بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية

حسن ملاط

صورتي
القلمون, طرابلس, Lebanon
كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.

الخميس، 14 سبتمبر 2017

مع القرآن

                
حسن ملاط
يتفق جميع الذين يتعاملون مع القرآن أنه لم يتبدل منذ الإتفاق على نشره بعد وفاة النبي، عليه الصلاة والسلام. ولكن، رغم هذا، فالتعامل مع القرآن يختلف من فئة إلى أخرى. سنحاول الإطلالة على هذه القراءات، وبعدها سندلي برأينا.
اولاً: يمكننا التأكيد بأن جميع الفرق الإسلامية أو المذاهب تعتبر بأن التفاسير التي صدرت عن علماء الفرق ترتدي نفس قدسية القرآن، إن لم يكن أكثر. لذلك نراهم يُخضعون النص لتأويل المفسر. وبذلك، تصبح الأولوية لما جاء به المفسر وليس للنص المقدس.
ثانياً: منذ عقود، صدرت قراءات جديدة للنص المقدس نبذت بطبيعة الحال التفاسير السائدة. ولا بأس بخطوة مثل هذه لولا أنها تميزت بعدة مزايا تجعلنا نرفض معظمها، مع تأكيدنا على ضرورة القراءات الجديدة للنص القرآني.
أ‌-              معظم هذه القراءات تتعامل مع النص القرآني وكأنه نص عادي كباقي النصوص. وهذا مرفوض لأن النص القرآني حسب رأينا هو نص مقدس من عند الله وليس نصاً بشرياً. هذا لا يعني مطلقاً أن أي الدارس لا يحق له التعامل مع القرآن على أنه نص بشري. ولكن هذه القراءات نعتقدها قاصرة لأنها سلبت النص أهم ما يميزه.
ب‌-       تعاملت مع النص على أن التعابير المستخدمة تدخل في ميدان اللغة التي تم تقعيدها استناداً إلى اللغة الجاهلية، علماً أن النص القرآني قد أتانا بلسان عربي مبين. أي أن كل ما يحويه النص هو أصيل وليس دخيلاً. أي أنه لا يجوز القول أن هذه الكلمة فارسية أو أعجمية... كما لا يجوز القول أن هذه الكلمة لم تكن معروفة... وإلا نكون قد اعتبرنا أن القرآن لم ينزل بلسان القوم الذين يفهمونه، وهذا سبب إنزاله بهذه التعابير والمفردات والتركيبات التي نزل فيها. والأهم لا يحق لنا القول "غريب القرآن" وإلا نكون قد اعتبرناه طلاسم وليس كتاب هداية كما أوضح تبارك وتعالى.
ت‌-       ما أثاره هؤلاء من مفهوم تاريخية النص. بمعنى أن النص القرآني مرتبط بزمان ومكان، وهذا ما يسلب الرسالة أبديتها وعموميتها. حتى أن البعض يقول بأن النداء الموجود في القرآن يختص بالشخص المنادى فقط. وبذلك، يتم إعفاء الناس من أكثر الأوامر والنواهي. وهذا ما يُعطل جزءاً كبيراً من الكتاب. نراهم يرفضون الناسخ والمنسوخ، وهم محقون بهذا الرفض، لأنه يلغي العديد من الآيات، ونراهم في المقابل يقولون بأن نداء "يا أيها النبي، يختص بالنبي وحده" وغيره من النداءات المشابهة. وفي هذا تعطيل لجزء كبير من النص القرآني. وهنا يحسُن الإشارة إلى الحديث النبوي بأن من له القرآن فله النبوة ولكن لا يوحى إليه.
ث‌-       القول بأن القرآن يفسر بعضه البعض، أو بصيغة أخرى أن القرآن يتم الدخول إليه من داخله. وهذا فيه تعطيل للتجربة الإنسانية التي يؤكد عليها القرآن نفسه.
لن نورد جميع الملاحظات، فمقالة لا تكفي، ولكن أعطينا إشارات لما حصل ويحصل في التعامل مع القرآن الكريم.
ثالثاً: كيف يتم التعامل مع القرآن؟
القرآن يتنزل يومياً على المؤمنين، فهو ليس تراثاً ولا تاريخا. من هنا يأتي معنى أنه لكل زمان ومكان. وهذا ما يوجب الدخول إلى القرآن من خارج. أي علينا أن نقرأ الخطاب الإلهي ونحن نحمل جميع التجارب التاريخية لمجتمعاتنا، ومحملين أيضاً بجميع ما اكتسبناه من علوم، سخرها الله لنا، ونحاول فهم ما الذي يريده الله منا في هذا الزمن وفي هذه البقعة من الكرة الأرضية. ليس هذا فحسب، بل ما الذي علينا فعله من أجل تأمين السعادة للناس في المجتمع الذي نعيش فيه لأن الله أرسل رسوله رحمة للعالمين.
وهل الدخول إلى القرآن من خارج يكون من غير ضوابط؟
بالطبع لا! إنه مسور بالتأسي برسول الله. الله تبارك في علاه يأمرنا بالتأسي في كل زمان ومكان، وهذا الخطاب ليس تاريخياً بل تعليمي. علينا دراسة العمليات العقلية وغيرها التي قام بها الرسول لأخذ قرار ما في ظروف معينة. التأسي هو بمعرفة الآليات وليس بالتكرار للعملية، أو بالمحاكاة... التأسي هو عملية علمية تتضمن استخدامنا للعلوم المكتسبة من أجل معرفة أسرار ممارسة النبي المتضمنة في الممارسة نفسها.
للحديث تتمات!

                             14 أيلول 2017

الخميس، 7 سبتمبر 2017

ماذا عن الإستقرار في لبنان

          
حسن ملاط
هناك مخاوف يومية تتردد على لسان السياسيين أو المحللين السياسيين في وسائل الإعلام على الإستقرار في الداخل اللبناني. هل هذه المخاوف لها ما يبررها، أم أنها بروباغندا يُراد مصالح معينة من وراء بثها؟
عوامل الإستقرار في لبنان
ما يجعل لبنان مستقراً في محيط متفجر هي الأسباب التالية. ومن خلال دراستها يمكننا الوصول إلى النتيجة المرجوة رداً على التساؤل في عنوان المقال.
1-        العامل الأهم هو أن حزب الله الذي يملك جميع أدوات خربطة الإستقرار القائم يريد الإستقرار. ولكن لا بد من الإشارة هنا بأن رغم امتلاكه هذه الأدوات لا يستطيع بمفرده تأمينه داخلياً. وهذا يعود إلى طبيعة الإجتماع اللبناني الذي يقوم على تآلف بين مختلف المذاهب والطوائف. وإذا أحببنا أن نحدد أكثر، نقول التوافق بين الشيعة والسنة والمسيحيين.
وبما أن التوافق بين الطوائف يقوم على الغلبة، لذلك نرى كل طائفة متربصة بالطوائف الأخرى من أجل الدخول في لعبة التناتش للمصالح. وهذا ما يجعلنا نقول بأن هذا التآلف لا يكون مستقراً إلا بصورة مؤقتة.
2-        العامل الثاني في الإستقرار اللبناني هو العدو الصهيوني. لقد أكد العدو مراراً أنه يتهيأ لشن عدوان على لبنان بقصد تدمير البنى التحتية للمجتمع اللبناني وذلك للقضاء على البيئة الحاضنة لحزب الله والمقاومة. وما يجعلنا نقول ذلك هو أن العدو ليس متأكداً من إمكانيته على الإنتصار على المقاومة. وبما أن استقرار المجتمع الصهيوني محوره الجيش، وبما أن هذا الجيش قد تلقى ثلاث هزائم متتالية من حزب الله، فقد أصبحت اللحمة في هذا المجتمع هشة، ولا شيء يمكنه إعادتها إلا هزيمة حزب الله التي تبدو مستحيلة في أعين العدو. وهذا ما سيجعله يستعيض عن ذلك بحرب تدميرية ضد المدنيين بحيث يشل القدرة المستقبلية للمقاومة، بزعمه.
أما عن توقيت العدوان، فهذا مرهون حسب قادة العدو، العسكريون منهم والأمنيون، بانتهاء الحرب البينية بين مختلف الأطراف التي يعتبرها العدو في دائرة الأعداء (جميع المتحاربين في سورية باستثناء الأطراف الدولية).
3-        المجتمع الدولي الذي لا يزال يرى ضرورة الإستقرار في لبنان، ليس إكراماً للبنانيين ولكن إكراماً للعدو.
هذه هي عوامل الإستقرار. ولكن الحفاظ على الإستقرار وتصليبه يتطلب أموراً أخرى. وهي على سبيل المثال لا الحصر:
أ‌-              إحياء العلاقات بين مختلف الأطراف الداخلية مشروطة باحترام متطلبات كل طرف من الأطراف الأخرى بحيث يبدو الإتفاق بينهم ممكناً مصحوباً بشعور كل طرف بالوصول إلى ما أراده من الحوار.
ب‌-       النقطة المركزية في الخلاف هي مشاركة الحزب في الحروب الإقليمية، وخاصة في سورية. وحيث أن وقف المشاركة يبدو مستحيلاً لأنه مرهون بقرار إقليمي، لذلك يمكن اللجوء إلى أمر آخر وهو الفصل بين المسار الداخلي للحزب والمسار الإقليمي.
هذا الفصل يجعل القرار الداخلي غير مرهون بالمسار الإقليمي بحيث يخفف من الإحتقان الداخلي.
مسار الحرب في سورية يُظهر وكأن الحسم أصبح قريباً. وهذا يجافي الحقيقة. فانتهاء الحرب مرهون بتوافق دولي إقليمي يُفرض على الأطراف الداخلية من دون النظر إلى نتيجة التذابح الداخلي. وهذا ما يجعل إمكانية عودة عسكر الحزب من سورية مستبعدة على المدى المنظور. من هنا ضرورة فصل المسارين يبدو مطلوباً. أما تأثير نتيجة الخارج على الداخل، فهذا لا بد منه. ولكن توافق الأطراف الداخلية يقلل من سلبيات هذا التأثير.
ومن تداعيات هذه الحرب مسألة الترابط بين الحزب وإيران وارتباط الحريري بالقيادة السعودية. فعدم إقحام هذه العلاقات في الصراع الداخلي سيكون له الكثير من النتائج الإيجابية.
ت‌-       القيام بهذا الأمر يتطلب من الأطراف الداخلية التي تنشد الإستقرار عدم التعامل مع بعضها البعض على أنهم أعداء ولكن على أنهم خصوم فقط. العدو يجب إزالته أو تغيير طبيعته، بينما الخصم، يكون التعامل معه من أجل تبديل الخصومة إلى صداقة أو تعايش.
هل ما طرحناه يمكن تحقيقه؟ جوابنا هو بالإيجاب، فهذا الأمر لا يؤثر سلباً على أي طرف، وبالأخص على الطرف المعني أكثر من غيره، وفي حالتنا الراهنة هو حزب الله. ومع ذلك فإن تحقيق هذا التوافق يتطلب الكثير من النقاشات التي تخفف الإحتقان في ساحتنا الداخلية.

                              7 أيلول 2017

الاثنين، 21 أغسطس 2017

العدل

                  
حسن ملاط
تمر منطقتنا بظروف استثنائية تتطلب الكثير من التبصر والحذر. فالحرب ضد القوات الأمريكية الغازية في العراق تحولت إلى حرب بين مختلف مكونات الشعب العراقي. والحرب ضد الكيان الصهيوني تحولت بين ليلة وضحاها إلى حرب بينية مدمرة. لا نقول مدمرة للأبنية فقط بل إنها مدمرة للنفوس أيضاً!
1-        إذا كانت البيئة المؤيدة لحزب الله والمحور الإيراني تحرض مذهبياً، فهل يحق للبيئة المخاصمة أن تحرض مذهبياً أيضاً؟ والعكس بالعكس. بالطبع لا! فالمطلوب من جميع الأطراف أن تكون عادلة في قولها. "ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، إعدلوا هو أقرب للتقوى".
2-        إذا تمعنا قليلاً في الصورة العامة لما يحصل في الإقليم يظهر لنا مدى الظلم الكبير الذي تقترفه مختلف القوى المتقاتلة بحق شعوبنا. إيران تخطط سوياً مع تركيا وروسيا وروسيا تخطط سوياً مع الأمريكان، وهؤلاء يخططون سوياً مع تركيا والسعودية وقطر. والمجموعات المحلية والمستقدمة من الخارج تتذابح فيما بينها.
3-        أما الأمر المهم والمفصلي فهو موضوع العدو الصهيوني الذي يتهيأ للقيام بعدوان على لبنان وعلى حزب الله. والمعتقد أن هذا الأمر حتمي، والمرجح أن لا يكون حالياً، كما صرح رئيس أركان جيش العدو أنه ليس غبياً حتى يشن عدواناً وأعداؤه يتقاتلون فيما بينهم. ولكن، لنتصور العدوان في ظل ظروف التحريض القائمة حالياً، كيف يمكن التعامل مع النتائج المباشرة لهذه الحرب التي سوف تؤدي إلى نزوح جزء كبير نسبياً من سكان المنطقة الحدودية. أليس خدمة مجانية للعدو عدم استقبال أهلنا النازحين من الجنوب أو البقاع إلى الأماكن الآمنة نسبياً (أي البعيدة عن جبهة القتال)؟ وهل يمكن التعامل بأخوية في ظل التحريض القائم اليوم؟
4-        حزب الله حارب العدو وانتصر عليه في عدة محطات. ففي 98 تمكن من إجبار العدو على الإعتراف بحق المقاومة بإجراء عمليات ضد جنود العدو في الأراضي اللبنانية، وبالمقابل لا يحق للعدو قصف المدنيين اللبنانيين. وفي ال2000 أجبر العدو على الإنسحاب خائباً من معظم الأراضي اللبنانية. وفي ال2006 كبد العدو خسائر فادحة كان لها تأثير مدمر على الكيان الغاصب بمجموعه: البنية السياسية والإقتصادية والعسكرية...
أليس من الواجب على الجميع أن لا يسمحوا للعدو بالتفرد بمهاجمة مكون رئيسي من مكونات المجتمع اللبناني؟
5-        أما التذرع بمشاركة الحزب في الحرب السورية إلى جانب النظام ضد الشعب السوري، فهذا ليس دقيقاً. منذ عسكرة الإنتفاضة التي لجأ إليها النظام، أصبحت الحرب على الشعب السوري من قبل المجموعات التي تأتمر بمختلف محاور الصراع. لم يعد الشعب السوري في الميدان، بل أصبح ضحية تقاتل هذه المجموعات المسلحة فيما بينها وعلى اختلافها.
إذا نظرنا إلى الأمور من هذا المنظار، أصبح لزاماً علينا أن نحكم على ما يجري بحقيقته دون تحيز إلى جانب ضد آخر. "وإذا قلتم، فاعدلوا". للحزب ميزة على جميع القوى الأخرى وهي محاربة العدو الصهيوني. علينا تعبيد الطريق للحزب من أجل العودة لمحاربة العدو وجر بقية القوى للتآلف معه على هذا الهدف الرباني!
                     في 19 آب 2017


الاثنين، 31 يوليو 2017

عن التأسي برسول الله

         
حسن ملاط
هناك مسائل يتكرر طرحها باستمرار لأسباب لا تبدو واضحة. ومن هذه المسائل، السنة النبوية الشريفة، من حيث وجودها ومن حيث ضرورتها من عدمها بوجود القرآن. والحجة الأساسية التي يوردونها هي أنه بما أن القرآن قد وصلنا بالتواتر، وبما أنه لا يوجد أي شك بصحة الكتاب الذي بين أيدينا، فلم يعد من ضرورة للجوء إلى السنة التي وصلتنا عن طريق آحاد وأنه بدأت كتابتها بعد أكثر من قرن ونصف من موت رسول الله. كما وأن الأهواء السياسية قد لعبت دوراً كبيراً بتحريف الأحاديث الشريفة بما يتناسب مع مصالح الحكام بمختلف أنواع تسمياتهم: ملوك، سلاطين، أمراء ووزراء وخلفاء...
سنناقش بعض هذه المسائل إنطلاقاً من أن جميعها صحيحة.
1-        القرآن هو الصحيح مطلقاً ويحوي جميع ما على المؤمن أن يقوم به حتى يتحقق إيمانه. وقد ورد في القرآن أن رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. وحيث أن المؤمن هو من يرجو ذلك، فقد أصبح التأسي بالرسول واجباً. وإذا كانت السنة غير مؤكدة فهذا لا يعني أن جميع ما وردنا من أحاديث عن النبي كان كاذباً. وبما أن احتمال الصدق موجود كما هو احتمال الكذب أيضاً، فقد أصبح من الواجب التفتيش عما يجعل إمكانية التأسي بالرسول ممكنة. أي التفتيش عن معيار صحيح مطلقاً نعرض عليه جميع ما ورد من أعمال أو أحاديث قام بها الرسول. هذا المعيار موجود بين أيدينا وليس بإمكان أحد التشكيك بصحته: القرآن.
النية الصادقة تستوجب عرض ما وردنا عن النبي الرسول على المعيار الصادق أي القرآن حتى نتمكن من التأسي برسول الله.
2-        الممارسة العملية للمعتقدات
أن نقول بأن مهمة الرسول هو تبليغ الرسالة فقط، هذا أمر يصح إذا كانت ظرفاً مختوماً لا تعني الرسول الذي يحمل هذه الرسالة. ولكن حيث أن الله تبارك في علاه قد وصف النبي بمعيته لأصحابه (محمد والذين معه)، فهذا يعني أن الجميع معني بالرسالة التي يحملها النبي وعليه تبليغها (بلغ ما أنزل إليك من ربك).
ما تقدم يعني أن المؤهل الأول لمعرفة كيفية تنفيذ مضمون الرسالة هو النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه معني كغيره بمضمون هذه الرسالة. وهذا ما تعنيه الآية التي تتحدث عن الأسوة الحسنة.
هنا يطرح السؤال التالي نفسه: هل كان من الممكن تنفيذ مضمون الرسالة التي حملها النبي من دون النبي نفسه: الجواب هو بلا! لأنه من خلال مضمون الخطاب القرآني يتبين لنا أن القرآن قد ركز على كيفية تعامل النبي مع النص. أضف إلى ذلك، فقد كان أحياناً ينتظر الوحي لأخذ قرار ما، وأحايين عديدة يأخذ القرار من دون انتظار الوحي. وفي هذا دليل أيضاً على أنه لا يمكن الإستغناء عن معرفة ممارسة النبي لإسلامه عندما يريد الناس معرفة كيفية ممارستهم لدينهم في حال أرادوا الإلتزام.
من هنا تلازم القرآن وممارسة النبي، ومن هنا أيضاً تلازم القرآن وممارسة النبي لما جاء به كتاب الله.
3-        التأسي برسول الله وكيفيته
بما أن تأسيس "العلوم الدينية" قد تم في عهود الظلم، فهذا يتطلب أو يوجب إعادة النظر بجميع هذه العلوم وعلى ضوء القرآن الكريم. هذا لا ينتقص من عبقرية العلماء الذين أنتجتهم أمتنا، ولكن تقديرنا لهؤلاء يجب أن لا يجعلنا نقامر برسالة الله تبارك وتعالى للعالمين. من هنا، علينا أن ننطلق أن معيار صحة وصدقية أي نص وصلنا أو سيصلنا هو القرآن. كما وأن معيار صحة أي ممارسة عملية هو بالتأسي بالرسول على ضوء ما جاءنا، ولكن، بعد تفحص معيارية صدقيته من القرآن الكريم.
هذا يقودنا إلى التساؤل عن كيفية التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم.
بما أن التأسي ليس التقليد، فهذا يعني أن المتأسي ملزم بالتفكير بماهية العمليات العقلية التي استخدمها النبي حتى توصل إلى القرار الذي رأى أن عليه تنفيذه بمعية المؤمنين (محمد والذين معه). وهذا يتناقض مع ما جاءنا من قصص وحكايات عن تدخل جبريل بأمور معينة (من دون أن تكون قرآناً موحى به). وهذه القصص تعبر عن مدى سذاجة الناقل لها والتي توحي وكأن النبي عاجز عن أخذ القرار أو كأن النبي ليس عليه أن يفكر بما يجب القيام به. وفي نفس الآن يتحدثون عن كيفية مشاورته أصحابه. حتى الخادمة التي في بيته استشارها في أمر ما يرتدي أهمية كبيرة!
لقد جعلوا من التأسي عملية آلية (ميكانيكية) لا مردود إيجابي لها بما ينمي تجارب الأمة ويراكمها. حتى أن بعض الروايات تضع القارىء أمام نبي لا يمكنه الدفاع عن قراراته، كما في الحديبية أمام اعتراض عمر بن الخطاب على الصلح.
نحن نعتقد بأن هذا النقل كان لتبرير ممارسات الملوك والسلاطين وتسلطهم الغير مبرر أمام الناس. لذلك كانوا يلجأون إلى الروايات للقول للناس: ما يعرفه الخليفة لا يمكنكم إدراكه.
ما تقدم يجعل من الدين تديناً على قياس ملوك كل عصر.
4-        هذا يقودنا للتحدث عن الإجتهاد أو التجديد. التجديد في التفكير الديني أو الإجتهاد في الدين لإيجاد حلول لما يعانيه المجتمع من آفات، يتطلب التطلع إلى النص من خارجه وليس من داخله. الإجتهاد كان على مر العصور الإسلامية ينطلق من براديغم ثابت يتم القياس عليه. وهذا البراديغم ثابت لا يتغير. من أجل ذلك، فالإجتهاد لا يحمل معنى الخلق إنما معنى التزيين.
نحن بحاجة إلى التفكر في القرآن انطلاقاً مما يسر الله لنا من تسخير ما في السماوات والأرض لنا. نحن بحاجة للتفكر في القرآن على ضوء ما أعطانا إياه العلم الحديث. وهذا يتطلب التطلع إلى النص بأدوات حديثة لم تكن معروفة سابقاً. فما الذي يمكن أن توحيه لنا الآية: الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض، هؤلاء يصلون إلى نتيجة تقول: ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك ثم يطلبون الوقاية من عذاب النار. ما الذي يجعل الذي تمكن من اكتشاف نجمة ولدت منذ مئات ملايين السنين يقول فقنا عذاب النار. هل يمكن أن يكون تفكير هذا العالم كمثل تفكير إنسان ساذج مثلنا على سبيل المثال. وإلا ما معنى: إنما يخشى الله من عباده العلماء: علماء الفيزياء والإلكترونيات والذرة ووو... وعلماء اللغة وغيرهم.
هذا ما يجعلنا نقول بأن النظر إلى النص الثابت من خارجه على ضوء ما يسر لنا الله من اكتشافات علمية يجعل مقولة أن هذا الدين هو لكل زمان ومكان صحيحة.
إن جل ما فعله ويفعله "الفقهاء" هو العمل على إدخال الناس، كل الناس إلى النفق حيث يوجدون. هذا مع العلم أن كمال حرية الإنسان هي بكمال عبوديته لله. بقدر ما نؤمن بقدرة الله، بقدر ما نكون أحراراً.
ليس الإلتزام بالإسلام هو بالعودة إلى القرن السابع، إنما هو بالتأكيد أن الرسالة التي حملها النبي صلى الله عليه وسلم في القرن السابع هي صالحة لكل زمان ومكان، ومنها القرن الواحد والعشرون ومنها بلادنا على سبيل المثال لا الحصر.
وللمساهمة تتمات.

                           31تموز 2017

الأحد، 30 يوليو 2017

التطورات في الوضع اللبناني

          
حسن ملاط
إن أبرز ما تمخض عنه الوضع اللبناني من تطورات كانت زيارة الرئيس الحريري لواشنطن والتي ترافقت مع التطورات العسكرية في جرود عرسال.
هل من انعكاسات لهذين الحدثين على الساحة الداخلية اللبنانية، بمعنى تغيير آلية أخذ القرار أو تغير في موازين القوى الذي كان سائداً قبلهما أو تبدل في التحالفات الداخلية؟
نبدأ من جرود عرسال. قبل بدء الهجوم على النصرة في الجرود، ومنذ خطاب سماحة الأمين العام لحزب الله والذي أعلن خلاله بأنها المرة الأخيرة التي سيتحدث فيها عن جرود عرسال، كان رأينا أن المسلحين في جرود عرسال، سواء كانوا من النصرة أو من داعش لا يملكون أية فعالية سياسية. فهم يعيشون معزولين في هذه الجرود ولا يمكنهم تأمين حوائجهم إلا عبر الإرهاب، أي عبر توسيع الشرخ بينهم وبين الأهالي في القرى المجاورة أو في مخيمات النزوح. هذه العوامل تجعل من أي معركة يخوضها هؤلاء من دون أية تغطية شعبية ومن دون إيجاد أحد يدافع عنهم أو عن احتلالهم للجرود.
أما عن فعاليتهم في الداخل السوري فهي معدومة وذلك بسبب عزلتهم.
أضف إلى هذه العوامل، عاملاً هاماً وهو تخلي مموليهم عنهم، سواء من القطريين أو من السعوديين أو من غيرهم.
وبذلك أصبحت غاية هؤلاء المسلحين إيجاد ظروف مؤاتية ل"تدبير رأسهم"، أي الخلاص الفردي.
هل هؤلاء بإمكانهم أن يلعبوا دوراً سياسياً؟ بالطبع لا! حتى أنه ليس بإمكانهم أن يكونوا ورقة للمفاوضة بيد أي طرف من أطراف الصراع الداخلي السوري.
كل هذه العوامل جعلت من معركة الجرود مع النصرة معركة يائسة بالنسبة للأخيرة. وهذا ما جعل حزب الله يطلب منهم الإستسلام مساء كل يوم من أيام القتال. وهذا ما جعلنا نقول بأن النصرة في الجرود هي ورقة بيد الحزب يشهرها أمام مناوئيه في الساحة السورية.
لا نعتقد بأن وضع داعش سيكون مختلفاً، باستثناء ورقة الرهائن العسكريين التي يمكن أن تلعب دوراً بتحسين ظروف انسحابهم من الأراضي اللبنانية والسورية المشتركة، لأن المفاوض اللبناني يهمه الحفاظ على أرواح هؤلاء العسكريين.
أما عن انعكاسات هذه التطورات على الساحة اللبنانية، فهي تتعلق بصورة رئيسية بموضوع النازحين السوريين بصورة رئيسية.
إن إجبار النازحين على العودة إلى بلادهم يمتلك وجهاً سياسياً ووجهاً إنسانياً ويمكن أن يمتلك انعكاساً سلبياً أيضاً. فالسلطات السورية لن تسمح للنازحين والذين ينتمون بمعظمهم إلى لون مذهبي معين بالعودة إلى ما اصطُلح على تسميته ب"سورية المفيدة". وبذلك سيرى النازح أنه خسر كل شيء مرة واحدة. إذ سيعود إلى مكان غير آمن وغير مهيأ لاستقباله. وهذا ما يجعله يعترض على "نزوحه" من لبنان إلى سورية. وهذا ما يمكن أن يسبب ردود فعل متهورة، وهذا ما جعل السلطات الأمنية اللبنانية تستعد لهذا الأمر وبجدية مطلقة.
ما تقدم يعني أن انعكاسات معركة الجرود ستكون سورية وليست لبنانية.
تحدث الكثير عن كيفية استثمار الحزب لهذه المعركة داخلياً. نحن نرى بأن الحزب ليس بحاجة لهذا الأمر. ففي الظروف الحالية، مايهم الحزب هو الحفاظ على استقرار الساحة الداخلية حتى لا تشوش على أولوية الدور الإقليمي الذي كلف نفسه به.
أما عن زيارة الرئيس الحريري لواشنطن، فقد ذهب الحريري مزوداً بانتصار على ارهاب النصرة والذي كان له تقييم إيجابي في عهد أوباما، حيث تبين أن ترامب لم يُسر بهذا النصر، بل أصر على مهاجمة الحزب.
تجاوز الحريري هذا الأمر وأعلن بمسؤولية أن الحفاظ على الإستقرار في لبنان يتطلب شراكة مع حزب الله وهو متمسك بهذه الشراكة.
بدوره رد السيد حسن نصرالله على التحية بمثلها وأعلن أنه لن يهاجم الرئيس ترامب بسبب وجود الرئيس الحريري في واشنطن.
هذا الكلام المتبادل يدل دلالة واضحة على أن الشراكة بين الطرفين الأكثر تمثيلاً في مذاهبهما مستمرة إلى أجل بعيد نسبياً.
هذه الشراكة سوف تؤمن استقراراً في الساحة الداخلية لن يتمكن أي طرف أن يعكره باستثناء العدو الصهيوني.
وهل هناك احتمال لعدوان صهيوني على لبنان؟
جوابنا: نعم!
هناك عدوان للكيان الصهيوني، حددهما العدو الصهيوني نفسه: الأول هو "الذاكرة الفلسطينية" الحية دائماً والتي تقول للصهيوني "أنت تغتصب الأرض، أرضي". والعدو الثاني هو حزب الله الذي أذاق الجيش الصهيوني (المحور الوجودي للكيان) الذل أكثر من مرة. ولن تعود ثقة الصهاينة بهذا الجيش حتى ينتصر مجدداً على مقاتلي الحزب. من أجل ذلك، هو بحاجة لهذه الحرب. هذا، مع العلم أن لا معطيات تقول بأن العدو سينتصر في الحرب على الحزب. وهذا ما يجعل الإحتمال الأكبر بأن يقوم العدو بتدمير البيئة التي تحمي الحزب وغيرها من البيئات التي تتعاطف معه. أي أن حرب العدو ستكون انتقامية ضد ذله الذي أذاقه إياه مقاتل الحزب.
هل هذا حتمي الحدوث؟ كلا ولكنه مرجح!
في النهاية نقول بأن الحالة العامة للمجتمع اللبناني اليوم، هي الأكثر استقراراً منذ سنوات عديدات. ولن يحافظ على هذا الإستقرار إلا تطلع فئات المجتمع اللبناني إلى النضال من أجل تحسين ظروف حياتهم على أساس قطاعي وليس على أساس مذهبي أو طائفي.
                         30 تموز 2017




الخميس، 6 يوليو 2017

الحقيقة في أزمة النزوح

         
حسن ملاط
بعد تحركات أكثر دينامية من قبل الإدارة الأمريكية باتجاه سورية (قصف قاعدة الشعيرات، تسليح القوات الكردية بأسلحة نوعية، احتلال الحدود المشتركة بين سورية والعراق والأردن، قصف القوات السورية والميليشيات الإيرانية أو الحليفة التي جاءت لتأمين ما اصطُلح على تسميته التواصل البري بين إيران وحزب الله اللبناني عبر سورية والعراق)، كل هذه التحركات أعطت مؤشرات لجدية الإدارة الأمريكية بإيجاد حل للأزمة السورية.
وبعد التحضير لآستانة الخامسة، والذي أفضى إلى نتائج متواضعة.
وبعد إعادة التواصل بين الإدارة الأمريكية وروسيا وتأكيد انعقاد الإجتماع بين ترامب وبوتين.
بعد كل هذه التطورات، أصبح لزاماً على جميع الأطراف محاولة تحديد مناطق نفوذها على الساحة السورية، بالإضافة إلى المساحات التي لا يمكن التخلي عنها.
هذه التطورات الإقليمية والسورية هي التي حتمت الإلتفات إلى الوجود السوري في لبنان.
العوامل التي تجعل من التحرك على الأرض اللبنانية ليس لبنانياً وإنما سورياً ساحته لبنان.
المعطيات المتوفرة حتى الآن تجعل من "سورية المفيدة" هي مركز اهتمام الطرف الإيراني. وبما أن هذه المنطقة هي مركز نفوذ روسي إيراني مشترك، فلا بد من أن يُحدد كل طرف لنفسه المساحة التي تهمه أكثر من غيرها، حتى يكرسها منطقة نفوذ صافية له مستقبلاً. وهذه المنطقة بالنسبة للإيراني هي المنطقة المحاذية للبنان. وبما أن نقطة التموضع هي سورية، لذلك أصبحت الساحة اللبنانية امتداداً للساحة السورية. من هنا ضرورة فهم ما يحدث في لبنان على أنه تطور سوري وليس لبنانياً.
جميع المناطق السورية المحاذية للبنان قد تم تهجير معظم أهلها المنتمين إلى مذهب معين. وهي تضم ريف دمشق وريف حمص. وبما أنه لا يمكن ملؤها بسكان من اتجاهات مذهبية معينة، أصبح لزاماً إفراغها. ووجود أكثر النازحين من هذه المناطق في لبنان ستشكل عودتهم إلى مناطقهم مجدداً نسفاً لكل المنجزات الحربية. لذلك فالتهجير من لبنان يبدو مساوياً، من حيث الأهمية، للتهجير الأول من الأراضي السورية.
لهذه الأسباب علينا النظر إلى ما حصل في مخيمات النزوح السوري في عرسال من هذه الزاوية. ولذلك أيضاً، إن الإضاءة على ما حصل وتضخيمه لا يخدم المحافظة على بقاء النازحين في لبنان. فالخوف الذي سيطر على النازحين بعد التضخيم الإعلامي جعل النازح يريد النجاة بنفسه ولو باللجوء إلى المناطق الأكثر بعداً عن بيته الذي نزح منه. وهذا ما يريده النظام السوري نفسه.
أما ما طُرح عن ضرورة المفاوضات بين الحكومة اللبنانية والحكومة السورية بشأن إعادة النازحين، فهذا يكاد يكون نوعاً من المزاح بقصد تضييع الوقت. ما هو الدور الذي لعبته الحكومة اللبنانية بشأن النزوح؟ طبعاً الجواب لا شيء. عندما كثُر عدد اللاجئين السوريين طُرح إقامة مخيمات على الحدود السورية. لم توافق بعض الأطراف لافتراضها أن اللاجئين سيكونون جيش احتياط للمعارضة السورية بسبب انتمائهم المذهبي.
أما عن عودتهم الآن. فهذه العودة هي افتراضية فقط. فإما أن يعودوا إلى معسكرات الإعتقال أو يتم تهجيرهم إلى إدلب كما حصل مع معظم سكان ريف دمشق وضواحيها وحمص وضواحيها وريفها.
المفاوضات تعني إما تهجيرهم من لبنان إلى الحدود التركية، أو تهجيرهم إلى الحدود التركية بعد دمغهم من حكومة دمشق.
ما نقوله ليس أوهاماً. إسمعوا إلى حديث رئيس بلدية عرسال عن مشكلة المخيمين واتهام الجيش وعن مشكلة النازحين.
فعن الجيش بعد اتهامه بتعذيب المعتقلين ومنع كاتب عدل من الوصول إلى عرسال، قال:  سأل الحجيري في حديث مع "لبنان 24": "هل من الطبيعي أن يتوجه كاتب العدل الى المواطن أم على المواطن ان يتوجه الى كاتب العدل كي يوكل محامياً؟ داعياً إلى عدم اثارة فتنة والاستخفاف بعقول الناس".
ثم أضاف: "أنه يحظر على اللاجئين مغادرة المنطقة حول عرسال" (فكيف يذهبون إلى كاتب العدل؟).
ولكن أهم ما جاء على لسان الحجيري هو التالي: أن "بعض أهالي حمص والقصير باتوا مقتنعين بوجوب العودة الى جرابلس وإدلب في الشمال، أما بالنسبة الى أهالي القلمون، فهم بانتظار تسوية مع النظام للعودة الى بلداتهم وقراهم".
واضح أن العودة ستكون إلى شمال سورية، هذا إن حصلت. ولكن المؤكد أن لبنان لن يكون من الآن فصاعداً محطة لجوء للسوريين.
لذلك، فالمسارعة إلى اتهام الجيش على أنه طرف ضد الوجود السوري لن يخدم استقرار النازحين في الأراضي اللبنانية. وهذا الأمر هو سياسي بامتياز حتى وإن تخلله بعض التحركات ذات الطابع الأمني، وهذا يُعتبر ضرورياً لاستقرار الوضع الداخلي اللبناني الذي يخدم اللبنانيين والسوريين في نفس الوقت.
خلاصة:
التحركات الجارية حالياً بشأن الوجود السوري في لبنان، هي شأن سوري، بمعنى ترتيب مناطق نفوذ الأطراف الفاعلة على ساحة الحرب السورية. من هنا فإن إشراك الحكومة اللبنانية بهذا الشأن لا معنى له. فالحكومة اللبنانية لا يمكنها أن تفرض على الحكومة السورية إعادة النازحين إلى أرضهم كما أنه لا يمكنها فرض التعامل الإنساني مع هؤلاء بعد عودتهم، إذا عادوا.
أما إذا كانت الحكومة اللبنانية تريد أن تلعب دوراً إيجابياً وإنسانياً بالنسبة للنازحين السوريين في لبنان، فما عليها إلا أن تبحث هذا الأمر جدياً مع الحكومة الروسية. وهذا ما لن يتم.
                               7 تموز 2017


الخميس، 22 يونيو 2017

عن الإنتخابات الفرنسية

           
حسن ملاط
كانت التحركات الشعبية الفرنسية في العام 1968 تحمل الطابع الطبقي والوطني في نفس الآن. بينما تحركات ال2005 حملت طابعاً مزدوجاً، أحدهما يحمل سمة الفرنسيين من أصول إسلامية، وطابعاً آخر هو تحركات الضواحي.
ما الذي تغير حتى تغير طابع التحركات، علماً أن التحركات في 1968 كانت في الضواحي أيضاً، ولكنها لم تقتصر عليها؟
1-         ما استُجد هو تأسيس الإتحاد الأوروبي في 1993.
2-         انخراط فرنسا في الجسم الأوروبي.
3-         ترسخ العولمة النيوليبيرالية على المستوى العالمي أكثر من السابق.
4-         ظهور مشكلة الهوية (محلية أو أوروبية)على المستوى الثقافي وعلى المستوى الشعبي.
5-         تمكن الإدارة الأمريكية من ربط مسألة الإرهاب بالإنتماء الإسلامي، ما ترك تأثيراً كبيراً على الساحة الفرنسية وذلك لأن المسلمين في فرنسا عددهم كبير.
6-         الإهمال المتعمد للضواحي بسبب الإنتماء الإتني الغالب.... إلخ
هذه العوامل، بالإضافة إلى عوامل أخرى أدت مجتمعة إلى تفكك المجتمع الفرنسي. وهذا التفكك كانت انعكاساته السلبية على مؤسسات المجتمع المدني وفي مقدمها الأحزاب.
أين الأحزاب الفرنسية؟ أين الحزب الشيوعي الفرنسي الذي قاد المقاومة الفرنسية ضد الغزو النازي لفرنسا؟ أين الحزب الإشتراكي؟ أين الحزب الديغولي، الجمهوريون؟ أين النقابات المهنية؟ كلها تفككت...
تغيرت هوية النضالات، فانفتاح السوق على الفضاء العالمي (منظمة التجارة العالمية)، هيمنة الرأسمال المالي... أدى إلى انتقال الصناعات إلى البلدان ذات الأجور المنخفضة، وهذا بدوره غير مضمون الصراع من طبقي إلى تنافس ما بين العمال على وظيفة بسبب انتقال الوظائف من المركز إلى الأطراف.
تمكن حزب ماكرون من حصد 355 نائباً من أصل 577 نائباً العدد الإجمالي للجمعية الوطنية الفرنسية.
إن مجرد حصوله على هذا العدد يعني أن الإنتماءات السياسية أصبحت واهية. كيف ينتقل الناس من معسكر إلى معسكر آخر لم يعلن حتى عن مفاهيمه السياسية والإقتصادية والتربوية، إنما أعلن عن برنامج انتخابي. يضاف إلى ذلك أنه لم يمض على تأسيس الحزب الوقت الكافي لتعرف الناس عليه.
هذا ما يجعلنا نستنتج أن ما فقده الشعب الفرنسي هو الإنتماء السياسي. ودليلنا على ذلك هو مشاركة 40% فقط في الإنتخابات من مجموع الشعب الفرنسي.
من هنا نرى بأن أغلبية ماكرون تمثل فقط 24% من مجموع الشعب الفرنسي. أما المعارضة فتمثل 16% فقط من مجموع الشعب الفرنسي. وهذا ما يجعلنا نقول أن الشعب الفرنسي هو خارج الجمعية الوطنية. كما ويمكننا التأكيد أن جميع القوانين التي ستصدر لا تحمل طابع الشرعية الشعبية.
خلاصة
العولمة النيوليبيرالية قضت على التضامن الوطني وعلى الهوية الوطنية. كما أنها تشوه مضامين الصراع الحقيقي وتعطيه هوية مزيفة تؤمن لها مصالحها كطبقة.
فرنسا، كما معظم الدول الأوروبية وخاصة في جنوب القارة، هي في مرحلة مخاض، مرحلة إعادة تأسيس الهوية الوطنية.
ماكرون رئيس تحت الإختبار!