى إلى خلافاتها المعهودة، لأن حركتها لا تملك أفقاً معلناً.
ليس السلفيون وحدهم يمارسون على هذا المنوال، فحركة التوحيد الإسلامي هي من كانت تهتم بالموقوفين الإسلاميين وقد تمكنت من الإفراج عن العديد منهم. ولكنها كانت تعمل في هذا الملف من دون أفق سياسي فقد كادت تدفع ثمناً غالياً قي الحوادث الأخيرة لولا فضل الله. والسلفيون هم من كان سيجبرها على دفع الثمن على حد بعض التسريبات التي لا نعلم حجم صدقيتها.
أما الخاسر الأكبر في أحداث طرابلس فهو حزب المستقبل الذي كان يعتقد بتبعية التيار السلفي له. فقد تبين للجميع أن السلفيين لا يلتزمون بأجندة المستقبل، وقد أصبحوا قوة مستقلة خرجت من تحت خيمة المستقبل وعباءته. أما الرئيس ميقاتي فيمكنه العودة إلى قواعده بعد إعادة ترميمها. وكذلك الصفدي الذي خسر شيئاً من رصيده عندما فتح معركة عبثية مع الرئيس ميقاتي.
هذا على صعيد طرابلس، أما على صعيد لبنان فالمشهد هو على الشكل التالي.
جاءت مبادرة الملك السعودي في وقت بدت جميع المعارك القائمة وكأنها من دون سقف. فمطلب المستقبل لإسقاط الحكومة لا حظ له في النجاح. فهل في مصلحة المستقبل أن تصبح الحكومة حكومة تصريف أعمال حتى موعد الإنتخابات في 2013؟ بالطبع لا. لأن بإمكان هذه الحكومة أن تأخذ قراراتها من دون أن تعرض نفسها للمحاسبة. وكذلك فالمعركة التي وقعت في طرابلس كانت من دون تغطية سياسية من أي طرف. لذلك كان لابد من توقف جميع هذه المعارك حتى لا تخسر الدولة وسلطاتها لصالح التفلت الأمني الذي لايستفيد منه أي طرف.
نعود إلى المبادرة السعودية التي لاقت الترحيب من جميع الأطراف وخاصة حزب الله وأمل. ولن تكون نهاية هذه المبادرة التي تركز على الحوار بين جميع أطراف الصراع اللبناني إلا انعقاد طاولة الحوار. وسوف تكون نهاية هذا الحوار حكومة تجمع جميع الأطراف، حكومة إتحاد وطني.
هل للمستقبل حظ في تولي رئاسة هكذا حكومة؟
نقول لا! لأن قبول أطراف الثامن من آذار تولي المستقبل رئاسة هذه الحكومة كمن يقر بخسارته معركة لم يخضها أي طرف. ونحن نعلم أن المعارك السياسية تقوم على الأحجام وموازين القوى. وحيث أنه لا حظ لميزان القوى القائم اليوم في التغير، بالرغم من بعض الملاحظات على أداء الرئيس ميقاتي من حزب الله وعون والرئيس بري، ولكن يبقى الرئيس ميقاتي (الوسطي) هو المؤهل لقيادة هذه الحكومة. فقيادته هذه الحكومة لا يشكل انتصاراً لأي طرف كما وأنه لا يعتبر هزيمة لأي طرف من الأطراف. كما أن تولي رئاسة الحكومة من قبل ميقاتي لن يكون جائزة ترضية له، إنما مرتبط بحسن أدائه خلال هذا المخاض الذي ربما يطول أو يقصر. ولكن الرئيس الحريري قد قدم أوراق اعتماده للطرف الآخر عندما استنكر عملية اختطاف الزوار اللبنانيين من قبل ما يسمى الجيش السوري الحر، وأبدى استعداده لبذل كل الجهد من أجل الإفراج عنهم.
24 أيار 2012                                                                 حسن ملاط

الثلاثاء، 22 مايو 2012

الإسلاميون في السلطة


الإسلاميون في السلطة
المقدمة
طبق المسلمون عبر تاريخهم اشكالاً مختلفة ومتعددة من الانظمة السياسية، وذلك لعدم وجود شكل واحد موحد للنظام السياسي الاسلامي أقرته النصوص الشرعية.
فمن نظام الخلافة الراشدة الشعبوي الطابع الى النظام الأموي الأشبه بالملكية- القيصرية الى النظام العباسي الأقرب إلى الشاهنشاهية- الكسروية وصولاً الى النظام العثماني الذي طغى عليه الطابع العسكري من بداياته وانتهى بالمشروطية اي الملكية المقيدة.
وفي عصرنا الحاضر ومن قبل وصول «الربيع العربي»، كان هناك تجارب إسلامية مختلفة للوصول إلى السلطة:
-         التجربة الايرانية التي كانت ثورة شعبية سلمية.
-         السودانية وكانت عبر انقلاب عسكري بشراكة مدنية.
-         الجزائرية وكانت عبر انتخابات ديوقراطية آثر العسكر إجهاضها خوفاً على «الديموقراطية» وكان ثمنها آلاف القتلى. وهي تتشابه مع تجربة ألليندي في تشيلي التي أجهضها العسكر بقيادة بينوشية وبدعم وتحريض أميركيين.
إلا ان تجربة إسلامية سابقة عليها جميعاً وهي من أخطرها نقصد بها التجربة الباكستانية التي قامت على أساس دولة صافية نوعياً تتألف من المسلمين فقط، جعلوا الإسلام فيها هوية مواطنة فيما هو دين. وقد أدت هذه التجربة التي «تحجرت واسعاً..» (ضيقت واسعا) إلى تقوقع جزء من المسلمين الهنود على أنفسهم. هذا التقوقع أدى إلى تقسيم المسلمين في شبه القارة الهندية الى قسمين، واحد في الهند الحالية واخر في باكستان, التي انقسمت لاحقاً الى شرقية صار اسمها بنغلادش وغربية هي باكستان الحالية المعرضة لخطر التشقق في اي لحظة بالرغم من انها قوة نووية. وهذا ما اضعف الجميع، مسلمو الهند وباكستان وبنغلادش.
ان الاسلام عولمي بطبيعته، منطقه الانفتاح، يأمر اتباعه بعدم التقوقع وبالتوسع الفكري. كما وأن التقوقع يأخذنا الى آلية تسلسلية للانقسامات المتواصلة.
ليس هذا فحسب، بل ان باكستان لم تستطع حتى اللحظة أن تكون دولة بالمعنى التام للكلمة وهي معرضة بشكل دائم لاحتمالات الانهيار مما يجعلها مشروعاً فاشلا.
كذلك تأتي حركات «الربيع العربي» في سياق تجارب غير اسلامية الطابع الا انها مسلمة الانتماء، هي تجارب الحركات القومية التي انتجت انظمة وصلت الى درك استوجب قيام تحركات شعبية مناهضة تطلب التخلص منها لفشلها على المستوى الداخلي. فقد أقامت انظمة استبدادية، لابد من  استبدالها بانظمة تاخذ بعين الاعتبار مصالح المواطنين وتعطيهم حقوقهم الوطنية من حق التعبير عن الراي والمشاركة بصنع القرار الوطني والامان الاقتصادي وتامين العمل.. واما على مستوى العلاقات الخارجية، فعبر اقامة دولة سيدة مستقلة غير خاضعة لاملاءات الدول الكبرى تضع مصالح البلاد والمواطنين في المقدمة وتؤمن الانتماء للامة. ومن هذه الأنظمة من فشل في الاثنين معا.
وهذا ما دفع من جديد الى الواجهة بشعار قديم «ضد الاستبداد الداخلي وضد الهيمنة الخارجية».
وإن حركات «الربيع العربي» لن تستطيع الوصول إلى التغيير المنشود الا اذا اجابت على الاسئلة التي لم تستطع الاجابة عليها الانظمة السابقة. والا فان الفشل هو نصيبها كما كان نصيب من كان قبلها.

الربيع العربي
إن كل من تتبع تحركات «الربيع العربي»، سواء في تونس أو مصر أو سوريا، يعلم حق العلم أن الإسلاميين لم يكن لهم مشاركة فعلية في هذه الحركات الإحتجاجية. ففي تونس, إن من أكد هذا القول هو راشد الغنوشي نفسه، قائد حركة النهضة الإسلامية التي فازت في الإنتخابات الأخيرة. أما في مصر، فلم يشارك الإخوان المسلمون بالتحرك الثوري إلا بعد ثلاثة أيام على بدئه، أي في الثامن والعشرين من يناير- كانون الثاني. كما وعلينا الإشارة في هذا المجال أنهم تركوا التحرك قبل أن يصل إلى خواتيمه. فقد انشغلوا بالمساومات مع عمر سليمان عندما كان نائباً لمبارك. وللتاريخ نقول أن عنصر الشباب في حركة الإخوان المسلمين المصرية قد تمرد على قيادته وتابع المشاركة مع العناصر الشبابية الأخرى في الحراك الثوري.
أما في سوريا، فالإخوان المسلمون ليس لهم إلا وجود رمزي، وذلك ناتج عن التصفيات الجسدية التي ألحقها بهم النظام بدءاً من أوائل الثمانينات. والدور المنوط بهم هو ذلك الذي يهيئه لهم الحليف التركي. أما الحراك الفعلي فقد كانت تقوده التنسيقيات، وليس للإخوان المسلمين مكان فيه. أما إبراز دور الإسلإميين فهو استثمار تشيعه السلطة لتبرز دورها الفاعل في القضاء على الإرهاب الإسلامي، كرمى لعيون الأمريكان. وتصريح كلنتون عندما بررت عدم تسليح المعارضة يصب في هذا الإتجاه.
إن من قاد جميع الإحتجاجات التي اتُفق على تسميتها «الربيع العربي»، هم عنصر الشباب ومن غير الإنتماء الإسلامي. أما من استثمر هذه الحركات فهو الإسلام السياسي.

الإسلاميون في السلطة
عندما نقرا ادبيات الحركة الاسلامية في مصر نجد تصغيرا للموضوع الفلسطيني ولكامب ديفد ضمن البرامج السياسية. ثم نقرا أن احد شخصيات هذه الحركة أجرى حديثاً مع احدى قنوات التلفاز الاسرائيلي (التيار السلفي). او ان وفدا زار اميركا لتقريب صورة الاسلاميين الى العقل الاميركي. ونسمع من السيد ابو العلا ماضي ان الاسلاميين اتفقوا على عدم التعرض لكامب ديفد في المرحلة الراهنة. ونشهد على محاولات للتطبع والتطبيع يسبق قيام دولة مصرية حديثة مما يشي بعدم وضوح للرؤية او عدم تطابق مع حركة الشارع المصري الذي هاجم السفارة الاسرائيلية في القاهرة وحضر لاكثر من تظاهرة دعما للفلسطينيين في غزة ولفلسطين وان هناك محاولات للجم هذا الحراك يجري وبشكل متواصل.
كل هذه الاعمال رجاء الوصول الى السلطة. لذا فقد تخلوا مسبقا عن توجهاتهم التاريخية التي عبروا عنها دائما بمقالتهم «ان شرف القدس يابى ان يتحرر الا على ايدي المسلمين».

في مازق الكيانية..
يبدو الاخوان المسلمون في مصر ومسلمو ليبيا ومسلمو النهضة ومسلمو المغرب وحتى مسلمي سوريا بانهم قد قبلوا الاقطار القائمة على اساس خارطة سايكس- بيكو التي قسمت العالم العربي الذي كان قبلها يسمى الدولة الاسلامية والعالم الاسلامي الى اجزاء متفرقة على انها اوطان. وراحوا يرسمون الخطط لنهضة هذه الاوطان دون الاخذ بعين الاعتبار الاتجاهات التاريخية للحركة الاسلامية والتي يعتبر اكثرهم من ورثتها الشرعيين.
فالامام حسن البنا، المرشد المؤسس لجماعة الإخوان المسلمين،  وبعد يوم واحد على تأسيس دولة إسرائيل واعتراف واشنطن الفورى بها، أرسل يوم 16 ايار 1948، خطاباً للرئيس الأمريكى هارى ترومان يحمل تهديداً واضحاً، وجاء فيه إن «اعترافكم بالدولة الصهيونية إعلان حرب على العرب والعالم الإسلامى. وإن اتباعكم لهذه السياسة الخادعة الملتوية هو انتهاك لميثاق هيئة الأمم والحقوق الطبيعية للإنسان وحق تقرير المصير، وسيؤدى حتماً إلى إثارة عداء دائم نحو الشعب الأمريكى، كما سيعرض مصالحه الاقتصادية للخطر ويؤذى مكانته السياسية، فنحملكم المسئولية أمام العالم والتاريخ والشعب الأمريكى».
يومها كان في بلادنا مشروعان صاعدان يتنافسان الاول اسلامي نهضوي والثاني عربي تحرري. وقد التقيا بشكل كامل على «النحن والهم». فالمشروع الاسلامي كان جل همه ان يمثل المسلمين في العالم. والمشروع العربي الذي لم يكن مشروعاً شوفينياً عنصرياً اعتبر ان البلاد الاسلامية هي امتداد طبيعي له وهذا ما انتج علاقات قوية على سبيل المثال بين مصر وايران ايام الملك والشاه وايام الثورة على الملك والشاه.
لقد كان حملة المشاريع الاسلامية والعروبية ينظرون ابعد من انوفهم، فقد كانوا عرباً يمثلون مئة مليون عربي او مسلمين يمثلون ثلاث مئة مليون مسلم. وهذا ما اعطى لهذه المشاريع قوة رغم بدائيتها. الا ان الغرب خاف على الدوام من تماهي الشعوب ببعضها البعض، وخطط للخلاص منها معاً عبر جرها لصراع وحشي جداً على السلطة. ثم جاءت الفرصة في حزيران 1967 لتوجيه ضربة قاصمة ضد المشروع القومي، فأصابت الإثنين معاً، القومي والإسلامي. فأضحى مشروع التجزئة اقوى من مشاريع الوحدة. فانهار مشروع الوحدة في مصر حجر الاساس في الشرق الاوسط ووقعت فريسة سهلة في المحور الاميركي الغربي. فأخرجت من معادلة العرب والمسلمين وخضعت للسياسات الاسرائيلية سواء في الاتفاقات المعقودة او في الممارسة الفعلية والتي كان ابشع صورها الموقف المصري المنكفئ ابان العدوان على غزة. فهو يراقب القصف الصهيوني لها ويحاصرها في الان نفسه. مستجيبا لشروط الاتفاقات المعقودة.
وعندما ينبري اسلاميو مصر اليوم سواء في حركة الاخوان المسلمين وحزبهم العدالة والحرية او السلفيين على اختلافهم ليطمئنوا العدو بان اتفاقات كامب دايفد لن تمس وهذا ما فعله «الشاطر» في رسالته للعدو الصهيوني عبر اعضاء في الكونغرس الاميركي ذكرها راديو الجيش الاسرائيلي ولم يكذبها الاخوان ولا العدالة والحرية. او كما صرح الدرديري في زيارته التطمينية لامريكا والوفد الذي رافقه بان الاخوان سيحترمون التزامات مصر الدولية ولن تعرض اتفاقات كامب ديفد على الاستفتاء. فاننا نقف مشدوهين امام هذا التناقض بين موقف مؤسس الحركة وما وصل اليه ابناء الحركة اليوم خصوصا ان هذه الحركة في 1947 كانت من اهم محركي الجهاد ضد الصهيونية قبل انشاء دولة اسرائيل وانها حركت العالم الاسلامي بشرقه وغربه في عملية تعبئة واسعة اسست للعلاقة مع مسلمي ايران التي شارك منها في القتال في فلسطين حركة «فدائيان اسلام» ومؤسسها «مجتبى نواب صفوي» ليكون القتال على ارض فلسطين خط العمادة للحركة الاسلامية التي حملت وجها تحررياً لا يقل عن الوجه التحرري للحركة العربية الناهضة في تلك المرحلة.
فهل اصبح اعضاء الحركة الاسلامية سياسيين بلا سياسة؟ والا فاين السياسة في الحركة الاسلامية.
ان كتابة البرامج السياسية والادبيات الجميلة التي تتحدث عن «بذل الجهد للوصول الى حل جذري وعادل للقضية الفلسطينية..» يحتاج لاثباتات سياسية للناس في الممارسة اليومية كما يحتاج الاميركيون لتطمينات من الحركة الاسلامية.
وعندما نكون على مفترق طرق، لمن علينا ان نرسل التطمينات اولاً لامتنا وشعوبنا ام للاميركيين والغرب.. عندها يكون الواجب الذي لا يحتمل التباسا هو ان نطمئن امتنا وشعبنا. فكيف اذا كانت مصالحنا تتناقض مع مصالح اميركا والغرب واسرائيل؟
لقد عبر برنامج الحرية والعدالة بوضوح عن رفضه للحاكم المستبد وحكمه الظالم الذي حول بلادنا «الى ولاية تابعة للسياسة الغربية والصهيونية..» فكيف نرضى على انفسنا باستعادة ممارسة الحاكم المستبد تلك وحكمه الظالم لا سيما تلك المتعلقة بفلسطين واتفاقيات كامب ديفد؟
يضيف البرنامج «إن الاتفاقيات والمعاهدات بين الدول لابد أن تكون مقبولة شعبياً، وهذا لا يتأتى إلا إذا كانت هذه الاتفاقيات والمعاهدات قائمة على أساس العدل وتحقق المصالح لأطرافها، إضافة إلى ضرورة التزام هؤلاء الأطراف بتطبيق نصوصها بأمانة ودقة، ويتيح القانون الدولى للأطراف مراجعة الاتفاقيات والمعاهدات المعقودة بينهم فى ضوء هذه الشروط، وهى عملية مستقرة فى المعاملات الدولية، لذلك يرى الحزب ضرورة مراجعة كثير من الاتفاقيات التى تم إبرامها فى مختلف المجالات فى ظل نظام كان يفتقد إلى الشرعية الشعبية بل والدستورية السليمة». ولكن ما أكده وفد الإخوان في أمريكا أن اتفاق كامب ديفيد لن يعرض للإستفتاء، وأن الإخوان في السلطة سوف يحافظون على هذه الإتفاقات، بالرغم من أن برنامجهم يناقض هذا التوجه.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ
القرآن الكريم. سورة الصف. آية 2 و3
كما أن برنامجهم بالنسبة للقضية الفلسطينية يناقض توجه الإمام حسن البنا. فالبرنامج يدعو إلى «بذل كافة الجهود للوصول إلى حل جذري وعادل للقضية الفلسطينية، يضمن لجميع الفلسطينيين داخل وخارج الأرض المحتلة حقهم في إقامة دولتهم وعاصمتها القدس». وهذا يناقض حق الفلسطينيين في وطنهم. أي أن الإخوان يعترفون ضمناً بالكيان الصهيوني وباغتصابه لفلسطين. من أجل ذلك لم يأت البرنامج على ذكر تحرير فلسطين ولم يأت على ذكر المقاومة لا من قريب ولا من بعيد.
أما الإخوان السوريون فقد ذكروا تأييدهم للشعب الفلسطيني في نفس البند الذي يدينون فيه الإرهاب ومن دون الإتيان على ذكر المقاومة «وتعملُ على تحقيق مصالح شعبها الإستراتيجية، وعلى استرجاع أرضها المحتلة، بكافة الوسائل المشروعة، وتدعمُ الحقوقَ المشروعة للشعب الفلسطينيّ الشقيق».
حركة النهضة التونسية كانت أكثر تحديداً بالنسبة لموضوع فلسطين. جاء في برنامجها السياسي ما يلي «تدعم الحركة قضايا التحرر والعدل وتشجع على تحقيق السلم العالمي وتسعى إلى دفع التعاون والتكامل والوحدة وبالخصوص بين الدول العربية والإسلامية وتؤكد مركزية القضية الفلسطينية ومناهضة التطبيع». صحيح أنها لم تذكر المقاومة ولكنها أكدت على عدم التطبيع.
ولكن ما يثير التساؤل هو موقف الحكومة المغربية التي يقودها حزب العدالة والتنمية الإسلامي من الخطوات التطبيعية مع الكيان الصهيوني التي تقوم به أطراف مغربية. إذ تدعي السلطة ان ليس بإمكانها القيام بأي خطوة مضادة لهذا التطبيع.
ما تقدم يظهر أن الإسلاميين في السلطة غير جادين في القضايا الوطنية، وسوف ينهجون نفس نهج أسلافهم الحكام الذي ثاروا عليهم.

نهج إسلاموي سلطوي مختلف
عندما ظهرت الثورة الاسلامية في ايران بقيادة الخميني وظهر عداؤها لاميركا وقام طلابها باحتلال السفارة الاميركية، اعلن يومها الرئيس الاميركي «جيمي كارتر» بانه سيفرض حصاراً اقتصادياً عليها. وكان الشاه المخلوع قد قوض الزراعة والاقتصاد الرعوي خلال ثورته البيضاء (عندما دمر البنى الزراعية التقليدية واستبدلها ببنى غيرصالحة). وقف يومها الامام الخميني يطالب الشعب الايراني بان يزرع اي بقعة ارض موجودة تحت يده وان لم يجد فليزرع سقف بيته الترابي. وقال ساصوم ثلاثة أيام في الأسبوع، وساكل اللحم مرة واحدة. فاضطر الاميركي للتراجع عن توجهه فوراً لان الشعب الإيراني التزم بما ألزم به قائده نفسه. وهكذا فشل الحصار لأن إرادة الشعب لا يمكن قهرها.
هذه الارادة القوية كان سرها ان الخميني لم يكن ينظر الى ايران كدولة ايرانية في حدودها الجغرافية المتواضعة بل نظر الى ايران وثورتها ككائن يعيش في بحر لجي قوامه مليار مسلم طالبهم بموقف ثوري ضد الغرب المهيمن والشرق المتكبر. وأن الامة الاسلامية كائن ثالث لا يمكن قهره.
هكذا تاسست ايران الثورة قبل ان يتقزم مشروعها عند الرؤى الواقعية التي حملها ورثته والتي جعلت مشروعها يهتم بالعالم الاسلامي انما من موقع فارسي- شيعي وليس من موقع المليار مسلم.
فمشروع المليار مسلم يستحيل ان يكون مشروعاً شيعياً بل مشروع اسلامي عابر للمذاهب ويتجاوزها، «يبتعد عن السبل ويقصد الصراط».
ان هذا التراجع هو الذي سمح لداوود اوغلو بان يقول ان ايران دولة قوية محترمة ولكنها لا تمتلك الجاذبية وان تركيا اكثر جاذبية منها.
الا ان الرؤية التركية الجزئية الاخرى والتي تعتمد على محور تاريخي الترك- المذهب الحنفي والتي لا تقبل المذاهب الاخرى الموجودة ضمن خارطتها، فقدت جاذبيتها بسرعة فائقة ما بين دخول اردوغان الى مصر بعد الثورة  وخروجه منها. وبسبب الانخراط غير المبرر للقوات التركية في الحرب الليبية الى جانب قوى الظالم العالمي من جهة، و من جهة اخرى لانخراطه غير المنطقي في ازمة سوريا التي اعتمدت عليها السياسة الخارجية التركية بداية لاختراق الاسواق العربية ثم استعدتها بشكل مفاجئ.
اننا اليوم في زمن العولمة حيث الكرة الارضية كلها اصبحت كقرية او مدينة واحدة وحيث لم يعد من المفيد الاستقواء بالقومية والتمترس خلفها فاميركا القوة المهيمنة تحتاج الى اتفاق اكثرمن قومية لمواجهتها، لأنها تمتلك قدرة تدمير هائلة متجبرة وظالمة. لذلك لم يفكر الصينيون القوة الثانية على الكوكب بمواجهتها منفردين او بشكل متعجل على الرغم من انهم اكثر من مليار صيني في بر الصين وحدها. بل راحوا يبحثون عن حلفاء ولو بشكل آني فوجدوا ضالتهم في «بريكس» ليظهروا انهم من ضمن فريق عالمي موحد لا يوافقون على التوجهات الاميركية السياسية والاقتصادية وبطرق سلمية غير مؤهلة للتحول عسكرية في اي اجل قريب الا اذا ما اراد الاميركي ان يفرض حرباً على العالم بشكل متعجل وهذا الذي لا يبدو في صالحه في الافق القريب. فهو يعاني من مشاكل اقتصادية حقيقية تحتاج لحلول لها من قبل ان يشرع في اية حرب.
ونحن كامة عربية- اسلامية علينا ان نعتبر من تجارب الاخرين «فالعاقل من اعتبر بنفسه.. والكيس من اعتبر بسواه». خاصة وان الاخرين اشد قوة وبأساً منا وان طريقنا للحضور تحت الشمس محتاج لمشاريع وحدوية وليس لمشاريع كيانية هي مهما اشتد ساعدها تظل ضعيفة وخاضعة، ومن دون حل لمشكلة الغذاء في اوطاننا والوصول بها الى عتبة الامن الغذائي والاقتصادي التي لا يمكن لها ان تكون حرة سيدة مستقلة.

الرؤية الإقتصادية في برامج الإخوان السياسية
من اللافت أن برنامج حركة النهضة طموح ولا يمكن لأي كان تجاوزه، إذا كان يريد خدمة الشعب التونسي. كما وأن برنامج إخوان مصر هو طموح أيضاً ولكن ينقصه التحديد كما تميز به البرنامج التونسي.
إن ما يمكننا التأكيد عليه انطلاقاً من تجارب الشعوب أن من يريد تحقيق هكذا برامج لايمكنه الإعتماد على الغرب ولا يمكنه إلا الإلتزام ببرنامج تكون غايته التطلع إلى الداخل وليس إلى الأسواق الخارجية التي يسطر عليها الغرب الذي ينهب ثرواتنا.
فقد جاء في برنامج النهضة ما يلي «تدعيم العلاقة مع الإتحاد الأوروبي للوصول بها إلى مرتبة الشريك المميز والعمل على تطوير العلاقات مع كل دول الفضاء الأوروبي».
«تدعيم علاقات الشراكة الإقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واليابان».
«تنقية مناخ الأعمال لحث رجال الأعمال على إدراج مؤسساتهم بالبورصة لتشجيع الإقتصاد المبني على المشاركة في المخاطر والأرباح».
«الرفع في نسبة مساهمة الصادرات في النمو لتصل إلى حوالي 43%».
«تسهيل مساعدة المؤسسات على ملاءمة منتوجاتها مع متطلبات الأسواق الخارجية».
إن التزام أي بند من هذه البنود يعني إخضاع الإقتصاد التونسي لشروط العولمة النيوليبيرالية، مما يستتبع القضاء على هذا الإقتصاد. إن التزام مصالح الشعب التونسي تتطلب القطع مع كل مؤسسات العولمة النيوليبيرالية التي تعمل على تجويع الناس وتجميع الأرباح في جيوب كبار المستثمرين.
وإخوان مصر هم بنفس الإتجاه التونسي «العمل على زيادة القدرة التنافسية للاقتصاد المصري في السوق الدولي».
«تحقيق تنوع اقتصادي لمصادر توليد الدخل القومي حتى يصبح الاقتصاد المصري قادرًاً على مواجهة التحديات الاقتصادية الدولية وأزمات الاقتصاد العالمي».
فالمصريين يتطلعون إلى الخارج بدل التطلع إلى الداخل لحل مشكلة البطالة والجوع عند الشعب المصري «إدراكًا من حزب الحرية والعدالة بأهمية التجارة الخارجية سواء بتوفيرها للسلع والخدمات التي يحتاجها الاقتصادي المصري أو باعتبارها الطريق لتحقيق النمو الاقتصادي من خلال عمليات التصدير للمنتجات المصرية، يرى الحزب ضرورة إعادة النظر في دور التجارة الخارجية المصرية بما يسمح بزيادة قدرة مصر التنافسية في السوق العالمية وزيادة نصيبها من حركة التجارة إقليميًا ودوليًا». فهم هنا يتحدثون عن متناقضات. التطلع إلى الداخل يستدعي العمل على تنمية كل ما يحتاجه الداخل ولا يتطلع إلى الربحية. أما إن لم يكن بد من التطلع إلى الخارج فيجب أن يكون هذا الخارج هو المحيط الإقليمي.
إن الإتجاه الذي يتحدث عنه إخوان مصر وتونس هو ربط بلديهما بالغرب بدل من أن يكون همهم الأساسي هو كيفية التحرر من هذا الغرب، كما قال إخوان مصر في برنامجهم.

كيف يكون الإخوان جادين في تطلعاتهم إلى المستقبل؟
لقد أدرك إخوان تونس (النهضة) أهمية نظام القيم في الإقتصاد، لذلك أشاروا إليه، ولكن من دون تحديد ومن دون ذكر أي من هذه القيم. أما إخوان مصر فلم يأتوا على ذكره. علماً أن هذا الموضوع قد أثير في الأدبيات الإسلامية، وخاصة في كتاب مالك بن نبي عن المسلم في مواجهة الإقتصاد. إن القيمة الأولى في الإقتصاد الإسلامي هي الإنسان نفسه. وبالتالي فمن المفترض أن يكون العمل هو على تأمين ضروريات ثم حاجات جميع أفراد المجتمع. أما الحديث عن التصدير والربح والتجارة الخارجية والإستثمار في البورصة،  فكل ذلك يعني تلزيم إقتصاداتنا للمستثمر الغربي والتخلي عن أهم القيم في الإقتصاد الإسلامي. وبذلك يكون الإقتصاد من دون قيم إسلامية ويأخذ هويته الحقيقية: إقتصاد يرتبط بالغرب، إقتصاد يرتبط بالعولمة النيوليبيرالية.
ليس هذا غريباً على الحركات الإسلامية في عالمنا العربي، فلا نجد صناعياً واحداً من الإقتصاديين الإسلاميين، بالعكس من إخوانهم الأتراك. فأربكان أول ما اهتم بتنمية الصناعة التركية. وقد أوجد صناعة وطنية تركية يمكن الدفاع عنها إزاء مثيلاتها الغربية. أما إخوان بلادنا فقد كانت اهتماماتهم تجارية، لذلك نراهم مرتبطين إقتصادياً بالخارج. فمصالحهم مرتبطة بالخارج وليس بالداخل. لذلك يتحدثون عن البورصة والتجارة الخارجية والإنتاج بقصد التصدير ولا يخططون من أجل الإكتفاء الذاتي داخلياً.
بذلك يكونون غير جادين في تطلعاتهم إلى المستقبل.
إن التطلع إلى المستقبل يحتم على العاملين في الحقل العام، وخاصة الإخوان المسلمين، المهيئين إلى تسلم السلطة أن يدرسوا الواقع، والحلول التي تمكنهم من تأمين حياة حرة، آمنة لشعوبنا.
ان السعي للتشارك مع الاخرين لبس عيبا بذاته بل هو امر طبيعي لاننا نعيش جميعا في عالم واحد, ولكننا في هذا العالم الذي يهيمن عليه التوحش في التعاملات الذي ارست قواعده العالمية الراسمالية النيو- ليبرالية لا يمكننا ان نكون شركاء، وليس تابعين، الا اذا اسسنا قاعدة الاقتصاد الخاصة بنا، وان افتقاد التصور لبناء هكذا قاعدة في البرامج السياسية للحركات الموشكة على تبوؤ السلطة، اقصد الحركات الاسلامية، ينبئ باستمرار تبعيتنا للاخرين وهذا ما يخالف قواعد السنة النبوية، التي انتقلت باهل الجزيرة العربية من البداوة والتجارة الى المجتمع الحضري الذي كان مثاله يثرب المدينة المنورة التي قامت دائرتها على الانتاج الزراعي والحرفي يومها وكانت الصورة التي قرب بها النبي الى عقول اتباعه وسكان الجزيرة العربية تقبل رؤية التقدم والتطور التي كانت سببا لدولة دامت 1400 سنة قبل ان تذوي.
ففي عصرنا الحاضر، لا حياة إلا للكتل الكبرى: الولايات المتحدة، الصين، الهند، روسيا مع أوروبا...إلخ والدول العربية مع محيطها الإقليمي إيران وتركيا. فمن دون قيام هذه الكتلة لاحرية لإنساننا العربي، أو المسلم. من هنا وجب على كل تخطيط سياسي، أو إقتصادي أن يأخذ هذه العوامل في عين الإعتبار. وهذا ما لم تقم به أي من الحركات الإسلامية سواء في تونس، مصر، المغرب، ليبيا أو سوريا، ما يجعلنا نستنتج، عاجلاً وليس آجلاً، أن ثورات الربيع العربي لن تنتهي إذا تسلم الإسلاميون السلطة. بل إن التحركات سوف تستمر إلى أن ترسو على البر الذي يؤمن الإستقلال الفعلي عن الهيمنة الغربية والخلاص من الإستبداد الداخلي. الهيمنة الغربية والإستبداد السلطوي الداخلي اللذان يمكن أن يتجددا مع استلام الإسلاميين السلطة، ولكن بشكل أشد إيذاءً، لأنه سيستحضر السماء لتقمع من على الأرض.
الشيخ إبراهيم الصالح- حسن ملاط
مركز الفيحاء للبحوث والتخطيط
22 نيسان 2012