هلهلنع
نعم سنستمع للسيد ونحن مرتاحون
سأبدأ من حيث انتهى السيد "الطاهر ابراهيم" الذي استفزني لكتابة هذه المقالة. يقول الكاتب: "البعض يرجع اللهجة التصعيدية في خطاب نصر الله يوم الجمعة 15 أيار الجاري إلى إحساسه بهزيمة انتخابية محققة لحليفه الجنرال "عون" في7 حزيران القادم ما يعني هزيمة لقوى 8 آذار ،كأن نصر الله أراد أن يذكّر اللبنانيين بأن يوم7 أيار منكم ليس ببعيد! فأراد أن يخرج للبنانيين "العصا من تحت العبا"، كما يقول المثل اللبناني". ان ما كتبه السيد ابراهيم ينم عن عدم معرفة بالوضع الداخلي اللبناني. فمن يعتقد أن "حزب الله" بحاجة لكتلة برلمانية حتى يحقق ما يريد تحقيقه يكون مخطئا. فيكفيه أن يشير بما يريده حقيقة حتى تسارع جميع أجهزة الدولة لتحقيقه. وهذه المكانة التي اكتسبها الحزب انما اكتسبها لسبب واحد، يعلمه القاصي والداني، انه قتاله للعدو الاسرائيلي. واذا أحببنا أن نعود قليلا الى الوراء لنتحدث عن عدائية الشعب اللبناني للعدو الصهيوني، فيمكننا القول ما يلي: أرجو المعذرة من القارىء الكريم لأنني سوف أتحدث بالطريقة التي تناسب السيد طاهر ابراهيم.
1 – السنة هم الشريحة الكبرى من الشعب اللبناني التي شاركت المقاومة الفلسطينية قتالها لاسرائيل، كما وأنها شاركت في جميع معارك الدفاع عن وجود المقاومة الفلسطينية على الأرض اللبنانية. ولا يعتقدن أحد أن هذه المشاركة كانت لأسباب مذهبية، انما كانت لأسباب دينية، وطنية وقومية. ونحن من الذين يعتبرون الشعور الديني شعوراً سامياً، على عكس الشعور المذهبي الذي نعتبره شعوراً غريزياً لا يتمتع بأي حظ من العقلانية.
2 – لقد شاركت الشريحة الكبرى من الطائفة الشيعية المقاومة الفلسطينية كفاحها ضد العدو الصهيوني، ولا يفوت القارىء أن القتال بمعظمه كان يحصل في المناطق الشيعية. أي بصيغة أخرى، لو أن الشيعة كانوا ضد المقاومة الفلسطينية، ما كان لهذه المقاومة أن تبقى في الجنوب اللبناني. ومشاركة الشيعة كانت بمعظمها عبر الأحزاب الوطنية والقومية، ثم عبر حركة المحرومين التي قادها السيد موسى الصدر.
اما عن تغير مواقف المواطنين الشيعة من المقاومة الفلسطينية فقد كان بسبب الممارسات الخاطئة لعدد لا بأس به من الرموز الفلسطينية وبعض الممارسات اللاأخلاقية والتي يعرفها الذين كانوا ينخرطون في صفوف المناضلين في تلك الأيام.
3 – اما بالنسبة للطوائف الأخرى فكان معظم الذين شاركوا الفلسطينيين نضالهم، من المنخرطين في العمل الوطني والديموقراطي.
ما تقدم يدلل على أن الذين يعملون اليوم في العمل القتالي ضد العدو الصهيوني هم الذين يحملون جميع تقاليد العمل الوطني عبر السنين الطوال. وأهم الأسباب الذي دفع معظم الوطنيين والماركسيين للانخراط في صفوف المقاومة الاسلامية هو رؤيتهم أن هذه المقاومة تحقق أحلامهم بالرغم من حملها شعارات اسلامية ومذهبية أحيانا.
وقبل أن ننهي هذه الالتفاتة نشير الى أن السنة في لبنان يشعرون بالغصة لأن قادتهم (بين هلالين) لا يشاركون في العمل القتالي والجهادي الى جانب "حزب الله".
فحزب الله ليس بحاجة للعصا للوصول الى ما يريده. كما أن الشعب اللبناني لا يقاد بالعصا. الشعب الذي ينتصر على اسرائيل لا يخيفه الأعداء الصغار. وللتذكير فقط نقول للأستاذ الطاهر أن الجيش الأميركي انسحب من لبنان ليس طوعاً. والجيش الفرنسي انسحب من لبنان لأسباب يعرفها المتابع. والجيش الاسرائيلي انسحب من لبنان على ايقاع السلاح وليس الموسيقى. فالشعب اللبناني لا يمكن تدجينه. وللتذكير فقط سوف نتحدث بالنفس الطائفي الذي يليق بمقالة الأستاذ الطاهر: أن الرئيس الحريري هو الذي اقترح على حزب الله أن يكون له نائب عن مدينة بيروت لأنه من المعيب أن الحزب المقاوم لا يكون له ممثل في عاصمة المقاومة. وأعتقد أن الرئيس الحريري كان يعرف مكانة حزب الله في الأوساط السنية.
يقول الكاتب: "إن إصرار "نصر الله" على أن تكون كلمته هي الكلمة الوحيدة المسموعة في لبنان، إنما تأتت من كونه "معجبا برأيه" أشد العجب".
المطلع على الأوضاع السياسية اللبنانية يعلم أن السيد حسن نصر الله لا يهمه الا شيئاً واحداً وهو كيفية استمرار المقاومة لتحقيق أهدافها المعلنة وهي تحرير جميع الأراضي المحتلة. كما وأنه من الغباوة في مكان أن يثق انسان مؤمن بعدوه، وخاصة اذا كان هذا العدو هو العدو الصهيوني. نحن مسلمون نعلم بأن اليهود لا يصونون العهد الا تحت تهديد السلاح. لذلك لا بد من ان يظل سلاح المقاومة مشهراً ما بقيت اسرائيل كنظام عنصري في بلادنا. هذا ما تعلمنا اياه السياسة وما يعلمنا اياه ديننا الحنيف. يقول ماو تسي تونغ ليس المهم النصر (رغم أهميته) انما المهم الاحتفاظ بالنصر. ان النصر الذي حققته المقاومة الاسلامية بقيادة حزب الله في 25 أيار 2000 كان الانتصار الأول الذي يحققه العرب في تاريخهم الحديث على أحد أعدائهم. وما كانت حرب تموز 2006 الا دلالة على أن حزب الله يعرف حق المعرفة كيف يحتفظ بالنصر.
سوف أطرح هذه الفرضية، مع أني لا أحب الفرضيات. لو أن حزب الله استمع الى الأصوات الغير بريئة التي طلبت منه وضع سلاحه. ألم تكن اسرائيل لتقضي على جميع من يريد ان يفكر في التحرير في يوم من الأيام. ماذا تفعل اسرائيل في الضفة الغربية هي وعباس وفياض. اذا كنت تحب الأمثال اللبنانية، فالمثل يقول:" اذا لم تكن قد مت فانظر الى من مات". حزب الله رأى جيداً ما الذي فعلته اسرائيل بعرفات وخلفائه، لذلك نحن جميعاً نصر على ضرورة احتفاظ الحزب بسلاحه مشهراً الى أن تزول اسرائيل من الوجود.
فيا أيها الكاتب الجليل، السيد حسن غير مصاب بجنون العظمة مثل حكامنا ولكنه يعرف كيف يقاتل اسرئيل.
يقول الكاتب: " وربما لا يدرون أن بلاغة البيان في خطاب "نصر الله" فيها السم الناقع، وقد تجر لبنان –والمصفقين فيه- إلى فتنة مذهبية عمياء لا تبصر، تماما مثلما لا يبصر "نصر الله" ما تفعل كلماته في لبنان وأهل لبنان".
عزيزي، يقول المثل "أعط خبزك للخباز ولو أكل نصفه". تواضع قليلاً. ليس بامكان أحد أن يفجر حرباً مذهبيةً في لبنان. ليس من حسن نواياهم انما لأن حزب الله لا يريد حربا مذهبية. وتأكد يا صاحبي ليس من سبب آخر. يمكنك أن تستريح. لا حرب مذهبية في لبنان. أمريكا واسرائيل ليس بامكانهما أن تفجرا مثل هذه الحرب. ويمكنك أن تتفرج على العراق والصومال وأرض 67 ماذا تفعل أمريكا وحلفاؤها. لبنان محصن ضد الحرب الأهلية لأن من يملك السلاح يريد توجيهه للعدو الصهيوني فقط!
ثم يقول صاحبنا: " لا يستطيع الواحد أن يتوقع ماذا سيقوله سماحة "السيد!" وهل سيكون كلامه بردا وسلاما على لبنان، يخلط فيه الجد في المزاح؟ أم سيكون كقاصف الريح وعاصف البحر، حتى يضع الواحد منهم يده على فؤاده، خوفا أن يكون الذي يطل من الشاشات العملاقة قد أحضر في جعبته "أمر القتال" سيوزعه على "فتوات" حزب الله لينساحوا في زواريب بيروت الغربية فيعيثون فيها فسادا".
ان من يحقق الانتصارات على المجتع الأكثر تقدماً في منطقتنا، لا بد الا أن يكون يتمتع بعقل متقدم على الذين انتصر عليهم. اسرائيل متقدمة تقنيا بسنوات عديدة على مجتمعاتنا العربية، وبالرغم من ذلك فقد تمكنت المقاومة الاسلامية من الانتصار عليها حتى بالتقنية. فقيادة الفتوة والزعران يملكون التقنية التي تمكنهم من قيادة الزعران في بيروت الغربية.
ويقول كاتبنا أيضاً: " تذكرت مشاهد محاصرة "محمد الدرة" وأنا أتابع على إحدى الفضائيات اللبنانية مشاهد الرعب الذي تنطق به ملامح آباء وأمهات، وقد عقروا خوفا على أبنائهم وهم على بعد أمتار منهم فلا يقدرون أن يصلوا إليهم خوفا من رصاص "زعران" حزب الله أن تطالهم، وقد ملأوا شوارع بيروت الغربية يطلقون رصاص بنادقهم على كل متحرك فيها يوم 7 أيار من عام 2008، فلا يختلفون في كثير أو قليل عن سلوك جنود إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة".
أعتقد أن من يجرؤ على الكتابة بهذا الشكل عن المقاومة الاسلامية يحتاج الى اعادة تقييم لكل منظومته القيمية. أقول ذلك مع احترامي الشديد للكاتب. ان من يعزل الظاهرة عن ظروفها لا يكون عادلاً.
1 – الفكر الماركسي (ومن ضمنه الهيجلي) يتحدث عن التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية. ثم يتحدث عن اخضاع التناقضات الثانوية لصالح التناقض الرئيسي.
2 – الاسلام يتحدث عن الأولويات، والقرآن الكريم قد تحدث عن هذا الموضوع وهو واضح جداً في موضوع الهجرة.
أصدرت الحكومة اللبنانية قراراً في حال تنفيذه يسلم رأس المقاومة للاسرائيلي من غير بدل. فهل على المقاومة أن تنتظر قدرها. الأولوية هي لامكان استمرار المقاومة وليس لاستقرار الحكومة اللبنانية. هذا ما رأته المقاومة. وقد حذرت الحكومة مراراً لخطورة قرارها. ولم تستجب هذه الحكومة. لذلك قامت بتحركها في السابع من أيار.
أما رأيي بهذا التحرك فهو ما يلي: قرار الحكومة كان خاطئاً وقد تراجعت الحكومة عنه. أما السابع من أيار لم يكن يوماً مجيداً للمقاومة بالرغم من قول السيد حسن أنه يوم مجيد. ان السابع من أيار قد أدى الى تسعير الشعور المذهبي وقد كان له آثار سلبية على المقاومة، لذلك لم يكن مجيداً. ان الطائفة السنية يجب أن تظل كما كانت دائماً الى جانب المقاومة. وعلى المقاومة أن تقوم بالمستحيل من أجل ذلك. هذا ما أراه. ولكن الكتابة ضد المقاومة هو خدمة مجانية للعدو (أنا لا أتهم الطاهر ابراهيم). ان التموضع الى جانب المقاومة يجعل النقد بناءً، وليس تخريبياً.
اليوم هو عيد المقاومة والتحرير 25 أيار 2009 حسن ملاط
بحث هذه المدونالهجرة النبويةة الإلكترونية
حسن ملاط
- فكر وتربية
- القلمون, طرابلس, Lebanon
- كاتب في الفكر الاجتماعي والسياسي والديني. تربوي ومعد برامج تدريبية ومدرب.
الثلاثاء، 26 مايو 2009
الأحد، 10 مايو 2009
الجزء الثاني من "نظرية اقتصادية اسلامية
كيف يمكن صياغة نظام اقتصادي انطلاقاً من القيم الاسلامية؟ - حسن ملاط
2009-05-09
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية
المقدمة
الدين هو معطىً الهي لتحقيق سعادة الانسان في الدنيا والآخرة. وحيث أن هناك جانبين أحدهما دنيوي والثاني أخروي، فهذا يعني أن علاقةًً ما تربط الجانبين فيما بينهما. وهي أن الدنيا هي الطريق التي توصلنا الى الآخرة، اما الى الجنة واما الى العذاب الأبدي والعياذ بالله. وهي تحمل معنىً آخر، أن المجتمع الاسلامي يعمل على تأمين السعادة لجميع من يعيش في كنفه بصرف النظر عن ايمان المرء أوكفره، "كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا"(الاسراء20 ).
ان وعينا لما جاء به النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم من تحطيم للعلاقات الشركية التي كانت قائمةً في الجزيرة العربية هو الأساس في بناء النظام الاسلامي. وهذا النظام يتضمن في تفاصيله الاقتصادي والتربوي والاجتماعي والسياسي والقيمي. وانطلاقنا من هذه النقطة هو الذي يحدد انتماءنا وتموضعنا (على ما جاء في دراستنا حول "الانتماء والتموضع"). وهذا ما جعل الأستاذ مالك بن نبي يتحدث عن مجتمع "ما بعد الموحدين" أي ما بعد المجتمع الراشدي، المجتمع على نهج النبوة. وهذا ما جعل أستاذنا يمأسس من جديد، وهو محق. وهذا يستدعي من كل من يريد أن يبني مجتمعاً اسلامياً على نهج النبوة أن يعيد الدرس والبحث والدراسة، على نهج الذين درسوا مبتغين وجه الله تبارك وتعالى، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، محمد اقبال ومالك بن نبي وغيرهم. وهذا لايعني تبني جميع المقولات التي جاءوا بها، انما يعني أن ندرس كما درسوا ونستفيد من اسهاماتهم وهي مهمة جدا.
اقامة المجتمع الاسلامي هو أصل من أصول هذا الدين الحنيف. والسياسة هي أصل من أصول علم التوحيد. يقول تبارك وتعالى: "ان الحكم الا لله، أمر ألا تعبدوا الا اياه..." (يوسف 40 ). وهذا يستتبع أن يكون للمؤمن نظرة شاملة للكون والحياة؛ ومنها القضايا الاقتصادية والاجتماعية: التقنية، تزايد عدد السكان، نقص المواد الغذائية... يقول عز وجل: "الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ... (آل عمران 191 ). وهذا ما جعل سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يرفض تقسيم سواد العراق على المقاتلين ولكن تركه لانتاج الغذاء للمجتمع.
والايمان باقامة المجتمع الاسلامي، طاعةً لله وفي سبيله، ليس نوعاً من الترف الفكري، انما حاجة تقتضيها الظروف الواقعية للمجتمعات القائمة. وهو أيضاً حاجة حضارية يتطلبها نظام الحياة الذي يحكم تطور هذه المجتمعات، عنيت السنن الالهية لتطور هذه المجتمعات وتغييرها بالاتجاه الذي يحقق سعادة الانسان في الدنيا (لمن أراد الدنيا) والآخرة (لمن أراد الاثنتين).
والتغيير لا يكون حسب رؤيتنا بالطرق الانقلابية التي تختصر الناس وتزعم انها تغير المجتمع كرمى لعيونهم لتقيم أحد الأنواع من الديكتاتوريات العسكرية. ولكن التغيير يتم بالناس أنفسهم الذين لا يغيرهم الله عز وجل حتى يغيروا ما بأنفسهم. ان التغيير يتطلب أناساً من نوعيات معينة، من مواصفات محددة. ولذلك قال تبارك وتعالى: "ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"(الرعد 11 )، أي ليس بطريقة الانقلاب العسكري أو غيره من الانقلابات. ان من يغير هو الذي يؤمن بضرورة التغيير(يغير ما بنفسه) ويعمل على هذا التغيير.
أولا: التغيير يتطلب وجود نظرية تغييرية يستنير بها من يريد أن يعمل على التغيير. بصيغة أخرى، هناك ضرورة لوجود مشروع سياسي يحول النظرية الى اجراءات عملية. وهذا المشروع لا يكون سرياً لأنه مشروع مجتمع وليس مشروع انقلاب. وحيث أنه اسلامي الانتماء فهذا يعني أن منطلقه سيكون المكان الذي يجمع المؤمنين. يقول عز وجل: "انما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش الا الله، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين" (التوبة 18 ). والذين يريدون التغيير يتمتعون بمواصفات خاصة، يقول ذو العزة: "ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون" (آل عمران 104 ). ويقول سبحانه وتعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ..." (آل عمران 110 ).
ثانيا: الانسان الخليفة (الذي استخلفه الله: "اني جاعل في الأرض خليفة" البقرة 30) هو الأصل واليه يعود كل شيء. فالنظام السياسي أو الاقتصادي ... يجب أن يكون لخدمة هذا الانسان الخليفة. من هنا فان تقييم ربحية المشروع الاقتصادي تكون بمدى تحقيقها لمصلحة الانسان. فاذا كانت زراعة التبغ، على سبيل المثال، تحقق أرباحاً خياليةً، لا نزرع التبغ انما نزرع القمح، لأن القمح ضرورة للانسان، والتبغ ليس كذلك. ( على سبيل التذكير فقط، مصر استبدلت زراعة القمح بزراعة القطن وكانت النتيجة أن وقع العديد من القتلى بفضل التزاحم أمام الأفران لندرة الخبز في مصر "أم الدنيا". أين الأرباح التي حققتها مصر أو الانسان المصري من زراعة القطن والاستغناء عن زراعة القمح).
اذا ذهبنا الى أن الانسان مستخلف على هذه الأرض لعمارتها، يصبح لزاماً علينا التفكير بكيفية تأمين ديمومة هذا الانسان على هذه الأرض للقيام بالمهام المفروضة عليه من قبل خالق هذا الكون. يقول سبحانه وتعالى: "وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون..."(الذاريات56 ) ومعيار المفاضلة بين الناس هو التقوى "ان أكرمكم عند الله أتقاكم"(الحجرات 13 ) و"لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى". الله تبارك وتعالى جعل من وجود الانسان على هذه الأرض وجوداً رسالياً، من هنا أولوية هذا الانسان كانسان وليس كفرد. لذلك نقول بأن أي نظام يجب أن يخدم وجود هذا الانسان.
والانسان الرسالي تكون تربيته ذات مواصفات خاصة، فهي تقوم على تعلم القرآن والسنة، من دون نسيان القراءة والكتابة والحساب، مترافقاً مع تعلم مهنة حتى يكون مرتبطاً برزقه بالخالق عز وجل. كان نبي الله داوود يأكل من عمل يده. ما تقدم لا يعني أن ليس من مكان للعلوم النظرية بل يعني أن هذه العلوم تكون من اختصاص الطلاب الأكثر ذكاءً وامتيازاً. نقول هذا الكلام بسبب من سفر العديد من الطلاب الغير مؤهلين لمتابعة مثل هذه الدروس في الخارج وتتكلف عليهم الأمة الكثير من المصاريف الغير ضرورية لأنها تذهب هدراً.
وهكذا تكون التربية والتعليم من جهة والعنصر البشري من جهة أخرى محورين متلازمين: القرآن والسنة يضاف اليها العلوم الضرورية مع تعلم مهنة. ان نظرةً متأنيةً الى واقع المدرسة في بلادنا، ودراسة نسبة التسرب منها يجعلنا نؤكد على ما ذهبنا اليه. فالتسرب يعني نزول عدد من المؤهلين الى سوق العمل بشكل لا يضطر الأمة الى خسارة عدة سنوات لتأهيل المتسربين. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يكمل الطلاب المتميزين علومهم النظرية للوصول الى الاختصاصات التي تحتاجها الأمة. وبذلك يكون الاستثمار في الانسان، من وجهة نظر اقتصادية مربحاً، وكذلك من وجهة النظر السياسية.
أما معيار الصحة الاقتصادية في المجتمع الذي يتبنى الاسلام كمنار للتخطيط والعمل فيكون رصد المنتَج، وان كان هذا المنتج يلبي حاجة المنتجين وحاجة المجتمع. فالندرة والعرض والطلب ليست جميعها هي من يلعب الدور الرئيسي بادارة الدورة الاقتصادية في المجتمع الاسلامي، انما تأمين ما يتقوى به الانسان لعبادة الله عز وجل ... الى أن نصل الى توفير جميع ما يؤمن سعادة الفرد والمجتمع بالشكل الذي يرضيه.
البداية تكون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزرعون ما لا تأكلون ولا تبنون ما لا تسكنون" الى أن نصل الى المجتمع الذي يؤمن جميع متطلبات أفراده، كما حصل مع أحد الخلفاء عندما لم يجد من يوزع عليه الزكاة. أو كما قال تبارك وتعالى: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصةًً يوم القيامة؛ كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون" (الأعراف 32 ).
ثالثا: العصر: سلامة التخطيط تستدعي معرفة صفات العصر الذي نعيش فيه.
أ – صفات هذا العصر: ان أهم الصفات المميزة لهذا العصر هي على التوالي:
1 – الآحادية القطبية: لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية حتى اللحظة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم. نحن لا ننكر الضربات التي تلقتها خلال السنوات المنصرمة والوقت الراهن وهي عدم تمكنها من تحقيق نصر في العراق وكذلك في أفغانستان يضاف اليها الأزمة المالية والاقتصادية التي تتخبط فيها بالرغم من مد يد المساعدة لها من مختلف توابعها. هناك محاولات تقوم بها ما يسمى دول الاتحاد الأوروبي ولكن حتى الآن لم يتمكن من تمييز نفسه عن أمريكا. ان ربط الاقتصاد العالمي بالاقتصاد الأمريكي أجبر جميع دول العالم على الدفاع عن هذا الاقتصاد المترنح. ولايضاح هذه النقطة نسوق المثال التالي الذي يمكن القياس عليه: صرح وزير المالية (أو الاقتصاد) الصيني أنه يجب ايجاد معيار للنقد غير الدولار. ثم أردف قائلاً أنه في حال تم استبدال الدولار بنقد آخر فهذا سوف يؤثر سلباً على الدولار مما يؤدي الى خسارة الصين للأصول المالية الموظفة في الخزينة الأمريكية وهي 1,4 تريليون دولار. لذلك لم يجد الصينيون بداً من دعم الاقتصاد الأمريكي مع العلم ان دعمهم للاقتصاد الأمريكي لا يحقق لهم أي نوع من الربح على حد قول الوزير الصيني، وهذا صحيح، انما يحافظ على قيمة الأصول. أما عن قمة العشرين فمن المفترض أن يتم التحدث عنها بدراسة خاصة ولكن دعونا نقول على سبيل الاشارة أن 40 % من المال الذي خصصته هذه الدول سوف يذهب الى الخزانة الأمريكية والتي تحوله بدورها الى المصارف المتعثرة ولا توظفه في الاقتصاد الحقيقي. نضيف أن جميع الأموال التي تم اقرارها للدول الفقيرة لم يصل منها شيء لهذه الدول على حد قول رئيس البنك الدولي. فأين التغير، أو أين التصور الاقتصادي الجديد؟ ثورة ميركل وساركوزي هي أشبه ما تكون "عاصفة في فنجان". ان التفكير الاقتصادي، حتى من وجهة رأسمالية، تتطلب تموضعاً خارج السياق الاستهلاكي الأمريكي حتى يمكن تطويره أي تطوير الاقتصاد الرأسمالي، وهذا ما فعله "كينز" فقد استبدل الأولويات بأولويات أخرى. هل فعلت قمة العشرين الشيء نفسه الذي فعله "كينز" في أزمة 1929. الجواب كلا.
2 - العولمة: اذا اردنا أن نلخص مفهومنا للعولمة الليبرالية الأمريكية بجملة واحدة نقول: أن يرى الانسان الكون والحياة من خلال منظار أمريكي. ولحسن الحظ أن ال"فاست فود" لمّا يغز جميع مجتمعاتنا. أي أن تحررنا من الهيمنة الأمريكية لا زال ممكناً بأقل قدر من الخسائر.
لقد تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من السيطرة على العالم اقتصادياً وعسكرياً، ولكن لمّا تتمكن أمريكا من تعميم فكرها وثقافتها؛ وهذا الوحيد الايجابي في عصرنا الحاضر. أسميه ايجابياً لأن التحرر من العولمة الليبرالية لن يكلفنا الكثير، هذا استناداً الى الحقيقة المطلقة "أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرعد 11 ). فلله الحمد أن فكرنا لم يفسد بشكل مطلق حتى الآن. ولكن ما تقدم لا يعني أننا لا نتبنى بعض المفاهيم المفسدة للحياة والتي استوردناها من الولايات المتحدة، وأهمها التركيز على ال"أنا" وليس على ال"نحن" وهذه أهم ميزة للمجتمع الاستهلاكي. والجدير ذكره أن "اسلامنا" لعب دوراً مركزياً في حمايتنا وهذا ما دفع الرئيس الأمريكي السابق (بوش الابن) التركيز الجدي على ضرورة تغيير مناهج التعليم والتي تركز على التعليم الديني.
3 – تزايد عدد السكان: هذه الصفة ملازمة للمجتمعات المتخلفة والفقيرة. وحيث أن الفقر يتركز بشكل كبير في الريف لأسباب عديدة وأهمها على الاطلاق هو عدم دعم الزراعة. فالزراعة في جميع البلاد لا تعطي مردوداً يكفي لاعالة من يعمل فيها. لذلك نرى الحكومات في الاتحاد الأوروبي و اليابان وفي الولايات المتحدة تدعم المزارعين بشكل لافت وتمنع الدول الفقيرة من دعم زراعتها. ونتيجةً لفقر الريف نرى الهجرة الداخلية من الريف الى المدينة حيث تتشكل مدن الصفيح أو ضواحي الذل. وهناك نتيجة ثانية وهي النقص في المواد الغذائية وخاصةً في الدول الفقيرة التي تهجر أبناءها من الريف الى المدينة. وعليه تهمل الأرض وتبور.
4 – التقنية: قام المفهوم التأسيسي للتقنية على تأمين الراحة للانسان وتسهيل الحياة. ولكن الايديولوجية الرأسمالية جعلت من هذا المفهوم خادماً لمراكمة الأرباح ومضاعفتها لمن يسيطرون على هذه التقنية. فبدلاً من أن تكون هذه التقنية خادمة ل"لانسان" أصبحت في الجهة المعادية لهذا "الانسان". هذا اذا لم نعرج على موضوع سوء استخدام ما حصلته الدول المتخلفة من التقنية عن طريق الاستيراد. ففي حديث اذاعي للعالم "فاروق الباز" الذي يعمل في وكالة الفضاء الأمريكية قال{ أن الدول المتقدمة تستخدم الأقمار الصناعية لتلبية حاجات معينة تفيدها في تطوير نفسها، بينما القمر الصناعي العربي "أرابسات" كان من أجل الأقنية الفضائية ونقل الأفلام (والعياذ بالله) والمباريات الرياضية والتلفون المحمولٍٍ} الخ من التفاهات التي تتناسب مع فكر حكامنا النير!
5 – استيراد التقنية الجاهزة: ان استيرادنا للتقنية الجاهزة يجعل منها ابناً غير شرعي لنا لذلك لا نجد دافعاً قوياً لحمايتها. هذا من جهة. ومن جهة ثانية فتعاملنا مع التقنية لا يؤهلنا الى اكتساب نفسية وتقاليد المنتج لهذه التقنية. أضيف الى ما تقدم أن أي خلاف مع المورد لهذه التقنية يجعل من جميع أجهزتها كماً مهملاً مكانه القمامة. و لنتذكر ترسانة أسلحة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وكذلك ترسانة الشاه الايراني التي لم تفد الثورة الاسلامية بشيء لأن الولايات المتحدة قد منعت عن ايران قطع الغيار. واذا أردتم تحدثوا عن الأسلحة التي تستوردها الدول الخليجية والتي لم تتعلم من تجربة صدام والشاه. والعامل الأهم بالنسبة للتقنية أن هناك رابطاً سرياً يصل التقنية بصانعها فتجعلها لا تخدم بأمانة سواه. ولا أجد تفسيراً لهذا العامل الا الملاحظة التي تجعل هذه التقنية خادمة لمنتجها، حتى في استعمار الآخرين!
ان الدول المنتجة للتقنيات الحديثة تجعل منها عاملاً للسيطرة على البلاد التي لا تنتجها. وهذا هو العامل الأساسي الذي يجعل الدول الست تتكالب من أجل منع ايران من الانفتاح على انتاج التقنية النووية وهي مستعدة لتأمين التقنية الجاهزة لها. والأمر نفسه ينطبق على كوريا الشمالية. فدول العالم الثالث ممنوع عليها أن تتشبه بالدول المتقدمة ذات الارث الاستعماري.
نستنتج فنقول أن استيراد التقنية الجاهزة سوف يسبب لنا نتائج كارثية. ان انتاج التقنية يجب أن يكون تلبيةً لحاجة، والحاجة أم الاختراع كما يقول المثل ومن يحتاج النار يمسكها بيديه.
ب – الرد الاسلامي: كيف نتعامل مع ما سبق من وجهة مفهومية اسلامية؟
1 – الايمان أن العمل هو الأساس في ممارسة الانسان وأن الرزق من عند الله. أي بصيغة أخرى على الانسان أن يعمل وهو موقن بأن الله سوف يرزقه. طلب منا النبي صلى الله عليه وسلم أن ندعو الله و"نحن موقنون بالاجابة". كما وأضيف أنني أصدق الرواية التي رويت أن الطائرات الأميركية اصطدمت ببعضها البعض عندما جاءت لتغزوا ايران لأن الامام الخميني كان يتضرع الى الله من أجل نصر ايران الثورة الاسلامية، كما وأنني مؤمن أن النصر الذي حققته المقاومة الاسلامية على العدو الاسرائيلي في تموز هو نصر الهي بقدر ما هو نصر انساني "وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى"(الأنفال 17 ). وأصدق أيضاً قصة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما نبه سارية الى الجبل عن بعد مئات الكيلومترات وأصدق أن سارية قد سمعه. وأضيف الى كل ما تقدم أنني مؤمن أن المعجزات لا تكون الا على أيدي الأنبياء، وأن الخميني ونصر الله وسيدنا عمر ليسوا أنبياء، انما دعوا الله وهم موقنون بالاجابة.
وعليه نقول ان تأمين الرزق يستدعي العمل، ولا يستدعي الا العمل. دعونا نتذكر قصة سيدنا عمر بن الخطاب مع "المتوكلين" عندما طلب منهم ان يعملوا ويطلبوا من الله تبارك وتعالى أن يرزقهم، لا أن يجلسوا في المسجد ويطلبوا الرزق.
2 – التقنية لا تكون الا لصالح الانسان أو لا تكون. فمحور الوجود على هذه الأرض هو الانسان ويكون العمل لتحقيق مصالح هذا الانسان. أو بصيغة أخرى، علينا بناء القاعدة المادية التي تؤمن لهذا الانسان امكانية عبادة الله. من هنا لا تكون هذه التقنية الا تلبيةً لحاجة فعلية وتتطور مع تطور حاجات الانسان. وهذا هو التطور الطبيعي لانتاج التقنية. لا يظنن أحد أننا سوف نعدم جميع أجهزة الكومبيوتر التي نملكها، ولكن يعني أنه علينا العمل لانتاج الكومبيوتر حتى لا تتحول أجهزتنا الى خردة اذا اختلفنا مع الدول التي تبيعنا هذه الأجهزة. وعامل آخر لا يقل أهمية عن العامل الذي سبق هو أن عبادة الله تستدعي من العبد أن يتمتع بحريته وأن لا يكون مرهوناً لأي كان "فتمام حرية الانسان هو بكمال عبوديته لله" عز وجل.
3 – هل ما تقدم يعني أن استيراد التقنية لا يجوز مطلقاً. كلا، انما يعني أنه لا نستورد من التقنية الا ما نحتاجه ولا امكانية لانتاجه. أو بصيغة أخرى لا نستورد الا عند الضرورة القصوى.
4 – في ظل العولمة، هل يمكن للكيانات الصغيرة أن تعيش مستقلةً؟ منذ أواسط القرن الماضي نظر الجنرال شارل ديغول الى واقع فرنسا والدول الأوروبية الأخرى فوجد أن هذه الدول لا يمكنها أن تخرج من ظل الهيمنة الأمريكية الا اذا اتحدت فيما بينها. وعمل مع العدو السابق (ألمانيا) من أجل بناء ما سمي يومها "السوق الأوروربية المشتركة" الذي تطور الى أن أصبح "الاتحاد الأوروبي". وبالرغم من أن الاتحاد الأوروبي يعتبر رابع اقتصاد في العالم لم يتمكن حتى الآن من التحرر من التبعية للسيد الأمريكي اقتصادياً وعسكرياً. فما بالكم في دولنا العربية؟
فلسطين المغتصب حوالي ثلاثة أرباعها ينقسم ربعها الباقي تحت الاحتلال الى كيانين متخاصمين، وأحد هذين الكيانين يفرض على الكيان الآخر التبعية للعدو حتى يقبل بمصالحته. والعراق الذي يتمتع بالاحتلال الأمريكي ينقسم هو الآخر الى ثلاثة كيانات متخاصمة. سوريا ولبنان احتفلوا مؤخراً بقدسية سايكس وبيكو. واتفقت الدول العربية على اقامة سوق مشتركة لا يمكن ان تقوم لأن جميع هذه الدول متخاصمة. فكيف لنا أن نتحرر في ظل عصر لا يمكن الا للكتل أن تعيش بشكل مستقل نسبياً. كما وأن الانتماء الى الله عز وجل يستدعي قيام كتلة عربية أو اسلامية. ومن مواصفات هذه الكتلة ان تكون مكتفيةً ذاتياً، أي كتلة مقفلة على الخارج ومنفتحة داخلياً.
رابعا: صفات الاقتصاد الاسلامي: لقد سبق لنا القول أن كل نظام اقتصادي هو نظام معياري، أي نظام قيم. والنظام الاسلامي لا يخرج عن هذه الحقيقة، لذلك فهو يحمل الصفات التي تميز المسلم. فقد مر معنا أن المسلم عندما يدعو الله عز وجل يكون مطمئناً لاستجابة الله لدعائه لأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه أمرنا أن ندعوا الله ونحن موقنون بالاجابة.
أ – فالصفة الأولى هو أن الانسان الخليفة (الذي استخلفه الله على هذه الأرض) يكون مطمئناً أن الله سيساعده. يقول رب العزة: "الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون"(الأنعام 82 ). ( الطمأنينة تعني الأمن).
ب – الانسان الخليفة يعلم أن الله تبارك وتعالى قد سخر له ما في الكون لخدمته.
يقول تبارك وتعالى: "قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سراً وعلانيةً من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال. الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره و سخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار. وآتاكم من كل ما سألتموه، وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها. ان الانسان لظلوم كفار. (ابراهيم 31 -32 -33 -34 ).
ويقول سبحانه وتعالى: "الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. (الجاثية 12 – 13 ).
ج – الخليفة يهتم بالدوائر التالية: التجارة الفردية والجماعية، التجارة الخارجية والداخلية وأخيراً دائرة الرزق المال والربح. المراقب لهذه الدوائر يلاحظ أنها دوائر تناقضية؛ فالتجارة الفردية والجماعية، أي القطاع الخاص والقطاع العام، ويكون تنافسهما في الميدان الذي يحدده الخليفة الحاكم. أي بصيغة أخرى، لا بأس من منافسة القطاع الخاص للقطاع العام بتأمين حاجات المجتمع. والدائرة الثانية تحكمها نفس القوانين، يضاف اليها المسلمة التالية التي تمنع منافسة المنتجات الخارجية للمنتجات الداخلية؛ فميدان التجارة الخارجية محدد بتأمين الحاجات الضرورية للسوق الداخلية، وليس لتأمين الربح للتجار. أما الدائرة الأخيرة وهي الأهم. فمن خلال هذه الدائرة يمكن معرفة حالة المجتمع، فكلما كبرت دائرة الرزق على دائرة المال فهذا يعني ان المجتمع لم يتمكن بعد من تأمين جميع حاجياته وبشكل مريح. وتوسع دائرة المال يدل على أن المجتمع يتجه نحو الكماليات لأن الضرورات قد تأمنت لجميع أفراد المجتمع. وفي هذه الحالة نصل الى الرفاهية. أما دائرة الربح فالخليفة الحاكم هو الذي يحدد هامش الربح (لا تظلمون ولا تظلمون). والرزق من وجهة نظرنا هو ما يُتقوى به الانسان على عبادة الله. وبعبارة أخرى دائرة الرزق هي تأمين جميع الضرورات: مأكل، ملبس، مسكن، العلم والعمل....
النظرية التي تحكم التصور لنظام اقتصادي اسلامي:
أولا: التوحيد – العدل
نحن نعتقد أن الايمان بالتوحيد والالتزام به يتجلى عدلاً على الصعيد الاجتماعي.
أ – التوحيد هو الايمان بوحدانية الخالق عز وجل. وهذا الايمان يستتبع:
* - أن يكون الانسان موحَّدا. والموحَّد هو نقيض "فيه شركاء متشاكسون". يقول جل جلاله: "ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل، هل يستويان مثلاً. الحمد لله. بل أكثرهم لا يعلمون" (الزمر 29).
* - أن يكون موحداً سياسياً (لا ينتمي الى الطواغيت). طاعة الخالق تستدعي أن يكون الموحِّد على طرفي نقيض مع الذين يدعون الى غير الله. مؤمن وحليف أمريكا أو اسرائيل، هذه معادلة مستحيلة.
* - أن يكون موحَّداً اقتصادياً. "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". وهذا يستتبع منع الاستغلال والتبعية.
* - أن يكون موحَّداً اجتماعياً. اتباع ما جاء به الدين الحنيف في العلاقات الاجتماعية، وخاصة في علاقته مع الوالدين والزوجة.
ما تقدم هو الممارسة التوحيدية.
ب – العدل وهو تطبيق التوحيد على الأرض. الاقرار ب"لا اله الا الله" كخليفة – حاكم يفرض اقامة مجتمع العدل. يقول عز وعلا: "وأمرت لأعدل بينكم" (الشورى 15).
ج – العلاقة بين التوحيد – العدل:
1 – لا يقوم التوحيد الا بظل العدل،سياسياً، اجتماعياً واقتصادياً.
2 – الايمان بأنه لايقوم عدل الا في ظل التوحيد.
د – ما تقدم يفرض على الدول العربية أن تكون كتلة، حتى لا تكون مرهونةً برزقها لأي طاغوت.
ثانيا: مفهوم الخلافة- العمارة
نحن كمؤمنين علينا الايمان بأننا لم نخلق عبثا. وهذا الايمان يستدعي أن الانسان يحمل رسالة معينة عليه القيام بها. أما المؤمن فالرسالة التي يحملها هي تلك التي كُلف بها منذ وجوده: "اني جاعل في الأرض خليفة"، "وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون".
الانسان مخلوق لعمارة الأرض. يقول تبارك وتعالى:... "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها، فاستغفروه ثم توبوا اليه..." (هود 61). فالمهمة الأولى المطروحة على عاتقنا كخلفاء هو عمارة الأرض. فالانسان الخليفة هو الخليفة الحاكم من جهة وجميع الناس من جهة ثانية. والاستخلاف ليس له علاقة بالايمان؛ فالانسان مُستخلف مؤمنا كان أم كافرا. والانسان عُرضت عليه الرسالة فاما أن يؤمن بها فيكون مآله الى الجنة أو يكفر فيكون مصيره العذاب المقيم. وعمارة الأرض يقوم بها كل من يعيش على هذه الأرض. وميزة المؤمن هو قيامه بهذه المهمة طاعة لله وفي سبيله. وأما الآخر، يبين ربنا تبارك وتعالى هذا الأمر: "من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا" (الاسراء 16).
نحدد فنقول: العمارة هي العبادة التي يمارسها الخليفة طاعة لله في استعمار الأرض والكون. والعمارة لا تأخذ شكلا معينا، انما يمكن أن يتغير شكلها تبعا للظروف العيانية أو اللحظة التاريخية.
وعلينا الايمان أن العلاقة بين الخلافة والعمارة شرطية. أي علينا أن نؤمن أنه لا خلافة من دون عمارة، والا فما هو عمل الخليفة في هذه الأرض. كما وأنه لا عمارة من دون خلافة، أي وجود الأولى شرط لوجود الأخرى.
فالعمارة هي تكليف شرعي ومهمة دينية يقوم بها الخليفة. وقراءة هذه الآيات الكريمات توضح ما ذهبنا اليه:
" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا؛ ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" (النور 55).
"وهو الذي جعلكم خلائف الأرض، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم..." (الأنعام 165).
"ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا؛ كذلك نجزي القوم المجرمين. ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون" (يونس 13 – 14).
"وربك الغني ذو الرحمة، ان يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين"(الأنعام 133 ).
ثالثا: مفهوم الرزق – المال
الرزق هو ما يعتاش به الانسان من ملبس ومأكل ومسكن وعلم وعمل؛ وقد توافقنا على تسمية هذه الضرورات الحياتية بالضرورات الخمس. والرزق هو أسبق الى الوجود من المال. فاذا عدنا الى الوراء لن نجد من يبني البيوت حتى يبيعها، أو من يجمع القمح للمتاجرة فيه. ونحن نعلم أن المال ما هو الا الرزق المحترز. والمال لم يصبح له وجود مستقل الا في وقت متأخر من تاريخ الانسانية. ذلك أنه من المستحيل أن يعمل الانسان في التجارة قبل تأمين الحاجيات الضرورية لاستمراره في الحياة. من هنا ما ذهبنا اليه أن الرزق والمال هما مرتبطان كل منهما بالآخر. وهذه الوحدة تناقضية بمعنى أن دائرة كل منهما تكبر على حساب الأخرى.
ان ما يحدد عظم دائرة على أخرى هو الحال الواقعية للمجتمع. فالمجتمع الذي تأمنت جميع حاجياته، لا يمنعه شيء من الانتاج بقصد جمع الأموال، وبذلك نقول بأن دائرة المال هي الدائرة الكبرى. ولكن في جميع المجتمعات يبدأ العمل بدائرة الرزق الى ان يصل الى دائرة المال.
ومصادر المال في المجتمع الاسلامي هي الزكاة والصدقات والعفو وحالات المصادرة الثلاث: الكوارث الطبيعية، الحروب والمجاعة. ففي هذه الحالات يحق للخليفة الحاكم ان يصادر أموال العامة.
والمال هو عصب الاقتصاد، لذلك نرى الاقتصاديون يتحدثون عن التراكم الأولي لرأس المال وكيف يتم. فوجود هذا الرأس مال المتراكم هو شرط لبناء اقتصاد اجتماعي.
2009-05-09
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية
المقدمة
الدين هو معطىً الهي لتحقيق سعادة الانسان في الدنيا والآخرة. وحيث أن هناك جانبين أحدهما دنيوي والثاني أخروي، فهذا يعني أن علاقةًً ما تربط الجانبين فيما بينهما. وهي أن الدنيا هي الطريق التي توصلنا الى الآخرة، اما الى الجنة واما الى العذاب الأبدي والعياذ بالله. وهي تحمل معنىً آخر، أن المجتمع الاسلامي يعمل على تأمين السعادة لجميع من يعيش في كنفه بصرف النظر عن ايمان المرء أوكفره، "كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا"(الاسراء20 ).
ان وعينا لما جاء به النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم من تحطيم للعلاقات الشركية التي كانت قائمةً في الجزيرة العربية هو الأساس في بناء النظام الاسلامي. وهذا النظام يتضمن في تفاصيله الاقتصادي والتربوي والاجتماعي والسياسي والقيمي. وانطلاقنا من هذه النقطة هو الذي يحدد انتماءنا وتموضعنا (على ما جاء في دراستنا حول "الانتماء والتموضع"). وهذا ما جعل الأستاذ مالك بن نبي يتحدث عن مجتمع "ما بعد الموحدين" أي ما بعد المجتمع الراشدي، المجتمع على نهج النبوة. وهذا ما جعل أستاذنا يمأسس من جديد، وهو محق. وهذا يستدعي من كل من يريد أن يبني مجتمعاً اسلامياً على نهج النبوة أن يعيد الدرس والبحث والدراسة، على نهج الذين درسوا مبتغين وجه الله تبارك وتعالى، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، محمد اقبال ومالك بن نبي وغيرهم. وهذا لايعني تبني جميع المقولات التي جاءوا بها، انما يعني أن ندرس كما درسوا ونستفيد من اسهاماتهم وهي مهمة جدا.
اقامة المجتمع الاسلامي هو أصل من أصول هذا الدين الحنيف. والسياسة هي أصل من أصول علم التوحيد. يقول تبارك وتعالى: "ان الحكم الا لله، أمر ألا تعبدوا الا اياه..." (يوسف 40 ). وهذا يستتبع أن يكون للمؤمن نظرة شاملة للكون والحياة؛ ومنها القضايا الاقتصادية والاجتماعية: التقنية، تزايد عدد السكان، نقص المواد الغذائية... يقول عز وجل: "الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ... (آل عمران 191 ). وهذا ما جعل سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يرفض تقسيم سواد العراق على المقاتلين ولكن تركه لانتاج الغذاء للمجتمع.
والايمان باقامة المجتمع الاسلامي، طاعةً لله وفي سبيله، ليس نوعاً من الترف الفكري، انما حاجة تقتضيها الظروف الواقعية للمجتمعات القائمة. وهو أيضاً حاجة حضارية يتطلبها نظام الحياة الذي يحكم تطور هذه المجتمعات، عنيت السنن الالهية لتطور هذه المجتمعات وتغييرها بالاتجاه الذي يحقق سعادة الانسان في الدنيا (لمن أراد الدنيا) والآخرة (لمن أراد الاثنتين).
والتغيير لا يكون حسب رؤيتنا بالطرق الانقلابية التي تختصر الناس وتزعم انها تغير المجتمع كرمى لعيونهم لتقيم أحد الأنواع من الديكتاتوريات العسكرية. ولكن التغيير يتم بالناس أنفسهم الذين لا يغيرهم الله عز وجل حتى يغيروا ما بأنفسهم. ان التغيير يتطلب أناساً من نوعيات معينة، من مواصفات محددة. ولذلك قال تبارك وتعالى: "ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"(الرعد 11 )، أي ليس بطريقة الانقلاب العسكري أو غيره من الانقلابات. ان من يغير هو الذي يؤمن بضرورة التغيير(يغير ما بنفسه) ويعمل على هذا التغيير.
أولا: التغيير يتطلب وجود نظرية تغييرية يستنير بها من يريد أن يعمل على التغيير. بصيغة أخرى، هناك ضرورة لوجود مشروع سياسي يحول النظرية الى اجراءات عملية. وهذا المشروع لا يكون سرياً لأنه مشروع مجتمع وليس مشروع انقلاب. وحيث أنه اسلامي الانتماء فهذا يعني أن منطلقه سيكون المكان الذي يجمع المؤمنين. يقول عز وجل: "انما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش الا الله، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين" (التوبة 18 ). والذين يريدون التغيير يتمتعون بمواصفات خاصة، يقول ذو العزة: "ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون" (آل عمران 104 ). ويقول سبحانه وتعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ..." (آل عمران 110 ).
ثانيا: الانسان الخليفة (الذي استخلفه الله: "اني جاعل في الأرض خليفة" البقرة 30) هو الأصل واليه يعود كل شيء. فالنظام السياسي أو الاقتصادي ... يجب أن يكون لخدمة هذا الانسان الخليفة. من هنا فان تقييم ربحية المشروع الاقتصادي تكون بمدى تحقيقها لمصلحة الانسان. فاذا كانت زراعة التبغ، على سبيل المثال، تحقق أرباحاً خياليةً، لا نزرع التبغ انما نزرع القمح، لأن القمح ضرورة للانسان، والتبغ ليس كذلك. ( على سبيل التذكير فقط، مصر استبدلت زراعة القمح بزراعة القطن وكانت النتيجة أن وقع العديد من القتلى بفضل التزاحم أمام الأفران لندرة الخبز في مصر "أم الدنيا". أين الأرباح التي حققتها مصر أو الانسان المصري من زراعة القطن والاستغناء عن زراعة القمح).
اذا ذهبنا الى أن الانسان مستخلف على هذه الأرض لعمارتها، يصبح لزاماً علينا التفكير بكيفية تأمين ديمومة هذا الانسان على هذه الأرض للقيام بالمهام المفروضة عليه من قبل خالق هذا الكون. يقول سبحانه وتعالى: "وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون..."(الذاريات56 ) ومعيار المفاضلة بين الناس هو التقوى "ان أكرمكم عند الله أتقاكم"(الحجرات 13 ) و"لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى". الله تبارك وتعالى جعل من وجود الانسان على هذه الأرض وجوداً رسالياً، من هنا أولوية هذا الانسان كانسان وليس كفرد. لذلك نقول بأن أي نظام يجب أن يخدم وجود هذا الانسان.
والانسان الرسالي تكون تربيته ذات مواصفات خاصة، فهي تقوم على تعلم القرآن والسنة، من دون نسيان القراءة والكتابة والحساب، مترافقاً مع تعلم مهنة حتى يكون مرتبطاً برزقه بالخالق عز وجل. كان نبي الله داوود يأكل من عمل يده. ما تقدم لا يعني أن ليس من مكان للعلوم النظرية بل يعني أن هذه العلوم تكون من اختصاص الطلاب الأكثر ذكاءً وامتيازاً. نقول هذا الكلام بسبب من سفر العديد من الطلاب الغير مؤهلين لمتابعة مثل هذه الدروس في الخارج وتتكلف عليهم الأمة الكثير من المصاريف الغير ضرورية لأنها تذهب هدراً.
وهكذا تكون التربية والتعليم من جهة والعنصر البشري من جهة أخرى محورين متلازمين: القرآن والسنة يضاف اليها العلوم الضرورية مع تعلم مهنة. ان نظرةً متأنيةً الى واقع المدرسة في بلادنا، ودراسة نسبة التسرب منها يجعلنا نؤكد على ما ذهبنا اليه. فالتسرب يعني نزول عدد من المؤهلين الى سوق العمل بشكل لا يضطر الأمة الى خسارة عدة سنوات لتأهيل المتسربين. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يكمل الطلاب المتميزين علومهم النظرية للوصول الى الاختصاصات التي تحتاجها الأمة. وبذلك يكون الاستثمار في الانسان، من وجهة نظر اقتصادية مربحاً، وكذلك من وجهة النظر السياسية.
أما معيار الصحة الاقتصادية في المجتمع الذي يتبنى الاسلام كمنار للتخطيط والعمل فيكون رصد المنتَج، وان كان هذا المنتج يلبي حاجة المنتجين وحاجة المجتمع. فالندرة والعرض والطلب ليست جميعها هي من يلعب الدور الرئيسي بادارة الدورة الاقتصادية في المجتمع الاسلامي، انما تأمين ما يتقوى به الانسان لعبادة الله عز وجل ... الى أن نصل الى توفير جميع ما يؤمن سعادة الفرد والمجتمع بالشكل الذي يرضيه.
البداية تكون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزرعون ما لا تأكلون ولا تبنون ما لا تسكنون" الى أن نصل الى المجتمع الذي يؤمن جميع متطلبات أفراده، كما حصل مع أحد الخلفاء عندما لم يجد من يوزع عليه الزكاة. أو كما قال تبارك وتعالى: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصةًً يوم القيامة؛ كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون" (الأعراف 32 ).
ثالثا: العصر: سلامة التخطيط تستدعي معرفة صفات العصر الذي نعيش فيه.
أ – صفات هذا العصر: ان أهم الصفات المميزة لهذا العصر هي على التوالي:
1 – الآحادية القطبية: لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية حتى اللحظة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم. نحن لا ننكر الضربات التي تلقتها خلال السنوات المنصرمة والوقت الراهن وهي عدم تمكنها من تحقيق نصر في العراق وكذلك في أفغانستان يضاف اليها الأزمة المالية والاقتصادية التي تتخبط فيها بالرغم من مد يد المساعدة لها من مختلف توابعها. هناك محاولات تقوم بها ما يسمى دول الاتحاد الأوروبي ولكن حتى الآن لم يتمكن من تمييز نفسه عن أمريكا. ان ربط الاقتصاد العالمي بالاقتصاد الأمريكي أجبر جميع دول العالم على الدفاع عن هذا الاقتصاد المترنح. ولايضاح هذه النقطة نسوق المثال التالي الذي يمكن القياس عليه: صرح وزير المالية (أو الاقتصاد) الصيني أنه يجب ايجاد معيار للنقد غير الدولار. ثم أردف قائلاً أنه في حال تم استبدال الدولار بنقد آخر فهذا سوف يؤثر سلباً على الدولار مما يؤدي الى خسارة الصين للأصول المالية الموظفة في الخزينة الأمريكية وهي 1,4 تريليون دولار. لذلك لم يجد الصينيون بداً من دعم الاقتصاد الأمريكي مع العلم ان دعمهم للاقتصاد الأمريكي لا يحقق لهم أي نوع من الربح على حد قول الوزير الصيني، وهذا صحيح، انما يحافظ على قيمة الأصول. أما عن قمة العشرين فمن المفترض أن يتم التحدث عنها بدراسة خاصة ولكن دعونا نقول على سبيل الاشارة أن 40 % من المال الذي خصصته هذه الدول سوف يذهب الى الخزانة الأمريكية والتي تحوله بدورها الى المصارف المتعثرة ولا توظفه في الاقتصاد الحقيقي. نضيف أن جميع الأموال التي تم اقرارها للدول الفقيرة لم يصل منها شيء لهذه الدول على حد قول رئيس البنك الدولي. فأين التغير، أو أين التصور الاقتصادي الجديد؟ ثورة ميركل وساركوزي هي أشبه ما تكون "عاصفة في فنجان". ان التفكير الاقتصادي، حتى من وجهة رأسمالية، تتطلب تموضعاً خارج السياق الاستهلاكي الأمريكي حتى يمكن تطويره أي تطوير الاقتصاد الرأسمالي، وهذا ما فعله "كينز" فقد استبدل الأولويات بأولويات أخرى. هل فعلت قمة العشرين الشيء نفسه الذي فعله "كينز" في أزمة 1929. الجواب كلا.
2 - العولمة: اذا اردنا أن نلخص مفهومنا للعولمة الليبرالية الأمريكية بجملة واحدة نقول: أن يرى الانسان الكون والحياة من خلال منظار أمريكي. ولحسن الحظ أن ال"فاست فود" لمّا يغز جميع مجتمعاتنا. أي أن تحررنا من الهيمنة الأمريكية لا زال ممكناً بأقل قدر من الخسائر.
لقد تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من السيطرة على العالم اقتصادياً وعسكرياً، ولكن لمّا تتمكن أمريكا من تعميم فكرها وثقافتها؛ وهذا الوحيد الايجابي في عصرنا الحاضر. أسميه ايجابياً لأن التحرر من العولمة الليبرالية لن يكلفنا الكثير، هذا استناداً الى الحقيقة المطلقة "أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرعد 11 ). فلله الحمد أن فكرنا لم يفسد بشكل مطلق حتى الآن. ولكن ما تقدم لا يعني أننا لا نتبنى بعض المفاهيم المفسدة للحياة والتي استوردناها من الولايات المتحدة، وأهمها التركيز على ال"أنا" وليس على ال"نحن" وهذه أهم ميزة للمجتمع الاستهلاكي. والجدير ذكره أن "اسلامنا" لعب دوراً مركزياً في حمايتنا وهذا ما دفع الرئيس الأمريكي السابق (بوش الابن) التركيز الجدي على ضرورة تغيير مناهج التعليم والتي تركز على التعليم الديني.
3 – تزايد عدد السكان: هذه الصفة ملازمة للمجتمعات المتخلفة والفقيرة. وحيث أن الفقر يتركز بشكل كبير في الريف لأسباب عديدة وأهمها على الاطلاق هو عدم دعم الزراعة. فالزراعة في جميع البلاد لا تعطي مردوداً يكفي لاعالة من يعمل فيها. لذلك نرى الحكومات في الاتحاد الأوروبي و اليابان وفي الولايات المتحدة تدعم المزارعين بشكل لافت وتمنع الدول الفقيرة من دعم زراعتها. ونتيجةً لفقر الريف نرى الهجرة الداخلية من الريف الى المدينة حيث تتشكل مدن الصفيح أو ضواحي الذل. وهناك نتيجة ثانية وهي النقص في المواد الغذائية وخاصةً في الدول الفقيرة التي تهجر أبناءها من الريف الى المدينة. وعليه تهمل الأرض وتبور.
4 – التقنية: قام المفهوم التأسيسي للتقنية على تأمين الراحة للانسان وتسهيل الحياة. ولكن الايديولوجية الرأسمالية جعلت من هذا المفهوم خادماً لمراكمة الأرباح ومضاعفتها لمن يسيطرون على هذه التقنية. فبدلاً من أن تكون هذه التقنية خادمة ل"لانسان" أصبحت في الجهة المعادية لهذا "الانسان". هذا اذا لم نعرج على موضوع سوء استخدام ما حصلته الدول المتخلفة من التقنية عن طريق الاستيراد. ففي حديث اذاعي للعالم "فاروق الباز" الذي يعمل في وكالة الفضاء الأمريكية قال{ أن الدول المتقدمة تستخدم الأقمار الصناعية لتلبية حاجات معينة تفيدها في تطوير نفسها، بينما القمر الصناعي العربي "أرابسات" كان من أجل الأقنية الفضائية ونقل الأفلام (والعياذ بالله) والمباريات الرياضية والتلفون المحمولٍٍ} الخ من التفاهات التي تتناسب مع فكر حكامنا النير!
5 – استيراد التقنية الجاهزة: ان استيرادنا للتقنية الجاهزة يجعل منها ابناً غير شرعي لنا لذلك لا نجد دافعاً قوياً لحمايتها. هذا من جهة. ومن جهة ثانية فتعاملنا مع التقنية لا يؤهلنا الى اكتساب نفسية وتقاليد المنتج لهذه التقنية. أضيف الى ما تقدم أن أي خلاف مع المورد لهذه التقنية يجعل من جميع أجهزتها كماً مهملاً مكانه القمامة. و لنتذكر ترسانة أسلحة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وكذلك ترسانة الشاه الايراني التي لم تفد الثورة الاسلامية بشيء لأن الولايات المتحدة قد منعت عن ايران قطع الغيار. واذا أردتم تحدثوا عن الأسلحة التي تستوردها الدول الخليجية والتي لم تتعلم من تجربة صدام والشاه. والعامل الأهم بالنسبة للتقنية أن هناك رابطاً سرياً يصل التقنية بصانعها فتجعلها لا تخدم بأمانة سواه. ولا أجد تفسيراً لهذا العامل الا الملاحظة التي تجعل هذه التقنية خادمة لمنتجها، حتى في استعمار الآخرين!
ان الدول المنتجة للتقنيات الحديثة تجعل منها عاملاً للسيطرة على البلاد التي لا تنتجها. وهذا هو العامل الأساسي الذي يجعل الدول الست تتكالب من أجل منع ايران من الانفتاح على انتاج التقنية النووية وهي مستعدة لتأمين التقنية الجاهزة لها. والأمر نفسه ينطبق على كوريا الشمالية. فدول العالم الثالث ممنوع عليها أن تتشبه بالدول المتقدمة ذات الارث الاستعماري.
نستنتج فنقول أن استيراد التقنية الجاهزة سوف يسبب لنا نتائج كارثية. ان انتاج التقنية يجب أن يكون تلبيةً لحاجة، والحاجة أم الاختراع كما يقول المثل ومن يحتاج النار يمسكها بيديه.
ب – الرد الاسلامي: كيف نتعامل مع ما سبق من وجهة مفهومية اسلامية؟
1 – الايمان أن العمل هو الأساس في ممارسة الانسان وأن الرزق من عند الله. أي بصيغة أخرى على الانسان أن يعمل وهو موقن بأن الله سوف يرزقه. طلب منا النبي صلى الله عليه وسلم أن ندعو الله و"نحن موقنون بالاجابة". كما وأضيف أنني أصدق الرواية التي رويت أن الطائرات الأميركية اصطدمت ببعضها البعض عندما جاءت لتغزوا ايران لأن الامام الخميني كان يتضرع الى الله من أجل نصر ايران الثورة الاسلامية، كما وأنني مؤمن أن النصر الذي حققته المقاومة الاسلامية على العدو الاسرائيلي في تموز هو نصر الهي بقدر ما هو نصر انساني "وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى"(الأنفال 17 ). وأصدق أيضاً قصة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما نبه سارية الى الجبل عن بعد مئات الكيلومترات وأصدق أن سارية قد سمعه. وأضيف الى كل ما تقدم أنني مؤمن أن المعجزات لا تكون الا على أيدي الأنبياء، وأن الخميني ونصر الله وسيدنا عمر ليسوا أنبياء، انما دعوا الله وهم موقنون بالاجابة.
وعليه نقول ان تأمين الرزق يستدعي العمل، ولا يستدعي الا العمل. دعونا نتذكر قصة سيدنا عمر بن الخطاب مع "المتوكلين" عندما طلب منهم ان يعملوا ويطلبوا من الله تبارك وتعالى أن يرزقهم، لا أن يجلسوا في المسجد ويطلبوا الرزق.
2 – التقنية لا تكون الا لصالح الانسان أو لا تكون. فمحور الوجود على هذه الأرض هو الانسان ويكون العمل لتحقيق مصالح هذا الانسان. أو بصيغة أخرى، علينا بناء القاعدة المادية التي تؤمن لهذا الانسان امكانية عبادة الله. من هنا لا تكون هذه التقنية الا تلبيةً لحاجة فعلية وتتطور مع تطور حاجات الانسان. وهذا هو التطور الطبيعي لانتاج التقنية. لا يظنن أحد أننا سوف نعدم جميع أجهزة الكومبيوتر التي نملكها، ولكن يعني أنه علينا العمل لانتاج الكومبيوتر حتى لا تتحول أجهزتنا الى خردة اذا اختلفنا مع الدول التي تبيعنا هذه الأجهزة. وعامل آخر لا يقل أهمية عن العامل الذي سبق هو أن عبادة الله تستدعي من العبد أن يتمتع بحريته وأن لا يكون مرهوناً لأي كان "فتمام حرية الانسان هو بكمال عبوديته لله" عز وجل.
3 – هل ما تقدم يعني أن استيراد التقنية لا يجوز مطلقاً. كلا، انما يعني أنه لا نستورد من التقنية الا ما نحتاجه ولا امكانية لانتاجه. أو بصيغة أخرى لا نستورد الا عند الضرورة القصوى.
4 – في ظل العولمة، هل يمكن للكيانات الصغيرة أن تعيش مستقلةً؟ منذ أواسط القرن الماضي نظر الجنرال شارل ديغول الى واقع فرنسا والدول الأوروبية الأخرى فوجد أن هذه الدول لا يمكنها أن تخرج من ظل الهيمنة الأمريكية الا اذا اتحدت فيما بينها. وعمل مع العدو السابق (ألمانيا) من أجل بناء ما سمي يومها "السوق الأوروربية المشتركة" الذي تطور الى أن أصبح "الاتحاد الأوروبي". وبالرغم من أن الاتحاد الأوروبي يعتبر رابع اقتصاد في العالم لم يتمكن حتى الآن من التحرر من التبعية للسيد الأمريكي اقتصادياً وعسكرياً. فما بالكم في دولنا العربية؟
فلسطين المغتصب حوالي ثلاثة أرباعها ينقسم ربعها الباقي تحت الاحتلال الى كيانين متخاصمين، وأحد هذين الكيانين يفرض على الكيان الآخر التبعية للعدو حتى يقبل بمصالحته. والعراق الذي يتمتع بالاحتلال الأمريكي ينقسم هو الآخر الى ثلاثة كيانات متخاصمة. سوريا ولبنان احتفلوا مؤخراً بقدسية سايكس وبيكو. واتفقت الدول العربية على اقامة سوق مشتركة لا يمكن ان تقوم لأن جميع هذه الدول متخاصمة. فكيف لنا أن نتحرر في ظل عصر لا يمكن الا للكتل أن تعيش بشكل مستقل نسبياً. كما وأن الانتماء الى الله عز وجل يستدعي قيام كتلة عربية أو اسلامية. ومن مواصفات هذه الكتلة ان تكون مكتفيةً ذاتياً، أي كتلة مقفلة على الخارج ومنفتحة داخلياً.
رابعا: صفات الاقتصاد الاسلامي: لقد سبق لنا القول أن كل نظام اقتصادي هو نظام معياري، أي نظام قيم. والنظام الاسلامي لا يخرج عن هذه الحقيقة، لذلك فهو يحمل الصفات التي تميز المسلم. فقد مر معنا أن المسلم عندما يدعو الله عز وجل يكون مطمئناً لاستجابة الله لدعائه لأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه أمرنا أن ندعوا الله ونحن موقنون بالاجابة.
أ – فالصفة الأولى هو أن الانسان الخليفة (الذي استخلفه الله على هذه الأرض) يكون مطمئناً أن الله سيساعده. يقول رب العزة: "الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون"(الأنعام 82 ). ( الطمأنينة تعني الأمن).
ب – الانسان الخليفة يعلم أن الله تبارك وتعالى قد سخر له ما في الكون لخدمته.
يقول تبارك وتعالى: "قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سراً وعلانيةً من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال. الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره و سخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار. وآتاكم من كل ما سألتموه، وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها. ان الانسان لظلوم كفار. (ابراهيم 31 -32 -33 -34 ).
ويقول سبحانه وتعالى: "الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. (الجاثية 12 – 13 ).
ج – الخليفة يهتم بالدوائر التالية: التجارة الفردية والجماعية، التجارة الخارجية والداخلية وأخيراً دائرة الرزق المال والربح. المراقب لهذه الدوائر يلاحظ أنها دوائر تناقضية؛ فالتجارة الفردية والجماعية، أي القطاع الخاص والقطاع العام، ويكون تنافسهما في الميدان الذي يحدده الخليفة الحاكم. أي بصيغة أخرى، لا بأس من منافسة القطاع الخاص للقطاع العام بتأمين حاجات المجتمع. والدائرة الثانية تحكمها نفس القوانين، يضاف اليها المسلمة التالية التي تمنع منافسة المنتجات الخارجية للمنتجات الداخلية؛ فميدان التجارة الخارجية محدد بتأمين الحاجات الضرورية للسوق الداخلية، وليس لتأمين الربح للتجار. أما الدائرة الأخيرة وهي الأهم. فمن خلال هذه الدائرة يمكن معرفة حالة المجتمع، فكلما كبرت دائرة الرزق على دائرة المال فهذا يعني ان المجتمع لم يتمكن بعد من تأمين جميع حاجياته وبشكل مريح. وتوسع دائرة المال يدل على أن المجتمع يتجه نحو الكماليات لأن الضرورات قد تأمنت لجميع أفراد المجتمع. وفي هذه الحالة نصل الى الرفاهية. أما دائرة الربح فالخليفة الحاكم هو الذي يحدد هامش الربح (لا تظلمون ولا تظلمون). والرزق من وجهة نظرنا هو ما يُتقوى به الانسان على عبادة الله. وبعبارة أخرى دائرة الرزق هي تأمين جميع الضرورات: مأكل، ملبس، مسكن، العلم والعمل....
النظرية التي تحكم التصور لنظام اقتصادي اسلامي:
أولا: التوحيد – العدل
نحن نعتقد أن الايمان بالتوحيد والالتزام به يتجلى عدلاً على الصعيد الاجتماعي.
أ – التوحيد هو الايمان بوحدانية الخالق عز وجل. وهذا الايمان يستتبع:
* - أن يكون الانسان موحَّدا. والموحَّد هو نقيض "فيه شركاء متشاكسون". يقول جل جلاله: "ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل، هل يستويان مثلاً. الحمد لله. بل أكثرهم لا يعلمون" (الزمر 29).
* - أن يكون موحداً سياسياً (لا ينتمي الى الطواغيت). طاعة الخالق تستدعي أن يكون الموحِّد على طرفي نقيض مع الذين يدعون الى غير الله. مؤمن وحليف أمريكا أو اسرائيل، هذه معادلة مستحيلة.
* - أن يكون موحَّداً اقتصادياً. "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". وهذا يستتبع منع الاستغلال والتبعية.
* - أن يكون موحَّداً اجتماعياً. اتباع ما جاء به الدين الحنيف في العلاقات الاجتماعية، وخاصة في علاقته مع الوالدين والزوجة.
ما تقدم هو الممارسة التوحيدية.
ب – العدل وهو تطبيق التوحيد على الأرض. الاقرار ب"لا اله الا الله" كخليفة – حاكم يفرض اقامة مجتمع العدل. يقول عز وعلا: "وأمرت لأعدل بينكم" (الشورى 15).
ج – العلاقة بين التوحيد – العدل:
1 – لا يقوم التوحيد الا بظل العدل،سياسياً، اجتماعياً واقتصادياً.
2 – الايمان بأنه لايقوم عدل الا في ظل التوحيد.
د – ما تقدم يفرض على الدول العربية أن تكون كتلة، حتى لا تكون مرهونةً برزقها لأي طاغوت.
ثانيا: مفهوم الخلافة- العمارة
نحن كمؤمنين علينا الايمان بأننا لم نخلق عبثا. وهذا الايمان يستدعي أن الانسان يحمل رسالة معينة عليه القيام بها. أما المؤمن فالرسالة التي يحملها هي تلك التي كُلف بها منذ وجوده: "اني جاعل في الأرض خليفة"، "وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون".
الانسان مخلوق لعمارة الأرض. يقول تبارك وتعالى:... "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها، فاستغفروه ثم توبوا اليه..." (هود 61). فالمهمة الأولى المطروحة على عاتقنا كخلفاء هو عمارة الأرض. فالانسان الخليفة هو الخليفة الحاكم من جهة وجميع الناس من جهة ثانية. والاستخلاف ليس له علاقة بالايمان؛ فالانسان مُستخلف مؤمنا كان أم كافرا. والانسان عُرضت عليه الرسالة فاما أن يؤمن بها فيكون مآله الى الجنة أو يكفر فيكون مصيره العذاب المقيم. وعمارة الأرض يقوم بها كل من يعيش على هذه الأرض. وميزة المؤمن هو قيامه بهذه المهمة طاعة لله وفي سبيله. وأما الآخر، يبين ربنا تبارك وتعالى هذا الأمر: "من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا" (الاسراء 16).
نحدد فنقول: العمارة هي العبادة التي يمارسها الخليفة طاعة لله في استعمار الأرض والكون. والعمارة لا تأخذ شكلا معينا، انما يمكن أن يتغير شكلها تبعا للظروف العيانية أو اللحظة التاريخية.
وعلينا الايمان أن العلاقة بين الخلافة والعمارة شرطية. أي علينا أن نؤمن أنه لا خلافة من دون عمارة، والا فما هو عمل الخليفة في هذه الأرض. كما وأنه لا عمارة من دون خلافة، أي وجود الأولى شرط لوجود الأخرى.
فالعمارة هي تكليف شرعي ومهمة دينية يقوم بها الخليفة. وقراءة هذه الآيات الكريمات توضح ما ذهبنا اليه:
" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا؛ ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" (النور 55).
"وهو الذي جعلكم خلائف الأرض، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم..." (الأنعام 165).
"ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا؛ كذلك نجزي القوم المجرمين. ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون" (يونس 13 – 14).
"وربك الغني ذو الرحمة، ان يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين"(الأنعام 133 ).
ثالثا: مفهوم الرزق – المال
الرزق هو ما يعتاش به الانسان من ملبس ومأكل ومسكن وعلم وعمل؛ وقد توافقنا على تسمية هذه الضرورات الحياتية بالضرورات الخمس. والرزق هو أسبق الى الوجود من المال. فاذا عدنا الى الوراء لن نجد من يبني البيوت حتى يبيعها، أو من يجمع القمح للمتاجرة فيه. ونحن نعلم أن المال ما هو الا الرزق المحترز. والمال لم يصبح له وجود مستقل الا في وقت متأخر من تاريخ الانسانية. ذلك أنه من المستحيل أن يعمل الانسان في التجارة قبل تأمين الحاجيات الضرورية لاستمراره في الحياة. من هنا ما ذهبنا اليه أن الرزق والمال هما مرتبطان كل منهما بالآخر. وهذه الوحدة تناقضية بمعنى أن دائرة كل منهما تكبر على حساب الأخرى.
ان ما يحدد عظم دائرة على أخرى هو الحال الواقعية للمجتمع. فالمجتمع الذي تأمنت جميع حاجياته، لا يمنعه شيء من الانتاج بقصد جمع الأموال، وبذلك نقول بأن دائرة المال هي الدائرة الكبرى. ولكن في جميع المجتمعات يبدأ العمل بدائرة الرزق الى ان يصل الى دائرة المال.
ومصادر المال في المجتمع الاسلامي هي الزكاة والصدقات والعفو وحالات المصادرة الثلاث: الكوارث الطبيعية، الحروب والمجاعة. ففي هذه الحالات يحق للخليفة الحاكم ان يصادر أموال العامة.
والمال هو عصب الاقتصاد، لذلك نرى الاقتصاديون يتحدثون عن التراكم الأولي لرأس المال وكيف يتم. فوجود هذا الرأس مال المتراكم هو شرط لبناء اقتصاد اجتماعي.
الأربعاء، 6 مايو 2009
العلاقة مع الغرب
العلاقة مع الغرب هل هي اشكالية؟
ما أن تقرأ عنوان المقالة عند بعض الكتاب حتى تعلم الى من ينتمون؛ والدكتور أحمد الفراك لا يشذ عن القاعدة. انه يطرح اشكالية العلاقة مع الغرب في مقالتين على موقع مالك بن نبي الالكتروني، انه يطرحها كاشكالية حتى تكون عنصر تشويق للقارىء، وليس لأنها اشكالية. فهناك العديد من المقالات التي كتبها أولئك المنتمون الى مايسمى بتيار "الوسطية" والذين يطرحون نفس "الاشكالية" والذين يجيبون نفس الاجابات التي ساقها الدكتور أحمد الفراك. كان بامكان الكاتب العزيز أن ينصحنا بفتح الصفحة الالكترونية لل"وسطية" وسنجد نفس الكلام الذي جهد نفسه لكتابته، جزاه الله عنا كل خير.
والمتعب في المقالات المشابهة هي أن الكاتب يعرف جواب الأسئلة قبل أن يطرحها، فلماذا يطرحها اذن. ان الكتابة الذرائعية تنزع عن الكتابة الصفة التحليلية، فتصبح المقالة أشبه ما تكون بالدعاية الحزبية، وهي للأسف ممجوجة. ولكن، وانطلاقاً من احترامنا للكاتب سوف نناقش بعض الأطروحات، وان كان سبق لنا مناقشة ما يشبهها.
1 – الغرب، سوف أبدأ بما قاله كارل ماركس عندما نزل في لندن، حيث قال "هنا تعيش أمتان". والغرب، يا أعزائي هو غربان: غرب الحكام وغرب المحكومين. وبغية التلفيق يقوم كتاب ما يسمى ب"تيار الوسطية" بالحديث عن الغرب ككتلة متجانسة (مع أنهم يقولون بأن الغرب ليس متجانساً). عندما قامت الادارة الأمريكية والادارة البريطانية بغزو العراق، خرجت مظاهرة مليونية في بريطانيا تعترض على قرار حكامها المشاركة في غزو هذه الدولة الاسلامية المظلوم شعبها من حكامه ثانيا ومن الغزاة أولا. هل بريطانيا التي تظاهرت ضد حكامها هي التي سوف نقيم العلاقة معها أم بريطانيا التي غزت العراق؟ نرجو الدكتور العزيز أن يجيبنا على هذا السؤال.
2 – وبعد استعراض تاريخي وسوسيولوجي للدول الاسلامية التي تعاقبت على الحكم وكذلك بالنسبة للغرب يصل الى القول: " الحاجة ماسة إذن إلى ما يمكن تسميته ب “علم علاقة المسلمين بالغرب” تؤكدها حاجة الغرب إلى الخروج من كونية الأزمة التي صنعها بيديه والأساطير المؤسسة لعقله الجمعي، وبالتالي حاجته إلى فهم قيم القرآن باعتباره “كتاب كوني معجز صادر عن مصدر متعال متجاوز يعرف كيف يقضي على الأساطير العرقية والعنصرية التي شادت بناءها أساطير علوم الإناسة واللغويات وأصل الأنواع وما بني عليها ليعيد للإنسانية إيمانها بخالقها ثم بوحدتها الإنسانية، ووحدة الكون الذي تعيش عليه، وإعادة بناء العلاقات الطبيعية بين هذه كلها”.
أعتقد أن العلاقة مع الآخر تنطبق على الغرب وغيره. والغرب ليس له الا ميزة واحدة عن غيره من السلطات الأخرى. هذه الميزة هو أنه علينا معاداة الادارة الأمريكية وحلفاءها لأنها تحتل الأرض العراقية الاسلامية والأرض الأفغانية الاسلامية وتمد اسرائيل بجميع أنواع الأسلحة لتحافظ على احتلالها للأرض الفلسطينية الاسلامية وتشريد أهلها.
أما الادارات الغربية التي "شادت بناء أساطير علوم الاناسة واللغويات وأصل الأنواع"، لم تقم بهذا العمل الا من أجل بناء "أخلاقي" أو "وجداني" يبرر لها أمام محكوميها القيام بالمجازر التي قامت بها عندما احتلت أراضي الشعوب الأخرى. فابادة الهنود الحمر من قبل الادارة الأمريكية هي لأنهم متوحشون (بزعمهم)، فمن المؤكد أنكم جميعاً رأيتم أفلام الغرب الأمريكي التي تستمر حتى الآن باقناع الشعب الأمريكي والشعوب الأخرى بأن ابادتها للهنود الحمر كانت مبررة "أخلاقيا". والعلوم التي ذكرها الكاتب كانت مهمتها البرهان أن هذه الشعوب همجية وغير قابلة للحضارة لذلك لا بأس من ابادتها ان لم تكن ابادتها واجبة. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، نشير بأن القنابل الفوسفورية التي استعملها الصهاينة في غزة هي من انتاج أمريكي وكان حقل التجارب لقياس فعاليتها (الأسلحة) الشعب العربي المسلم في غزة.
والفرنسيون الذين استعمروا الشعب المغربي من أجل نقله الى مصاف الشعوب المتحضرة، لم يكونوا أقل وحشية من الأمريكان، فالأمريكان هم انتاج أوروبي. وقع ماية ألف قتيل عندما قام الشعب الجزائري بمظاهرة سلمية ضد الاستعمار الفرنسي. فقد رأى المستعمرون (الحضاريون) الفرنسيون أن الطريق المثلى لنقل الجزائريين من الوحشية الى الحضارة هي القضاء عليهم. وعند انسحاب الفرنسيين من الجزائر، لم يقبلوا الاعتراف بفرنسية الفرنسيين الذين خُلقوا في الجزائر لأنهم "تلوثوا" من الجزائريين، وقصة "الغريب" للكاتب "ألبير كامو"الحائز جائزة نوبل للآداب تتحدث عن هذا الموضوع، وكاتبنا العزيز يعرف هذه المواضيع حق المعرفة.
ان من يريد أن يتجاوز عن أخطاء المخطئين، يتجاوز عن أخطاء الناس العاديين وليس عن من يمثلوا الاستعمار بجميع تفاصيله، أعني ساركوزي وادارته والادارة الأمريكية وحلفاءهم.
وحسنا فعلت عزيزي الدكتور، باعتبارك تاريخ الحادي عشر من أيلول محطة أساسية بنى الغرب عليها وحدته. ما هي المحطات الموجودة في تاريخ أمتنا وتستدعي وحدتها؟ هل نعددها؟ أو أن هذه الوحدة ليست من همومنا. فهمومنا هي كيف نحافظ على استغلال الغرب لخيراتنا من غير أن نسبب له أي ازعاج؟ أليس كذلك؟
بعد صلح الحديبية، جاء أبو بصير رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأشهر اسلامه، ولكن كفار قريش لم يقبلوا لأن الاتفاق كان قد وُقِّع وهو ينص على أن على أبي بصير أن يأخذ اذنا من وليه حتى يلتحق برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقبِل النبي بمرافعة كفار قريش. وهام أبو بصير في الصحراء ينتظر قوافل قريش ويهاجمها. لقد أتعبت ممارسات أبي بصير قريش وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يعرف ذلك. لم يستنكر أفعال أبي بصير كرمى لعيون قريش، ولم يتبنها. فأبو بصير لم يطلب اذن النبي صلى الله عليه وسلم. بالله عليك لماذا على الدول العربية والاسلامية الاعتذار والتكفير عن ضرب القاعدة لأبراج نيويورك؟ لقد قام الأمريكان بالعديد من المجازر في الصومال وأفغانستان والعراق، ولم يعتبرها "الوسطيون" محطات لتوحيد الأمة. وهذه اسرائيل تقوم بتهويد القدس على قدم وساق وتهدم البيوت وتشرد من تبقى من المقدسيين، ولم نسمع صراخ الوسطيين الذين يصرخون منذ أيلول الألفين من دون تعب. هل الأمريكي من جنس أحسن من الصومالي أو الفلسطيني أو العراقي حتى يغير التاريخ. الانساني يستنكر كل عمل لا يتوافق مع ما جاء به الدين الحنيف. النبي صلى الله عليه وسلم حدد المفاضلة بالتقوى وليس بالجنس. مقالتك يا حضرة الدكتور لم تذكر فيها أي تاريخ يعنينا كمسلمين. هل أنت محامي دفاع عن مضطهدي شعبنا؟ بالطبع أنا لا أتهمك، ولكن ما أريده من حضرتك التنبه الى أن القضايا الانسانية تهمنا نحن أولا. هل تذكر اغتصاب فلسطين قبل الحادي عشر من سبتمبر وغوانتنامو وأبوغريب بعد هذا التاريخ؟ ولا بأس من السؤال ان كان هجوم أيلول يُعتبر مبرراً لاحتلال أفغانستان والعراق. وهل نؤمن نحن بالمسؤلية الجماعية كما يفعل الأمريكان بتحميل كل الشعب الأفغاني مسؤولية وجود عدد زهيد من مقاتلي القاعدة على الأرض الأفغانية.
3 – يقول الدكتور: " الفكر الإسلامي اليوم باعتباره فكراً مستمداً من رسالة نبوية خاتمة تحمل قيماً إنسانيةً رحيمةً بالإنسان ورفيقةً به مُطالب بالقطع مع تلك المعارك الماضية التي خاض فيها القدامى، والقطع مع العقل التقليدي الصِدامي الذي يشكل عقبة في وجه أية نهضة جديدة للأمة الإسلامية، والتأسيس لمنهج قرآني تجديدي يوسع دائرة المشترك ويؤدي إلى “إبرام عقد اجتماعي دولي” على حد تعبير د.عبد الوهاب المسيري رحمه الله، يتم بمقتضاه تنظيم العلاقة بين المسلمين والغرب على أساس من الاحترام المتبادل والحرية والعدل والتعايش".
هل الرحمة تعني التخلي عن الحقوق لمغتصبيها؟ فالاسلام لا يقبل من المسلم الا أن يكون مثال الانسان، لذلك يطلب منه أن يكون عدلا. والانسان العدل هو الذي يعطي كل ذي حق حقه ولايظلم أحدا. لذلك تراه يقاتل حتى يسترد حقه. والعقل الصدامي هو الذي يوظف قوته في غير المكان المخصص لها. فالفلسطيني الذي لا يقاتل لاسترداد أرضه يكون قد فرط في حقوق الله عز وجل. وفي نفس الوقت لا يكون صدامياً اذا قاتل مغتصبي أرضه انما يقوم بالواجب الذي يفرضه عليه دين الرحمة.
4 - ثم يناقش الكاتب بعض الأطروحات التي حسب زعمي لا تزيد في توضيح الاشكالية انما تخدم تعمية الموضوع بقصد التلفيق. ثم يصل الى الاستشهاد التالي: " قال الله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله} سورة آل عمران، الآية:63. فهذا هو الدين المشترك الذي يضع الأسس الكلية الجامعة التي من شأنها أن تقيم في الإنسان إنسانيته على أتم وجه. فأهل الكتاب دون غيرهم من أهل الأهواء والملل والنحل يشتركون مع المسلمين في مراعاة الكليات الخمس، والسعي إلى تحقيقها والعمل على حفظها. وهذا القدر يشكل أساساً ومرجعاً للاحتكام عند محاورة أهل الكتاب. وهو ما يغيب عند محاورة الطوائف الأخرى . لذا وجب التمييز بين أهل الكتاب وغيرهم، لأنهم أهل كتاب ونبوة".
بالطبع المقصود بأهل الكتاب في الخطاب القرآني ليس من قصدهم كاتبنا العزيز. ان أهل الكتاب الذين جادلهم نبينا صلى الله عليه وسلم لم يكونوا من الذين يحتلون فلسطين والعراق وأفغانستان، انما كانوا من أهل الكتاب الذين يعيشون بوئام مع المسلمين، لذلك جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحتى يتطابق وضع "الغرب" مع النص القرآني، ما على الوسطيين الا أن يقنعوا أهل الكتاب من اليهود بترك فلسطين لأهلها؛ واقناع أهل الكتاب من الأمريكان وأتباعهم بترك العراق وأفغانستان حتى نتمكن من أن نكون واياهم سواءً أمام الكلمة السواء التي دعانا اليها رب العزة.
5 - ثم ينتقل الكاتب الى ما دخل من تصحيف وتحريف على التوراة والانجيل وكأن احتلال أراضي العراق وأفغانستان وفلسطين بحاجة للتوراة أو الانجيل. الى أن يصل الى القول: " الإسلام رحمة كونية تستوعب البشرية كاملة على اختلاف العقول والأماكن والأزمان لذلك وجب على المسلمين علماء ومفكرين ودعاة أن يبدعوا وسائل جديدة في توصيل روح القرآن إلى الغرب، وهذا رأس الجهاد مع الغرب وليس العنف عليه. القرآن يسعى لبناء أمة وليس لبناء مجرد دويلة. الهدف القرآني والهدف النبوي بناء أمة “جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا”، ومن أجل ذلك كاتَبَ النبي صلى الله عليه وسلم الملوك والحكام يدعوهم للإسلام والتعايش، يَعرض عليهم دين الله الخالد وليس دين الأقلية المستضعفة.
والإسلام دين الوسطية {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} ، والوسطية رفعة وقوة، قال الإمام علي كرم الله وجهه: “عليكم بالنمط الأوسط يرجع إليه الغالي ويلحق به التالي”، فلا إفراط ولا تفريط، لا قعود ولا تسيب، لا جمود ولا تغريب ولا انغلاق ولا تبعية…".
صحيح أن الاسلام رحمة كونية جاء لبناء أمة من أفراد مؤمنين وبواسطتهم. أما الملوك الذين كاتبهم النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا محتلي أراضي المسلمين والا لكان الى قتالهم أكثر اجتهاداً منا بقتال أعداء الأمة. والأمة الوسط هي التي لا تتخلى عن حقوقها بل تقاتل من أجل استردادها. ورضي الله عن الامام علي عندما قال قولته التي خلدها التاريخ "كلام حق يراد بها باطل". نحن لا نريد أن نستبدل ديننا الحنيف بالوسطية التي تريدنا أن نستسلم لأعدائنا بحجة الارهاب أو غيرها من مفردات قاموس الأمريكان والوسطيين.
6 - ثم يصل بنا الكاتب الى القول:" إن تجديد الدين اليوم لا بد أن يمر عبر تجديد آليات قراءة النص ومنه تجديد آليات التعامل مع إشكالية علاقة المسلمين مع الغرب، فمادام التجديد عملية متجددة فلم لا تكون العلاقة مع الغرب أيضاً متجددة بمفاهيمها وقضاياها وإشكالاتها وأسئلتها وأجوبتها. في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داوود وغيره عن أبي هريرة: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجّدد لها دينه” وفي رواية: “من يجّدد لها أمر دينها”، فالتجديد من صميم الدين ومرتبط بطبيعته. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: “يوجب علينا أن نجتهد لعصرنا ..وأن نفكر بعقولنا لتنظيم حياتنا… وأن نراعي زماننا وبيئتنا وأحوال عيشنا إذا أفتينا أو قضينا أو بحثنا أو تعاملنا مع أنفسنا أو مع الآخرين،… وأن نقتبس من غيرنا ما ينفعنا…وأن نبتكر في أمور دنيانا كما ابتكروا”
بالعودة الصادقة المخلصة التامة إلى القرآن المكنون قوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}. يمكن أن تبدأ مسيرة الأمة الإسلامية الكبرى وانطلاقتها الشاملة لتأسيس “البديل الحضاري الإسلامي العالمي” القائم على الهدى والحق، فالقرآن بخصائصه باستطاعته الهيمنة على سائر المناهج المطروحة في عالم اليوم، وبإمكانه إعادة صياغتها ضمن منهاجه الكوني، وذلك من خلال التوصل إلى منهجية معرفية قرآنية، منهجية قائمة على قراءة تستوعب مشكلات الوجود الإنساني وأزماته الفكرية والحضارية".
أنا أوافق على ما جاء به دكتورنا العزيز شرط تخليه عن اشكالية العلاقة مع الغرب لأن هذه الاشكالية قد وضعها جورج و. بوش عندما طلب من الملوك والأمراء والرؤساء التصدي الى تغيير المناهج التربوية بعد محطة أيلول التي قُتل فيها عدد من الأمريكان. ووجد الحكام أنفسهم مجبرين على طاعة السيد، ولكن نحن (الشعوب) لسنا مجبرين، فنحن لا نخسر عروشنا، انما نخسر قيودنا. وقام الملك الأردني عبد الله الثاني باستبدال الاسلام بتيار الوسطية، وجند له أصحاب الأقلام من حملة الشهادات العالية والذين لا ينتمون الى شعوبهم، بل ينتمون الى ملوكهم. وتموضع هؤلاء مع الحكام في صف الأمريكان. وكان تيار الوسطية الذي أشهد له بالنشاط والحيوية. وأصبحت العلاقة مع الغرب هي الصفة المميزة لهذا التيار، وكأن لا هم لشعوبنا الا كيف يتعاملون مع الغرب. أين التنمية، أين التحرر، أين التربية أين...؟
أما التجديد في الفكر الاسلامي فانه يبدأ مع "محمد اقبال" و "مالك بن نبي". هذان الشخصيتان اللذان تمكنا من تَمثُّل ثقافة الغرب من دون اعجاب أو شعور بالدونية. ودرسوا تجربة الغرب ووضعوا خطة عمل للمسلم حتى يعود لاسلامه حتى يتمكن من التحرر وبناء الأمة. لم نر عند اقبال اشكالية العلاقة مع الغرب كمحرك للتاريخ كما يريدها تيار الوسطية. وبن نبي لم يعتبر الغرب مسؤولاً عن تخلفنا، انما اعتبر المرض فينا نحن كشعوب عندها قابلية للاستعمار. فالاشكالية كانت كيفية تخلصنا من تخلفنا. لذلك تحدث عن مشكلات الحضارة ومشكلة الثقافة...
7 - ثم يبدأ دكتورنا بالنصح فيقول: "لا ينبغي أن يعول الفكر الإسلامي المعاصر على التفكير السياسي اللحظي الذي يلفه الحريق اليومي للأحداث، مثلما لا ينبغي أن يعول على اجتهادات السابقين المظروفة بظروفهم والمقيدة بمعرفتهم واجتهادهم. والتي لا تكاد تجاوز النظر التقليدية التي تُقسم العالم إلى دار إسلام ودار حرب".
أوافق شرط أن يقبل الغرب الذي يتحدث عنه كاتبنا بالتخلي عن ممارساته التي تجبرنا على الاهتمام بالحدث اليومي. ونحن لا نبني موقفنا من العولمة الليبرالية تبعاً للحدث اليومي، ولكن تبعاً للممارسة الاستكبارية التي تميز الغرب المتسلط، منذ لعب دور القائد لهذه العولمة. نحن نتمنى الراحة و لكن الغرب لا يسمح لنا أن نعيش الا كعبيد، ونحن لا نقبل أن نكون عبيداً الا لله لأننا موحِّدون.
8 - يقول دكتورنا العزيز: " الغرب اليوم غالب بتقنيته وتقانته وعلومه واقتصاده وقوته العسكرية ونفوذه السياسي والثقافي والإعلامي، يهجم علينا بمفاهيمه وقضاياه مثلما يغرقنا بسلعه المختلفة، ويفرض علينا التبعية والانقياد. لكن القرأن يخاطب فيه الإنسان من حيث هو مخلوق مستخلف ومسؤول. فكيف نقنعه بهذه الرسالة ؟ بل كيف نحاوره حوارا نديا يلغي الفروق المادية من أجل التفاهم. أفلا يوجد من حل سوى رفضه كُلية أو تلقفُه كما هو؟ أليس لنا من خيار سوى الالتحاق “الممسوخ” بالغرب أو التدثر بذاتية عاجزة؟".
الغرب يهجم علينا بصواريخه المدمرة وليس بمفاهيمه، ويملك ترسانة من الأسلحة يجربها باللحم الحي لشعوبنا. أما من حيث محاورته فهي ممكنة باحدى الطرق التالية:
1 – حرب شعبية تنتهي بعد تحرير أفغانستان والعراق وفلسطين.
2 – انتاج أسلحة متفوقة على أسلحته ومحاورته ونحن نقف على هذه الترسانة التي لا يمكنه مجابهتها.
3 – تخليه عن احتلاله لبلادنا ومحاورتنا.
ما تقدم يبين أن هناك امكانية للعيش بسلام مع الغرب هذا اذا اراد ذلك.
9 - ثم ينتقل الكاتب الى القول أننا متفوقون على العولمة لأننا نملك رابطة الدين بشهادة هنتنغتون، ومع ذلك لا تزال فلسطين مغتصبة. ثم يصل الى الجوهري فيقول: " نحتاج اليوم إلى منهاج قرآني يمكننا من إدراك النص، وإدراك الواقع، وإدراك كيفية إنزال هذا النص على الواقع…حتى نؤسس لرؤية عالمية تجمع بين الرحمة والحكمة، وبين الاختلاف والتسامح، وبين التعدد والتعاون، نحتاج إلى منهاج تغييري كُلي يعالج إشكالاتنا التاريخية الموروثة بنظرة تجديدية نقدية تمحيصية فحصية، مثلما يعالج إشكالاتنا المعاصرة الموجودة، يجمع بين ما أثله العقل المسلم من قواعد بعد عرضها على القرآن. منهاج مؤيد بالنص المطلق باعتباره النص الهادي المرشد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا بالتاريخ المقيد بفهم الناس وظروفهم وتأويلهم وثقافتهم، منهاج جامع بين الغيب والشهادة، وبين العلم والعمل، وبين الحل الفردي والحل الجماعي، وبين العاجل والآجل، وبين حل الأنفس وحل الأكوان. منهاج يعكس عالمية الإسلام وشموليته وربانيته ووسطيته وواقعيته وإنسانيته".
مع الموافقة ولكن باضافة أن فهم النص القرآني يستدعي حده بالسنة النبوية الشريفة أو بأحداث السيرة التي تساعدنا على معرفة الكيفية التي تعامل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع النص القرآني، والا ما معنى "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر".
واضافة أخرى، وهي أن القرآن الكريم هو الذي يحثنا ويدفعنا الى الاتعاظ بالتاريخ. لذا لا يمكننا لفهم الحاضر الا معرفة الماضي والاتعاظ به. وهناك العديد من الآيات الكريمة التي تبدأ بصيغة "أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت ....
أختم فأقول أن أحداث أيلول في أمريكا لا يتحمل المسلمون وزرها. انما على الغرب أن يدرس لماذا هو مكروه من كل الناس من دون استثناء. واذا كان تعامل الغرب معنا تعاملاً لا تقره شرائع الغرب نفسه، فلماذا علينا نحن أن ندرس اشكالية اضطهاد الغرب لنا، وهي اشكالية غربية، وسوف تؤدي بنا الى ضرورة التحضير لمجابهته. ان العقاب الجماعي هو نوع من الممارسة البربرية (ضد حضارية) ويمارسها الغرب ضد شعوبنا علماً أنه هو من علمنا أن هذه الممارسة ممجوجة ومرفوضة. فبدلاً من تبريرنا للغرب جرائمه ضد شعوبنا بحجة الارهاب، فلندرس المنهاج الرباني، كما يريد الدكتور، الذي يساعدنا على الانتقال من الاستعباد الى الحرية. عندها يمكننا التعامل مع الغرب بالندية المطلوبة عند تعاون المجتمعات فيما بينها.
حسن ملاط
ما أن تقرأ عنوان المقالة عند بعض الكتاب حتى تعلم الى من ينتمون؛ والدكتور أحمد الفراك لا يشذ عن القاعدة. انه يطرح اشكالية العلاقة مع الغرب في مقالتين على موقع مالك بن نبي الالكتروني، انه يطرحها كاشكالية حتى تكون عنصر تشويق للقارىء، وليس لأنها اشكالية. فهناك العديد من المقالات التي كتبها أولئك المنتمون الى مايسمى بتيار "الوسطية" والذين يطرحون نفس "الاشكالية" والذين يجيبون نفس الاجابات التي ساقها الدكتور أحمد الفراك. كان بامكان الكاتب العزيز أن ينصحنا بفتح الصفحة الالكترونية لل"وسطية" وسنجد نفس الكلام الذي جهد نفسه لكتابته، جزاه الله عنا كل خير.
والمتعب في المقالات المشابهة هي أن الكاتب يعرف جواب الأسئلة قبل أن يطرحها، فلماذا يطرحها اذن. ان الكتابة الذرائعية تنزع عن الكتابة الصفة التحليلية، فتصبح المقالة أشبه ما تكون بالدعاية الحزبية، وهي للأسف ممجوجة. ولكن، وانطلاقاً من احترامنا للكاتب سوف نناقش بعض الأطروحات، وان كان سبق لنا مناقشة ما يشبهها.
1 – الغرب، سوف أبدأ بما قاله كارل ماركس عندما نزل في لندن، حيث قال "هنا تعيش أمتان". والغرب، يا أعزائي هو غربان: غرب الحكام وغرب المحكومين. وبغية التلفيق يقوم كتاب ما يسمى ب"تيار الوسطية" بالحديث عن الغرب ككتلة متجانسة (مع أنهم يقولون بأن الغرب ليس متجانساً). عندما قامت الادارة الأمريكية والادارة البريطانية بغزو العراق، خرجت مظاهرة مليونية في بريطانيا تعترض على قرار حكامها المشاركة في غزو هذه الدولة الاسلامية المظلوم شعبها من حكامه ثانيا ومن الغزاة أولا. هل بريطانيا التي تظاهرت ضد حكامها هي التي سوف نقيم العلاقة معها أم بريطانيا التي غزت العراق؟ نرجو الدكتور العزيز أن يجيبنا على هذا السؤال.
2 – وبعد استعراض تاريخي وسوسيولوجي للدول الاسلامية التي تعاقبت على الحكم وكذلك بالنسبة للغرب يصل الى القول: " الحاجة ماسة إذن إلى ما يمكن تسميته ب “علم علاقة المسلمين بالغرب” تؤكدها حاجة الغرب إلى الخروج من كونية الأزمة التي صنعها بيديه والأساطير المؤسسة لعقله الجمعي، وبالتالي حاجته إلى فهم قيم القرآن باعتباره “كتاب كوني معجز صادر عن مصدر متعال متجاوز يعرف كيف يقضي على الأساطير العرقية والعنصرية التي شادت بناءها أساطير علوم الإناسة واللغويات وأصل الأنواع وما بني عليها ليعيد للإنسانية إيمانها بخالقها ثم بوحدتها الإنسانية، ووحدة الكون الذي تعيش عليه، وإعادة بناء العلاقات الطبيعية بين هذه كلها”.
أعتقد أن العلاقة مع الآخر تنطبق على الغرب وغيره. والغرب ليس له الا ميزة واحدة عن غيره من السلطات الأخرى. هذه الميزة هو أنه علينا معاداة الادارة الأمريكية وحلفاءها لأنها تحتل الأرض العراقية الاسلامية والأرض الأفغانية الاسلامية وتمد اسرائيل بجميع أنواع الأسلحة لتحافظ على احتلالها للأرض الفلسطينية الاسلامية وتشريد أهلها.
أما الادارات الغربية التي "شادت بناء أساطير علوم الاناسة واللغويات وأصل الأنواع"، لم تقم بهذا العمل الا من أجل بناء "أخلاقي" أو "وجداني" يبرر لها أمام محكوميها القيام بالمجازر التي قامت بها عندما احتلت أراضي الشعوب الأخرى. فابادة الهنود الحمر من قبل الادارة الأمريكية هي لأنهم متوحشون (بزعمهم)، فمن المؤكد أنكم جميعاً رأيتم أفلام الغرب الأمريكي التي تستمر حتى الآن باقناع الشعب الأمريكي والشعوب الأخرى بأن ابادتها للهنود الحمر كانت مبررة "أخلاقيا". والعلوم التي ذكرها الكاتب كانت مهمتها البرهان أن هذه الشعوب همجية وغير قابلة للحضارة لذلك لا بأس من ابادتها ان لم تكن ابادتها واجبة. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، نشير بأن القنابل الفوسفورية التي استعملها الصهاينة في غزة هي من انتاج أمريكي وكان حقل التجارب لقياس فعاليتها (الأسلحة) الشعب العربي المسلم في غزة.
والفرنسيون الذين استعمروا الشعب المغربي من أجل نقله الى مصاف الشعوب المتحضرة، لم يكونوا أقل وحشية من الأمريكان، فالأمريكان هم انتاج أوروبي. وقع ماية ألف قتيل عندما قام الشعب الجزائري بمظاهرة سلمية ضد الاستعمار الفرنسي. فقد رأى المستعمرون (الحضاريون) الفرنسيون أن الطريق المثلى لنقل الجزائريين من الوحشية الى الحضارة هي القضاء عليهم. وعند انسحاب الفرنسيين من الجزائر، لم يقبلوا الاعتراف بفرنسية الفرنسيين الذين خُلقوا في الجزائر لأنهم "تلوثوا" من الجزائريين، وقصة "الغريب" للكاتب "ألبير كامو"الحائز جائزة نوبل للآداب تتحدث عن هذا الموضوع، وكاتبنا العزيز يعرف هذه المواضيع حق المعرفة.
ان من يريد أن يتجاوز عن أخطاء المخطئين، يتجاوز عن أخطاء الناس العاديين وليس عن من يمثلوا الاستعمار بجميع تفاصيله، أعني ساركوزي وادارته والادارة الأمريكية وحلفاءهم.
وحسنا فعلت عزيزي الدكتور، باعتبارك تاريخ الحادي عشر من أيلول محطة أساسية بنى الغرب عليها وحدته. ما هي المحطات الموجودة في تاريخ أمتنا وتستدعي وحدتها؟ هل نعددها؟ أو أن هذه الوحدة ليست من همومنا. فهمومنا هي كيف نحافظ على استغلال الغرب لخيراتنا من غير أن نسبب له أي ازعاج؟ أليس كذلك؟
بعد صلح الحديبية، جاء أبو بصير رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأشهر اسلامه، ولكن كفار قريش لم يقبلوا لأن الاتفاق كان قد وُقِّع وهو ينص على أن على أبي بصير أن يأخذ اذنا من وليه حتى يلتحق برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقبِل النبي بمرافعة كفار قريش. وهام أبو بصير في الصحراء ينتظر قوافل قريش ويهاجمها. لقد أتعبت ممارسات أبي بصير قريش وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يعرف ذلك. لم يستنكر أفعال أبي بصير كرمى لعيون قريش، ولم يتبنها. فأبو بصير لم يطلب اذن النبي صلى الله عليه وسلم. بالله عليك لماذا على الدول العربية والاسلامية الاعتذار والتكفير عن ضرب القاعدة لأبراج نيويورك؟ لقد قام الأمريكان بالعديد من المجازر في الصومال وأفغانستان والعراق، ولم يعتبرها "الوسطيون" محطات لتوحيد الأمة. وهذه اسرائيل تقوم بتهويد القدس على قدم وساق وتهدم البيوت وتشرد من تبقى من المقدسيين، ولم نسمع صراخ الوسطيين الذين يصرخون منذ أيلول الألفين من دون تعب. هل الأمريكي من جنس أحسن من الصومالي أو الفلسطيني أو العراقي حتى يغير التاريخ. الانساني يستنكر كل عمل لا يتوافق مع ما جاء به الدين الحنيف. النبي صلى الله عليه وسلم حدد المفاضلة بالتقوى وليس بالجنس. مقالتك يا حضرة الدكتور لم تذكر فيها أي تاريخ يعنينا كمسلمين. هل أنت محامي دفاع عن مضطهدي شعبنا؟ بالطبع أنا لا أتهمك، ولكن ما أريده من حضرتك التنبه الى أن القضايا الانسانية تهمنا نحن أولا. هل تذكر اغتصاب فلسطين قبل الحادي عشر من سبتمبر وغوانتنامو وأبوغريب بعد هذا التاريخ؟ ولا بأس من السؤال ان كان هجوم أيلول يُعتبر مبرراً لاحتلال أفغانستان والعراق. وهل نؤمن نحن بالمسؤلية الجماعية كما يفعل الأمريكان بتحميل كل الشعب الأفغاني مسؤولية وجود عدد زهيد من مقاتلي القاعدة على الأرض الأفغانية.
3 – يقول الدكتور: " الفكر الإسلامي اليوم باعتباره فكراً مستمداً من رسالة نبوية خاتمة تحمل قيماً إنسانيةً رحيمةً بالإنسان ورفيقةً به مُطالب بالقطع مع تلك المعارك الماضية التي خاض فيها القدامى، والقطع مع العقل التقليدي الصِدامي الذي يشكل عقبة في وجه أية نهضة جديدة للأمة الإسلامية، والتأسيس لمنهج قرآني تجديدي يوسع دائرة المشترك ويؤدي إلى “إبرام عقد اجتماعي دولي” على حد تعبير د.عبد الوهاب المسيري رحمه الله، يتم بمقتضاه تنظيم العلاقة بين المسلمين والغرب على أساس من الاحترام المتبادل والحرية والعدل والتعايش".
هل الرحمة تعني التخلي عن الحقوق لمغتصبيها؟ فالاسلام لا يقبل من المسلم الا أن يكون مثال الانسان، لذلك يطلب منه أن يكون عدلا. والانسان العدل هو الذي يعطي كل ذي حق حقه ولايظلم أحدا. لذلك تراه يقاتل حتى يسترد حقه. والعقل الصدامي هو الذي يوظف قوته في غير المكان المخصص لها. فالفلسطيني الذي لا يقاتل لاسترداد أرضه يكون قد فرط في حقوق الله عز وجل. وفي نفس الوقت لا يكون صدامياً اذا قاتل مغتصبي أرضه انما يقوم بالواجب الذي يفرضه عليه دين الرحمة.
4 - ثم يناقش الكاتب بعض الأطروحات التي حسب زعمي لا تزيد في توضيح الاشكالية انما تخدم تعمية الموضوع بقصد التلفيق. ثم يصل الى الاستشهاد التالي: " قال الله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله} سورة آل عمران، الآية:63. فهذا هو الدين المشترك الذي يضع الأسس الكلية الجامعة التي من شأنها أن تقيم في الإنسان إنسانيته على أتم وجه. فأهل الكتاب دون غيرهم من أهل الأهواء والملل والنحل يشتركون مع المسلمين في مراعاة الكليات الخمس، والسعي إلى تحقيقها والعمل على حفظها. وهذا القدر يشكل أساساً ومرجعاً للاحتكام عند محاورة أهل الكتاب. وهو ما يغيب عند محاورة الطوائف الأخرى . لذا وجب التمييز بين أهل الكتاب وغيرهم، لأنهم أهل كتاب ونبوة".
بالطبع المقصود بأهل الكتاب في الخطاب القرآني ليس من قصدهم كاتبنا العزيز. ان أهل الكتاب الذين جادلهم نبينا صلى الله عليه وسلم لم يكونوا من الذين يحتلون فلسطين والعراق وأفغانستان، انما كانوا من أهل الكتاب الذين يعيشون بوئام مع المسلمين، لذلك جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحتى يتطابق وضع "الغرب" مع النص القرآني، ما على الوسطيين الا أن يقنعوا أهل الكتاب من اليهود بترك فلسطين لأهلها؛ واقناع أهل الكتاب من الأمريكان وأتباعهم بترك العراق وأفغانستان حتى نتمكن من أن نكون واياهم سواءً أمام الكلمة السواء التي دعانا اليها رب العزة.
5 - ثم ينتقل الكاتب الى ما دخل من تصحيف وتحريف على التوراة والانجيل وكأن احتلال أراضي العراق وأفغانستان وفلسطين بحاجة للتوراة أو الانجيل. الى أن يصل الى القول: " الإسلام رحمة كونية تستوعب البشرية كاملة على اختلاف العقول والأماكن والأزمان لذلك وجب على المسلمين علماء ومفكرين ودعاة أن يبدعوا وسائل جديدة في توصيل روح القرآن إلى الغرب، وهذا رأس الجهاد مع الغرب وليس العنف عليه. القرآن يسعى لبناء أمة وليس لبناء مجرد دويلة. الهدف القرآني والهدف النبوي بناء أمة “جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا”، ومن أجل ذلك كاتَبَ النبي صلى الله عليه وسلم الملوك والحكام يدعوهم للإسلام والتعايش، يَعرض عليهم دين الله الخالد وليس دين الأقلية المستضعفة.
والإسلام دين الوسطية {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} ، والوسطية رفعة وقوة، قال الإمام علي كرم الله وجهه: “عليكم بالنمط الأوسط يرجع إليه الغالي ويلحق به التالي”، فلا إفراط ولا تفريط، لا قعود ولا تسيب، لا جمود ولا تغريب ولا انغلاق ولا تبعية…".
صحيح أن الاسلام رحمة كونية جاء لبناء أمة من أفراد مؤمنين وبواسطتهم. أما الملوك الذين كاتبهم النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا محتلي أراضي المسلمين والا لكان الى قتالهم أكثر اجتهاداً منا بقتال أعداء الأمة. والأمة الوسط هي التي لا تتخلى عن حقوقها بل تقاتل من أجل استردادها. ورضي الله عن الامام علي عندما قال قولته التي خلدها التاريخ "كلام حق يراد بها باطل". نحن لا نريد أن نستبدل ديننا الحنيف بالوسطية التي تريدنا أن نستسلم لأعدائنا بحجة الارهاب أو غيرها من مفردات قاموس الأمريكان والوسطيين.
6 - ثم يصل بنا الكاتب الى القول:" إن تجديد الدين اليوم لا بد أن يمر عبر تجديد آليات قراءة النص ومنه تجديد آليات التعامل مع إشكالية علاقة المسلمين مع الغرب، فمادام التجديد عملية متجددة فلم لا تكون العلاقة مع الغرب أيضاً متجددة بمفاهيمها وقضاياها وإشكالاتها وأسئلتها وأجوبتها. في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داوود وغيره عن أبي هريرة: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجّدد لها دينه” وفي رواية: “من يجّدد لها أمر دينها”، فالتجديد من صميم الدين ومرتبط بطبيعته. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: “يوجب علينا أن نجتهد لعصرنا ..وأن نفكر بعقولنا لتنظيم حياتنا… وأن نراعي زماننا وبيئتنا وأحوال عيشنا إذا أفتينا أو قضينا أو بحثنا أو تعاملنا مع أنفسنا أو مع الآخرين،… وأن نقتبس من غيرنا ما ينفعنا…وأن نبتكر في أمور دنيانا كما ابتكروا”
بالعودة الصادقة المخلصة التامة إلى القرآن المكنون قوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}. يمكن أن تبدأ مسيرة الأمة الإسلامية الكبرى وانطلاقتها الشاملة لتأسيس “البديل الحضاري الإسلامي العالمي” القائم على الهدى والحق، فالقرآن بخصائصه باستطاعته الهيمنة على سائر المناهج المطروحة في عالم اليوم، وبإمكانه إعادة صياغتها ضمن منهاجه الكوني، وذلك من خلال التوصل إلى منهجية معرفية قرآنية، منهجية قائمة على قراءة تستوعب مشكلات الوجود الإنساني وأزماته الفكرية والحضارية".
أنا أوافق على ما جاء به دكتورنا العزيز شرط تخليه عن اشكالية العلاقة مع الغرب لأن هذه الاشكالية قد وضعها جورج و. بوش عندما طلب من الملوك والأمراء والرؤساء التصدي الى تغيير المناهج التربوية بعد محطة أيلول التي قُتل فيها عدد من الأمريكان. ووجد الحكام أنفسهم مجبرين على طاعة السيد، ولكن نحن (الشعوب) لسنا مجبرين، فنحن لا نخسر عروشنا، انما نخسر قيودنا. وقام الملك الأردني عبد الله الثاني باستبدال الاسلام بتيار الوسطية، وجند له أصحاب الأقلام من حملة الشهادات العالية والذين لا ينتمون الى شعوبهم، بل ينتمون الى ملوكهم. وتموضع هؤلاء مع الحكام في صف الأمريكان. وكان تيار الوسطية الذي أشهد له بالنشاط والحيوية. وأصبحت العلاقة مع الغرب هي الصفة المميزة لهذا التيار، وكأن لا هم لشعوبنا الا كيف يتعاملون مع الغرب. أين التنمية، أين التحرر، أين التربية أين...؟
أما التجديد في الفكر الاسلامي فانه يبدأ مع "محمد اقبال" و "مالك بن نبي". هذان الشخصيتان اللذان تمكنا من تَمثُّل ثقافة الغرب من دون اعجاب أو شعور بالدونية. ودرسوا تجربة الغرب ووضعوا خطة عمل للمسلم حتى يعود لاسلامه حتى يتمكن من التحرر وبناء الأمة. لم نر عند اقبال اشكالية العلاقة مع الغرب كمحرك للتاريخ كما يريدها تيار الوسطية. وبن نبي لم يعتبر الغرب مسؤولاً عن تخلفنا، انما اعتبر المرض فينا نحن كشعوب عندها قابلية للاستعمار. فالاشكالية كانت كيفية تخلصنا من تخلفنا. لذلك تحدث عن مشكلات الحضارة ومشكلة الثقافة...
7 - ثم يبدأ دكتورنا بالنصح فيقول: "لا ينبغي أن يعول الفكر الإسلامي المعاصر على التفكير السياسي اللحظي الذي يلفه الحريق اليومي للأحداث، مثلما لا ينبغي أن يعول على اجتهادات السابقين المظروفة بظروفهم والمقيدة بمعرفتهم واجتهادهم. والتي لا تكاد تجاوز النظر التقليدية التي تُقسم العالم إلى دار إسلام ودار حرب".
أوافق شرط أن يقبل الغرب الذي يتحدث عنه كاتبنا بالتخلي عن ممارساته التي تجبرنا على الاهتمام بالحدث اليومي. ونحن لا نبني موقفنا من العولمة الليبرالية تبعاً للحدث اليومي، ولكن تبعاً للممارسة الاستكبارية التي تميز الغرب المتسلط، منذ لعب دور القائد لهذه العولمة. نحن نتمنى الراحة و لكن الغرب لا يسمح لنا أن نعيش الا كعبيد، ونحن لا نقبل أن نكون عبيداً الا لله لأننا موحِّدون.
8 - يقول دكتورنا العزيز: " الغرب اليوم غالب بتقنيته وتقانته وعلومه واقتصاده وقوته العسكرية ونفوذه السياسي والثقافي والإعلامي، يهجم علينا بمفاهيمه وقضاياه مثلما يغرقنا بسلعه المختلفة، ويفرض علينا التبعية والانقياد. لكن القرأن يخاطب فيه الإنسان من حيث هو مخلوق مستخلف ومسؤول. فكيف نقنعه بهذه الرسالة ؟ بل كيف نحاوره حوارا نديا يلغي الفروق المادية من أجل التفاهم. أفلا يوجد من حل سوى رفضه كُلية أو تلقفُه كما هو؟ أليس لنا من خيار سوى الالتحاق “الممسوخ” بالغرب أو التدثر بذاتية عاجزة؟".
الغرب يهجم علينا بصواريخه المدمرة وليس بمفاهيمه، ويملك ترسانة من الأسلحة يجربها باللحم الحي لشعوبنا. أما من حيث محاورته فهي ممكنة باحدى الطرق التالية:
1 – حرب شعبية تنتهي بعد تحرير أفغانستان والعراق وفلسطين.
2 – انتاج أسلحة متفوقة على أسلحته ومحاورته ونحن نقف على هذه الترسانة التي لا يمكنه مجابهتها.
3 – تخليه عن احتلاله لبلادنا ومحاورتنا.
ما تقدم يبين أن هناك امكانية للعيش بسلام مع الغرب هذا اذا اراد ذلك.
9 - ثم ينتقل الكاتب الى القول أننا متفوقون على العولمة لأننا نملك رابطة الدين بشهادة هنتنغتون، ومع ذلك لا تزال فلسطين مغتصبة. ثم يصل الى الجوهري فيقول: " نحتاج اليوم إلى منهاج قرآني يمكننا من إدراك النص، وإدراك الواقع، وإدراك كيفية إنزال هذا النص على الواقع…حتى نؤسس لرؤية عالمية تجمع بين الرحمة والحكمة، وبين الاختلاف والتسامح، وبين التعدد والتعاون، نحتاج إلى منهاج تغييري كُلي يعالج إشكالاتنا التاريخية الموروثة بنظرة تجديدية نقدية تمحيصية فحصية، مثلما يعالج إشكالاتنا المعاصرة الموجودة، يجمع بين ما أثله العقل المسلم من قواعد بعد عرضها على القرآن. منهاج مؤيد بالنص المطلق باعتباره النص الهادي المرشد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا بالتاريخ المقيد بفهم الناس وظروفهم وتأويلهم وثقافتهم، منهاج جامع بين الغيب والشهادة، وبين العلم والعمل، وبين الحل الفردي والحل الجماعي، وبين العاجل والآجل، وبين حل الأنفس وحل الأكوان. منهاج يعكس عالمية الإسلام وشموليته وربانيته ووسطيته وواقعيته وإنسانيته".
مع الموافقة ولكن باضافة أن فهم النص القرآني يستدعي حده بالسنة النبوية الشريفة أو بأحداث السيرة التي تساعدنا على معرفة الكيفية التي تعامل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع النص القرآني، والا ما معنى "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر".
واضافة أخرى، وهي أن القرآن الكريم هو الذي يحثنا ويدفعنا الى الاتعاظ بالتاريخ. لذا لا يمكننا لفهم الحاضر الا معرفة الماضي والاتعاظ به. وهناك العديد من الآيات الكريمة التي تبدأ بصيغة "أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت ....
أختم فأقول أن أحداث أيلول في أمريكا لا يتحمل المسلمون وزرها. انما على الغرب أن يدرس لماذا هو مكروه من كل الناس من دون استثناء. واذا كان تعامل الغرب معنا تعاملاً لا تقره شرائع الغرب نفسه، فلماذا علينا نحن أن ندرس اشكالية اضطهاد الغرب لنا، وهي اشكالية غربية، وسوف تؤدي بنا الى ضرورة التحضير لمجابهته. ان العقاب الجماعي هو نوع من الممارسة البربرية (ضد حضارية) ويمارسها الغرب ضد شعوبنا علماً أنه هو من علمنا أن هذه الممارسة ممجوجة ومرفوضة. فبدلاً من تبريرنا للغرب جرائمه ضد شعوبنا بحجة الارهاب، فلندرس المنهاج الرباني، كما يريد الدكتور، الذي يساعدنا على الانتقال من الاستعباد الى الحرية. عندها يمكننا التعامل مع الغرب بالندية المطلوبة عند تعاون المجتمعات فيما بينها.
حسن ملاط
الأربعاء، 29 أبريل 2009
مؤتمر دوربان2
المؤتمر الأممي "لمناهضة العنصرية" في سويسرا - حسن ملاط
2009-04-26
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية
عُقد في سويسرا منذ أيام عدة مؤتمر أممي لمناهضة العنصرية. وقد دعت الجهة المشرفة الرؤساء والملوك لحضوره، ولكن لم يلب هذه الدعوة الا السيد أحمدي نجاد، الرئيس الايراني. وقد كان حضوره بارزا، حيث ألقى خطابا أثار المشاعر الانسانية، وخاصة عند أولئك الذين يتمتعون بحس انساني مرهف، عنيت الدول الغربية وبعض ملحقاتها.
ماذا قال الرئيس الايراني حتى أثار امتعاض الغربيين؟
وصف أحمدي نجاد اسرائيل في خطابه في مؤتمر مناهضة العنصرية في جنيف الاثنين بانها "النظام العنصري الأكثر قسوة وقمعا" بسبب معاملتها للفلسطينيين.
وقال الرئيس الايراني الذي جعلته المقاطعة رئيس الدولة الوحيد المشارك: "بعد الحرب العالمية الثانية، لجأوا الى الاعتداءات العسكرية كي يجعلوا أمة بكاملها بلا مأوى بذريعة المعاناة اليهودية... أرسلوا مهاجرين من اوروبا والولايات المتحدة واجزاء اخرى من العالم من اجل اقامة حكومة عنصرية تماما في فلسطين المحتلة... في الحقيقة، عوضوا العواقب الوخيمة للعنصرية في اوروبا بالمساعدة في أن يأتي الى السلطة اكثر الانظمة العنصرية قسوة وقمعاً في فلسطين".
كما قال احمدي نجاد: الكيان الصهيوني يسعى للقضاء على كرامة البشرية، لذا ينبغي أن تبذل الجهود لانهاء الدعم للكيان العنصري، مؤكدا أن العنصرية موجودة بسبب غياب الوعي 'لانها نتاج الانحراف عن المسار الحقيقي لحياة البشرية والابتعاد عن الالتزامات البشرية وناتجة ايضا عن عدم عبادة الخالق وعدم فهم فلسفة الحياة وهذا لضيق النظرة البشرية وجعل المصالح الذاتية هي المعيار للنجاح'.
ان المجتمع الدولي يواجه نوعا من العنصرية اليوم أدى الى تشويه الصورة البشرية , فالعنصرية تلجأ بشكل خاطئ للدين لكي تخفي حقيقة كرهيتها ووجهها البشع ولكن من المهم جدا ان نسلط الاضواء على الاهداف السياسية لمن يسيطرون على الموارد الاقتصادية والمصالح في العالم.
ان «تعويضاً عن العواقب الوخيمة للعنصرية في أوروبا ساعد في أن يأتي إلى السلطة أكثر النظم العنصرية قسوة وقمعا في فلسطين»، متهماً "هؤلاء (الحلفاء) بالتزام الصمت إزاء کل المجازر التي ارتكبها هذا الكيان بل وقدموا له الدعم".
هذا ما قاله أحمدي نجاد. فبالنسبة للوقائع التاريخية، لا يوجد مصادر يمكنها ان تقول بأن المهاجرين اليهود لم يأتوا من خارج فلسطين من أجل احتلالها وطرد أهلها. وجميع الوقائع التاريخية تؤكد أنهم أتوا بمعونة الدول الغربية وعلى رأسها بريطانيا العظمى. وبلفور (الوزير البريطاني) الذي تكرم على الصهاينة بالأرض العربية الفلسطينية أعطى من "كيس" غيره. وبعد أن أصبحت الولايات المتحدة رئيسة للمعسكر الغربي، تولت بنفسها امداد العدو بجميع ما أنتجته مصانعها من آلات الدمار لقتل الشعب الفلسطيني وغيره من الشعوب العربية.
لماذا كانت ردة الفعل الغربية بالشكل الذي ترجمته بأن انسحب البعض مؤقتا والبعض الآخر انسحب نهائيا؟
دعونا نطّلع على بعض ما جاء في البيان الذي تمت الموافقة عليه مسبقا، في المؤتمر السابق:
في ما يلي مقتطفات مما ورد في اعلان وبرنامج عمل «دوربان 1» حول الشرق الاوسط ومعاداة السامية، الذي تم تبنيه بالاجماع خلال المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية في 2001. وأعيد تأكيده في ختام المؤتمر الثاني أمس.
وقد قررت دول عدة، منها الولايات المتحدة واسرائيل، مقاطعة «دوربان 2» بحجة ان مسودة البيان الختامي مطابقة لنص 2001. ورغم أن الإعلان الختامي لمؤتمر 2001 لم يتضمن هذه الصياغة فقد خص إسرائيل بالانتقاد وعلى سبيل المثال من خلال إشارة تقول 'نحن قلقون من محنة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الأجنبي'.
وبرر المؤتمرون اعلانهم المثير للجدل بالسعي للتخلص من تاثير انسحاب البعض من المؤتمر بسبب تصريحات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الى اسرائيل بأنها "حكومة عنصرية تماما" وهو تصريح وصفه مسؤولون في الأمم المتحدة بانه "كريه" و"غير مقبول".
ــ الفقرة 63: اننا قلقون لمصير الشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت الاحتلال الاجنبي.
نعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وقيام دولته المستقلة، وبحق جميع دول المنطقة في العيش بأمان بما فيها اسرائيل، ونطلب من كل الدول دعم عملية السلام لتفضي الى نتيجة بسرعة.
ــ الفقرة 151: يدعو المؤتمر الى وضع حد للعنف واستئناف المفاوضات سريعا واحترام حقوق الانسان والقانون الدولي الانساني واحترام مبدأ تقرير المصير، وانهاء المعاناة للسماح لاسرائيل والفلسطينيين باستئناف عملية السلام والتطور والازدهار بحرية وامان.
ــ الفقرة 58: تذكر بانه علينا الا ننسى محرقة اليهود ابدا.
ــ الفقرة 61: نلاحظ ايضا بقلق عميق تصاعد نزعة معاداة السامية والاسلام في مناطق مختلفة من العالم وظهور حركات عنصرية وعنيفة مستوحاة من العنصرية والافكار التمييزية حيال اليهود والاسلام والعرب.
ــ الفقرة 150: تلزم الدول في محاربة جميع اشكال العنصرية والاعتراف بضرورة محاربة معاداة السامية والعنصرية ضد العرب وكره الاسلام في العالم اجمع، وتدعو كل الدول الى اتخاذ تدابير فعالة لمنع تشكيل حركات تقوم على العنصرية والافكار التمييزية المتعلقة بهذه المجموعات.
نقول لماذا تقوم الولايات المتحدة بجهود من أجل اقامة دولتين (بناء لادعائها) ان لم يكن الفلسطينيون يعيشون تحت نير الاحتلال. وحتى بالنسبة لجميع البنود الأخرى لا نجد أي مبرر لانسحاب أية دولة حتى اسرائيل. فمبرر الانسحاب يجب أن نفتش عليه في مكان آخر. وسوف نحاول ذلك ولكن بعد الاطلاع على ما أتحفنا به ممثلي هذه الدول وأتباعهم بما فيهم الأمين العام للأمم المتحدة.
أبدى الامين العام للامم المتحدة في بيان "أسفه" للكلام المناهض لاسرائيل الذي ورد على لسان احمدي نجاد، بعدما كان حذره في لقاء ثنائي من "الخلط بين الصهيونية والعنصرية". وقال: "انني آسف لاستخدام الرئيس الايراني هذا الموضوع من أجل توجيه الاتهام والتسبب بالانقسام وحتى الاستفزاز... انه لمن المؤسف تماما الا تلقى دعوتي للرئيس الايراني للتطلع نحو مستقبل موحد آذاناً صاغية لديه". ورأى في كلام الرئيس الايراني "تعارضاً مع اهداف هذا المؤتمر".
وقال بان خلال زيارة رسمية لمالطا "من المؤسف للغاية ان الرئيس الإيراني أساء استخدام المؤتمر لاغراض سياسية".
المفوضة الأممية العليا لحقوق الإنسان بجنيف قالت للصحفيين أنها لاحظت أن "ما ورد في خطاب الرئيس (الإيراني) لا علاقة له بجوهر المؤتمر، ولهذا يجب ألا يكون له تأثير على النتائج".
وأضافت نافي بيلاي أن على الوفود ألا تسمح للمؤتمر الذي يستمر خمسة أيام أن "يخرب" من قبل "شخص واحد جاء بمثل هذه التصريحات الكريهة". ووصفت أحمدي نجاد بأنه "شخص يأتي تقليديا ببيانات بغيضة".
وقالت "لقد ذهلت وشعرت بحزن عميق لكل شيء قاله، لا أعتقد مع ذلك أن تصرفه يقدم تبريرا لأي دولة عضو أخرى للانسحاب من هذا المؤتمر". ولهذا "أناشد الجميع هنا التركيز على العمل المهم الذي عقد المؤتمر من أجله".
وقالت منظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومان رايتس ووتش) ومقرها نيويورك إن غياب رئيس الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى عن جنيف ' يوجه ضربة لمساعي الأمم المتحدة لمكافحة العنصرية'.
وقالت المفوضة العليا لحقوق الانسان في الامم المتحدة نافانيتيم بيلاي "بعد ثماني سنوات لم تنجح الوعود والتدابير (لمكافحة) العنصرية في القاء الممارسات التمييزية والتعصب في مزبلة التاريخ".
وقالت اسماء جهانجير المقرر الخاص بشأن حرية الاديان والعقيدة "انها ليست مسألة اختلاف في الرأي. انها مسألة العداء الكامن في هذه الآراء".
انه لمن المؤسف حقا أن جميع ما يسمى المجتمع الدولي يريدون أن يزوروا التاريخ أو أن يتجاهلوا وقائعه حتى يتمكنوا من تبرئة اسرائيل من جرائمها المستمرة. وعلينا أن نلاحظ جيدا أن جميع من اعترض على الرئيس نجاد لم يأت بواقعة واحدة تكذب ما ذهب اليه الرئيس الايراني. ولكن يمكننا أن نقول أن الكلام المنسوب لجميع هؤلاء يدخل ضمن خانة التهويش الاعلامي.
من جهته، اكد حائز جائزة نوبل للسلام ايلي فيزل ردا على سؤال للاذاعة العسكرية الاسرائيلية في جنيف أمس الاثنين ان 'مكان الرئيس الايراني هو السجن وليس في مؤتمر ضد العنصرية'.
واضاف 'يجب توقيفه بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية لانه يدعو الى القضاء على شعب بأكمله ويهدد بالتالي البشرية برمتها'.
من المؤكد أن هذا الايلي فيزل لا يقرأ الصحف ولا يحضر التلفزيون والا لتمكن من رؤية الجرائم التي اقترفتها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في غزة ولاتزال، والجرائم بحق المقرات التابعة للمنظمة الدولية. ولكن علينا أن لا نعجب من حمله جائزة نوبل للسلام فزميله بيريس المسؤول عن مجزرة قانا يحمل نفس الجائزة.
وقال الكاتب الصحافي السويسري بيار هازان في كتابه "الحكم على الحرب هو الحكم على التاريخ"، انه بعد مجازر رواندا والتطهير العرقي في يوغوسلافيا السابقة، كانت الفكرة وراء المؤتمر إرساء العدالة خصوصا بالنسبة الى العبودية.
وأضاف ان "الأمم المتحدة تطمح ان يكون المؤتمر نوعا من التكفير الجماعي" معتبرا ان الظلم الماضي وراء النظام غير المتوازن والتفاوت السائدين في العالم.
ووصف الناطق باسم الفاتيكان الأب فيديريكو لومباردي كلام احمدي نجاد بأنه متطرف.
كما وصفه الفاتيكان بأنه خطاب "متطرف وغير مقبول".
جميع من تقدم لا يملكون حاملات طائرات انما بامكانهم أن يستمعوا الى بعض نشرات الأخبار. ( للاشارة فقط أن اسرائيل تقوم بهدم البيوت في مدينة القدس ولكن نشرات الأخبار العربية لا تشير الى هذا الموضوع). اسرائيل كانت ولا تزال تقوم بهدم بيوت المالكين العرب الفلسطينيين، بينما المؤتمر يتابع أعماله. ماذا نسمي هذه الممارسات؟ أليست عنصرية؟
لقد تطرف نجاد لأنه تحدث (العرب يتحملون المسؤولية، ولكن لحسن الحظ أنهم غير متطرفين) عن الممارسات الاسرائيلية في الوقت الذي تهدم فيه بيوت العرب وهي غير متطرفة! ربما لأنها لا تتحدث!
في حين قال السفير البريطاني بيتر جودرهام الذي فضلت بلاده عدم إرسال وزير إلى جنيف "مثل تلك التصريحات الشائنة المعادية للسامية يجب ألا يكون لها مكان بمنتدى للأمم المتحدة لمناهضة العنصرية".
رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون وصفه بـ"المسيء والاستفزازي". بريطانيا هي من أوجد اسرائيل فمن الطبيعي أن تدافع عنها وأن تخوض مع اسرائيل في دماء الفلسطينيين والعرب.
وزير الخارجية النروجي يوناس غارشتور اعتبره «يرقى إلى حد التحريض على الكراهية».
أما القنابل الفوسفورية التي استخدمتها اسرائيل ضد الأطفال والنساء، فيجب السكوت عنها.
ودعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الاتحاد الأوروبي إلى «الحزم حيال الدعوة غير المتسامحة إلى الكراهية العنصرية». ووصفها بأنها "دعوة الى الحقد العنصري لا ينبغي السكوت عنها".
وقال وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنر في وقت سابق الثلاثاء ان الموافقة على نص الاعلان "ستكون هزيمة لأحمدي نجاد" الذي وصفت محققة تابعة للأمم المتحدة في شؤون حقوق الانسان تصريحاته بانها كانت تهدف للدخول في " مواجهة كاملة".
فرنسا مشهورة جدا بحفاظها على الشعوب التي استعمرتها. ففي الجزائر سقط على أيدي الحضارة الفرنسية حوالي المليون شهيد، منهم عشرات الآلاف في مظاهرة سلمية واحدة.
فيما حيا رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر انسحاب الدبلوماسيين من القاعة.
ووصف مساعد المندوبة الاميركية الدائمة لدى الامم المتحدة اليخاندرو وولف تصريحات أحمدي نجاد بانها "معيبة" و"مشينة" و"حاقدة".
إلا أن الناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية روبرت وود أكد أن واشنطن لا تزال راغبة في اجراء محادثات مع ايران لتحسين العلاقات بين البلدين. وقال: "نريد حوارا مباشرا مع ايران، ولكن على ايران ان تقوم بعدد من الامور كي تعود الى المجتمع الدولي... اذا كانت ايران ترغب في علاقات مختلفة مع المجتمع الدولي، عليها ان توقف تصريحاتها الفظيعة"، ذلك أن "مثل هذه التصريحات لا تساعد، وتسفر عن نتائج عكسية وتغذي الكراهية العنصرية. هذه ليست تصريحات تستخدم في القرن الحادي والعشرين".
الولايات المتحدة تنضح انسانية، فما فعله الصهاينة في فلسطين هو طرد العدد الأكبر من أهلها وقتل البقية الباقية. أما الأمريكان فلم يهجروا الهنود الحمر، أهل وسكان أمريكا وأصحاب الأرض، انما أبادوهم (حوالي العشرين مليون) من على هذه الأرض. لذلك ترى الادارة الأميركية أن الصهاينة انسانيون لأنهم لم يبيدوا الشعب الفلسطيني كما فعلوا هم مع الهنود الحمر.
وقال وزير الخارجية النرويجي يوناس جار شتور للمؤتمر بعد كلمة الرئيس الإيراني إن طهران عزلت نفسها، مضيفا أن "النرويج لا تقبل أن يختطف طرف شاذ الجهود الجماعية للكثيرين".
وفي هذا الصدد، أضاف الوزير النيوزيلاندي في بيان "شهد المؤتمر وجهات نظر معادية لإسرائيل أضرت بهدفه في التوصل إلى مبادرات حقيقية ضد العنصرية".
وواصل "لست راضيا عن صيغة البيان الختامي التي أعدت بعد نقاشات أولية وهي لا تمنع المؤتمر من السقوط بنفس النقاشات الانتقامية والعقيمة التي شهدناها عام 2001".
وقررت الجمهورية التشيكية التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الاوروبي الانسحاب "نهائياً" من المؤتمر، رداً على ما حصل.
نددت اسرائيل باللقاء الذي جمع الامين العام للامم المتحدة واحمدي نجاد. وقالت: "من المؤسف ان يستحسن الامين العام للامم المتحدة لقاء اكبر منكري (المحرقة اليهودية) حالياً والذي يقود بلدا عضوا في الامم المتحدة ويدعو الى تدمير بلد اخر (اسرائيل) عضو ايضا في الامم المتحدة في يوم احياء ذكرى المحرقة... كان من الافضل ان يمتنع زعماء المجتمع الدولي عن لقاء هذا الرجل".
من جهتها اعتبرت حركة المقاومة الاسلامية (حماس) ان مقاطعة بعض الدول وخاصة الولايات المتحدة للمؤتمر، يشكل 'غطاء لجرائم' اسرائيل ضد الفلسطينيين.
ومن الطريف أن أحد ضباط الاستخبارات الصهيونية كان يكشف القناع عن وجه الممارسات الصهيونية بحق المعتقلين الفلسطينييين، وخاصة الشهيد أحمد ياسين.
كشف ضابط الاستخبارات الرئيسي لمصلحة السجون الاسرائيلية سابقا تسفيكا سيلع وهو مستشار نفسي وعميد- بريغادير سابق في الشرطة، كشف النقاب عن انّه كان الاسرائيلي الوحيد الذي التقى الشيخ الشهيد احمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الاسلامية (حماس) ضمن لقاءات اسبوعية متتالية طيلة ثلاث سنوات.
يشار الى انّ الدولة العبرية لم يهدأ لها بال حتى نفذت عملية اغتيال للشيخ احمد ياسين، والذي بلغ من العمر الخامسة والستين وذلك بعد مغادرته مسجد المجمّع الاسلامي الكائن في حي الصّبرة في قطاع غزة، وادائه صلاة الفجر في الثاني والعشرين من شهر آذار (مارس) من العام 2004، حيث شنت مروحية صهيونية غارة جوية بثلاثة صواريخ استهدفت الشيخ ياسين وعددا من مرافقيه، وقد اشرف على هذه العملية رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك ارييل شارون، وجراء هذه الجريمة استشهد الشيخ ياسين في لحظتها وجُرح اثنان من ابنائه في العملية، واستشهد معه سبعة من المواطنين ومن مرافقيه.
وقال سيلع للصحيفة الاسرائيلية انّ الشيخ ياسين تمتع بشخصية قوية جدا ويسيطر على ما يجري داخل السجون وخارجها، ويتابع: احتجزنا الشيخ ياسين في سجن هداريم بشروط قاسية جدا بل اذقناه الموت فحرمناه الزيارات، وعزلناه طيلة خمس سنوات في قبو بلغت درجة حرارته في الصيف 45 درجة، فيما ساد برد مرعب في الشتاء وامتنعنا عن تنظيف القبو، على حد تعبيره.
نختم لنقول بأن هذا العالم لايحترم الا القوي. اذا أراد العرب أن يكونوا محترمين على الصعيد الدولي، فما عليهم الا أن يفتحوا حدودهم للمقاومة التي أثبتت أنها الوحيدة التي بامكانها أن تحرر الأرض وأن تمرغ أنف العدو بالتراب. فلا ينفع لا التحدث عن المبادرات السلمية كما لا يفيد التحدث عن دعم المقاومة في الوقت الذي علينا انشاء مقاومة وفتح الحدود أمام المقاومين لتحرير الأرض من رجس الاحتلال.
2009-04-26
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية
عُقد في سويسرا منذ أيام عدة مؤتمر أممي لمناهضة العنصرية. وقد دعت الجهة المشرفة الرؤساء والملوك لحضوره، ولكن لم يلب هذه الدعوة الا السيد أحمدي نجاد، الرئيس الايراني. وقد كان حضوره بارزا، حيث ألقى خطابا أثار المشاعر الانسانية، وخاصة عند أولئك الذين يتمتعون بحس انساني مرهف، عنيت الدول الغربية وبعض ملحقاتها.
ماذا قال الرئيس الايراني حتى أثار امتعاض الغربيين؟
وصف أحمدي نجاد اسرائيل في خطابه في مؤتمر مناهضة العنصرية في جنيف الاثنين بانها "النظام العنصري الأكثر قسوة وقمعا" بسبب معاملتها للفلسطينيين.
وقال الرئيس الايراني الذي جعلته المقاطعة رئيس الدولة الوحيد المشارك: "بعد الحرب العالمية الثانية، لجأوا الى الاعتداءات العسكرية كي يجعلوا أمة بكاملها بلا مأوى بذريعة المعاناة اليهودية... أرسلوا مهاجرين من اوروبا والولايات المتحدة واجزاء اخرى من العالم من اجل اقامة حكومة عنصرية تماما في فلسطين المحتلة... في الحقيقة، عوضوا العواقب الوخيمة للعنصرية في اوروبا بالمساعدة في أن يأتي الى السلطة اكثر الانظمة العنصرية قسوة وقمعاً في فلسطين".
كما قال احمدي نجاد: الكيان الصهيوني يسعى للقضاء على كرامة البشرية، لذا ينبغي أن تبذل الجهود لانهاء الدعم للكيان العنصري، مؤكدا أن العنصرية موجودة بسبب غياب الوعي 'لانها نتاج الانحراف عن المسار الحقيقي لحياة البشرية والابتعاد عن الالتزامات البشرية وناتجة ايضا عن عدم عبادة الخالق وعدم فهم فلسفة الحياة وهذا لضيق النظرة البشرية وجعل المصالح الذاتية هي المعيار للنجاح'.
ان المجتمع الدولي يواجه نوعا من العنصرية اليوم أدى الى تشويه الصورة البشرية , فالعنصرية تلجأ بشكل خاطئ للدين لكي تخفي حقيقة كرهيتها ووجهها البشع ولكن من المهم جدا ان نسلط الاضواء على الاهداف السياسية لمن يسيطرون على الموارد الاقتصادية والمصالح في العالم.
ان «تعويضاً عن العواقب الوخيمة للعنصرية في أوروبا ساعد في أن يأتي إلى السلطة أكثر النظم العنصرية قسوة وقمعا في فلسطين»، متهماً "هؤلاء (الحلفاء) بالتزام الصمت إزاء کل المجازر التي ارتكبها هذا الكيان بل وقدموا له الدعم".
هذا ما قاله أحمدي نجاد. فبالنسبة للوقائع التاريخية، لا يوجد مصادر يمكنها ان تقول بأن المهاجرين اليهود لم يأتوا من خارج فلسطين من أجل احتلالها وطرد أهلها. وجميع الوقائع التاريخية تؤكد أنهم أتوا بمعونة الدول الغربية وعلى رأسها بريطانيا العظمى. وبلفور (الوزير البريطاني) الذي تكرم على الصهاينة بالأرض العربية الفلسطينية أعطى من "كيس" غيره. وبعد أن أصبحت الولايات المتحدة رئيسة للمعسكر الغربي، تولت بنفسها امداد العدو بجميع ما أنتجته مصانعها من آلات الدمار لقتل الشعب الفلسطيني وغيره من الشعوب العربية.
لماذا كانت ردة الفعل الغربية بالشكل الذي ترجمته بأن انسحب البعض مؤقتا والبعض الآخر انسحب نهائيا؟
دعونا نطّلع على بعض ما جاء في البيان الذي تمت الموافقة عليه مسبقا، في المؤتمر السابق:
في ما يلي مقتطفات مما ورد في اعلان وبرنامج عمل «دوربان 1» حول الشرق الاوسط ومعاداة السامية، الذي تم تبنيه بالاجماع خلال المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية في 2001. وأعيد تأكيده في ختام المؤتمر الثاني أمس.
وقد قررت دول عدة، منها الولايات المتحدة واسرائيل، مقاطعة «دوربان 2» بحجة ان مسودة البيان الختامي مطابقة لنص 2001. ورغم أن الإعلان الختامي لمؤتمر 2001 لم يتضمن هذه الصياغة فقد خص إسرائيل بالانتقاد وعلى سبيل المثال من خلال إشارة تقول 'نحن قلقون من محنة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الأجنبي'.
وبرر المؤتمرون اعلانهم المثير للجدل بالسعي للتخلص من تاثير انسحاب البعض من المؤتمر بسبب تصريحات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الى اسرائيل بأنها "حكومة عنصرية تماما" وهو تصريح وصفه مسؤولون في الأمم المتحدة بانه "كريه" و"غير مقبول".
ــ الفقرة 63: اننا قلقون لمصير الشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت الاحتلال الاجنبي.
نعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وقيام دولته المستقلة، وبحق جميع دول المنطقة في العيش بأمان بما فيها اسرائيل، ونطلب من كل الدول دعم عملية السلام لتفضي الى نتيجة بسرعة.
ــ الفقرة 151: يدعو المؤتمر الى وضع حد للعنف واستئناف المفاوضات سريعا واحترام حقوق الانسان والقانون الدولي الانساني واحترام مبدأ تقرير المصير، وانهاء المعاناة للسماح لاسرائيل والفلسطينيين باستئناف عملية السلام والتطور والازدهار بحرية وامان.
ــ الفقرة 58: تذكر بانه علينا الا ننسى محرقة اليهود ابدا.
ــ الفقرة 61: نلاحظ ايضا بقلق عميق تصاعد نزعة معاداة السامية والاسلام في مناطق مختلفة من العالم وظهور حركات عنصرية وعنيفة مستوحاة من العنصرية والافكار التمييزية حيال اليهود والاسلام والعرب.
ــ الفقرة 150: تلزم الدول في محاربة جميع اشكال العنصرية والاعتراف بضرورة محاربة معاداة السامية والعنصرية ضد العرب وكره الاسلام في العالم اجمع، وتدعو كل الدول الى اتخاذ تدابير فعالة لمنع تشكيل حركات تقوم على العنصرية والافكار التمييزية المتعلقة بهذه المجموعات.
نقول لماذا تقوم الولايات المتحدة بجهود من أجل اقامة دولتين (بناء لادعائها) ان لم يكن الفلسطينيون يعيشون تحت نير الاحتلال. وحتى بالنسبة لجميع البنود الأخرى لا نجد أي مبرر لانسحاب أية دولة حتى اسرائيل. فمبرر الانسحاب يجب أن نفتش عليه في مكان آخر. وسوف نحاول ذلك ولكن بعد الاطلاع على ما أتحفنا به ممثلي هذه الدول وأتباعهم بما فيهم الأمين العام للأمم المتحدة.
أبدى الامين العام للامم المتحدة في بيان "أسفه" للكلام المناهض لاسرائيل الذي ورد على لسان احمدي نجاد، بعدما كان حذره في لقاء ثنائي من "الخلط بين الصهيونية والعنصرية". وقال: "انني آسف لاستخدام الرئيس الايراني هذا الموضوع من أجل توجيه الاتهام والتسبب بالانقسام وحتى الاستفزاز... انه لمن المؤسف تماما الا تلقى دعوتي للرئيس الايراني للتطلع نحو مستقبل موحد آذاناً صاغية لديه". ورأى في كلام الرئيس الايراني "تعارضاً مع اهداف هذا المؤتمر".
وقال بان خلال زيارة رسمية لمالطا "من المؤسف للغاية ان الرئيس الإيراني أساء استخدام المؤتمر لاغراض سياسية".
المفوضة الأممية العليا لحقوق الإنسان بجنيف قالت للصحفيين أنها لاحظت أن "ما ورد في خطاب الرئيس (الإيراني) لا علاقة له بجوهر المؤتمر، ولهذا يجب ألا يكون له تأثير على النتائج".
وأضافت نافي بيلاي أن على الوفود ألا تسمح للمؤتمر الذي يستمر خمسة أيام أن "يخرب" من قبل "شخص واحد جاء بمثل هذه التصريحات الكريهة". ووصفت أحمدي نجاد بأنه "شخص يأتي تقليديا ببيانات بغيضة".
وقالت "لقد ذهلت وشعرت بحزن عميق لكل شيء قاله، لا أعتقد مع ذلك أن تصرفه يقدم تبريرا لأي دولة عضو أخرى للانسحاب من هذا المؤتمر". ولهذا "أناشد الجميع هنا التركيز على العمل المهم الذي عقد المؤتمر من أجله".
وقالت منظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومان رايتس ووتش) ومقرها نيويورك إن غياب رئيس الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى عن جنيف ' يوجه ضربة لمساعي الأمم المتحدة لمكافحة العنصرية'.
وقالت المفوضة العليا لحقوق الانسان في الامم المتحدة نافانيتيم بيلاي "بعد ثماني سنوات لم تنجح الوعود والتدابير (لمكافحة) العنصرية في القاء الممارسات التمييزية والتعصب في مزبلة التاريخ".
وقالت اسماء جهانجير المقرر الخاص بشأن حرية الاديان والعقيدة "انها ليست مسألة اختلاف في الرأي. انها مسألة العداء الكامن في هذه الآراء".
انه لمن المؤسف حقا أن جميع ما يسمى المجتمع الدولي يريدون أن يزوروا التاريخ أو أن يتجاهلوا وقائعه حتى يتمكنوا من تبرئة اسرائيل من جرائمها المستمرة. وعلينا أن نلاحظ جيدا أن جميع من اعترض على الرئيس نجاد لم يأت بواقعة واحدة تكذب ما ذهب اليه الرئيس الايراني. ولكن يمكننا أن نقول أن الكلام المنسوب لجميع هؤلاء يدخل ضمن خانة التهويش الاعلامي.
من جهته، اكد حائز جائزة نوبل للسلام ايلي فيزل ردا على سؤال للاذاعة العسكرية الاسرائيلية في جنيف أمس الاثنين ان 'مكان الرئيس الايراني هو السجن وليس في مؤتمر ضد العنصرية'.
واضاف 'يجب توقيفه بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية لانه يدعو الى القضاء على شعب بأكمله ويهدد بالتالي البشرية برمتها'.
من المؤكد أن هذا الايلي فيزل لا يقرأ الصحف ولا يحضر التلفزيون والا لتمكن من رؤية الجرائم التي اقترفتها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في غزة ولاتزال، والجرائم بحق المقرات التابعة للمنظمة الدولية. ولكن علينا أن لا نعجب من حمله جائزة نوبل للسلام فزميله بيريس المسؤول عن مجزرة قانا يحمل نفس الجائزة.
وقال الكاتب الصحافي السويسري بيار هازان في كتابه "الحكم على الحرب هو الحكم على التاريخ"، انه بعد مجازر رواندا والتطهير العرقي في يوغوسلافيا السابقة، كانت الفكرة وراء المؤتمر إرساء العدالة خصوصا بالنسبة الى العبودية.
وأضاف ان "الأمم المتحدة تطمح ان يكون المؤتمر نوعا من التكفير الجماعي" معتبرا ان الظلم الماضي وراء النظام غير المتوازن والتفاوت السائدين في العالم.
ووصف الناطق باسم الفاتيكان الأب فيديريكو لومباردي كلام احمدي نجاد بأنه متطرف.
كما وصفه الفاتيكان بأنه خطاب "متطرف وغير مقبول".
جميع من تقدم لا يملكون حاملات طائرات انما بامكانهم أن يستمعوا الى بعض نشرات الأخبار. ( للاشارة فقط أن اسرائيل تقوم بهدم البيوت في مدينة القدس ولكن نشرات الأخبار العربية لا تشير الى هذا الموضوع). اسرائيل كانت ولا تزال تقوم بهدم بيوت المالكين العرب الفلسطينيين، بينما المؤتمر يتابع أعماله. ماذا نسمي هذه الممارسات؟ أليست عنصرية؟
لقد تطرف نجاد لأنه تحدث (العرب يتحملون المسؤولية، ولكن لحسن الحظ أنهم غير متطرفين) عن الممارسات الاسرائيلية في الوقت الذي تهدم فيه بيوت العرب وهي غير متطرفة! ربما لأنها لا تتحدث!
في حين قال السفير البريطاني بيتر جودرهام الذي فضلت بلاده عدم إرسال وزير إلى جنيف "مثل تلك التصريحات الشائنة المعادية للسامية يجب ألا يكون لها مكان بمنتدى للأمم المتحدة لمناهضة العنصرية".
رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون وصفه بـ"المسيء والاستفزازي". بريطانيا هي من أوجد اسرائيل فمن الطبيعي أن تدافع عنها وأن تخوض مع اسرائيل في دماء الفلسطينيين والعرب.
وزير الخارجية النروجي يوناس غارشتور اعتبره «يرقى إلى حد التحريض على الكراهية».
أما القنابل الفوسفورية التي استخدمتها اسرائيل ضد الأطفال والنساء، فيجب السكوت عنها.
ودعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الاتحاد الأوروبي إلى «الحزم حيال الدعوة غير المتسامحة إلى الكراهية العنصرية». ووصفها بأنها "دعوة الى الحقد العنصري لا ينبغي السكوت عنها".
وقال وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنر في وقت سابق الثلاثاء ان الموافقة على نص الاعلان "ستكون هزيمة لأحمدي نجاد" الذي وصفت محققة تابعة للأمم المتحدة في شؤون حقوق الانسان تصريحاته بانها كانت تهدف للدخول في " مواجهة كاملة".
فرنسا مشهورة جدا بحفاظها على الشعوب التي استعمرتها. ففي الجزائر سقط على أيدي الحضارة الفرنسية حوالي المليون شهيد، منهم عشرات الآلاف في مظاهرة سلمية واحدة.
فيما حيا رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر انسحاب الدبلوماسيين من القاعة.
ووصف مساعد المندوبة الاميركية الدائمة لدى الامم المتحدة اليخاندرو وولف تصريحات أحمدي نجاد بانها "معيبة" و"مشينة" و"حاقدة".
إلا أن الناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية روبرت وود أكد أن واشنطن لا تزال راغبة في اجراء محادثات مع ايران لتحسين العلاقات بين البلدين. وقال: "نريد حوارا مباشرا مع ايران، ولكن على ايران ان تقوم بعدد من الامور كي تعود الى المجتمع الدولي... اذا كانت ايران ترغب في علاقات مختلفة مع المجتمع الدولي، عليها ان توقف تصريحاتها الفظيعة"، ذلك أن "مثل هذه التصريحات لا تساعد، وتسفر عن نتائج عكسية وتغذي الكراهية العنصرية. هذه ليست تصريحات تستخدم في القرن الحادي والعشرين".
الولايات المتحدة تنضح انسانية، فما فعله الصهاينة في فلسطين هو طرد العدد الأكبر من أهلها وقتل البقية الباقية. أما الأمريكان فلم يهجروا الهنود الحمر، أهل وسكان أمريكا وأصحاب الأرض، انما أبادوهم (حوالي العشرين مليون) من على هذه الأرض. لذلك ترى الادارة الأميركية أن الصهاينة انسانيون لأنهم لم يبيدوا الشعب الفلسطيني كما فعلوا هم مع الهنود الحمر.
وقال وزير الخارجية النرويجي يوناس جار شتور للمؤتمر بعد كلمة الرئيس الإيراني إن طهران عزلت نفسها، مضيفا أن "النرويج لا تقبل أن يختطف طرف شاذ الجهود الجماعية للكثيرين".
وفي هذا الصدد، أضاف الوزير النيوزيلاندي في بيان "شهد المؤتمر وجهات نظر معادية لإسرائيل أضرت بهدفه في التوصل إلى مبادرات حقيقية ضد العنصرية".
وواصل "لست راضيا عن صيغة البيان الختامي التي أعدت بعد نقاشات أولية وهي لا تمنع المؤتمر من السقوط بنفس النقاشات الانتقامية والعقيمة التي شهدناها عام 2001".
وقررت الجمهورية التشيكية التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الاوروبي الانسحاب "نهائياً" من المؤتمر، رداً على ما حصل.
نددت اسرائيل باللقاء الذي جمع الامين العام للامم المتحدة واحمدي نجاد. وقالت: "من المؤسف ان يستحسن الامين العام للامم المتحدة لقاء اكبر منكري (المحرقة اليهودية) حالياً والذي يقود بلدا عضوا في الامم المتحدة ويدعو الى تدمير بلد اخر (اسرائيل) عضو ايضا في الامم المتحدة في يوم احياء ذكرى المحرقة... كان من الافضل ان يمتنع زعماء المجتمع الدولي عن لقاء هذا الرجل".
من جهتها اعتبرت حركة المقاومة الاسلامية (حماس) ان مقاطعة بعض الدول وخاصة الولايات المتحدة للمؤتمر، يشكل 'غطاء لجرائم' اسرائيل ضد الفلسطينيين.
ومن الطريف أن أحد ضباط الاستخبارات الصهيونية كان يكشف القناع عن وجه الممارسات الصهيونية بحق المعتقلين الفلسطينييين، وخاصة الشهيد أحمد ياسين.
كشف ضابط الاستخبارات الرئيسي لمصلحة السجون الاسرائيلية سابقا تسفيكا سيلع وهو مستشار نفسي وعميد- بريغادير سابق في الشرطة، كشف النقاب عن انّه كان الاسرائيلي الوحيد الذي التقى الشيخ الشهيد احمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الاسلامية (حماس) ضمن لقاءات اسبوعية متتالية طيلة ثلاث سنوات.
يشار الى انّ الدولة العبرية لم يهدأ لها بال حتى نفذت عملية اغتيال للشيخ احمد ياسين، والذي بلغ من العمر الخامسة والستين وذلك بعد مغادرته مسجد المجمّع الاسلامي الكائن في حي الصّبرة في قطاع غزة، وادائه صلاة الفجر في الثاني والعشرين من شهر آذار (مارس) من العام 2004، حيث شنت مروحية صهيونية غارة جوية بثلاثة صواريخ استهدفت الشيخ ياسين وعددا من مرافقيه، وقد اشرف على هذه العملية رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك ارييل شارون، وجراء هذه الجريمة استشهد الشيخ ياسين في لحظتها وجُرح اثنان من ابنائه في العملية، واستشهد معه سبعة من المواطنين ومن مرافقيه.
وقال سيلع للصحيفة الاسرائيلية انّ الشيخ ياسين تمتع بشخصية قوية جدا ويسيطر على ما يجري داخل السجون وخارجها، ويتابع: احتجزنا الشيخ ياسين في سجن هداريم بشروط قاسية جدا بل اذقناه الموت فحرمناه الزيارات، وعزلناه طيلة خمس سنوات في قبو بلغت درجة حرارته في الصيف 45 درجة، فيما ساد برد مرعب في الشتاء وامتنعنا عن تنظيف القبو، على حد تعبيره.
نختم لنقول بأن هذا العالم لايحترم الا القوي. اذا أراد العرب أن يكونوا محترمين على الصعيد الدولي، فما عليهم الا أن يفتحوا حدودهم للمقاومة التي أثبتت أنها الوحيدة التي بامكانها أن تحرر الأرض وأن تمرغ أنف العدو بالتراب. فلا ينفع لا التحدث عن المبادرات السلمية كما لا يفيد التحدث عن دعم المقاومة في الوقت الذي علينا انشاء مقاومة وفتح الحدود أمام المقاومين لتحرير الأرض من رجس الاحتلال.
الاثنين، 20 أبريل 2009
أزمة "حزب الله" مع النظام المصري
أزمة "حزب الله" مع النظام المصري
لم تهدأ الأمور حتى الآن ما بين النظام المصري والقضية التي أثارها مع "حزب الله" اللبناني. وهذه القضية بقدر ما هي عربية هي أيضا قضية داخلية لبنانية. فالهجوم المدروس على "حزب الله" في لبنان لم يهدأ يوما منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق الرئيس رفيق الحريري. ولكنه أصبح أكثر نشاطا على اثر حرب تموز (الاعتداء الاسرائيلي على لبنان في تموز 2006). فالنتيجة التي أسفرت عنها هذه الحرب والتي شكلت انتصارا باهرا للمقاومة الاسلامية على آلة الدمار الصهيونية، لم ترق للمعسكر المتحالف مع الادارة الأمريكية. لذلك رأينا هذا التحالف الذي يقوده ما يسمى ب"تيار المستقبل" يصر على أن لبنان لم ينتصر وراح يركز على الدمار الذي خلفته آلة الدمار الصهيونية. على سبيل التذكير فقط : مدينة ستالينغراد والتي يبلغ حجمها أكبر من لبنان دُمرت في الهجوم الألماني النازي عليها ودفع الاتحاد السوفياتي ما يقارب ال22 مليون قتيل واحتفل الاتحاد السوفياتي بالنصر."لجنة فينوغراد" تحاكم قيادة العدو لاخفاقها في هذه الحرب والفريق المعادي لحزب الله في لبنان يحاول اقناع الصهاينة بأنهم انتصروا. هذه الصورة هي "فوق التصور" ولكنها كذلك. سوف أتحدث عن بعض الأسباب والتي أدعي أنها هامة، بل دعوني أقول "مصيرية" لأنها سوف تطبع مستقبل الصراع مع العدو الصهيوني بطابعها، ان لم يُعمل على تبديلها.
1 – الطابع المذهبي للمقاومة: عند نشوء مقاومة "حزب الله" كان الصراع الداخلي الذي فُرض على حزب المقاومة هو مع حركة "أمل" الشيعية، لأن هذا الحزب الناشىء من رحمها جاء ينافسها في ساحتها. لذلك كانت أكثر الصدامات والتي كانت تأخذ الطابع العنفي أحيانا تحصل ما بين "حزب الله" وحركة "أمل". ولكن الانتصارات الباهرة التي حققتها المقاومة الاسلامية على العدو الصهيوني جعلت هذه الصراعات تتراجع لأنها أعطت كل تنظيم على الساحة الشيعية حجمه وبالشكل الطبيعي. ويمكنني أن أزعم أن الحزب تنازل عن مقادير من حصته لمنافسه حتى يحقق الهدوء شبه المطلق على الساحة الشيعية. وخيرا كان ما فعله. ولكن انعكاساته على الساحة السنية في لبنان لم تكن لها نفس الايجابية. هذا لا يعني أن ما يرضي ال"السنة" في لبنان هو التصارع الشيعي البيني. كلا طبعا. انما ما أود قوله هو أنه لو بُذل معشار ما بُذل من جهود لتوحيد الساحة الشيعية باتجاه توحيد الساحة الاسلامية، ما كنا لنصل الى ما نحن عليه في الساحة الاسلامية الداخلية في لبنان في الوقت الحاضر. وأرجو أن لا يُفهم من هذا العرض أن جميع السلبيات يتحملها "حزب الله"، ولكنه يتقاسم المسؤولية مع التنظيمات الاسلامية (السنية) التي كان ولا يزال يتعاون معها.
2 – لم يتمكن الحزب من تقدير المزاج الشعبي "السني" اثر عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري: ان الجو العام الذي أوجده الاعلام المدروس والذي ساهمت فيه قوى معادية لكل ما يمت الى الوطنية بصلة، تمكنت من اقناع المزاج الشعبي السني أن كل من لا يقول ما تقوله يكون معاديا للرئيس الحريري وللسنة في لبنان. لذلك رأينا من يقول بضرورة انتظار ما تقوله المحكمة بشأن الاغتيال، يتهم بأنه معاد للسنة في لبنان. اذا طرح أحد احتمال أن لا تكون سوريا هي من قتل الحريري يكون الجواب جاهزا:"هل تريد أن تقول أن الحريري قتل نفسه". والطبيعي أن ينتظر الانسان المحاكمة لا أن يحكم هو بنفسه، لأن هذا التصرف يخالف السنن الالهية ويخالف القانون الوضعي ويخالف شرعة حقوق الانسان. وحتى اليوم نرى بعض المسؤولين في المعسكر المعادي للحزب في الساحة اللبنانية يصرح بأنه يقبل ما تقوله المحكمة الدولية بشأن الاغتيال ويصر على أن سوريا هي التي قتلت الرئيس الحريري. وهذا المنطق مردود طبعا. لأن من يقبل عليه الانتظار، لا أن يحكم من دون قرينة.
هل على حزب الله أن يتهم سوريا حتى يصبح مقبولا سنيا؟ بالطبع لا لأن الطلب اذا أخذ هذا الطابع يكون استسخافا للعقل البشري. في الوقت الذي كان على الحزب نسج أقوى العلاقات مع الساحة السنية، حتى من دون اللجوء الى التنظيمات القائمة، أو التي ساهم بقيامها، لم يفعل ذلك. وكأنه افترض بأنه غير مسؤول عن النشاط الدعوي ضمن الساحة السنية. أو أنه لايملك الخطاب السياسي الذي يمكنه من اقتحام ساحات غير الساحة الشيعية.
أما بعد اغتيال الرئيس الحريري، لم ينشط الحزب ضمن الساحة السنية حتى يميز نفسه عن "المعسكر السوري" وكأن الدنيا ستنتهي في هذه اللحظة ولن يتمكن الحزب من شكر سوريا في وقت آخر. نحن نعلم أن شكر سوريا لم يسبب له في ساحته الطبيعية أي اشكال، ولكن كان له أثر مدمر في الساحة المقابلة نتيجة التهويش الاعلامي الذي لا يمكن أن يلجمه الا قرب الحزب من جميع الساحات. وحزب الله هو الوحيد الذي كان مؤهلا للقيام بهذا الدور، نتيجة للاحترام الكبير الذي كان يحظى به في الساحة السنية لأنه كان يحارب اسرائيل.
3 – غياب البرنامج الاجتماعي للحزب: ان عدم وجود برنامج للنضال الاقتصادي والاجتماعي للحزب، حرم "حزب الله" من امكانية الانفتاح على الكثير من الساحات. فبعض الكلام الذي كان يرد في بعض الخطب للأمين العام لم يساهم في تقديم برنامج للنضال على صعيد الساحة الداخلية والذي يمكن أن يعمل على ايجاد ساحة رديفة للحزب تساهم في جعله من النسيج الطبيعي لكامل الساحة الداخلية اللبنانية كما الحزب القومي أو الحزب الشيوعي.
على كل حال، لم تقم القيامة بعد، ونحن نعتقد أن الحزب سوف ينتقد تجربته، ولولا أنه يقوم بالنقد الذاتي ما كان له أن يحقق هذه الانتصارات. ولكن ما يؤلمنا أن تتجرأ بعض الأقلام بالتحدث عن الحزب وبالشكل الذي نراه في الاعلام اللبناني. فالانتماء الطائفي أو المذهبي هو من الانتماءات ذات الطابع الغريزي، والتي لا تسمح للمنتمي أن يفرق بين الوطني والقومي والعمالة والانتماء الى الخط المعادي للوطن أو الذي يخدم العدو. لذلك نراهم يتحدثون من دون أن يرف لهم جفن، أو لسعة من ضمير وطني أو قومي.
نبدأ بوسائل اعلام تيار المستقبل، فاذاعة الشرق تتحدث عن قضية الحزب حوالي ثلث مدة نشرة الأخبار تنقل وجهة نظر النظام المصري والمؤيدين له. وللمحافظة على الحيادية تنقل وجهة نظر الحزب بحوالي ثلاث أو أربع كلمات من دون زيادة أو نقصان. أما جريدة المستقبل (18 نيسان 2009) فحدث ولا حرج. اليكم هذا النموذج، بعد مرور أكثر من عشرة أيام على القضية: في زاوية "يقال" وهي تضم ثلاث فقرات، الفقرة الأولى تتحدث عن "حزب الله" تقول أن (دولة حماية لأمنها فرضت واقعاً جديداً على اللبنانيين وتساءلوا: أين مصلحة اللبنانيين في ما أقدمت عليه جهة معينة؟) والفقرة الثانية تقول (إستغربت أوساطٌ متابعةٌ محاولةَ حزب معين الربط بين مشكلة له في بلد عربي وبين الانتخابات النيابية المقبلة، وسألت ما اذا كان هذا الربط يضمر أمراً معيناً في لبنان.)
فهي أيضا عن "حزب الله" وهي ثلثا الزاوية كما نشرة أخبار اذاعة الشرق.
وفي مكان آخر في جريدة المستقبل تنقل الجريدة تصريحا لرئيس حزب الوطنيين الأحرار(هذا اسم الحزب وليس له علاقة لا بالحرية ولا بالأحرار) السيد دوري شمعون انتقد فيه عمل ما يسمى بـ"خلية "حزب الله" في مصر".
وقال بعد لقائه منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار والمرشح عن المقعد الماروني في جبيل فارس سعيد امس: "إن إلقاء القبض على شبكة "حزب الله" في مصر لا تبرير لها لأنه لا يجوز لأي منظمة لبنانية كانت أم غير لبنانية أن تتحرك في أي بلد آخر من دون الاحترام الكامل لسيادة هذا البلد. فلا يجوز لبلد شقيق مثل مصر مساند للدولة اللبنانية، أن يقلل أشخاص يحملون الجنسية اللبنانية من الاحترام الكامل لسيادته". (ولكن شمعون لم ينتقد ولو لمرة واحدة انتهاك الطيران الاسرائيلي للسيادة اللبنانية. كما أنه لم ينتقد اعتداء اسرائيل على الخط الأزرق، أو انتهاكها لمياه لبنان الاقليمية. نضيف أنه لم يتحدث عن انتهاك اسرائيل للأراضي المصرية والسودانية عندما قصفت القوافل في السودان).
وفي جريدة المستقبل أيضا تنقل عن السيد فارس سعيد: وأوضح "أن المشكلة ليست مع (رئيس تكتل "التغيير و الاصلاح") النائب ميشال عون كشخص إنما مع خياره الذي يؤمن غطاء مسيحيا لثورة غير لبنانية". وقال: "هذا الموضوع شهدناه في السبعينات في مقلب آخر وهذا الغطاء المؤمن اليوم من قبل فريق من المسيحيين لثورة غير لبنانية تتمثل بـ"حزب الله" في لبنان، يعرض المسيحيين لمشكلات مستقبلية". (جميع شهداء حزب الله في تحريرهم للأرض اللبنانية نزع عنهم فارس سعيد، بوصفه منسق 14 آذار الهوية اللبنانية وكذلك عن النواب في البرلمان اللبناني).
واشار(فارس سعيد) الى ان "المسيحيين لا يملكون مشاريع (فلينم في بيته) خصوصا وليسوا بحاجة الى أوراق تفاهم، فورقة التفاهم كانت تنص على أن يؤمن "التيار الوطني الحر" غطاء للمقاومة من أجل إزالة الاحتلال في الأراضي اللبنانية، لكن أصبح نشاط هذه المقاومة خارج إطار الحدود اللبنانية، فهل يجب تطوير ورقة التفاهم من أجل تأمين غطاء لنشاطات "حزب الله" في العالم العربي أيضا؟". (ميشال عون يملك أكبر كتلة برلمانية مسيحية لا يتحدث باسم المسيحيين ومن لم يملك القدرة بأن يكون نائبا في دائرة أكثر ناخبيها من المسيحيين يدعي تمثيلهم). لا أريد أن أشير الى أن المسيحيين الذين يتحدث عنهم فارس سعيد هم أولئك المسيحيين الذين يقيمون القداديس على نية فرنسا لأنها استعمرت بلدنا.
نتابع مع جريدة المستقبل مع الأستاذ سمير الجسر النائب عن مدينة طرابلس. وعن الأزمة المستجدة بين "حزب الله" ومصر، قال: "نرفض ما حدث في مصر تحت ستار دعم المقاومة، وينبغي بنا عدم الكيل بمكيالين، فكما نحن لا نرضى أن يعبث أحد بأمننا، كذلك نحن لا نقبل أن يعبث لبنانيون بأمن الأخرين، وبالأمن المصري، مهما كان الهدف نبيلا، فيجب احترام البلد الذي تود المقاومة الإنطلاق منه، والتنسيق مع سلطاته، وأن يجري ذلك برضاه، لأن كل الدول لها حساباتها الخاصة وخصوصا لجهة المحافظة على أمن شعبها"، مشددا على "أننا لسنا ضد المقاومة، كنا وما نزال مع دعمها طالما هي مقاومة". نحن نعلم أن الأستاذ سمير الجسر يحمل من الحس الوطني الذي لا يجعله يتحدث بهذه اللهجة، ولكن التطبع عند الأستاذ سمير قد غلب الطبع في هذه المرة. لو أن النظام المصري قام بواجبه في دعم الشعب الفلسطيني المقهور في غزة لم يكن هناك من داع لبعث أحد الشباب من لبنان لتهريب بعض العتاد للمقاومة في غزة. رغم كل الضجة الاعلامية والتي يساهم فيها الكثير الكثير لا يزال معبر رفح مقفلا. لا بل ان النظام المصري قد تشجع من تأييد السلطة الجديدة في اسرائيل وسيبذل قصارى جهده لاقفال الأنفاق عل الشعب الفلسطيني في غزة يموت أو يستسلم. كيف يكون التنسيق مع سلطة باعت نفسها للعدو؟ هذا مستحيل. المطلوب اذن هو التفكير بكيفية تأمين التموين لأهلنا في غزة وهذا ما فكر فيه حزب الله وحاول تنفيذه مشكورا. ونحب أن نشير بأن النظام المصري لا يحافظ على أمن الشعب المصري الذي مات أمام الأفران وهو يحاول تأمين لقمة العيش، انما يحافظ على استعباده واستغلاله لهذا الشعب المقهور.
ورئيس حزب يميني آخر "الكتلة الوطنية" يدلي بدلوه أيضا. واعتبر (كارلوس) إده في حديث الى "اذاعة الشرق"، ان "حزب الله" يتدخل في شؤون دولة عربية كبرى وفي سيادة مصر مما يعطي حججاً لأن يستهدف لبنان من اسرائيل بالاعتداء عليه مجدداً، علماً ان "حزب الله" كان وعد اللبنانيين بأن يدافع عن لبنان وجنوبه ويبقي نشاطه ضمن الاراضي اللبنانية". (النهار اللبنانية 19 نيسان 2009)
خاف السيد ادة أن تعتدي اسرائيل على لبنان دفاعا عن النظام المصري الذي انتهك حرمته "حزب الله".
ننتقل الى وسيلة اعلامية أخرى وهي الموقع الالكتروني لما يسمى "القوات اللبنانية" التابعة لسمير جعجع. فهي تنقل عن صحيفة "أوكتوبر" المصرية لأنها وجدت فيها ما يكفي من السموم لبثها. تقول الصحيفة: "، صحيح أن الحزب لعب دوراً ما في المقاومة حتى انسحبت إسرائيل من الجنوب، إلا أن الصحيح أيضاً أن ورقة المقاومة استخدمت للسيطرة على الأوضاع اللبنانية بعد إقصاء كل القوى الوطنية من مشروع المقاومة الوطنية واستخدم المشروع المقاوم نفسه كورقة سياسية في الداخل اللبناني، وفي لعبة الصراع السياسي بين طهران ودمشق من جهة وواشنطن من جهة أخرى". ثم تضيف الصحيفة متحدثة عن حادثة أيار: " كان ذلك السقوط الأول للحزب المقاوم الذي أشهر سلاحه في وجه أبناء الوطن اللبناني، والذي أعقبه اعتراف صريح وواضح بتبعية الحزب وعناصره لملالي إيران وولاية الفقيه والتزامه بثورة الخميني وتصديرها".
ثم تعود الى مصر مضيفة: "الآن لم يكتف شيخ الميليشيات بالصراخ ودعوة المصريين للانقلاب على قيادتهم الوطنية، بل أرسل مبعوثيه وعناصره للتخريب والتدمير واستكمال مشروع تصدير الإرهاب إلى مصر. وكان ذلك السقوط الأخير لشيخ الحزب وميليشياته ومن يحركهم في طهران وقم".
ثم تستنتج: " لقد تحولت فروع حزب الله في المنطقة العربية إلى أداة إيرانية تم استخدامها ضد المصالح العربية ووسيلة لإثارة القلاقل والاضطرابات فى العديد من دول المنطقة، تمهيداً لقيام الثورة الإسلامية في هذه الدول وضمها للتحالف الشيعى الفارسي في قم".
هنا لا أريد التعليق الا بأمر واحد ألا وهو اعتبار الصراع مع العدو الصهيوني وكأنه أصبح من الماضي وبدلا من تجميع القوى لخدمة هذا الصراع أصبح لزاما على هذه القوى الملتزمة بالأجندة الأمريكية تجميع القوى لتحويل الصراع الى وجهة أخرى.
أما السيد رفيق خوري فيرى: " فما هو عمل (بطولي) في المنطق القومي يضعه منطق الأمن والسيادة في خانة العمل (الجنائي الارهابي). وما فاخر به الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله هو تهمة تقود الى المحكمة في مصر، وتضع في لبنان علامة استفهام حول التزام المقاومة حصر أعمالها ضمن حدوده وتحرير أرضه والدفاع عنه". (الأنوار اللبنانية 18 نيسان 2009) وهذا الرأي يدخل ضمن حساب الأولويات. أي بصيغة أخرى، بما أن النظام المصري قد تخلى عن كل ما يربطه بالقضية القومية وارتبط بما يخدم موالاته للأمريكان، أضحت مسألة نصرة الشعب الفلسطيني من خارج اهتماماته. وهذا ما جعل وزير خارجية النظام المصري يصرح: "وأكد في لقاء مع المحررين الديبلوماسيين أن هذه المسألة(مسألة "حزب الله") ليست خاضعة لأي مسائل سياسية أو محاولات لاستخدام السياسة والوساطة، بل هي مسألة ستخضع للقضاء المصري، وسيتولى النائب العام المصري توجيه الاتهام واحالة القضية على القضاء المصري عندما ينتهى من تحقيقاته بشكل كامل".(نصرة الشعب الفلسطيني أصبحت قضية أمنية وليست سياسية حسب السيد أبو الغيط الذي اعطى تغطية مطلقة للعدوان الاسرائيلي على غزة وحمل مسؤولية هذا العدوان لحركة حماس لأنها رفضت الخضوع للمنطق الصهيوني. وهذا ما فعله أيضا قائد النظام الذي ينتمي اليه أبو الغيط).
هل من الممكن أن تستمر هذه المهزلة الى ما شاء الله؟
صحيح أنه يجب ايجاد مخرج ما لهذه القضية ولكن ليس من ضمن المنطق السائد. كأن يعتذر "حزب الله" لأنه تجرأ وساعد الشعب الفلسطيني في قتاله مع العدو، أو كما طرح صلاح سلام في حديثه مع اذاعة النور التابعة لحزب الله، طرح ما يشبه الاعتذار عن انتهاك حدود سايكس بيكو المقدسة، والتي لم تعلق عليها المذيعة لا سلبا ولا ايجابا. انما الحل يكون بكيفية تأمين متطلبات الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة حتى لا يضطر "حزب الله" أو أية منظمة مقاومة أخرى الى انتهاك حرمات سايكس وبيكو لتأمين متطلبات الصمود للشعب الفلسطيني المحاصر.
وأخيرا نود أن نذكر القائمين على "تيار المستقبل" أن أهم انتصار سياسي حققه "حزب الله" على العدو الصهيوني، وهو اتفاق نيسان الذي شرعن عمل المقاومة دوليا، كان بالتعاون ما بين "حزب الله" والرئيس الحريري. فأين ورثة الرئيس الحريري منه؟
19 نيسان 2009 حسن ملاط
لم تهدأ الأمور حتى الآن ما بين النظام المصري والقضية التي أثارها مع "حزب الله" اللبناني. وهذه القضية بقدر ما هي عربية هي أيضا قضية داخلية لبنانية. فالهجوم المدروس على "حزب الله" في لبنان لم يهدأ يوما منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق الرئيس رفيق الحريري. ولكنه أصبح أكثر نشاطا على اثر حرب تموز (الاعتداء الاسرائيلي على لبنان في تموز 2006). فالنتيجة التي أسفرت عنها هذه الحرب والتي شكلت انتصارا باهرا للمقاومة الاسلامية على آلة الدمار الصهيونية، لم ترق للمعسكر المتحالف مع الادارة الأمريكية. لذلك رأينا هذا التحالف الذي يقوده ما يسمى ب"تيار المستقبل" يصر على أن لبنان لم ينتصر وراح يركز على الدمار الذي خلفته آلة الدمار الصهيونية. على سبيل التذكير فقط : مدينة ستالينغراد والتي يبلغ حجمها أكبر من لبنان دُمرت في الهجوم الألماني النازي عليها ودفع الاتحاد السوفياتي ما يقارب ال22 مليون قتيل واحتفل الاتحاد السوفياتي بالنصر."لجنة فينوغراد" تحاكم قيادة العدو لاخفاقها في هذه الحرب والفريق المعادي لحزب الله في لبنان يحاول اقناع الصهاينة بأنهم انتصروا. هذه الصورة هي "فوق التصور" ولكنها كذلك. سوف أتحدث عن بعض الأسباب والتي أدعي أنها هامة، بل دعوني أقول "مصيرية" لأنها سوف تطبع مستقبل الصراع مع العدو الصهيوني بطابعها، ان لم يُعمل على تبديلها.
1 – الطابع المذهبي للمقاومة: عند نشوء مقاومة "حزب الله" كان الصراع الداخلي الذي فُرض على حزب المقاومة هو مع حركة "أمل" الشيعية، لأن هذا الحزب الناشىء من رحمها جاء ينافسها في ساحتها. لذلك كانت أكثر الصدامات والتي كانت تأخذ الطابع العنفي أحيانا تحصل ما بين "حزب الله" وحركة "أمل". ولكن الانتصارات الباهرة التي حققتها المقاومة الاسلامية على العدو الصهيوني جعلت هذه الصراعات تتراجع لأنها أعطت كل تنظيم على الساحة الشيعية حجمه وبالشكل الطبيعي. ويمكنني أن أزعم أن الحزب تنازل عن مقادير من حصته لمنافسه حتى يحقق الهدوء شبه المطلق على الساحة الشيعية. وخيرا كان ما فعله. ولكن انعكاساته على الساحة السنية في لبنان لم تكن لها نفس الايجابية. هذا لا يعني أن ما يرضي ال"السنة" في لبنان هو التصارع الشيعي البيني. كلا طبعا. انما ما أود قوله هو أنه لو بُذل معشار ما بُذل من جهود لتوحيد الساحة الشيعية باتجاه توحيد الساحة الاسلامية، ما كنا لنصل الى ما نحن عليه في الساحة الاسلامية الداخلية في لبنان في الوقت الحاضر. وأرجو أن لا يُفهم من هذا العرض أن جميع السلبيات يتحملها "حزب الله"، ولكنه يتقاسم المسؤولية مع التنظيمات الاسلامية (السنية) التي كان ولا يزال يتعاون معها.
2 – لم يتمكن الحزب من تقدير المزاج الشعبي "السني" اثر عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري: ان الجو العام الذي أوجده الاعلام المدروس والذي ساهمت فيه قوى معادية لكل ما يمت الى الوطنية بصلة، تمكنت من اقناع المزاج الشعبي السني أن كل من لا يقول ما تقوله يكون معاديا للرئيس الحريري وللسنة في لبنان. لذلك رأينا من يقول بضرورة انتظار ما تقوله المحكمة بشأن الاغتيال، يتهم بأنه معاد للسنة في لبنان. اذا طرح أحد احتمال أن لا تكون سوريا هي من قتل الحريري يكون الجواب جاهزا:"هل تريد أن تقول أن الحريري قتل نفسه". والطبيعي أن ينتظر الانسان المحاكمة لا أن يحكم هو بنفسه، لأن هذا التصرف يخالف السنن الالهية ويخالف القانون الوضعي ويخالف شرعة حقوق الانسان. وحتى اليوم نرى بعض المسؤولين في المعسكر المعادي للحزب في الساحة اللبنانية يصرح بأنه يقبل ما تقوله المحكمة الدولية بشأن الاغتيال ويصر على أن سوريا هي التي قتلت الرئيس الحريري. وهذا المنطق مردود طبعا. لأن من يقبل عليه الانتظار، لا أن يحكم من دون قرينة.
هل على حزب الله أن يتهم سوريا حتى يصبح مقبولا سنيا؟ بالطبع لا لأن الطلب اذا أخذ هذا الطابع يكون استسخافا للعقل البشري. في الوقت الذي كان على الحزب نسج أقوى العلاقات مع الساحة السنية، حتى من دون اللجوء الى التنظيمات القائمة، أو التي ساهم بقيامها، لم يفعل ذلك. وكأنه افترض بأنه غير مسؤول عن النشاط الدعوي ضمن الساحة السنية. أو أنه لايملك الخطاب السياسي الذي يمكنه من اقتحام ساحات غير الساحة الشيعية.
أما بعد اغتيال الرئيس الحريري، لم ينشط الحزب ضمن الساحة السنية حتى يميز نفسه عن "المعسكر السوري" وكأن الدنيا ستنتهي في هذه اللحظة ولن يتمكن الحزب من شكر سوريا في وقت آخر. نحن نعلم أن شكر سوريا لم يسبب له في ساحته الطبيعية أي اشكال، ولكن كان له أثر مدمر في الساحة المقابلة نتيجة التهويش الاعلامي الذي لا يمكن أن يلجمه الا قرب الحزب من جميع الساحات. وحزب الله هو الوحيد الذي كان مؤهلا للقيام بهذا الدور، نتيجة للاحترام الكبير الذي كان يحظى به في الساحة السنية لأنه كان يحارب اسرائيل.
3 – غياب البرنامج الاجتماعي للحزب: ان عدم وجود برنامج للنضال الاقتصادي والاجتماعي للحزب، حرم "حزب الله" من امكانية الانفتاح على الكثير من الساحات. فبعض الكلام الذي كان يرد في بعض الخطب للأمين العام لم يساهم في تقديم برنامج للنضال على صعيد الساحة الداخلية والذي يمكن أن يعمل على ايجاد ساحة رديفة للحزب تساهم في جعله من النسيج الطبيعي لكامل الساحة الداخلية اللبنانية كما الحزب القومي أو الحزب الشيوعي.
على كل حال، لم تقم القيامة بعد، ونحن نعتقد أن الحزب سوف ينتقد تجربته، ولولا أنه يقوم بالنقد الذاتي ما كان له أن يحقق هذه الانتصارات. ولكن ما يؤلمنا أن تتجرأ بعض الأقلام بالتحدث عن الحزب وبالشكل الذي نراه في الاعلام اللبناني. فالانتماء الطائفي أو المذهبي هو من الانتماءات ذات الطابع الغريزي، والتي لا تسمح للمنتمي أن يفرق بين الوطني والقومي والعمالة والانتماء الى الخط المعادي للوطن أو الذي يخدم العدو. لذلك نراهم يتحدثون من دون أن يرف لهم جفن، أو لسعة من ضمير وطني أو قومي.
نبدأ بوسائل اعلام تيار المستقبل، فاذاعة الشرق تتحدث عن قضية الحزب حوالي ثلث مدة نشرة الأخبار تنقل وجهة نظر النظام المصري والمؤيدين له. وللمحافظة على الحيادية تنقل وجهة نظر الحزب بحوالي ثلاث أو أربع كلمات من دون زيادة أو نقصان. أما جريدة المستقبل (18 نيسان 2009) فحدث ولا حرج. اليكم هذا النموذج، بعد مرور أكثر من عشرة أيام على القضية: في زاوية "يقال" وهي تضم ثلاث فقرات، الفقرة الأولى تتحدث عن "حزب الله" تقول أن (دولة حماية لأمنها فرضت واقعاً جديداً على اللبنانيين وتساءلوا: أين مصلحة اللبنانيين في ما أقدمت عليه جهة معينة؟) والفقرة الثانية تقول (إستغربت أوساطٌ متابعةٌ محاولةَ حزب معين الربط بين مشكلة له في بلد عربي وبين الانتخابات النيابية المقبلة، وسألت ما اذا كان هذا الربط يضمر أمراً معيناً في لبنان.)
فهي أيضا عن "حزب الله" وهي ثلثا الزاوية كما نشرة أخبار اذاعة الشرق.
وفي مكان آخر في جريدة المستقبل تنقل الجريدة تصريحا لرئيس حزب الوطنيين الأحرار(هذا اسم الحزب وليس له علاقة لا بالحرية ولا بالأحرار) السيد دوري شمعون انتقد فيه عمل ما يسمى بـ"خلية "حزب الله" في مصر".
وقال بعد لقائه منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار والمرشح عن المقعد الماروني في جبيل فارس سعيد امس: "إن إلقاء القبض على شبكة "حزب الله" في مصر لا تبرير لها لأنه لا يجوز لأي منظمة لبنانية كانت أم غير لبنانية أن تتحرك في أي بلد آخر من دون الاحترام الكامل لسيادة هذا البلد. فلا يجوز لبلد شقيق مثل مصر مساند للدولة اللبنانية، أن يقلل أشخاص يحملون الجنسية اللبنانية من الاحترام الكامل لسيادته". (ولكن شمعون لم ينتقد ولو لمرة واحدة انتهاك الطيران الاسرائيلي للسيادة اللبنانية. كما أنه لم ينتقد اعتداء اسرائيل على الخط الأزرق، أو انتهاكها لمياه لبنان الاقليمية. نضيف أنه لم يتحدث عن انتهاك اسرائيل للأراضي المصرية والسودانية عندما قصفت القوافل في السودان).
وفي جريدة المستقبل أيضا تنقل عن السيد فارس سعيد: وأوضح "أن المشكلة ليست مع (رئيس تكتل "التغيير و الاصلاح") النائب ميشال عون كشخص إنما مع خياره الذي يؤمن غطاء مسيحيا لثورة غير لبنانية". وقال: "هذا الموضوع شهدناه في السبعينات في مقلب آخر وهذا الغطاء المؤمن اليوم من قبل فريق من المسيحيين لثورة غير لبنانية تتمثل بـ"حزب الله" في لبنان، يعرض المسيحيين لمشكلات مستقبلية". (جميع شهداء حزب الله في تحريرهم للأرض اللبنانية نزع عنهم فارس سعيد، بوصفه منسق 14 آذار الهوية اللبنانية وكذلك عن النواب في البرلمان اللبناني).
واشار(فارس سعيد) الى ان "المسيحيين لا يملكون مشاريع (فلينم في بيته) خصوصا وليسوا بحاجة الى أوراق تفاهم، فورقة التفاهم كانت تنص على أن يؤمن "التيار الوطني الحر" غطاء للمقاومة من أجل إزالة الاحتلال في الأراضي اللبنانية، لكن أصبح نشاط هذه المقاومة خارج إطار الحدود اللبنانية، فهل يجب تطوير ورقة التفاهم من أجل تأمين غطاء لنشاطات "حزب الله" في العالم العربي أيضا؟". (ميشال عون يملك أكبر كتلة برلمانية مسيحية لا يتحدث باسم المسيحيين ومن لم يملك القدرة بأن يكون نائبا في دائرة أكثر ناخبيها من المسيحيين يدعي تمثيلهم). لا أريد أن أشير الى أن المسيحيين الذين يتحدث عنهم فارس سعيد هم أولئك المسيحيين الذين يقيمون القداديس على نية فرنسا لأنها استعمرت بلدنا.
نتابع مع جريدة المستقبل مع الأستاذ سمير الجسر النائب عن مدينة طرابلس. وعن الأزمة المستجدة بين "حزب الله" ومصر، قال: "نرفض ما حدث في مصر تحت ستار دعم المقاومة، وينبغي بنا عدم الكيل بمكيالين، فكما نحن لا نرضى أن يعبث أحد بأمننا، كذلك نحن لا نقبل أن يعبث لبنانيون بأمن الأخرين، وبالأمن المصري، مهما كان الهدف نبيلا، فيجب احترام البلد الذي تود المقاومة الإنطلاق منه، والتنسيق مع سلطاته، وأن يجري ذلك برضاه، لأن كل الدول لها حساباتها الخاصة وخصوصا لجهة المحافظة على أمن شعبها"، مشددا على "أننا لسنا ضد المقاومة، كنا وما نزال مع دعمها طالما هي مقاومة". نحن نعلم أن الأستاذ سمير الجسر يحمل من الحس الوطني الذي لا يجعله يتحدث بهذه اللهجة، ولكن التطبع عند الأستاذ سمير قد غلب الطبع في هذه المرة. لو أن النظام المصري قام بواجبه في دعم الشعب الفلسطيني المقهور في غزة لم يكن هناك من داع لبعث أحد الشباب من لبنان لتهريب بعض العتاد للمقاومة في غزة. رغم كل الضجة الاعلامية والتي يساهم فيها الكثير الكثير لا يزال معبر رفح مقفلا. لا بل ان النظام المصري قد تشجع من تأييد السلطة الجديدة في اسرائيل وسيبذل قصارى جهده لاقفال الأنفاق عل الشعب الفلسطيني في غزة يموت أو يستسلم. كيف يكون التنسيق مع سلطة باعت نفسها للعدو؟ هذا مستحيل. المطلوب اذن هو التفكير بكيفية تأمين التموين لأهلنا في غزة وهذا ما فكر فيه حزب الله وحاول تنفيذه مشكورا. ونحب أن نشير بأن النظام المصري لا يحافظ على أمن الشعب المصري الذي مات أمام الأفران وهو يحاول تأمين لقمة العيش، انما يحافظ على استعباده واستغلاله لهذا الشعب المقهور.
ورئيس حزب يميني آخر "الكتلة الوطنية" يدلي بدلوه أيضا. واعتبر (كارلوس) إده في حديث الى "اذاعة الشرق"، ان "حزب الله" يتدخل في شؤون دولة عربية كبرى وفي سيادة مصر مما يعطي حججاً لأن يستهدف لبنان من اسرائيل بالاعتداء عليه مجدداً، علماً ان "حزب الله" كان وعد اللبنانيين بأن يدافع عن لبنان وجنوبه ويبقي نشاطه ضمن الاراضي اللبنانية". (النهار اللبنانية 19 نيسان 2009)
خاف السيد ادة أن تعتدي اسرائيل على لبنان دفاعا عن النظام المصري الذي انتهك حرمته "حزب الله".
ننتقل الى وسيلة اعلامية أخرى وهي الموقع الالكتروني لما يسمى "القوات اللبنانية" التابعة لسمير جعجع. فهي تنقل عن صحيفة "أوكتوبر" المصرية لأنها وجدت فيها ما يكفي من السموم لبثها. تقول الصحيفة: "، صحيح أن الحزب لعب دوراً ما في المقاومة حتى انسحبت إسرائيل من الجنوب، إلا أن الصحيح أيضاً أن ورقة المقاومة استخدمت للسيطرة على الأوضاع اللبنانية بعد إقصاء كل القوى الوطنية من مشروع المقاومة الوطنية واستخدم المشروع المقاوم نفسه كورقة سياسية في الداخل اللبناني، وفي لعبة الصراع السياسي بين طهران ودمشق من جهة وواشنطن من جهة أخرى". ثم تضيف الصحيفة متحدثة عن حادثة أيار: " كان ذلك السقوط الأول للحزب المقاوم الذي أشهر سلاحه في وجه أبناء الوطن اللبناني، والذي أعقبه اعتراف صريح وواضح بتبعية الحزب وعناصره لملالي إيران وولاية الفقيه والتزامه بثورة الخميني وتصديرها".
ثم تعود الى مصر مضيفة: "الآن لم يكتف شيخ الميليشيات بالصراخ ودعوة المصريين للانقلاب على قيادتهم الوطنية، بل أرسل مبعوثيه وعناصره للتخريب والتدمير واستكمال مشروع تصدير الإرهاب إلى مصر. وكان ذلك السقوط الأخير لشيخ الحزب وميليشياته ومن يحركهم في طهران وقم".
ثم تستنتج: " لقد تحولت فروع حزب الله في المنطقة العربية إلى أداة إيرانية تم استخدامها ضد المصالح العربية ووسيلة لإثارة القلاقل والاضطرابات فى العديد من دول المنطقة، تمهيداً لقيام الثورة الإسلامية في هذه الدول وضمها للتحالف الشيعى الفارسي في قم".
هنا لا أريد التعليق الا بأمر واحد ألا وهو اعتبار الصراع مع العدو الصهيوني وكأنه أصبح من الماضي وبدلا من تجميع القوى لخدمة هذا الصراع أصبح لزاما على هذه القوى الملتزمة بالأجندة الأمريكية تجميع القوى لتحويل الصراع الى وجهة أخرى.
أما السيد رفيق خوري فيرى: " فما هو عمل (بطولي) في المنطق القومي يضعه منطق الأمن والسيادة في خانة العمل (الجنائي الارهابي). وما فاخر به الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله هو تهمة تقود الى المحكمة في مصر، وتضع في لبنان علامة استفهام حول التزام المقاومة حصر أعمالها ضمن حدوده وتحرير أرضه والدفاع عنه". (الأنوار اللبنانية 18 نيسان 2009) وهذا الرأي يدخل ضمن حساب الأولويات. أي بصيغة أخرى، بما أن النظام المصري قد تخلى عن كل ما يربطه بالقضية القومية وارتبط بما يخدم موالاته للأمريكان، أضحت مسألة نصرة الشعب الفلسطيني من خارج اهتماماته. وهذا ما جعل وزير خارجية النظام المصري يصرح: "وأكد في لقاء مع المحررين الديبلوماسيين أن هذه المسألة(مسألة "حزب الله") ليست خاضعة لأي مسائل سياسية أو محاولات لاستخدام السياسة والوساطة، بل هي مسألة ستخضع للقضاء المصري، وسيتولى النائب العام المصري توجيه الاتهام واحالة القضية على القضاء المصري عندما ينتهى من تحقيقاته بشكل كامل".(نصرة الشعب الفلسطيني أصبحت قضية أمنية وليست سياسية حسب السيد أبو الغيط الذي اعطى تغطية مطلقة للعدوان الاسرائيلي على غزة وحمل مسؤولية هذا العدوان لحركة حماس لأنها رفضت الخضوع للمنطق الصهيوني. وهذا ما فعله أيضا قائد النظام الذي ينتمي اليه أبو الغيط).
هل من الممكن أن تستمر هذه المهزلة الى ما شاء الله؟
صحيح أنه يجب ايجاد مخرج ما لهذه القضية ولكن ليس من ضمن المنطق السائد. كأن يعتذر "حزب الله" لأنه تجرأ وساعد الشعب الفلسطيني في قتاله مع العدو، أو كما طرح صلاح سلام في حديثه مع اذاعة النور التابعة لحزب الله، طرح ما يشبه الاعتذار عن انتهاك حدود سايكس بيكو المقدسة، والتي لم تعلق عليها المذيعة لا سلبا ولا ايجابا. انما الحل يكون بكيفية تأمين متطلبات الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة حتى لا يضطر "حزب الله" أو أية منظمة مقاومة أخرى الى انتهاك حرمات سايكس وبيكو لتأمين متطلبات الصمود للشعب الفلسطيني المحاصر.
وأخيرا نود أن نذكر القائمين على "تيار المستقبل" أن أهم انتصار سياسي حققه "حزب الله" على العدو الصهيوني، وهو اتفاق نيسان الذي شرعن عمل المقاومة دوليا، كان بالتعاون ما بين "حزب الله" والرئيس الحريري. فأين ورثة الرئيس الحريري منه؟
19 نيسان 2009 حسن ملاط
الاثنين، 13 أبريل 2009
كتاب التلميذ
كتاب التلميذ
اعداد
حسن محمد ملاط
القلمون في 7 نيسان 2009
بَ ﺒَ
بَ بَ بَ بَ بَ بَ
ﺒَ ﺒَ ﺒَ ﺒَ ﺒَ ﺒَ
-ﺒَ -ﺒَ -ﺒَ -ﺒَ -ﺒَ -ﺒَ
-بَ -بَ -بَ -بَ -بَ
با با با با با با
بابﹶ بابﹶ بابﹶ بابَ
بابا بابا بابا با با
بُ ﺒُ
بُ بُ بُ بُ بُ بُ
-بُ -بُ -بُ -بُ -بُ -بُ
ﺒُ ﺒُ ﺒُ ﺒُ ﺒُ ﺒُ
-ﺒُ -ﺒُ -ﺒُ -ﺒُ -ﺒُ -ﺒُ
ﺒو بو بو بو بو بو
بابا بابا بابا بابا
بابﹶ بابﹶ بابﹶ بابَ
بابُ بابُ بابُ بابُ
بوبو بوبو بوبو بوبو
بابُ بوبو بابُ بوبو
بابُ بابا بابُ بابا
بِ ﺒِ
بِ بِ بِ بِ بِ بِ
-بِ -بِ -بِ -بِ -بِ -بِ
ﺒِ ﺒِ ﺒِ ﺒِ ﺒِ ﺒِ
-ﺒِ -ﺒِ -ﺒِ -ﺒِ -ﺒِ -ﺒِ
بي بي بي بي بي بي
ﺒﯿ ﺒﯿ ﺒﯿ ﺒﯿ ﺒﯿ ﺒﯿ
بابي بابي بوبي بوبي بيبو بيبو
بابﹶ بابُ بابِ
بابا بوبو بيبي
بابُ بابا بابُ بوبي بابُ بيبي
بابا بيبو بابا بوبي بيبي بابي
اعداد
حسن محمد ملاط
القلمون في 7 نيسان 2009
بَ ﺒَ
بَ بَ بَ بَ بَ بَ
ﺒَ ﺒَ ﺒَ ﺒَ ﺒَ ﺒَ
-ﺒَ -ﺒَ -ﺒَ -ﺒَ -ﺒَ -ﺒَ
-بَ -بَ -بَ -بَ -بَ
با با با با با با
بابﹶ بابﹶ بابﹶ بابَ
بابا بابا بابا با با
بُ ﺒُ
بُ بُ بُ بُ بُ بُ
-بُ -بُ -بُ -بُ -بُ -بُ
ﺒُ ﺒُ ﺒُ ﺒُ ﺒُ ﺒُ
-ﺒُ -ﺒُ -ﺒُ -ﺒُ -ﺒُ -ﺒُ
ﺒو بو بو بو بو بو
بابا بابا بابا بابا
بابﹶ بابﹶ بابﹶ بابَ
بابُ بابُ بابُ بابُ
بوبو بوبو بوبو بوبو
بابُ بوبو بابُ بوبو
بابُ بابا بابُ بابا
بِ ﺒِ
بِ بِ بِ بِ بِ بِ
-بِ -بِ -بِ -بِ -بِ -بِ
ﺒِ ﺒِ ﺒِ ﺒِ ﺒِ ﺒِ
-ﺒِ -ﺒِ -ﺒِ -ﺒِ -ﺒِ -ﺒِ
بي بي بي بي بي بي
ﺒﯿ ﺒﯿ ﺒﯿ ﺒﯿ ﺒﯿ ﺒﯿ
بابي بابي بوبي بوبي بيبو بيبو
بابﹶ بابُ بابِ
بابا بوبو بيبي
بابُ بابا بابُ بوبي بابُ بيبي
بابا بيبو بابا بوبي بيبي بابي
حزب الله والنظام المصري
قضية حزب الله والنظام المصري في بعض الصحافة
من المفيد جدا أن يطلع المرء على ما يكتبه بعض الكتاب الصحافيين في قضايا تهم أمتنا العربية والاسلامية. مفيد حتى يتأكد أنه لا يكفي أبدا أن يحمل المرء اسماً عربياً أو اسماً اسلامياً ليكون انتماءه للأمة الاسلامية أو العربية. فالانتماء والتموضع انما يتم عن سابق اصرار وتصميم، عن اختيار حر ومسؤول. وكذلك التنكر لقضايا الأمة من بعض المخلوقات يكون عن وعي منهم بأنهم يتنكرون لقضايا هذه الأمة خدمةً للمستعمرين.
ما تقدم انما هو توطئة للتحدث عن المشكلة "الأمنية" التي افتعلها النظام المصري مع "حزب الله" اللبناني. نقول "أمنية" لأن كل ما ينتمي الى قضايا أمتنا يرتدي طابع الأمن بالنسبة للنظام المصري. عندما رأى من واجبه الاطلال على المسألة اللبنانية، بعث بنائب مسؤول جهاز المخابرات. الأزمة اللبنانية بجميع تشعباتها كانت بالنسبة للنظام المصري مسألةً أمنيةً. جميع المباحثات والمفاوضات التي يديرها النظام المصري مع الأخوة الفلسطينيين تتم بقيادة عمر سليمان، أهم مخابراتي مصري، أو باشراف أحد نوابه أو موظفي جهازه. ان مسألة توحيد المنظمات الفلسطينية هي أمنية بامتياز، وليست سياسيةً. ولو كانت خلاف ذلك لكلف النظام المصري بها مسؤولاً سياسياً. فالمباحثات بين المنظمات الفلسطينية يديرها مدير المخابرات. ان نظاماً يحكمه قانون الطوارىء منذ فجر التاريخ لا يمكنه أن ينظر للأمور نظرةً مختلفةً. نظام يجوع شعبه ويهب اسرائيل، عدوة الشعب المصري، يعطيها الغاز المصري من دون مقابل، لا يمكنه الا أن يكون قمعياً. كم واحد من كادحي الشعب المصري استشهد أمام الأفران. كيف لنا أن نعجب اذا تبجح مسؤولو هذا النظام بأنهم يحاصرون غزة كرمى لعيون أقرانهم من مجرمي اسرائيل. هناك بعض السذج ممن اعتقدوا بأن نظاماً أمنياً مثل النظام المصري يحترم القضاء، رفعوا دعوى قضائية لمنع هذا النظام من اعطاء اسرائيل الغاز المصري بأسعار رمزية. حكم القضاء بمنع بيع اسرائيل هذه المادة. ولكن رغم هذا الحكم ظل الغاز المصري يتدفق الى اسرائيل وتمنعه هذه الأخيرة عن أهالي غزة كما يفعل النظام المصري. وحتى الآن لم يتمكن أحد من معرفة سعر الغاز المصري الذي يصدره النظام الأمني المصري الى اسرائيل. انها مسألة أمنية بامتياز. اذا كان بيع القمح والرغيف في مصر هو مسألة أمنية، فكيف بتأمين السلاح للمقاومة الفلسطينية في غزة.
هناك نوعان من البركة، بركة يهبها الله تبارك وتعالى لمن أو لما أراد، وبركة أخرى يهبها الشعب لمن يريد. لقد أعطى الله تبارك وتعالى بركته لفلسطين ولما حولها. والشعب العربي أعطى بركته لكل من يقاتل من أجل تحرير هذه الأرض المباركة. أما أولئك الذي يتبارون لارضاء العدو فهم ملعونون في الدنيا والاخرة. اليكم بعض هذه النماذج التي لم تر حقيقة ما يريده النظام المصري من التهجم على الحزب الذي حقق أول انتصار على العدو الصهيوني في أيار- مايو- 2000. ان جميع الهزائم التي أمنتها أنظمتنا لشعوبها لم تفل من عضد هذه المقاومة، وراحت تمرغ أنف العدو بالذل مرةً أخرى في آب – أغسطس – 2006. وكان لهذه المقاومة وهج ونور أعطى اشعاعه الى أبطال غزة الذين رغم الحصار والجوع لم يمكنوا العدو المجرم من تحقيق أي من أهدافه بعدوانه الأخير على غزة. وبدل من تكريم هؤلاء الأبطال راح النظام المصري يحاول اذلالهم قبل وابان وبعد المحرقة. هذا التصرف من النظام المصري لم يعجب كل من يملك مثقال حبة خردل من كرامة، فكيف بمن أذاق العدو طعم الذل والمهانة. فما كان من "حزب الله" الا أن بعث من بامكانه مساعدة أبطال غزة على الصمود.
سوف نرى الآن بعض نماذج من كتابات من باعوا أنفسهم واقلامهم لأعداء الأمة.
النموذج الأول: "عبد الله اسكندر" الحياة - 12/04/09
يقول صاحبنا أن سبب انعدام الود بين مصر أو على الأصح النظام المصري و"حزب الله""يكمن اولاً في نوعية العلاقة المتردية بين القاهرة وطهران، وتنسحب على ما تعتبره مصر الامتداد الايراني في المنطقة العربية. وثانياً في التعارض التام بين وجهتي نظر سياسيتين في شأن ادارة الصراع مع اسرائيل: بين معاهدة سلام ونهج ديبلوماسي وبين تحرير عبر المقاومة المسلحة". ثم يضيف مدعياً "ان الحزب منح نفسه الحق بنشاط داخل دولة عربية وخارج لبنان". ولم يكتف بما قاله بل نراه يضيف: "ان الحزب لا يعترف بالسيادة الوطنية للدول ولا يعترف لهذه الدول بممارسة سيادتها على اراضيها، ولا يعترف للدولة القائمة الحق بتطبيق قوانينها". ويفلسف الأمر فيستنتج: " وهذا يطرح قضية معنى سيادة الدول وحقها في الدفاع عن هذه السيادة، في ظل تبرير حق التدخل بظروف المعركة وتخلي هذه الدولة او تلك عن الدور الذي يطلبه الحزب منها في هذه المعركة. اي تعميم الحال الذي يجد الحزب نفسه فيها في لبنان على البلدان العربية الاخرى". ولم يكتف صاحبنا بهذا النقاش "الموضوعي" جداً بل يزيد: " وبالتلازم مع ذلك، تُطرح قضية سياسية كبيرة وهي فرض وجهة النظر الخاصة على الآخرين بغض النظر عن مواقفهم والتزاماتهم وقدراتهم". (هل الخيانة حق للمواطن؟).
نحن نعلم أن القانون الذي يحكم الكيانات الطبيعية لا يتساوى أو لا يتطابق مع ذلك الذي يحكم الكيانات الغير طبيعية. فاذا سلمنا جدلاً بما يذهب اليه السيد "اسكندر" بأن الخلاف بين مصر والحزب يعود الى الارتباط بين الحزب وايران فهذا يعني أن الحزب ليس كياناً مستقلاً، لذا ما على النظام المصري الا أن يعاقب ايران بما يقترفه "حزب الله" لأنه تابع وليس مستقلاً.
أما أن يفترض "السيد اسكندر" بأن السبب هو الاختلاف في وجهات النظر فنحن نؤيده بهذا الكلام شريطة أن يضيف شيئاً نعتبره على قدر كبير من الأهمية تتخطى امكانية "السيد اسكندر" على التسليم به. هذا الشيء هو أن الموقف من اسرائيل ليس اختلافاً في وجهات النظر انما يدخل في مجالين لا يلتقيان ولا يتقاطعان، اما أن اسرائيل مغتصبة للأرض الفلسطينية ومهمة كل من ينتمي الى الأمة العربية والاسلامية تحرير هذه الأرض، أو أن اسرائيل كيان طبيعي كما الكيان المصري أو السوري.
أما من يتبنى الموقف الأول فيرى أنه مكلف بخلق الظروف التي تتيح له القتال لاسترجاع هذه الأرض. وأما من يتبنى الموقف الأخر فيعتبر موقفه متواطئاً مع العدو ولايلزم أياً كان بهذا الموقف. وبذلك يكون "حزب الله" محقاً بأن يدخل الأرض المصرية حتى يؤمن المساعدة للمقاتلين الفلسطينيين في غزة، وهذا حق من حقوقه أي تأمين الظروف التي تؤمن له امكانية القيام بواجبه بالنضال ضد الاغتصاب الاسرائيلي لفلسطين. والخوف الذي يتلبس السيد اسكندر على الكيان المصري أو غيره من الكيانات تستوجب على السيد اسكندر العودة قليلاً الى الوراء حتى يقول لنا من الذي خلق هذه الكيانات، وهل أنه أوجدها لتأمين مصالح شعوبنا أم لتأمين مصالحه هو. ان اعطاء القدسية لهذه الكيانات انما هو اعطاء القدسية لمن أوجدها. فهل أصبح سايكس وبيكو مقدسين عند السيد اسكندر. ان كان ذلك كذلك فنقول بأن سايكس وبيكو هما الممثلين لدول الاستعمار التي أذاقت شعبنا الذل والمهانة فتباً لهما ولمن يدافع عنهما.
أما اعتراض السيد اسكندر على وضعية المقاومة في لبنان فنقول له أن من يؤمّن للسيد اسكندر وأمثاله الحرية في كتابة ما يريدون هو انتصار لبنان على الكيان الصهيوني. وعليهم أن لا يعجبوا ويقولوا في أنفسهم أنهم انما يخدمون في كتابتهم الخط المعادي للمقاومة والمؤيد للارتباط بالعدو فكيف لا يكونوا أحراراً. نقول لهم أن وضعهم سيصبح كوضع عباس وزبانيته. فهم يمنع عليهم التعبير عن رأيهم اذا لم يكن متماهياً مع رأي العدو. وأضيف أنه من يريد وضعاً كوضع لبنان، عليه أن يكون حراً، وأنتم يا سيد اسكندر وأمثالك لايمكنكم أن تكونوا أحراراً.
النموذج الثاني: داود الشريان الحياة - 12/04/09//
السيد داود الشريان محيط بخفايا الأمور (كذا!) فهو يقول: "هذا العمل الذي قام به شهاب أصبح من الصعب على «حزب الله» تنفيذه عبر الحدود اللبنانية - الفلسطينية، بعد صدور القرار 1701 الذي مكّن الحكومة اللبنانية من بسط سيطرتها على أراضيها من خلال قواتها المسلحة الشرعية، ومراقبة مرور الاسلحة والمعدات، فضلاً عن نشر قوات «يونيفيل». وبموجب هذا القرار منع الحزب من القيام بأدوار عسكرية او لوجستية نيابةً عن الحكومة اللبنانية".
ألم أقل لكم أنه يعلم خفايا الأمور! اليكم مايريده السيد شريان: أن يحمل المقاوم اللبناني السلاح الذي يريد أن يقدمه لزميله الفلسطيني من شمال فلسطين (لبنان يحاذي شمال فلسطين) الى جنوب فلسطين، الى غزة. شيء مؤلم . اذا افترضنا أن حزب الله تمكن من تجنيد نصف الجيش الاسرائيلي يظل من المستحيل الوصول من جنوب لبنان الى جنوب فلسطين. فداود الشريان يمزح في هذه النقطة.
اما النقطة الثانية التي لا يتحملها السيد شريان هو أن يقوم السيد نصر الله بنجدة الشعب الفلسطيني الذي يقتله الاسرائيلي ويجوعه، فيقول:" لكنه بالتأكيد لا يسوغ ما قام به الحزب على الارض المصرية". ويضيف: " لا جدال في ان «حزب الله» أخطأ بحق مصر". الله تبارك وتعالى يقول في عليائه أن "من اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه" ولكن السيد شريان يعتبر "حزب الله" آثماً لأنه أغاث الشعب الفلسطيني. هل أصبح القانون الاسرائيلي والأمريكي أقوى وأمضى من القانون الالهي؟
ولا يكتفي السيد شريان بالنصيحة بل يوجه تهديداً شديد اللهجة للمقاومة (فهو يخوفها): " وربما وجد الحزب نفسه في مواجهة قرارات دولية تجعله يترحم على القرار 1701." وأنا بدوري أنصح السيد حسن نصر الله بأن يتخفى هو وجميع مقاتلي المقاومة ومؤيديها من القرارات الدولية!.
النموذج الثالث: طارق الحميد
في الحقيقة، عندما بدأت بقراءة هذا المسمى طارق الحميد تذكرت عجز أحد الأبيات الشعرية الذي يقول: "فلا كعباً بلغت ولا كلابا".
يقول: " ما الذي يجمع بين حسن نصر الله وأسامة بن لادن؟ كلاهما لا يؤمن بالدول والحدود والقوانين الدولية، ولا يتحرك رجالهما إلا كخلايا نائمة، حيث وصل رجال أسامة إلى أميركا، ووصل رجال بن نصر الله إلى مصر! ".
يضيف هذا المسمى طارق: "فزعيم حزب الله يفخر بجريمته التي انتهك فيها الحدود المصرية بحجة دعم الفلسطينيين ، متجاهلاً السيادة، ومتجاهلاً أن في مصر حكومةً وأجهزة" ونسي أن يضيف: (مهمتها محاصرة غزة وتجويع الشعب المصري واعتقال كل من يتجرأ على انتقاد محرقة غزة).
ثم يشرّح هذا المسمى طارق "السيد حسن نصر الله" فيقول:"أما عن الطائفية والتشيع، بحسب بن نصر الله، فكلنا يعرف أنه طائفي حتى النخاع، ويكفي ما فعله ورجاله بسُنة بيروت في انقلاب السابع من أيار. وفي محاولة للتنصل من الشبهة الطائفية وقع بن نصر الله في فخ أكبر، حين قال إنه لا يشبه «القاعدة» مضيفاً «مع الاعتذار لتنظيم القاعدة»!" نعم السيد حسن يحترم كل من يقاتل الأمريكان. أما عن سنة بيروت فهو لم يقاتل سنة بيروت انما حمل السلاح حتى يمنع من أراد تقديمه قرباناً على مذبح الاسرائيلي. علماً أنه لم يفعل ذلك مختاراً ورغم ذلك فهو لم يعجبه الدخول الى بيروت. وللدلالة على صحة ما ذهبنا اليه أنه ترك بيروت مختاراً ولم يجبره أحد على تركها.
يضيف هذا المسمى طارق: "خطاب نصر الله لا يعني الكثير لمن يعرف خطورة هذا الحزب، لكنه دليل جديد لمن ظل ينكر خطورة هذا الحزب ويدافع عنه سواء في مصر أو في دولنا العربية". نعم انه خطير وأكبر دليل على ذلك أن من يريد رأس حزب الله هم أمريكا واسرائيل وعملائهما.
ثم يستنكر هذا المسمى طارق أن تصبح دولهم كلبنان، فيقول: "لتصبح دولنا على غرار لبنان". يا بني أنت بحاجة الى كل مضادات التبعية لأمريكا واسرائيل حتى تملك الحق بذكر لبنان على لسانك.
صحيح أنه من لا يستحي يقول ما يشاء.
النموج الرابع والأخير: عبد الرحمن الراشد
هذا "العبد" هو زميل "الطارق". فقد نسي الأخير "حماس"، فجاء "العبد" ليذكره أنه كان عليه أن يهاجم "حماس". فحماس تقاتل اسرائيل أيضاً كما يفعل حزب الله فمن الواجب مهاجمتها على سبيل التسوية. فيقول: "أخطأت السهام طريقها بهجومها الإعلامي الكاسح ضد حزب الله بعد أن اعترف زعيمه السيد حسن نصر الله بأن المقبوض عليه، المسؤول عن إدارة الخلية السرية في مصر، هو بالفعل عضو في الحزب. المذنب الذي يستحق اللوم هو تنظيم حماس". نسي "العبد" أن يقول لنا ان كان اعتراف السيد حسن جاء تحت التعذيب كما تفعل أنظمتنا عادة للحصول على الاعترافات، أم أنه اعترف مختاراً.
ثم يضيف: "وبالتالي لا تثريب على حزب الله، لأنك لا تستطيع أن تنكر على خصم أن يتآمر عليك، فما بالك إذا كان الحزب ليس إلا ذراعاً عسكريةً لطهران". "العبد" صنف نفسه مع اسرائيل لذلك اعتبر حزب الله خصماً.
ويصل أخيراً الى طرح السؤال: "ما هو دور حماس التي تتعامل بشكل ساذج أو متواطئ مع المحور الإيراني؟ فإنكار علاقتها بالخلية لا يكفي، فهي بكل أسف تظل متورطةً سياسياً في استهداف مصر. والمعنيون يرون كيف تجاوزت حماس كل الأصول". لا يكفي "العبد" كل العذابات الذي يقدمها النظام الأمني المصري لحماس ورموزها فهو يحرض هذا النظام عليها. فهو يعتقد أن التحريض الاعلامي الذي تتولاه القناة الصهيونية المسماة "العربية" لا يكفي فيستخدم "الشرق الأوسط" كدعم لما يقوم به في "العربية".
هذه بعض النماذج للدور الذي يقوم به أبواق الأنظمة المستسلمة الذين لا يتوانوا عن التحريض على كل مقاومة أواتجاه مقاوم. ومن يستفيد من هذا هي أمريكا والصهيونية. ولا نرى أياً من هؤلاء يعتبر أن الكيان الصهيوني هو كيان مصطنع قام على اغتصاب الأرض التي باركها الله تبارك وتعالى. فهم يتحدثون عن اسرائيل كما يتحدثون عن مصر أو السعودية. فقد طبعت التبعية لأمريكا عقولهم على القبول بوجود هذا الكيان وكأنه كياناً طبيعياً.
نقول ان الموضوع الذي يريد هؤلاء أن يناقشوه نقاشاً موضوعياً، نقول لهم أن الموضوعية التي يريدونها انما هي المعيارية. فلا وجود للموضوعية. أما مصالح الدول والأنظمة، فجميع القوانين والشرائع التي تصدرها الدول القوية انما تخدمهم هم وحدهم وبالتأكيد يضعون هذه القواعد تحت أكذوبة الموضوعية التي يصدقها أمثال كتابنا السذج.
نضيف أن التحدث عن اسرائيل "ككيان موضوعي" فيه الكثير من الجرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، وان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان" أو كما قال.
اذا جبن هؤلاء عن تغيير المنكر بأيديهم فليصمتوا ولا يؤيدوه، حتى لا يأثموا كرمى لعيون اسرائيل، أللهم الا اذا صنفوا أنفسهم كخدم لها.
12 نيسان – ابريل- 2009 حسن ملاط
من المفيد جدا أن يطلع المرء على ما يكتبه بعض الكتاب الصحافيين في قضايا تهم أمتنا العربية والاسلامية. مفيد حتى يتأكد أنه لا يكفي أبدا أن يحمل المرء اسماً عربياً أو اسماً اسلامياً ليكون انتماءه للأمة الاسلامية أو العربية. فالانتماء والتموضع انما يتم عن سابق اصرار وتصميم، عن اختيار حر ومسؤول. وكذلك التنكر لقضايا الأمة من بعض المخلوقات يكون عن وعي منهم بأنهم يتنكرون لقضايا هذه الأمة خدمةً للمستعمرين.
ما تقدم انما هو توطئة للتحدث عن المشكلة "الأمنية" التي افتعلها النظام المصري مع "حزب الله" اللبناني. نقول "أمنية" لأن كل ما ينتمي الى قضايا أمتنا يرتدي طابع الأمن بالنسبة للنظام المصري. عندما رأى من واجبه الاطلال على المسألة اللبنانية، بعث بنائب مسؤول جهاز المخابرات. الأزمة اللبنانية بجميع تشعباتها كانت بالنسبة للنظام المصري مسألةً أمنيةً. جميع المباحثات والمفاوضات التي يديرها النظام المصري مع الأخوة الفلسطينيين تتم بقيادة عمر سليمان، أهم مخابراتي مصري، أو باشراف أحد نوابه أو موظفي جهازه. ان مسألة توحيد المنظمات الفلسطينية هي أمنية بامتياز، وليست سياسيةً. ولو كانت خلاف ذلك لكلف النظام المصري بها مسؤولاً سياسياً. فالمباحثات بين المنظمات الفلسطينية يديرها مدير المخابرات. ان نظاماً يحكمه قانون الطوارىء منذ فجر التاريخ لا يمكنه أن ينظر للأمور نظرةً مختلفةً. نظام يجوع شعبه ويهب اسرائيل، عدوة الشعب المصري، يعطيها الغاز المصري من دون مقابل، لا يمكنه الا أن يكون قمعياً. كم واحد من كادحي الشعب المصري استشهد أمام الأفران. كيف لنا أن نعجب اذا تبجح مسؤولو هذا النظام بأنهم يحاصرون غزة كرمى لعيون أقرانهم من مجرمي اسرائيل. هناك بعض السذج ممن اعتقدوا بأن نظاماً أمنياً مثل النظام المصري يحترم القضاء، رفعوا دعوى قضائية لمنع هذا النظام من اعطاء اسرائيل الغاز المصري بأسعار رمزية. حكم القضاء بمنع بيع اسرائيل هذه المادة. ولكن رغم هذا الحكم ظل الغاز المصري يتدفق الى اسرائيل وتمنعه هذه الأخيرة عن أهالي غزة كما يفعل النظام المصري. وحتى الآن لم يتمكن أحد من معرفة سعر الغاز المصري الذي يصدره النظام الأمني المصري الى اسرائيل. انها مسألة أمنية بامتياز. اذا كان بيع القمح والرغيف في مصر هو مسألة أمنية، فكيف بتأمين السلاح للمقاومة الفلسطينية في غزة.
هناك نوعان من البركة، بركة يهبها الله تبارك وتعالى لمن أو لما أراد، وبركة أخرى يهبها الشعب لمن يريد. لقد أعطى الله تبارك وتعالى بركته لفلسطين ولما حولها. والشعب العربي أعطى بركته لكل من يقاتل من أجل تحرير هذه الأرض المباركة. أما أولئك الذي يتبارون لارضاء العدو فهم ملعونون في الدنيا والاخرة. اليكم بعض هذه النماذج التي لم تر حقيقة ما يريده النظام المصري من التهجم على الحزب الذي حقق أول انتصار على العدو الصهيوني في أيار- مايو- 2000. ان جميع الهزائم التي أمنتها أنظمتنا لشعوبها لم تفل من عضد هذه المقاومة، وراحت تمرغ أنف العدو بالذل مرةً أخرى في آب – أغسطس – 2006. وكان لهذه المقاومة وهج ونور أعطى اشعاعه الى أبطال غزة الذين رغم الحصار والجوع لم يمكنوا العدو المجرم من تحقيق أي من أهدافه بعدوانه الأخير على غزة. وبدل من تكريم هؤلاء الأبطال راح النظام المصري يحاول اذلالهم قبل وابان وبعد المحرقة. هذا التصرف من النظام المصري لم يعجب كل من يملك مثقال حبة خردل من كرامة، فكيف بمن أذاق العدو طعم الذل والمهانة. فما كان من "حزب الله" الا أن بعث من بامكانه مساعدة أبطال غزة على الصمود.
سوف نرى الآن بعض نماذج من كتابات من باعوا أنفسهم واقلامهم لأعداء الأمة.
النموذج الأول: "عبد الله اسكندر" الحياة - 12/04/09
يقول صاحبنا أن سبب انعدام الود بين مصر أو على الأصح النظام المصري و"حزب الله""يكمن اولاً في نوعية العلاقة المتردية بين القاهرة وطهران، وتنسحب على ما تعتبره مصر الامتداد الايراني في المنطقة العربية. وثانياً في التعارض التام بين وجهتي نظر سياسيتين في شأن ادارة الصراع مع اسرائيل: بين معاهدة سلام ونهج ديبلوماسي وبين تحرير عبر المقاومة المسلحة". ثم يضيف مدعياً "ان الحزب منح نفسه الحق بنشاط داخل دولة عربية وخارج لبنان". ولم يكتف بما قاله بل نراه يضيف: "ان الحزب لا يعترف بالسيادة الوطنية للدول ولا يعترف لهذه الدول بممارسة سيادتها على اراضيها، ولا يعترف للدولة القائمة الحق بتطبيق قوانينها". ويفلسف الأمر فيستنتج: " وهذا يطرح قضية معنى سيادة الدول وحقها في الدفاع عن هذه السيادة، في ظل تبرير حق التدخل بظروف المعركة وتخلي هذه الدولة او تلك عن الدور الذي يطلبه الحزب منها في هذه المعركة. اي تعميم الحال الذي يجد الحزب نفسه فيها في لبنان على البلدان العربية الاخرى". ولم يكتف صاحبنا بهذا النقاش "الموضوعي" جداً بل يزيد: " وبالتلازم مع ذلك، تُطرح قضية سياسية كبيرة وهي فرض وجهة النظر الخاصة على الآخرين بغض النظر عن مواقفهم والتزاماتهم وقدراتهم". (هل الخيانة حق للمواطن؟).
نحن نعلم أن القانون الذي يحكم الكيانات الطبيعية لا يتساوى أو لا يتطابق مع ذلك الذي يحكم الكيانات الغير طبيعية. فاذا سلمنا جدلاً بما يذهب اليه السيد "اسكندر" بأن الخلاف بين مصر والحزب يعود الى الارتباط بين الحزب وايران فهذا يعني أن الحزب ليس كياناً مستقلاً، لذا ما على النظام المصري الا أن يعاقب ايران بما يقترفه "حزب الله" لأنه تابع وليس مستقلاً.
أما أن يفترض "السيد اسكندر" بأن السبب هو الاختلاف في وجهات النظر فنحن نؤيده بهذا الكلام شريطة أن يضيف شيئاً نعتبره على قدر كبير من الأهمية تتخطى امكانية "السيد اسكندر" على التسليم به. هذا الشيء هو أن الموقف من اسرائيل ليس اختلافاً في وجهات النظر انما يدخل في مجالين لا يلتقيان ولا يتقاطعان، اما أن اسرائيل مغتصبة للأرض الفلسطينية ومهمة كل من ينتمي الى الأمة العربية والاسلامية تحرير هذه الأرض، أو أن اسرائيل كيان طبيعي كما الكيان المصري أو السوري.
أما من يتبنى الموقف الأول فيرى أنه مكلف بخلق الظروف التي تتيح له القتال لاسترجاع هذه الأرض. وأما من يتبنى الموقف الأخر فيعتبر موقفه متواطئاً مع العدو ولايلزم أياً كان بهذا الموقف. وبذلك يكون "حزب الله" محقاً بأن يدخل الأرض المصرية حتى يؤمن المساعدة للمقاتلين الفلسطينيين في غزة، وهذا حق من حقوقه أي تأمين الظروف التي تؤمن له امكانية القيام بواجبه بالنضال ضد الاغتصاب الاسرائيلي لفلسطين. والخوف الذي يتلبس السيد اسكندر على الكيان المصري أو غيره من الكيانات تستوجب على السيد اسكندر العودة قليلاً الى الوراء حتى يقول لنا من الذي خلق هذه الكيانات، وهل أنه أوجدها لتأمين مصالح شعوبنا أم لتأمين مصالحه هو. ان اعطاء القدسية لهذه الكيانات انما هو اعطاء القدسية لمن أوجدها. فهل أصبح سايكس وبيكو مقدسين عند السيد اسكندر. ان كان ذلك كذلك فنقول بأن سايكس وبيكو هما الممثلين لدول الاستعمار التي أذاقت شعبنا الذل والمهانة فتباً لهما ولمن يدافع عنهما.
أما اعتراض السيد اسكندر على وضعية المقاومة في لبنان فنقول له أن من يؤمّن للسيد اسكندر وأمثاله الحرية في كتابة ما يريدون هو انتصار لبنان على الكيان الصهيوني. وعليهم أن لا يعجبوا ويقولوا في أنفسهم أنهم انما يخدمون في كتابتهم الخط المعادي للمقاومة والمؤيد للارتباط بالعدو فكيف لا يكونوا أحراراً. نقول لهم أن وضعهم سيصبح كوضع عباس وزبانيته. فهم يمنع عليهم التعبير عن رأيهم اذا لم يكن متماهياً مع رأي العدو. وأضيف أنه من يريد وضعاً كوضع لبنان، عليه أن يكون حراً، وأنتم يا سيد اسكندر وأمثالك لايمكنكم أن تكونوا أحراراً.
النموذج الثاني: داود الشريان الحياة - 12/04/09//
السيد داود الشريان محيط بخفايا الأمور (كذا!) فهو يقول: "هذا العمل الذي قام به شهاب أصبح من الصعب على «حزب الله» تنفيذه عبر الحدود اللبنانية - الفلسطينية، بعد صدور القرار 1701 الذي مكّن الحكومة اللبنانية من بسط سيطرتها على أراضيها من خلال قواتها المسلحة الشرعية، ومراقبة مرور الاسلحة والمعدات، فضلاً عن نشر قوات «يونيفيل». وبموجب هذا القرار منع الحزب من القيام بأدوار عسكرية او لوجستية نيابةً عن الحكومة اللبنانية".
ألم أقل لكم أنه يعلم خفايا الأمور! اليكم مايريده السيد شريان: أن يحمل المقاوم اللبناني السلاح الذي يريد أن يقدمه لزميله الفلسطيني من شمال فلسطين (لبنان يحاذي شمال فلسطين) الى جنوب فلسطين، الى غزة. شيء مؤلم . اذا افترضنا أن حزب الله تمكن من تجنيد نصف الجيش الاسرائيلي يظل من المستحيل الوصول من جنوب لبنان الى جنوب فلسطين. فداود الشريان يمزح في هذه النقطة.
اما النقطة الثانية التي لا يتحملها السيد شريان هو أن يقوم السيد نصر الله بنجدة الشعب الفلسطيني الذي يقتله الاسرائيلي ويجوعه، فيقول:" لكنه بالتأكيد لا يسوغ ما قام به الحزب على الارض المصرية". ويضيف: " لا جدال في ان «حزب الله» أخطأ بحق مصر". الله تبارك وتعالى يقول في عليائه أن "من اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه" ولكن السيد شريان يعتبر "حزب الله" آثماً لأنه أغاث الشعب الفلسطيني. هل أصبح القانون الاسرائيلي والأمريكي أقوى وأمضى من القانون الالهي؟
ولا يكتفي السيد شريان بالنصيحة بل يوجه تهديداً شديد اللهجة للمقاومة (فهو يخوفها): " وربما وجد الحزب نفسه في مواجهة قرارات دولية تجعله يترحم على القرار 1701." وأنا بدوري أنصح السيد حسن نصر الله بأن يتخفى هو وجميع مقاتلي المقاومة ومؤيديها من القرارات الدولية!.
النموذج الثالث: طارق الحميد
في الحقيقة، عندما بدأت بقراءة هذا المسمى طارق الحميد تذكرت عجز أحد الأبيات الشعرية الذي يقول: "فلا كعباً بلغت ولا كلابا".
يقول: " ما الذي يجمع بين حسن نصر الله وأسامة بن لادن؟ كلاهما لا يؤمن بالدول والحدود والقوانين الدولية، ولا يتحرك رجالهما إلا كخلايا نائمة، حيث وصل رجال أسامة إلى أميركا، ووصل رجال بن نصر الله إلى مصر! ".
يضيف هذا المسمى طارق: "فزعيم حزب الله يفخر بجريمته التي انتهك فيها الحدود المصرية بحجة دعم الفلسطينيين ، متجاهلاً السيادة، ومتجاهلاً أن في مصر حكومةً وأجهزة" ونسي أن يضيف: (مهمتها محاصرة غزة وتجويع الشعب المصري واعتقال كل من يتجرأ على انتقاد محرقة غزة).
ثم يشرّح هذا المسمى طارق "السيد حسن نصر الله" فيقول:"أما عن الطائفية والتشيع، بحسب بن نصر الله، فكلنا يعرف أنه طائفي حتى النخاع، ويكفي ما فعله ورجاله بسُنة بيروت في انقلاب السابع من أيار. وفي محاولة للتنصل من الشبهة الطائفية وقع بن نصر الله في فخ أكبر، حين قال إنه لا يشبه «القاعدة» مضيفاً «مع الاعتذار لتنظيم القاعدة»!" نعم السيد حسن يحترم كل من يقاتل الأمريكان. أما عن سنة بيروت فهو لم يقاتل سنة بيروت انما حمل السلاح حتى يمنع من أراد تقديمه قرباناً على مذبح الاسرائيلي. علماً أنه لم يفعل ذلك مختاراً ورغم ذلك فهو لم يعجبه الدخول الى بيروت. وللدلالة على صحة ما ذهبنا اليه أنه ترك بيروت مختاراً ولم يجبره أحد على تركها.
يضيف هذا المسمى طارق: "خطاب نصر الله لا يعني الكثير لمن يعرف خطورة هذا الحزب، لكنه دليل جديد لمن ظل ينكر خطورة هذا الحزب ويدافع عنه سواء في مصر أو في دولنا العربية". نعم انه خطير وأكبر دليل على ذلك أن من يريد رأس حزب الله هم أمريكا واسرائيل وعملائهما.
ثم يستنكر هذا المسمى طارق أن تصبح دولهم كلبنان، فيقول: "لتصبح دولنا على غرار لبنان". يا بني أنت بحاجة الى كل مضادات التبعية لأمريكا واسرائيل حتى تملك الحق بذكر لبنان على لسانك.
صحيح أنه من لا يستحي يقول ما يشاء.
النموج الرابع والأخير: عبد الرحمن الراشد
هذا "العبد" هو زميل "الطارق". فقد نسي الأخير "حماس"، فجاء "العبد" ليذكره أنه كان عليه أن يهاجم "حماس". فحماس تقاتل اسرائيل أيضاً كما يفعل حزب الله فمن الواجب مهاجمتها على سبيل التسوية. فيقول: "أخطأت السهام طريقها بهجومها الإعلامي الكاسح ضد حزب الله بعد أن اعترف زعيمه السيد حسن نصر الله بأن المقبوض عليه، المسؤول عن إدارة الخلية السرية في مصر، هو بالفعل عضو في الحزب. المذنب الذي يستحق اللوم هو تنظيم حماس". نسي "العبد" أن يقول لنا ان كان اعتراف السيد حسن جاء تحت التعذيب كما تفعل أنظمتنا عادة للحصول على الاعترافات، أم أنه اعترف مختاراً.
ثم يضيف: "وبالتالي لا تثريب على حزب الله، لأنك لا تستطيع أن تنكر على خصم أن يتآمر عليك، فما بالك إذا كان الحزب ليس إلا ذراعاً عسكريةً لطهران". "العبد" صنف نفسه مع اسرائيل لذلك اعتبر حزب الله خصماً.
ويصل أخيراً الى طرح السؤال: "ما هو دور حماس التي تتعامل بشكل ساذج أو متواطئ مع المحور الإيراني؟ فإنكار علاقتها بالخلية لا يكفي، فهي بكل أسف تظل متورطةً سياسياً في استهداف مصر. والمعنيون يرون كيف تجاوزت حماس كل الأصول". لا يكفي "العبد" كل العذابات الذي يقدمها النظام الأمني المصري لحماس ورموزها فهو يحرض هذا النظام عليها. فهو يعتقد أن التحريض الاعلامي الذي تتولاه القناة الصهيونية المسماة "العربية" لا يكفي فيستخدم "الشرق الأوسط" كدعم لما يقوم به في "العربية".
هذه بعض النماذج للدور الذي يقوم به أبواق الأنظمة المستسلمة الذين لا يتوانوا عن التحريض على كل مقاومة أواتجاه مقاوم. ومن يستفيد من هذا هي أمريكا والصهيونية. ولا نرى أياً من هؤلاء يعتبر أن الكيان الصهيوني هو كيان مصطنع قام على اغتصاب الأرض التي باركها الله تبارك وتعالى. فهم يتحدثون عن اسرائيل كما يتحدثون عن مصر أو السعودية. فقد طبعت التبعية لأمريكا عقولهم على القبول بوجود هذا الكيان وكأنه كياناً طبيعياً.
نقول ان الموضوع الذي يريد هؤلاء أن يناقشوه نقاشاً موضوعياً، نقول لهم أن الموضوعية التي يريدونها انما هي المعيارية. فلا وجود للموضوعية. أما مصالح الدول والأنظمة، فجميع القوانين والشرائع التي تصدرها الدول القوية انما تخدمهم هم وحدهم وبالتأكيد يضعون هذه القواعد تحت أكذوبة الموضوعية التي يصدقها أمثال كتابنا السذج.
نضيف أن التحدث عن اسرائيل "ككيان موضوعي" فيه الكثير من الجرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، وان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان" أو كما قال.
اذا جبن هؤلاء عن تغيير المنكر بأيديهم فليصمتوا ولا يؤيدوه، حتى لا يأثموا كرمى لعيون اسرائيل، أللهم الا اذا صنفوا أنفسهم كخدم لها.
12 نيسان – ابريل- 2009 حسن ملاط
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)